
تمر سوريا اليوم بأحلك فصولها، حيث يتسيد المشهد قوى “التيرميدور” الظلامي التي تحاول ردم أشلاء الحلم الديمقراطي تحت ركام الهويات القاتلة. وإذ يتوضح تمكن “هيئة تحرير الشام” وسلطة الجولاني من مفاصل السلطة، نرى لزاماً علينا كسر دائرة “الحياد المبتذل” السائدة والاشتباك معرفياً وسياسياً مع طبيعة هذا الخطر الوجودي الذي يهدد ما تبقى من إمكانية للحياة والسياسة والاجتماع في سوريا.
تعيش الساحة السورية اليوم مخاضاً يتجاوز مفاهيم الصراع السياسي والاجتماعي التقليدي حول السلطة أو تقاسم الموارد، ليمتد إلى صعيد ما يمكن أن نطلق عليه “الصراع على الوجود”. في هذا المناخ، لم تعد المواقف الرمادية أو “النأي بالنفس” تعبيراً عن الحياد، بل هي هروب من المسؤولية الثورية والأخلاقية.
إن مواجهة القوى الظلامية التيرميدورية الصاعدة في دمشق، المتمثلة بسلطة الجولاني وهياكلها “الهمجية”، تفرض علينا كيساريين وديمقراطيين جذريين ضرورة التمييز المعرفي والسياسي بين أشكال السلطة القائمة، دون السقوط في فخ التبرير الاعتباطي.
التيرميدور السوري: الوجود كجريمة بيولوجية
لم يكن المشروع “الجولاني” مجرد انزياح راديكالي عن مسار الثورة السورية، بل أحد أطراف الثورة المضادة المنتصرة، فهو تجسيد لـ “تيرميدور” طائفي وظلامي، واجتماعي وسياسي، يسعى لترسيخ سلطة بيروقراطية فصائلية عسكرية تحاكي في جوهرها استبداد النظام الأسدي، لكن بمرجعية “هوياتية” إقصائية وعدوانية.
ينطلق المشروع “الجولاني” (وريث داعش والقاعدة) من قطيعة كاملة مع قيم التنوير ومبادئ المساواة البشرية التي نادت بها جماهير السوريين/ات في آذار 2011.
إن الفارق بينه وبين خصومه ليس في “درجة القمع” فحسب، بل في الجذر المعرفي لهذا القمع. اذ تفترض التيرميدورية الجولانية “ذنباً بيولوجياً” أو هوياتياً ثابتاً لضحاياها (علويين، دروز، إيزيديين، وغيرهم من “الأغيار”).
يكون في هذا المنطق، الوجود بحد ذاته جريمة لا تُمحى بالتوبة أو المراجعة، مما يقود حتماً إلى الإبادة الجماعية كخيار وحيد تمارسه هذه السلطة الترميدورية. إن أخطر ما أنتجته هذه السلطة ليس “الأسلمة” الفوقية فقط، بل شرعنة “الهمجية التامة” عبر تحريك كتل غبار بشري من الرعاع والغوغاء والميليشيات والعشائر تحت مسمى “الفزعة”، مما يخلق تهديداً بنيوياً لكل من لا ينضوي تحت عباءة الهوية الضيقة التي ترفعها السلطة، بما في ذلك “السنة” أنفسهم الذين سيواجهون هذه الهمجية في وقت لاحق.
حيث أن الهمجية حين تفقد “عدوها الخارجي” تنكفئ على ذاتها؛ فحين تضيق دوائر الولاء وتتصادم المصالح الطبقية داخل بنية السلطة الجولانية وقاعدتها الاجتماعية، سيجد الفقراء والمهمشون من “السنة” أنفسهم في مواجهة ذات الآلة القمعية التي سحقت غيرهم، تحت ذريعة “الردة” أو “الخروج عن الجماعة”، أو غير ذلك من الفتاوى القاتلة.
التمييز الجوهري: لماذا الاختيار ضرورة؟
عندما نضع “قسد” والإدارة الذاتية في ميزان المقارنة مع سلطة الهمج التيرميدورية، فإننا لا نفعل ذلك لتبرئة “قسد” من انتهاكاتها، بل لإدراك الفارق النوعي والمتمايز بينهما على الصعيدين الأيديولوجي و العملي الواقعي.
إن وضع “قسد” وتجربة الإدارة الذاتية في كفة، وسلطة الهمجية “التيرميدورية” في كفة أخرى، ليس محاولة لتبييض صفحة طرف على حساب آخر، بل هو ممارسة لـ الفرز الطبقي والسياسي الضروري لفهم شروط الصراع الراهن. إن رفض “المساواة العدمية” بين المشاريع هو موقف عقلاني ثوري ينطلق من تحليل طبيعة التناقضات الجارية.
تتحرك “قسد”، عموماً ضمن أفق التنوير والمساواة، وهو إطار يسمح –رغم التناقضات والممارسات السلطوية– بوجود مساحة للمقاومة والجدل داخل المنظومة. أما لدى التيرميدورية الإقصائية، في المقابل، فلا توجد سياسة ولا تنوير ولا مساواة، بل يوجد محو لهويات واستعادة لتراث مظلم وقاتل. إن مساواة الضحية بجلادها، أو مساواة مشروع “الإبادة الهوياتية” بمشروع “ديمقراطي” في ظرف مواجهة وحرب، هو عجز عقلاني، او استسلام سياسي، يصب في طاحونة خدمة سلطة التيرميدوريين.
إذ تنطلق “المساواة العدمية” من منطق صوري شكلاني (Formal Logic) يساوي بين قمعين دون النظر إلى المحتوى الاجتماعي والأفق التاريخي لكل منهما، ومتطلبات الصراع الطبقي.
المساواة كأداة للثورة المضادة: عندما نساوي بين “سلطة الهمج التيرميدورية” (التي تهدف إلى سحق المجتمع وإعادته إلى ما قبل التاريخ) وبين “قسد” (التي تمثل سلطة أمر واقع ناتجة عن صراع مركب وطويل وتطرح برامج علمانية وديمقراطية)، فإننا عملياً نشلّ قدرة الجماهير على الفعل وعلى المقاومة. فالمساواة هنا تعني أن “لا جدوى من النضال”، مما يفسح المجال للطرف الأكثر وحشية وتنظيماً للسيطرة والإمعان بالسيطرة , وهي في هذه الحالة السلطة التيرميدورية.
التناقض الرئيسي والصراع الطبقي: في كل مرحلة تاريخية، هناك “تناقض رئيسي” يفرض نفسه. اليوم، تمثل (التيرميدورية) التهديد الوجودي المباشر الذي يسعى لمحو “الإنسان” السوري. أما التناقض مع “قسد” وسلطتها، فهو تناقض داخل “معسكر المقاومة” أو ضمن القوى التي يمكن النضال ضد انحرافاتها ديمقراطياً وطبقياً. المساواة بينهما هي خيانة للديالكتيك، الذي يوجب ترتيب التناقضات لتوجيه الضربة للعدو الأكثر خطورة، وتحسين موازين القوى لصالح الطبقات الكادحة وشروط نضالها.
“المكان العام” مقابل “العدم”: في مناطق الإدارة الذاتية، يوجد “مكان عام” سياسي (نقابات، منظمات نسوية، أحزاب، تظاهرات) يمكن لليسار أن يعمل داخله أو يصارع داخله. أما في “التيرميدورية”، فلا يوجد سوى “العدم”؛ أي الغياب التام لأي حيز عام، والى حد ما تقليص الحيز الخاص، خارج إرادة المستبد الديني. المساواة بين “المكان العام” رغم علاته وبين “العدم المطلق” تعبر عن إفلاس سياسي وفكري.
الإنحياز وتسييس الهوية
يتهم البعض اليسار الثوري بأنه بوقوفه في خندق واحد مع “قسد” ضد التيرميدورية السورية، يقع في فخ “سياسة الهويات” (Identity Politics). هذا النقد يفتقر للدقة السياسية للأسباب التالية:
1. الهوية كـ “شكل للمقاومة” مقابل الهوية ك”ذريعة لإبادة الآخر”
هناك فرق جوهري بين “تسييس الهوية” الذي يمارسه التيرميدور السوري (تصنيف مجموعات سكانية دينية وعرقية كمجموعات مارقة تستحق الإذلال ومادة للإبادة والإقصاء والفرز البيولوجي) وبين “تسييس الهوية” كرد فعل على جرائم الابادة التي تمارسها السلطة ونمو وعي تحرري للمجموعات المضطهدة و ضحية القمع والقتل (الهوية كدرع للحماية الوجودية). الوقوف مع حقوق الكرد أو السريان أو الإيزيديين ليس تماهياً مع “شوفينية عرقية”، بل هو تطبيق للمبدأ اللينيني في “حق تقرير المصير” ومواجهة الشوفينية المركزية.
2. الادارة الذاتية كـ “جبهة” لا كـ “هوية صلبة”
يرى حزب اليسار الثوري في “قسد” والإدارة الذاتية بنية مركبة؛ فهي ليست مجرد تعبير عن “هوية كردية”، بل هي تحالف يضم قوى عربية وسريانية وعلمانية. التماهي المرفوض هو التبني الأعمى لأيديولوجيا ليبرالية دولاتية، أما “الانحياز السياسي” فهو انحياز للنموذج الذي يوفر أدنى مقومات المواطنة والمساواة الجندرية في وجه “التيرميدور السوري، ويسمح بالنضال المشترك. لكل الشرائح الاجتماعية المضطهدة لمواجهة وحشية السلطة، ورسم أفق مستقبل ديمقراطي لعموم السوريين تسوده الحرية والمساواة والعدل الاجتماعي.
3. الصراع الطبقي يخترق الهويات
إننا في “اليسار الثوري” لا نرى في قسد، والادارة الذاتية، كياناً ملائكياً؛ لم ولن يوجد ذلك في اي مكان ، فنحن ننقد الفئات البيروقراطية داخلها التي تراكم الامتيازات وندين عدد من الأخطاء والتشوهات. ولكننا، في الوقت عينه نرفض وندين أن يُستخدم حشو “النقد الطبقي”، أو التلطي خلفه، كذريعة لترك المكونات السورية لقمة سائغة لسكاكين الجولاني، وحجة لعدم خوض الصراع الاجتماعي الواقعي لصالح المضطهدين بالظروف الراهنة رغم قسوتها.
دفاعنا عن تجربة الإدارة الذاتية في وجه الهمجية هو دفاع عن تحسين “شروط الصراع الطبقي” للطبقة العاملة والكادحة مستقبلاً؛ ففي ظل التيرميدور، لا وجود لطبقة عاملة منظمة ولا لاحزاب او نقابات عمالية، بل فقط لـ “رعايا” مرعوبين ومقموعين، مصنفين بهويات طائفية أو عرقية.
إن الاختيار الضروري ليس اختياراً بين “سيد وسيد”، بل هو اختيار لـ “خندق المواجهة”.
الوقوف ضد التيرميدور السوري هو “واجب وجودي” لحماية ما تبقى من نسيج المجتمع السوري.
والعمل مع/أو ضمن مناطق الإدارة الذاتية هو “واجب سياسي” يهدف إلى دفع هذه التجربة نحو آفاق أكثر ديمقراطية وجذرية، ومواجهة أي انحرافات سلطوية أو ارتهانات خارجية بداخلها.
إن تسييس الهوية الحقيقي هو الذي يمارسه من يسكت عن إبادة المكونات الدينية والعرقية بحجة “الحياد” أو بحجة انتظار المشروع الديمقراطي المتكامل وتحقق شروطه، أما نحن فنمارس “سياسة التحرر” التي ترى في حرية أي مكون شرطاً لحرية الجميع، ما يعني خوض الصراع مع الكادحين والمضطهدين الآن وهنا، وفي كل موقع وساحة.
السياسة كـ ” مقاومة الابادة”
في غياب المؤسسات الوسيطة، كالاحزاب السياسية الكبيرة والنقابات، تُمارس الجماهير المقموعة والمضطهدة السياسة في سوريا على مستوى احتجاجات مطلبية ما تزال محدودة، وبالاخص الدفاع عن الحق بالحياة وعن الوجود: “أنا أقاوم لأن وجودي مهدد”. هنا يبرز مفهوم “الامتياز” بشكل مقلوب؛ فالإمتياز في سوريا اليوم ليس الحصول على الثروة، بل هو “الأمان من القتل على الهوية”.
إن الكتل السكانية التي تملك ترف “النجاة” (مثل أغلب العرب السنة الذين لا يهددهم الجولاني بالإبادة المباشرة) قد تبقى خاملة سياسياً، رغم تململ اجتماعي داخلها. لذا، فإن الفعل السياسي الحقيقي والأكثر بروزا هو نمو وعي هوياتي لدى المجموعات الدينية والعرقية يستدعي رفع سوية مقاومتها في وجه ما تتعرض له من ابادة من السلطة الترميدورية وغبارها البشري.
هذا الوعي المقاوم لمجموعة سكانية تتعرض للإبادة على أساس هوياتي لا يعني الانحباس في الهوية الطائفية أو الإثنية، بل تعني تبني حركة المقاومة والابتكار التي تفرضها ضرورة البقاء. إنها الانتماء للفعل الإنساني الغريزي الذي يرفض الفناء. في هكذا شروط، تكون السياسة الحقة هي أن “تصير” كردياً أو علوياً أو درزياً في استشعارك للخطر الوجودي والوقوف في وجه آلات الإبادة، وهي الحركة البارزة المنتجة للتغيير في سوريا اليوم.
نقد “الناشطية” والتعاويذ اللغوية
لقد ساهمت “الناشطية” الليبرالية الهشة في تجهيل المجتمع السوري عبر تعاويذ لغوية مثل “لا للتعميم” و”خطاب الكراهية”، متجاهلةً البنى العميقة التي تنتج المجازر. إن الحديث عن “غبار بشري” أو “تيرميدورية” تتلحف بالدين ليس تحريضاً، بل هو توصيف بنيوي لواقع أنتج إبادة الإيزيديين والعلويين وغزوة السويداء.
إن “الأمة” التي لا تصدمها أفعالها، والتي تكتفي بالتباكي “الناشطي” دون مراجعة جذرية لبناها المولدة للعنف، هي أمة محكومة بالتكرار المأساوي.
نحو موقف يساري شجاع
إننا في حزب اليسار الثوري، وبانطلاقنا من واقع انتصار الثورة المضادة، نؤكد أن الانحياز للفئات المضطهدة والمستغلة وللقوى التي تترك مساحة للحياة وللمساواة –مهما كانت منقوصة– هو الخيار الثوري الوحيد أمام زحف التيرميدورية الملتحية. إن شجاعة اتخاذ الموقف هي ما يميز المناضل عن المتفرج الانتظاري، وفهمنا لطبيعة الصراع الوجودي هو سلاحنا لمقاومة ومنع المجازر القادمة.
الهوامش والإحالات المرجعية
أولاً: المراجع النظرية والفلسفية
- برينتون، كرين. تشريح الثورة. ترجمة: سمير عبد ربه، دار الكاتب العربي.
- معلوف، أمين. الهويات القاتلة. دار الفارابي، بيروت.
- أرندت، حنة. أسس التوتاليرية. ترجمة: أنطوان أبو زيد، دار الساقي.
- فانون، فرانتز. معذبو الأرض. ترجمة: سامي الدروبي.
- لوكاش، جورج. التاريخ والوعي الطبقي.
ثانياً: المراجع السياسية المتعلقة بالواقع السوري والقوى الفاعلة
- عزم، صادق جلال. نقد الفكر الديني. دار الطليعة، بيروت.
- أحمد أبازيد. إدارة التوحش: من القاعدة إلى هيئة تحرير الشام.
- مجموعة باحثين. شمال شرق سوريا: صراعات القوة وبناء الإدارة الذاتية. مركز جسور للدراسات / أو تقارير تشاتام هاوس (Chatham House).
- تقارير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” و “مركز كارنيغي للشرق الأوسط”.
ثالثاً: مراجع اليسار والماركسية النقدية
- تقارير “لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية” (UN).
- لينين، فلاديمير. حق الأمم في تقرير مصيرها.
- غرامشي، أنطونيو. كراسات السجن.
- هارفي، ديفيد. نيوليبرالية الموت و”تراكم المال بالاستيلاء”.
- ;كريس هارمان، تاريخ شعبي للعالم
- كريس هارمان، النظام في أزمة
- كريس هارمان، النبي والبروليتاريا
- توني كليف، الثورة الدائمة المنحرفة
- توني كليف، التروتسكية بعد تروتسكي
رابعاً: مصادر التوثيق الميداني والواقع المعاصر - أرشيف “حزب اليسار الثوري في سوريا”
- مجلة “أوراق” أو دوريات “مركز حرمون للدراسات المعاصرة”.






