قراءة في التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد انتقال السلطة في سوريا

بعد عام وسبعة أشهر على استلام سلطة الترميدور (الثورة المضادة) الدموي للحكم في
سوريا، نود أن نذكر الرفاق/ات والقراء بطبيعة هذه السلطة ونوضح خطرها وأثرها الجسيم على جميع الحريات في سوريا، وعلى مستقبل البلاد والمنطقة.
خلال فترة حكمها في إدلب اعتمدت هذه السلطة على أساليب ضبط السلوك الاجتماعي والسيطرة على الثروات.
من الناحية الاقتصادية، قامت ببناء اقتصاد مرتبط عضوياً بالاقتصاد التركي بل كان امتداداً لذلك السوق، وتم اعتماد سياسات السوق الحر حيث لا سقف للأسعار والحدود المفتوحة لجميع أنواع البضائع القادمة من الخارج.
وفي الوقت ذاته وضعت القيادات في هيئة تحرير الشام يدها على قطاعات الإنتاج الأساسية كالمعابر، وشبكات الاتصالات وعلى قطاع الاستيراد والتصدير.
أما اجتماعياً، فقد استخدمت إيديولوجيتها الدينية المحافظة كأداة لضبط السلوك الاجتماعي للناس وفرض القيم الإسلامية الشديدة المحافظة (شكلياً على الأقل) مما ترك للناس سبلاً محدودة لممارسة التقية الاجتماعية والمواربة للإفلات من هذه الرقابة الاجتماعية، خصوصاً المرأة التي كانت هدفاً مباشراً وسهلاً لتطبيق جميع أنواع الضوابط والخضوع الاجتماعية.
كما لم يخلو تاريخ هذه السلطة من المجازر بحق المجموعات الدينية والقومية والجنسية، خلال سنوات حكمها في إدلب حيث تم ارتكاب العديد من المجازر في ريف إدلب وتهجير ما يقارب (20) قرية كان يسكنها سوريون من أديان وأعراق مختلفة. كما أنها شاركت بمخطط التغيير الديموغرافي أو ما يعرف باتفاقية المدن الأربعة عن طريق عمليات القتل والتهجير واستبدال السكان الاصليين بمقاتلين عرب وأجانب من الجهاديين.
واتبعت مع من ما تبقى من السكان ما يعرف بنظام الاستتابة كأداة قهر وإخضاع. من جهة أخرى رسخت هتش نفوذها وسلطتها من خلال ابتلاعها أو سحقها لجميع الفصائل الأخرى عن طريق إغراءهم بالغنائم أو تنفيذ عمليات لضربهم وهزيمتهم ثم ضمان استسلامهم أو عن طريق مسح وجودهم تماماً.
اعتمدت سلطة هتش في أسلوب الحكم على قوات مقاتلة منظمة ومنضبطة عسكرياً، و براغماتية قصوى مستعدة لكل التنازلات أمام الدول الإقليمية والدولية سياسياً.
ثم لاحقاً وصلت هيئة تحرير الشام إلى دمشق واستلمت حكم البلاد.
في جو من البهجة ونشوة السوريين والسوريات برحيل المستبد، سرعان ما انقضت حكومة القاعدة وفرضت نفسها باستثمار فج لآلام الناس ودغدغة مشاعر السنة السوريين، ولكن سرعان مع تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ما بدأت الأقنعة بالسقوط تدريجياً، و تعرض المذاهب السنية المختلفة جذرياً عن هذه السلطة لاعتداءات مستمرة فحصلت “الصحوة”.
في محاولة من سلطة الترميدور لضبط أي حراك ديمقراطي في المجتمعات السورية المتنوعة، لجأت إلى المجازر لضبط هذه المجتمعات وقمعها، واستخدمت لضمان استمرار القمع جمهوراً حاملاً لتراثها الرجعي الذي اضطرت تحت ضغط حلفائها الإقليميين للتخلي عن بعض مظاهره، لكنها حافظت على جمهور وأطراف مرتبطين بها ومدعومين منها فاشيو الطابع ومنفلتون، على عكس قواتها المنظمة التي لا توفر قمعاً وعنفاً حينما تستدعيها السلطة.
وبالرغم من الخطاب المشذب الذي تعتمده سلطة فلول داعش والنصرة، فإنها لا زالت تفرض نمطاً اجتماعياً محافظاً عن طريق أنشطة مختلفة ومن جهات متنوعة كتوزيع الحجاب المجاني وإقامة الصلوات في الشوارع وتوزيع الكتب ذات الطابع المتطرف كابن تيمية وغيره، وتسعى أيضاً لضبط المجتمع عن طريق التعميمات التي تصدرها فيما يتعلق بلباس النساء ومظهرهن.
كما أنها تستخدم أيضاً جمهورها المنفلت وبيوت الأخوات ومراكز تعليم الدين في الجامعات ومساكن الطالبات لفرض هيمنتها الإيديولوجية والاجتماعية.
كما تطلق هذه السلطة إعلامها النشط بدعايته وأنشطته لأدلجة المجتمع حيث تعمل على تقديم صورة “مثالية” لمجتمع سوري رجعي، فاشي، معادي للمرأة، متعصب.
لقد قامت هذه السلطة بتفجير المجتمع السوري وتفتيته إلى مجموعات عرقية وطائفية تخشى على وجودها ، واستثمرت هذا الخوف لضبط الناس عن طريق أسلوب الترغيب مرة والترهيب مرات.
من الملفت للانتباه أن النظام السابق كان يتلاعب بهذا التنوع السوري، في حين تمكنت هذه السلطة من تقسيمه بشكل قد يبدو نهائياً.
على الصعيد الاقتصادي، استمرت سلطة الترميدور (الثورة المضادة) بنهجها الاحتكاري لمفاصل الاقتصاد الأساسية من قبل النخب الحاكمة وفي نفس الوقت اعتماد سياسات الاقتصاد الحر المنفلت، النيوليبرالية.
وتمكنت هذه السلطة ذات الأصول البرجوازية الصغيرة من عقد صفقات مع أمراء الحرب السابقين بشرط تنازل من يقبل منهم عن كتلة كبيرة من الأموال لصالحها، للاستمرار في العمل، وفي حالات أخرى تمكنت من الاستيلاء الكامل على أملاك رجال النظام السابقين مقابل حياتهم، أي قبض فدية.
ولأن هدف هؤلاء الحكام هو الربح فقط ولا شيء سوى الربح والاستئثار بالسلطة والثروة، تُرك السوق بلا أي ضوابط، مع تحكم من في السلطة بالكتلة الأساسية من الاقتصاد، مما ينهي أي محاولة لبناء أسس بنى تحتية لاقتصاد محلي وليس مجرد سوق للبضائع الأجنبية.
في حين اعتمد النظام السابق على البيروقراطية وقطاع الدولة، لا تحتاج هذه السلطة لكل ذلك فهي تمسك المجتمع عن طريق التمزيق الطائفي والقومي والترهيب، وبسبب تبعيتها الفجّة للخارج تستهتر بالثروات الأساسية وتفتح الاقتصاد على البضائع التركية وبضائع الشركات الاحتكارية الكبرى المرتبطة مع الكيان الصهيوني.
وفي الوقت الذي تتباهى فيه هذه السلطة بـ “انفتاحها” الاقتصادي، فإنها لا تُحيل السوق السوري إلا إلى مكبٍّ لمنتجات الشركات الرأسمالية العالمية المأزومة، حيث تتدفق البضائع التركية والبضائع الاحتكارية الكبرى عبر وسطاء دوليين، مُغرقين السوق ببضائع منخفضة الجودة ومنافسة للصناعات المحلية المتهالكة، مما أدى إلى تصاعد الغضب العارم في صفوف صغار التجار والصناعيين الذين وجدوا في هذا المسار النيوليبرالي إعلاناً رسمياً بانتهاء وجودهم، وتكريساً لدور سوريا كساحة استباحة لشركات دول الاحتلال والداعمين للرأسمالية العالمية.
كما تختلف هذه السلطة عن سلطات الستينات التي يتوق البعض لاستعادة أيامها فهي طبقة برجوازية صغيرة جمعت ثروتها عن طريق استغلال المعابر والتهريب والأتاوات، تتحول من خلال التسويات والصفقات إلى طبقة برجوازية قديمة جديدة عفنة، نيوليبرالية بلا ضوابط، منبطحة للنظام الرأسمالي العالمي وتتعامل مع المجتمعات السورية كرهينة كما نطق وزير خارجيتها الشيباني حال وصولهم للحكم.
تجد هذه السلطة بيئة مناسبة في ظل امتداد وتوسع الحركات الفاشية والأنظمة اليمينية التي وصلت للحكم في مراكز العالم في أوروبا وغيرها.
وهذا بالتأكيد ينعكس على بلادنا بشكل سيء، فهم يفضلون التعامل مع سلطة عميلة كهذه، حيث لا ندية في العلاقة مع هذه الأنظمة الخاضعة.
إن النداء للتوحد الذي نطلقه بشكل مستمر ليس شعاراً نظرياً، بل هو ضرورة تمليها شوارعنا اليوم؛ فكما نرى طالبات جامعة اللاذقية يكسرن حاجز الخوف ويتظاهرن اليوم ضد ممارسات “مكاتب الطالبات” وفرض الوصاية الاجتماعية في سكنهن، وكما يقاوم أصحاب المحلات في أسواق حلب القديمة ودمشق محاولات فرض الأتاوات من قبل “أمراء الحرب” الجدد، وكما يتظاهر العاملات والعمال المفصولين تعسفيا من أجل حقوقهم وآخرين من أجل رفع رواتبهم، يبرز لنا أن الجسد الاجتماعي يرفض القبول بهذا الواقع. إن مقاومتهم هي بذرة التنظيم القادم.
لذا، ندعو جميع الناس المتضررين من سياسات سلطة الثورة المضادة لمقاومة هذا الجنوح الاستبدادي، واليميني الفاشي النزعة لهذه السلطة وجمهورها الذين ينهبون البلاد ويفرطون بسيادة الشعب. ندعو المضطهدين والمقهورين لأن يتوحدوا في وجه سلطة العنف الممنهج. كما ندعو القوى الديمقراطية واليسارية إلى الانحياز الفعلي لمطالب هؤلاء المضطهدين، مهما كانت تعبيراتهم الراهنة، والارتباط العضوي بنضالاتهم، ورفع سوية وعيهم وتنظيمهم، وتبني قضاياهم في معركة التحرر الجذري.”






