افتتاحية العدد 90 من جريدة الخط الأمامي حزيران/ يونيو 2026

مع انهيار الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، اختل توازن النظام العالمي كما كان معروفًا. عملت الولايات المتحدة ودول الغرب الرأسمالية على الاستفادة من هذا الخلل لفرض هيمنتها عسكريًا وسياسيًا وأيديولوجيًا لا منافس لها.
الواقع كان أكثر تعقيدًا مما يبدو على السطح. لم يكن نموذج الدول المسماة حينذاك “اشتراكية” وهي في الحقيقة لا علاقة لها بالاشتراكية سوى بالاسم، هو وحده الذي انهار، بل إن النظام الرأسمالي برمته هو المأزوم، ولا مخرج له من أزمته المزمنة سوى بمزيد من الحروب والإفقار.
اعتقدت الإمبريالية الأمريكية أنها بالحروب ستفرض سطوتها الاقتصادية والجيوسياسية على العالم، وترسم بذلك نظامًا عالميًا جديدًا تتفرد فيه كقوة لا منافس لها، أو ما اسمته استراتيجيتها “القرن الأمريكي الجديد”.
واقع الحال يشير إلى خلاف ذلك، إذ إنّه في عقود من الحروب الإمبريالية العسكرية والاقتصادية، أدت إلى نشوء قوى إقليمية قوية اقتصاديًا وعسكريًا مثل الصين والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل، وفي منطقتنا نجد إسرائيل وتركيا وإيران.
شكل الغزو الأمريكي-الإنجليزي للعراق عام 2003 علامة فارقة في هذا المشهد المضطرب، حيث إن هزيمة الولايات المتحدة في العراق التي تُوِّجت عام 2011 وما تلاها كانت مؤشرًا واضحًا على تدهور هيمنة الإمبريالية الأمريكية بخلاف ادعائها العكس. اقتصاديًا، أصبحت الصين المنافس العسكري والاقتصادي الأكبر لها، وانفلتت القوى الإقليمية لتلعب دورًا أكبر وأكثر استقلالية. على الصعيد العالمي جاءت الحرب في أوكرانيا منذ عام 2022 شاهدًا على نظام عالمي جديد لم يتبلور بعد، ويعيش تناقضات عميقة. أما على الصعيد الإقليمي فإن الحروب الدائرة، وبالأخص، منذ عام 2023 فقد وصلت إلى ذروتها في الحرب الإمبريالية المستمرة اليوم على إيران.
لا يوجد نظام عالمي أو إقليمي مستقر، بل ثمة اضطراب دامي عالمي وإقليمي للنظام الرأسمالي، إنه مخاض دموي داخل نظام رأسمالي يقوم على المنافسة والربح مأزوم ومرشح لأن يستمر طويلًا، على حساب حياة الشعوب والطبقات الشعبية وحقها في الحياة الحرة والكريمة والمستقلة. لذلك كان دومًا الموقف الاشتراكي الثوري هو ضد الحروب الإمبريالية فيما بينها ومع التضامن الأممي للعمال والكادحين والتأكيد على أن عدوها الأساسي في كل بلد هو حكوماتها، وضد الحروب الإمبريالية على بلدان وشعوب العالم المستعمرة والمضطهدة.
تأتي الحرب الأمريكية-الصهيونية الجارية على إيران لتطرح بقوة قضية تحديد الموقف منها.
على النقيض مما يطرحه البعض في اليسار الإصلاحي السوري، لا يمكن وضع الإمبريالية الأمريكية وإيران على قدم المساواة، تشن أمريكا، القوة الإمبريالية الأعظم، حربها محاولة تركيع إيران كنظام وشعب لمصالحها. لا يمكن الوقوف مع قوة إمبريالية غاشمة تعتدي على دولة وشعب أضعف. فإن كنا، وما زلنا، نقف مع نضالات الشعب الإيراني ضد نظامه من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتغيير الجذري، فإن الحرب الإمبريالية الجارية على إيران أدت إلى وقف هذه النضالات ورص الصفوف حول النظام القائم. كما أن هزيمة إيران تعني أن المنطقة برمتها ستقع تحت هيمنة إسرائيل برعاية أمريكية وتحولها إلى أكبر قوة إقليمية تسيطر على شعوب وبلدان المنطقة للتنافس مع تركيا الأردوغانية من موقع المهيمن، على حساب بحر من دماء شعوبنا ومصالحها.
هذه الحرب الإمبريالية، إذًا، تتطلب منا أن نقف ضدها وضد الأنظمة العميلة التي تنخرط فيها. كون هزيمة إيران تعني سطوة إمبريالية أمريكية-صهيونية على المنطقة بأكملها، وهزيمة روح المقاومة مع تراجع أوسع لقدرات شعوبها على النضال التحرري.
يقع الوضع السوري في قلب هذا الاضطراب الإقليمي والعالمي. فكما أصبح معروفًا فإن السلطة الجديدة، وهي أحد أطراف الثورة المضادة، تم تسليمها السلطة بتوافق دول إقليمية وعالمية، ولا يفوت الرئيس الأمريكي فرصة للتصريح أمام رأس السلطة الجديدة الترميدورية أنه هو من أعطاه الحكم في سوريا بموافقة تركية وإسرائيلية.
رغم ضعف السلطة الترميدورية الحالي التي تستند على ميليشيات جهادية وطائفية وعلى تحشيد جمهور فاشي لعمليات القتل والترهيب والمجازر وفرض سلطتها، فإنها تبقى دومًا جاهزة لتلبية طلبات أسيادها، إن كان من الدور المحتمل لها ضد حزب الله في لبنان، مرورًا بحربها بداية العام الجاري لتفكيك الإدارة الذاتية ومحاولة إجهاض الحركة الكردية، وصولًا إلى إحكام الحدود الشرقية لمنع التواصل بين العراق وحركة المقاومة في لبنان، وأخيرًا إرسالها، كما تشير الأنباء، لمقاتلين لها في السعودية ودول الخليج كما سبق أن أرسلت إلى بلدان أخرى بطلب تركي.
هي سلطة عميلة، متعددة الأسياد: الولايات المتحدة والغرب، تركيا ودول الخليج وإسرائيل. إنها أقرب إلى شركة مرتزقة في خدمة أسيادها منها لدولة.
في هذا الصدد يتنطح بعض اليسار السوري الإصلاحي والستاليني المنبت، لتبرير ذلك بالقول إن تحولات الأنظمة في سوريا كانت دومًا بتدخلات إمبريالية، وبالتالي السلطة الجديدة ليست استثناء، ويضيف على الهراء الانتهازي الذي يميزه، بأن الدول الإقليمية والدولية التي أتت بهذه السلطة الجديدة للحكم تفرض على هذه السلطة أن لا تكون مستبدة وأن تكون ديمقراطية! أيُّ هراءٍ وزيفٍ هذا النوعُ البائس من القوى السياسية “اليسارية”. وخاصة أنها كانت من بين القوى الإصلاحية والليبرالية التي راهنت سابقًا، في ظل سلطة الطغمة لآل الأسد، على تدخل إيران وروسيا والصين لإصلاح النظام الأسدي بالتفاوض معها.
إنها أحزاب “يسارية” و”ديمقراطية” تقوم سياساتها وحصرًا على الرهان، أو بالأحرى الارتهان، على ما تفترضه من نوايا حسنة لهذه الدولة الإقليمية والإمبريالية أو تلك، إذ ترى أن أداة التغيير في بلادنا ليست شعوبها بل “اليد الخفية” للدول الكبرى والإقليمية.
هكذا رهان خائب نرى نتائجه في بلدنا والمنطقة، كارثة لا قاع لها.
على خلاف ذلك، فإننا ندعو للاعتماد على شعوبنا وكادحيها كونها هي قوى التغيير الحقيقية، وعلى التضامن الأممي فيما بينها، وبين قواها التحررية واليسارية.
فإسقاط هذه الأنظمة العميلة والقيام بتغيير اجتماعي وسياسي جذري، يقوم على مصالح الشعب والكادحين وبناء هيئات حكمها الديمقراطي من الأسفل، هو الطريق لوقف الحروب الإمبريالية وحمام الدم والخراب المستدام واستعادة الشعوب لسيادتها وحريتها وكرامتها.
كل السلطة والثروة للشعب
حزب اليسار الثوري
تموز/ يوليو 2026






