
هيئة التحرير
_ بينما تنشغل أبواق “الترميدور السوري” وناشطيه في الداخل السوري بتسويق أوهام “الاستثمار النيوليبرالي” وبيع القطاع العام لمستثمري الحروب وأمرائها، يواجه أهلنا في الجولان السوري المحتل أداة امبريالية استعمارية يستعملها العدو الصهيوني لتوسيع الاستيطان والتهجير الديمغرافي والذي بات يعرف بـ “الاستعمار الأخضر”.
إن مشروع “التوربينات” الذي تفرضه شركة Enerjix الإسرائيلية ليس مشروعاً للطاقة البديلة، بل هو سلاح دمار شامل يستهدف تصفية الوجود السوري المادي والاقتصادي. إننا نرى في معركة “مقام اليعفوري” واحتجاجات مسعدة وبقعاثا وعين قنية، جوهر نضالنا الطبقي والتحرري.
ماذا حصل في الجولان؟
أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي اليوم الأحد عن ثلاثة ناشطين من قرية مسعدة في الجولان بعد اعتقالهم يوم الخميس الفائت بسبب مشاركتهم في احتجاجات على مشروع “المراوح” أو ما يسمى محلياً بـ “توربينات الرياح التهجيري”.
المفرج عنهم هم، إميل حسين مسعود ومياد البطحيش وفهد الولي، وقد تم اعتقالهم نتيجة “تهديدهم لأشخاص مرتبطين بالمشروع والإضرار بالممتلكات خلال الاحتجاجات في شهر نيسان الماضي”. بحسب السلطات الإسرائيلية، وقد عقدت المحكمة جلسة في طبريا للنظر في طلب الشرطة تمديد الاعتقال لخمسة أيام، إلا أن القاضي قرر اعتقالهم ليومين فقط حتى اليوم الأحد.
يأتي ذلك في وقت تستمر فيه المواجهات بسبب المشروع الذي يهدد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية لمحاصيل التفاح والكرز في ثلاثة قرى من الجولان، ومنذ الإعلان عن المشروع قبل سنوات يعيش الأهالي حالة من التوتر والخوف لما يشكله المشروع من خطر اقتصادي وسياسي وبيئي على المنطقة.
ما هو مشروع توربينات الرياح
يهدف المشروع إلى بناء توربينات بارتفاع 220 متراً على مساحة 3800 دونم من الأراضي الزراعية في قرى مسعدة ومجدل شمس وبقعاثا، حيث سيتم بناء من 21 إلى 32 توربينة في المرحلة الأولى لتوليد الكهرباء من طاقة الرياح، وتتولى تنفيذ المشروع شركة Enerjix الإسرائيلية للطاقة البديلة التي تعمل في الولايات المتحدة الأمريكية وبولندا وليتوانيا وإسرائيل.
بدأ التخطيط للمشروع عام 2008، وبعد اعتراضات قانونية ونقاشات امتدت لسنوات، صادقت عليه اللجنة الإسرائيلية الوطنية للتخطيط والبنى التحتية عام 2019، وفي كانون الثاني عام 2020 أقرت اللجنة الوزارية لقضايا التخطيط المشروع وأصبح القرار حكومياً في نفس الشهر. في العام 2023 بدأت الشركة بوضع الأساسات لتنفيذ المشروع ما تسبب بموجة احتجاجات واسعة في القرى الدرزية، حيث شهد شهر حزيران مقاومة من قبل الأهالي لمحاولات تنفيذ المشروع تطورت إلى مواجهات عنيفة بين الأهالي والشرطة، وامتدت إلى مناطق أخرى في الجليل، ما دفع الشركة إلى الإعلان عن تجميد المشروع.
في شهر تشرين الثاني من العام الفائت تجددت الاحتجاجات بعد إعلان الشركة عن استئناف العمل في بعض المواقع التي يستهدفها المشروع شرق “بركة رام”، وأدى ذلك إلى خروج الأهالي من مقام (أبي ذر الغفاري) في مظاهرات على الخيول وبالسيارات وقاموا بالتصدي للعمال وأجبروهم على الانسحاب، ورفضت شرطة الاحتلال الإسرائيلي حينها توفير الحماية للشركة والعمال.
خرافة “الطاقة الخضراء” والنهب الرأسمالي:
يتحدث الأهالي والناشطون عن مجموعة من الأضرار التي تنتج عن المشروع، أولها خسارة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، بالإضافة للتأثير الصحي، حيث تصدر توربينات الرياح ضجيجاً دائماً وذبذبات تؤثر على الصحة الجسدية والنفسية للسكان، خاصة مع قربها من المناطق السكنية وتأثير الظلال المتحركة، كما أن للمشروع تأثيرات بيئية واسعة وبشكل أساسي على الطيور المهاجرة والنحل والمواشي.
في العام 2020 أصدرت مجموعة من المنظمات بياناً صحفياً أوضحت فيه أضرار المشروع واعتبرته خطراً وجودياً على السكان السوريين في الجولان. البيان أشار إلى الآثار الخطيرة والمدمرة التي قد يسببها المشروع، من تدمير جزء هام من الاقتصاد الزراعي التقليدي المتمثّل بزراعة الأشجار المثمرة، والمخاطر التي يسببها للسكان من الضجيج والموجات تحت الصوتية والوميض، وتقييد التوسع العمراني للقرى المستهدفة في المشروع، ما يزيد من أزمة السكن التي يعاني منها أبناء الجولان، بالإضافة لتشويه المشهد الطبيعي في المنطقة.
ويكشف تقريرنا أن الاحتلال يسعى لبناء 25 توربينة عملاقة بارتفاع 220 متراً (ما يعادل ناطحات سحاب) على مساحة 3800 دونم من أراضي الفلاحين. إنها “رأسمالية الكوارث” التي تستغل القوانين الإسرائيلية (مثل القرار 4450) لمصادرة الأراضي السورية تحت مسمى “المشاريع القومية”. إنهم يسرقون الريح ليبيعونا الكهرباء، ويدمرون بساتين الكرز والتفاح –وسادة الأمان المادي للفلاح الجولاني– ليحولوا سكاننا الأصليين إلى “عمال مياومة” أو مهجرين في أزمة سكن خانقة.
ضرب الاستقلال الاقتصادي (فك التبعية):
لقد نجح الفلاح السوري في الجولان، عبر جمعياته الزراعية وبراداته، في بناء نموذج فريد من “اقتصاد الكفاف والمقاومة”، محطماً تبعيته للسوق الإسرائيلية. لذا، يأتي مشروع المراوح كعملية “عقاب طبقي” تهدف إلى تدمير هذه الاستقلالية وإلحاق الفلاح السوري قسراً بمنظومة الإنتاج الرأسمالية الإسرائيلية.
الإرهاب القضائي والاعتقالات:
إن اعتقال الرفاق (إميل مسعود، مياد البطحيش، فهد الولي) هو محاولة لترهيب الجماهير وكسر الإرادة الشعبية الجماعية. لكن رد الجماهير كان حاسماً: “القرار شعبي وليس فردياً”. هذا هو التنظيم الشعبي الثوري؛ حيث تذوب القيادة الفردية في إرادة المجموع، وتصبح المواجهة فرضاً على كل كادح.






