
ليست أزمة تبديل العملة في سوريا مجرد خطأ إداري أو سوء تنسيق بين المصرف المركزي والمصارف التجارية، بل هي تعبير عن طبيعة السلطة القائمة نفسها. فالسلطة الترميدورية، التي جاءت لتدفن آمال الثورة وتعيد بناء جهاز الدولة فوق أنقاضها، لا ترى المجتمع إلا من خلال منظور السيطرة والانضباط، بينما تُترك الأغلبية الشعبية لتتحمل وحدها كلفة كل “إصلاح” نيوليبرالي.
خلال الأيام الأخيرة، وجد أعداد كبيرة من السوريين أنفسهم يحملون أوراقاً نقدية لم تعد مقبولة في كثير من التعاملات، وسط شكاوى واسعة من نقص السيولة وصعوبة الحصول على العملة الجديدة في عدد من المناطق. صغار التجار، والعمال، والفلاحون، والموظفون، هم من دفعوا الثمن أولاً. أما أصحاب الرساميل الكبيرة، ممن يملكون الذهب أو الدولار أو العلاقات والنفوذ، فكانوا الأقدر على حماية ثرواتهم.
وجاء إعلان مصرف سوريا المركزي الأخير ليؤكد أن حق استبدال الأوراق النقدية القديمة سيبقى قائماً لعدة سنوات، لكنه حصر العملية بالمصرف المركزي في دمشق، وربطها بإجراءات مصرفية محددة. قد يبدو ذلك ضمانة قانونية لعدم ضياع الأموال، لكنه لا يلغي المشكلة الأساسية: فالعامل الذي يعيش على أجره اليومي، أو الموظف الذي ينتظر راتبه آخر الشهر، لا يحتاج إلى حق نظري باستبدال أمواله بعد أشهر أو سنوات، بل يحتاج إلى القدرة على استخدامها اليوم لتأمين الخبز والدواء والمواصلات وإيجار المنزل. وبينما يستطيع أصحاب الرساميل الانتظار أو استخدام بدائل أخرى، يتحمل الكادحون وحدهم كلفة الانتقال.
هذا ليس خللاً عارضاً، بل نتيجة منطق طبقي واضح. فكل أزمة نقدية تتحول، في ظل غياب الرقابة الشعبية، إلى فرصة لإعادة توزيع الخسائر من الأعلى إلى الأسفل. فعندما يُحرم العامل من استخدام أجره في الوقت الذي يحتاجه، أو يُجبر التاجر الصغير على بيع بضاعته بخسارة، أو تصبح مدخرات الناس رهينة لإجراءات مصرفية معقدة، فإن كلفة الأزمة تُنقل عملياً إلى المجتمع.
تدّعي السلطة أن الهدف هو “تنظيم الكتلة النقدية” و”محاربة السوق السوداء”. لكن السوق السوداء لا تنشأ من فراغ، بل تزدهر عندما تعجز الدولة عن ضمان أبسط شروط التداول، وحين تتحول القرارات المفاجئة إلى أداة لخلق الندرة والارتباك. وعندما يصبح الوصول إلى المال أكثر سهولة لمن يملك الوقت والنفوذ والعلاقات، بينما يواجه المواطن العادي عراقيل إضافية، فإن المشكلة ليست في السوق السوداء وحدها، بل في النظام الذي ينتجها.
إن الترميدور، في المعنى الثوري، هو اللحظة التي ينقض فيها احد اطراف الثورة المضادة على السلطة في سياق سيرورة ثورية، هزمت في الحالة السورية، فتكون سلطة ترتعد من المبادرة الشعبية أكثر مما تخشى الأزمة نفسها. تعتمد في سيطرتها على اجهزتها القمعية والبيروقراطية، واستئثارها بالسلطة، فقط تطلب من الجماهير دفع ثمن السياسات التي لم تشارك في صنعها.لكننا في حزب اليسار الثوري لا نكتفي بانتقاد الإدارة ويياياتها الكارثية . فالمشكلة لا تكمن في أن السلطة أخطأت في تنفيذ قرارها مثلا، بل في أن القرار نفسه صيغ من فوق ويخدم مصالح الطبقة الحاكمة، بعيداً عن أي رقابة شعبية أو مشاركة ديمقراطية من العمال والكادحين.
البديل ليس العودة إلى الوراء، ولا الدفاع عن الفوضى النقدية، بل وضع السياسة الاقتصادية تحت رقابة المجتمع نفسه: رقابة لجان العمال، والنقابات المستقلة، والهيئات الشعبية المنتخبة، مع ضمان حق الجميع في الوصول إلى مدخراتهم، ومنع أي طرف من تحويل الأزمة إلى فرصة للمضاربة أو الإثراء.
إن أخطر ما تكشفه هذه الأزمة ليس مجرد نقص السيولة، بل طبيعة النظام الذي يدير المجتمع. ففي الوقت الذي تتآكل فيه الأجور، وتتراجع القدرة الشرائية، ويصبح الوصول إلى المدخرات أكثر تعقيداً بالنسبة لقطاعات واسعة من الناس، يُدفع السوريون إلى الغرق في صراعات طائفية وإثنية وهوياتية لا تنتج سوى مزيد من الانقسام. وكلما ازداد الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، ارتفع منسوب الخطاب الذي يفرق بين أبناء الطبقات الشعبية ويخفي الانقسام الحقيقي: الانقسام بين أقلية تملك السلطة والثروة، وأكثرية لا تملك سوى قوة عملها.
ليست الطائفة أو القومية هي التي تسرق أجور العمال، ولا هي التي تدفع الفلاح إلى بيع محصوله بخسارة، ولا هي التي تجعل العامل عاجزاً عن التصرف بأجره حين يحتاجه. من يفعل ذلك هو نظام اقتصادي وسياسي يعيد إنتاج الامتيازات والثروة في أيدي أقلية، بينما يُحمّل الأغلبية الشعبية كلفة سياسات السلطة اللااجتماعية والنيوليبرالية. لهذا يزداد الأغنياء غنى، ويزداد الفقراء فقراً.
إن أزمة تبديل العملة ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من نقل كلفة الانهيار إلى الفقراء. ولن يكون الخروج من هذه الدوامة ممكناً بتبديل الأوراق النقدية أو الوجوه في السلطة، بل ببناء قوة سياسية مستقلة للعمال والكادحين، تناضل من أجل الديمقراطية من الأسفل، والرقابة الشعبية على الاقتصاد، وسلطة تُدار فيها ثروات المجتمع لمصلحة الأغلبية، لا لمصلحة أقلية جديدة تتلبس شعارات الثورة زورا بينما تمارس سياسات الثورة المضادة.
إعداد هيئة تحرير الخط الأمامي






