
الخط الأمامي _ إدوارد الحلبي
بدأ الأخوين ملص مشروعهم “مسرح الغرفة” قبل بداية الثورة السورية في منزلهم الصغير ضمن حي العدوي الدمشقي، ويختلف عن المسرح التقليدي ويتميز عنه بالاستقلالية، ومساحة الحرية التي تعجز مسارح وزارة الثقافة عن توفيرها أو السماح بها على خشباتها، وبأدوات وعناصر وتقنيات حديثة تتميز بها عن المسرح التقليدي الذي نعرفه، ففي حين ينزع هذا المسرح عباءته النخبوية، ويكسر الحاجز بينه وبين الجمهور، يؤكد الأخوين في كل عرض أن المقاعد الأمامية ليست محجوزة لكبار المسؤولين، والتصوير مسموح وحقوق النشر ملك للجميع، أما ثمن البطاقة فهو مرهون بقدرة الحاضرين كلّ حسب استطاعته، ضع في الظرف الذي يُسلّم إليك ما تراه مناسباً.
وبعد سقوط نظام الطغمة وانهيار أجهزته الأمنية، قررا استغلال الفرصة والعودة من فرنسا لمتابعة مشروعهم والعمل عليه، فقدم الأخوين عروضهم في عدة محافظات وآخرها هو العرض المسرحي الذي يحمل عنوان “حديقة الحيوانات”.
اقتبس الأخوين ملص نصهم عن مسرحية “قصة حديقة الحيوانات” للكاتب الأمريكي إدوارد ألبي، لكن عملية الاقتباس كانت جذرية وقاسية، حيث فضلا تطويع النص وإعادة توطينه ليتماشى مع الواقع السوري المعاصر، فلم تقتصر على تعديل النص وأحداثه، بل شملت رمزياته، ولغته، وطبيعة الصراع، والنوع المسرحي (Genre).
نحاول من خلال هذا المقال مناقشة مسرحية “حديقة الحيوانات” للأخوين ملص وتحليل كيفية تحول النص من نص عبثي يسلط الضوء على العزلة الاجتماعية بين طبقات المجتمع الأمريكي الحديث، إلى نص تراجيكوميدي يفكك طبيعة الصراع السوري ويحلل تناقضاته، ونتائج الثورة السورية ومآلاتها.
بدايةً، لا يمكننا النظر إلى مشروع “مسرح الغرفة” بنفس الطريقة التي نرى فيها المسرح التقليدي، فالممثلون موجودون بين الجمهور، فلا جدران تفصل بينهم، بل تحتويهم ضمن العرض ومساحته وأحداثه، ناهيك عن الحرية المطلقة التي يتمتع بها صناع العرض، وتحررهم من سلطة الرقيب وسطوته.
تحول الحوار من لغة وعبارات مفككة ومبهمة، إلى جدال وظيفي متبادل بين الشخصيتين، فتارةً يرتكز إلى لغة عنيفة جادة ومثقلة بتعبيرات تعكس المفارقات التي تطغى على الواقع السياسي، وتارةً ينتقل إلى السخرية والاستهزاء لتمرير مواقف وتصريحات سياسية جريئة، ترافقت مع غناء ورقص بأسلوب قريب من ذلك الذي اتبعه شيكسبير في مسرحياته، بهدف تمرير أقوى الجمل وأكثرها عمقاً على لسان شخصية مهرج الملك، لكن طبعاً ضمن أسلوب وأدوات مختلفة.
تخلى صناع العمل عن رموز وإسقاطات النص الأصلي، واستبدلوها بما يتناسب مع الموضوع المطروح ضمن العرض، لينتقل الصراع من صراع طبقي بين البرجوازية الصغيرة التي تحاول جاهدةً الحفاظ على الملكية والاستقرار الوهمي، وطبقة مسحوقة تعيش حالة اغتراب عن المجتمع في ظل الرأسمالية، إلى صراع بين اليسار السياسي وقاعدته الشعبية المسحوقة في ظل نتائج هزيمة الثورة وانحرافها عن أهدافها.
أما الشخصيات فصار الأستاذ يسار، الكاتب المسرحي الكبير الذي قاوم الاستبداد وناضل ضده، منعزلاً وحيداً يراقب التاريخ من هامشه، محاولاً الحفاظ على تاريخه السياسي الذي تمثّل بكرسي الحديقة، بهدف إظهار الجمود الذي أصاب اليسار عموماً بعد سقوط نظام الطغمة، وابتعاد الثورة عن مسارها، ليجد نفسه مهمشاً ومهزوماً وبعيداً عن النضال السياسي وقاعدته الشعبية من أبناء الطبقة المسحوقة.
هذا الصراع اعتمد بشكل كبير على شخصية “عبد الناصر” الذي عبّر عن استياءه وغضبه مما آل إليه اليسار، حيث لم يبقى منه سوى شعاراته التي فُرّغت من معانيها، محاولاً استفزاز الشخصية الثانية “يسار” من خلال محاولة إعادة احياء الروح الثورية التي غابت عن الساحة، لتترك ورائها فضاءاً مشحوناً بالطائفية، ومجتمع متفكك ومنعزل ضمن جماعات منغلقة على ذاتها، شبيهة بأقفاص حديقة الحيوانات.
تخلل العمل فقرة من الرقص والغناء تتأرجح بين الترميز المبهم والمباشرة الصريحة، فكانت فقرة “لعبة الخيال” عملية خروج عن الحدث المسرحي تتنقل بين الحنين إلى الماضي وبدايات الثورة السورية، مروراً بالسخرية من تصدر قوى الثورة المضادة للساحة السياسية وتحذيراً من مسارها الحالي، والتذكير بأهداف الثورة التي لم تتحقق، ليعيدنا “عبد الناصر” بصفعة قوية بقوله إننا _نحن السوريون_ فقدنا القدرة على الخيال.

يستعين الممثلون ببعض الأدوات البسيطة البصرية لخدمة العرض، فالسينوغرافيا في هذا المسرح تتغير حسب المكان، فالعرض نفسه قد يعرض أمام جدار من القرميد، أو في حديقة منزل أو حتى في زاوية مقهى يعاد ترتيب أثاثه ليتسع لأكبر عدد من الحاضرين، وصندوق صغير يشمل بضعة أدوات بسيطة حسب حاجة الشخصيات ورمزيات النص (قبعة، أقنعة، جريدة، سكين مطبخ….الخ). أما الموسيقا فتعتمد كلياً على الممثلين، بحركة بسيطة وحاسب محمول ومكبر صوت يتم خدمة الحدث بما يلائمه ويثريه.
لم تخلُ عملية إعادة صياغة النص وترويضه (إن صح التعبير) وتغيير النوع المسرحي (Genre) من المخاطر التي هددت بنية النص، لكن طبيعة “مسرح الغرفة” وأدواته التي تختلف عن المسرح التقليدي، بالإضافة للأداء المبهر للممثلين، والموضوع المطروح برر الاستعاضة عن مسرح العبث بالتراجيكوميديا، فلم يكتف العرض بالوقوف على الهامش أو التنظير من الأعلى كتجربة فنية نخبوية وحالة جمالية، بل اتخذ موقفاً وانحاز إلى قضية، فصار النضال حتمية، والتراجع عنه خيانة للثورة والطبقة التي أشعلتها.
إن هذه التجربة في التطويع الجذري للنص لخدمة قضية واتخاذ موقف سياسي ليست جديدة، فقد سبقتها على سبيل المثال تجربة مماثلة، ففي عام 1993 قدمت الكاتبة والناقدة الأمريكية سوزان سونتاغ عرضاً وظفت فيه نص مسرحية “بانتظار غودو” للكاتب المسرحي صامويل بيكيت، في فترة نشاطها ومناهضتها للحروب الامبريالية، بما يتناسب مع أحداث الحرب الأهلية في البوسنا، حيث رفضت الاكتفاء بمشاهدة الأحداث السياسية بل فضلت الانخراط فيها، حيث استخدمت ممثلين محليين وأعادت تطويع النص كموقف سياسي مناهض للحرب الأهلية والحصار الخانق الذي عاشه سكان سراييفو آنذاك.
لكن للأخوين ملص أسلوب فريد وأدوات حديثة توظف الفضاء المحيط لخدمة المسرح، فاللحظة التي هدما بها جدران المسرح هي اللحظة التي حطما فيها قيوده، لخلق مسرح حر يعرّي المجتمع والسلطة والإنسان دون مواربة أو تزييف.
