
درس الساندينية حول البيروقراطية والسلطة وغياب الرقابة الشعبية
في تموز/يوليو 2026، وبعد سبعة وأربعين عاماً على انتصار الثورة الساندينية وسقوط ديكتاتورية سوموزا، أعلن دانييل أورتيغا أن نيكاراغوا لن تعرف انتخابات جديدة. الرجل الذي دخل التاريخ كأحد قادة ثورة شعبية أطاحت بنظام عائلي استبدادي مدعوم من الولايات المتحدة، يقود اليوم نظاماً يتمحور حول سلطة عائلية جديدة، حيث تشغل زوجته روزاريو موريو موقع “الرئاسة المشتركة”، في ظل تراجع متواصل لمساحات العمل السياسي المستقل.
قد يبدو هذا التحول مفارقة تاريخية قاسية: ثورة قامت ضد حكم عائلة سوموزا تنتهي إلى نظام يرتبط اسمه بعائلة أورتيغا–موريو.
لكن اختزال المسألة في شخص أورتيغا وحده يعني تفويت الدرس الأهم. فالمشكلة ليست فقط أن قائداً ثورياً تحول إلى حاكم سلطوي، بل في السؤال الأوسع الذي تطرحه التجربة النيكاراغوية:
كيف تتحول الثورات، عندما تنفصل مؤسساتها عن قاعدتها الاجتماعية، إلى أجهزة دولة يصبح همّها الأساسي الحفاظ على السلطة بدلاً من توسيع مشاركة الجماهير التي صنعتها؟
من الثورة إلى الدولة
كانت الثورة الساندينية عام 1979 واحدة من أبرز لحظات النضال التحرري في القرن العشرين. فقد أطاحت بدكتاتورية سوموزا التي حكمت نيكاراغوا لعقود، وهي دكتاتورية ارتبطت مصالحها بالنخب الاقتصادية المحلية وبالدعم السياسي والعسكري الأميركي.
دخلت الجبهة الساندينية للتحرير الوطني الحكم وسط آمال شعبية واسعة. فقد وعدت ببناء مجتمع أكثر عدلاً عبر مكافحة الأمية، وتوسيع خدمات الصحة والتعليم، وإعادة توزيع الثروة، وإنهاء التبعية السياسية والاقتصادية لواشنطن.
لكن الثورة الساندينية ولدت في بيئة دولية معادية.
فقد اعتبرت الولايات المتحدة انتصار الساندينيين تهديداً لمصالحها في أميركا الوسطى، فدعمت حرب الكونترا ضد الحكومة الجديدة، وفرضت حصاراً اقتصادياً وضغوطاً سياسية استمرت سنوات.
ولا يمكن تجاهل هذا العامل. فالإمبريالية الأميركية لعبت دوراً أساسياً في إضعاف التجربة الساندينية ومحاصرتها.
لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن أن يصبح التدخل الخارجي تفسيراً وحيداً لكل أزمات الثورة. فالتجارب الثورية لا تواجه فقط أعداءها الخارجيين؛ بل تواجه أيضاً خطر التحول الداخلي عندما تبدأ المؤسسات التي نشأت من النضال الشعبي بالانفصال عن المجتمع الذي أنتجها.
عندما تصبح القيادة بديلاً عن الجماهير
تكشف تجربة نيكاراغوا عن مشكلة تاريخية واجهت العديد من الحركات الثورية: مشكلة البيروقراطية وتحول جهاز الدولة إلى قوة مستقلة عن المجتمع.
فعندما تنتصر حركة ثورية وتستولي على مؤسسات الدولة، يظهر تناقض أساسي: هل تصبح الدولة أداة بيد الجماهير لتنظيم التغيير الاجتماعي، أم تتحول تدريجياً إلى مركز سلطة يحل محل المشاركة الشعبية؟
الخطر يبدأ عندما تنتقل الجماهير من كونها الفاعل الأساسي في العملية الثورية إلى مجرد جمهور يُطلب منه تأييد القرارات التي تتخذها القيادة.
عندها يصبح الحزب بديلاً عن الحركة، والدولة بديلاً عن المجتمع، والقيادة بديلاً عن الجماهير.وهنا يكمن جوهر الانحراف.
فالاشتراكية، من منظور ثوري، ليست مجرد امتلاك الدولة للسلطة أو مواجهة الإمبريالية. جوهر المشروع الاشتراكي هو أن تصبح الطبقات الشعبية نفسها صاحبة القرار، عبر تنظيمها المستقل وقدرتها على مراقبة ومحاسبة من يمثلها.
من مقاومة الإمبريالية إلى تبرير السلطة
لا شك أن تاريخ الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية مليء بالتدخلات والانقلابات ودعم الأنظمة الديكتاتورية التي خدمت مصالحها. ونيكاراغوا نفسها كانت أحد أبرز الأمثلة على ذلك.
لكن اليسار الثوري لا يمكن أن يقع في خطأ تحويل معاداة الإمبريالية إلى مبرر لقبول أي سياسة تمارسها حكومة ترفع شعارات مناهضة لها.
فالتحرر الوطني لا يكتمل من دون تحرر اجتماعي وسياسي.
ومواجهة واشنطن لا تعني إسكات العمال أو الطلاب أو المعارضين.
ورفع شعارات الثورة لا يجعل السلطة فوق النقد والمحاسبة.
فالثورة التي تفقد قدرة الجماهير على مراقبة قيادتها ونقدها تبدأ بفقدان جوهرها، حتى لو بقيت رموزها وشعاراتها مرفوعة.
نيكاراغوا: درس يتجاوز نيكاراغوا
ليست التجربة الساندينية حالة معزولة في التاريخ.
فخلال القرن العشرين، شهد العالم العديد من التجارب التي بدأت بثورات شعبية حقيقية، لكنها انتهت إلى أنظمة بيروقراطية أغلقت المجال أمام المشاركة الجماهيرية، وتحولت فيها مؤسسات الثورة إلى مؤسسات دولة تدافع عن استمرارها.
المشكلة لم تكن في حلم العدالة الاجتماعية، ولا في النضال ضد الهيمنة الخارجية، بل في بناء أجهزة سلطة منفصلة عن المجتمع.
ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه نيكاراغوا ليس فقط:
لماذا تحول أورتيغا إلى ما هو عليه اليوم؟
بل سؤال أكثر أهمية:
كيف نحمي الثورة من أن تتحول إلى سلطة فوق الثورة؟
من أميركا اللاتينية إلى سوريا: سؤال اليسار الثوري
بالنسبة لليسار الثوري في منطقتنا، تحمل التجربة النيكاراغوية أهمية خاصة.
ففي منطقتنا أيضاً واجهت حركات التحرر الوطني تناقضات مشابهة: حين تنطحت أنظمة رفعت شعارات مقاومة الاستعمار والإمبريالية، لكنها في الوقت نفسه قمعت شعوبها ومنعت أي استقلال سياسي أو اجتماعي للجماهير.
المعادلة الثورية لا يمكن أن تكون: “نقاوم عدونا الخارجي، إذن يحق لنا قمع الداخل.”
فالتحرر الحقيقي لا يضع التحرر الوطني في مواجهة التحرر الاجتماعي، بل يربط بينهما.
الثورة التي تهزم قوة خارجية لكنها تمنع شعبها من التنظيم والنقد والمحاسبة لم تحقق سوى نصف مهمتها، وحفرت بيدها قبر السيرورة الثورية نفسها.
الدفاع عن الثورة يعني الدفاع عن روحها
لا يكمن الدفاع عن إرث الثورة الساندينية في الدفاع عن كل ما قامت به قيادتها اللاحقة باسمها.
كما لا يكمن نقد أورتيغا في تكرار خطاب القوى الإمبريالية التي استخدمت تاريخياً قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان كأدوات لخدمة مصالحها.
الموقف الثوري الحقيقي يرفض الاثنين معاً. فالثورة ليست حكومة فقط، والحزب ليس الدولة، والقائد ليس الشعب.
تبقى الثورة حية فقط عندما تكون الجماهير قادرة على التنظيم والمشاركة والنقد والمحاسبة وقيادة البلاد، عبر بناء هيئات سلطتها وتنظيماتها من الأسفل.
فأكبر خطر على الثورة ليس فقط أعداؤها الذين يسعون إلى هزيمتها، بل أيضاً اللحظة التي تبدأ فيها القيادة الثورية بالانفصال عن الجماهير الشعبية التي صنعت الثورة والخوف منها.
إعداد هيئة تحرير الخط الأمامي






