
مرّ عام على مجازر السويداء، لكن آثارها لم تنحصر في عدد الضحايا أو حجم الدمار، بل ما تزال تتجلى في استمرار التهجير، وتعثر عودة الأهالي، وغياب الحقيقة والمحاسبة. وبعد عام كامل، لم تُكشف الوقائع أمام الرأي العام، ولم يُفتح تحقيق مستقل، بل احتكرت السلطة رواية ما جرى، كما احتكرت أدوات التحقيق والقضاء، لتبقى العدالة رهينة جهاز الدولة نفسه.
لم تكن مجازر السويداء حدثًا استثنائيًا، ولا انفجارًا معزولًا للعنف، فقد سبقتها مجازر الساحل واعتداءات على الكنائس والمذاهب الاخرى، بل جاءت في سياق المرحلة الترميدورية التي تعيشها سوريا، حيث تسعى سلطة فلول القاعدة وداعش إلى تثبيت شرعيتها عبر إعادة إحكام السيطرة على جهاز الدولة واحتواء المجال السياسي والاجتماعي عبر تفكيك المجتمع إلى جماعات طائفية متناحرة، تُدفع إلى الخوف المتبادل بدل توحيد نضالاتها، في ظل استمرار البنية الاجتماعية والاقتصادية التي أنتجت الاستبداد والتهميش. فالثورة المضادة لا تعني فقط سحق الحراك الشعبي، بل أيضًا إعادة إنتاج السيطرة بأدوات جديدة، وإعادة دمج البلاد ضمن توازنات النظام الرأسمالي الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، لا تبدو الطائفية سببًا للأزمة بقدر ما هي إحدى أدوات السلطة للتحكم بالمجتمع و إدارته. فهي ليست قوة مستقلة تحرك التاريخ، بل أداة سياسية تستخدمها الطبقات الحاكمة لفرض همينتها وتفتيت المجتمع ومنع تشكل مشروع سياسي مستقل للعمال والكادحين. وكلما تعمق الانقسام الطائفي، تتراجع إمكانية توحيد المضطهَدين حول مصالحهم المشتركة، وتتعزز قدرة الطبقات المسيطرة على فرض هيمنتها، عبر تحويل الصراع من مواجهة بين المستغَلين ومستغِلّيهم إلى مواجهة بين جماعات اجتماعية متناحرة.
لقد أثبت العام المنصرم أن تغيير قمة السلطة لا يعني تغيير طبيعة السلطة. فما دام القرار السياسي يُصنع بعيدًا عن الجماهير، وما دامت مؤسسات الدولة تُعاد هيكلتها من أعلى، لا بإرادة العمال والكادحين، فإن الترميدور السوري لا يمثل قطيعة مع الماضي، بقدر ما يمثل انتقالًا إلى صيغة جديدة من إدارة النظام الاجتماعي، تُعاد فيها صياغة التحالف بين جهاز الدولة والبرجوازية السورية الصاعدة ورأس المال الإقليمي، تحت شعار “الاستقرار” و”إعادة الإعمار”.
وفي السويداء، كما في سائر سوريا، بقيت الأغلبية الشعبية هي الضحية الأكبر. فالعمال والفلاحون والفقراء لم يحصدوا سوى القتل والنزوح والبطالة وغلاء المعيشة، بينما انشغلت القوى الاقليمية والدولية بإعادة توزيع النفوذ، وتقاسمت النخب الاقتصادية والسياسية مواقعها داخل النظام الجديد. وكما في كل مراحل الثورة المضادة، دُفعت كلفة الصراع من حياة الكادحين، بينما جرى الحفاظ على البنية الطبقية التي صنعت الأزمة.
إن إحياء ذكرى مجازر السويداء لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للرثاء، بل إلى لحظة لإعادة طرح المهام التي حاولت الثورة المضادة دفنها: بناء تنظيم مستقل للطبقة العاملة والكادحين، ومقاومة سلطة المجازر والعنف الطائفي واستعادة السياسة من قبضة الدولة والنزعات الطائفية والشوفينية، وربط النضال من أجل الحريات الديمقراطية بالنضال ضد الاستغلال الرأسمالي. فلا يمكن مقاومة السلطة الترميدورية من داخل المشاريع الطائفية التي تعيد إنتاجها، ولا مواجهة الاستبداد والعنصرية بنفس الادوات بل عبر مشروع ديمقراطي لا مركزي يكون فيه الانسان هو القيمة الاسمى ايا كان عرقه ودينه وجنسه .
إن السويداء ليست قضية مدينة أو طائفة، بل قضية الثورة السورية نفسها. إنها تذكير بأن الثورة المضادة لا تكتفي بإجهاض الثورات، بل تعمل على إعادة تشكيل المجتمع بما يضمن استمرار الهيمنة الطبقية، حتى وإن تبدلت الوجوه والشعارات. ولذلك، فإن الوفاء الحقيقي لضحايا السويداء لا يكون بالاكتفاء بإحياء ذكراهم، بل باستئناف مشروع التحرر الذي خرجت من أجله الجماهير السورية: مشروع يضع السلطة والثروة في يد المنتجين الحقيقيين، ويفتح الطريق أمام مجتمع ديمقراطي يقوم على التنظيم الذاتي للعمال والكادحين، لا على هيمنة الدولة البرجوازية التي تجعل من الانقسامات الطائفية والعرقية أداةً لإعادة إنتاج سيطرتها على المجتمع.
إعداد هيئة تحرير الخط الأمامي






