
تشتعل حركة الاحتجاجات في الهند، وتزداد اتساعاً كل يوم، ليس لأن الشباب يحبون الفوضى، بل لأن الفساد ينهش العظم، والبطالة تلتهم المستقبل، والدولة لا تقدم إلا العصي والغازات بديلاً عن الحلول. ففي يوم الاثنين 20 يوليو/ تموز، شنت الدولة الهندية حملة قمع وحشية ضد الشباب الذين خرجوا في احتجاجات حاشدة عمت المدن والقرى، لكن النار التي أرادت إخمادها اشتعلت أكثر.
في نيودلهي، عاصمة أكبر “ديموقراطية” في العالم، خرج عشرات الآلاف من الطلاب يهتفون بسقوط النظام التعليمي الفاسد، ويرفعون صوتاً واحداً: إصلاحات جذرية، واستقالة وزير التعليم دارميندرا برادهان. وانضم إليهم، شباب آخرون تعبوا من شهاداتهم التي لا تضمن لهم الوظيفة والعمل الكريم، ومن أحلامهم التي تتحطم على صخرة المحسوبية والفراغ. وحزب “الصراصير” الشعبي (CJP) لم يعد مجرد نكتة سياسية، بل أصبح راية احتجاج، تيمناً بشتيمة أطلقها رئيس القضاء الهندي واصفاً المعطلين عن العمل بالصراصير. واليوم، صار الصرصور أسداً، وصار الشتيمة شرفاً.
والدولة، التي تدّعي الديمقراطية، لم تجد سوى القمع رداً. حظرت الاحتجاجات قرب البرلمان، وكأن صوت الشعب خطر على من يزعمون تمثيله. لكن الشباب لم يركعوا. قال سوميت كومار، ذو الثمانية عشر ربيعاً: “بلدنا يستحق حكومة تحترم شبابها، وتصحح أخطاءها بدلاً من أن تضربهم”. وقالت سنيها إبيلي: ” أعطيتهم صوتي، فليجيبوا عن أسئلتي. هذا ليس طلباً، هذا حق إنساني أساسي”.
أما الشرطة، فلم تفهم لغة الحق والحرية. حملت عصي “اللاتي” الخيزران—تلك الأداة الاستعمارية البغيضة—وانقضت على الحشود في هجمات همجية، وكأنهم ليسوا مواطنين بل أعداء. والمحتجون، دفاعاً عن حياتهم، قذفوا الحجارة، فتحولت الشوارع إلى ساحة حرب بين شعب أعزل ودولة عنفية مسلحة بالهراوات والقوانين الاستثنائية.
هذه الحركة، ليست مجرد احتجاج عابر. إنها واحدة من أعنف مواجهات المعارضة وأكثرها جرأة ضد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ورجاله اليمينيين المتطرفين في السنوات الأخيرة. لقد أتت بعد أسابيع من الغضب على تسريبات الامتحانات والفساد المتفشي في نظام التعليم، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير.
ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد. ففي نهاية الأسبوع الماضي، وبعد أكثر من ثلاثة أسابيع من الإضراب المفتوح عن الطعام، اقتادت الشرطة الناشط سونام وانغشوك قسراً إلى المستشفى، وكأن جرأته على المطالبة بالحق جريمة تستوجب الاعتقال الصحي. ورغم هزال جسده، طالب بالإفراج عنه ليكون وسط رفاقه، لكن السلطات رفضت، فأضافت وقوداً إلى نيران الغضب المشتعلة.

وفي مشهد مذهل، تجمع عشرات الآلاف من الشباب عند مرصد “جانتار مانتار” في قلب دلهي، تحت أمطار موسمية جارفة. لم تمنعهم السيول، ولم تخيفهم الحواجز. كانوا يرسمون اللافتات، ويلتقطون الصور التذكارية، وكأنهم يكتبون تاريخاً جديداً، بينما حاصرتهم قوات شبه عسكرية، وأغلقت الطرق المؤدية إلى البرلمان، وكأن الدولة تخشى صورتهم أكثر من خشيتها من الفساد.
وعندما انطلقت المسيرة، احتشدت الشرطة بالحواجز الملحومة، لكن المتظاهرين تفلتوا شوارع خلفية، وتفرقوا مجموعات، وجلس آخرون في الطرقات مشلين الحركة، وكأن المدينة كلها أصبحت ميداناً للمواجهة.
تقول بي بي سي: “عاد البعض ينزفون ويعرجون، وحمل آخرون رفاقهم الجرحى”. وتضيف: “قطعت السلطات الإنترنت عن أجزاء من العاصمة، لتكميم الأفواه وإخفاء الدماء”. وفي موقع الإسعاف، كان الطبيب المتطوع غاوريش باترا يضمّد رؤوساً مثقوبة، ويقول: “علاجنا عشرة على الأقل”. ويُحضر إليه آخرون بكسور وسحجات.
لكن العنف لم يكن في اتجاه واحد. فالشرطة أيضاً ذاقت طعم النار. حيث ادعت وزارة الداخلية أن 118 شرطياً سقطوا جرحى، بينهم مفوض خاص ونائبه، وتدمير 20 آلية شرطة.
هذا، وقد قامت الدولة بإغلاق خمس محطات مترو في قلب العاصمة، ظناً منها أن إغلاق المواصلات يغلق الإرادة. لكن الاحتجاجات، كالنار في الهشيم، امتدت إلى داخل المحطات. وأقرت الجزيرة بأن “المحتجين كانوا ينزلون في محطات أبعد ويسيرون على الأقدام، وهم يهتفون ويرفعون العلم الهندي عالياً”.
وفي نفس الوقت، أطل النواب الشيوعيون ببيان قالوا فيه: “كل حملة عصي، كل قنبلة غاز، كل حاجز ملحوم، كل مترو مغلق، هي اعتراف صريح بخوف حكومة BJP . إن حكومة تخشى شبابها، وتتهرب من أسئلتهم، وتكتم مطالبهم، ليست إلا حكومة جبانة، لا تستحق لا كرسياً ولا شعباً”.
واندلعت شرارات التضامن في كل مكان. فحين انتشرت مشاهد الوحشية، خرجت مدن مومباي، ناغبور، شاتراباتي سامبهاجيناغار، لاتور، ثاني، وبونه، لتعلن مساندتها للحركة، وكأن الهند كلها أصبحت جبهة واحدة.
وحاولت حكومة مودي، المرتعدة من هول ما رأت، أن تقدم تنازلاً سخيفاً: دعوة ناشطين لمحادثات مع وزير. لكنها كانت مجرد مسرحية هزلية، لم تسفر عن شيء، والمحتجون أعلنوا بوضوح: لن نتراجع، ولن نستسلم.
وفي اليمين الهندي، انكشفت الخلافات. تقول “إنديا توداي” إن مجموعة “شيف سينا” الشبه فاشية تحاول الآن ركوب الموجة، وتطالب هي الأخرى برحيل وزير التعليم. اليمين يحاول امتصاص الغضب، واليسار يحاول توجيهه، لكن الحركة، لكي تنتصر، تحتاج إلى قيادة يسارية مستقلة، لا تتنازل ولا تبيع القضية لسلطة أو حزب.
وما يحدث في الهند اليوم ليس مجرد احتجاجات طلابية. إنه إنذار، بل وبداية مرحلة جديدة. فالطبقة الحاكمة هناك ترى بعينها كيف اشتعلت بنغلاديش، وإندونيسيا، وميانمار، ونيبال، وتايلاند، وسريلانكا—وتعلم الآن أن النار بدأت في بيتها، وأن الصراصير التي شتموها، قد أصبحت أسوداً تأكل العروش.
ترجمة وإعداد هيئة تحرير الخط الأمامي عن مقال في جريدة العامل الإشتراكي






