
حول ضرورة بناء جبهة متحدة في مواجهة السلطة الترميدورية
هيئة التحرير _ الخط الأمامي
اليسار ليس مجرد تعريفًا نظريًا
في سوريا اليوم، لا يعيش الناس نقاشًا أكاديميًا حول المفاهيم السياسية، بل يواجهون يوميًا القمع، الخطف والإذلال على الحواجز وفي المؤسسات، كما البطالة وانعدام أي أفق اقتصادي أو سياسي حقيقي. في بلد أصبح فيه الالتحاق بالأجهزة الأمنية و العسكرية الخيار الوحيد المتبقي أمام أبناء الطبقة الفقيرة للحصول على دخل ثابت يؤمّن أساسيات الحياة، لا يعود المعيار الحقيقي للنضال هو مجرد إطلاق صفة اليسار على تنظيم ما، بل الأصح هو السؤال عن “موقع وقوف التنظيم داخل الصراع القائم”. فحين تكون السلطة أداة مفتوحة للقمع السياسي والاجتماعي، يصبح التموضع العملي داخل المواجهة أهم من الهويات الأيديولوجية المغلفة بخطابات خشبية ومنفصلة عن المهام التي يطرحها الواقع، وتصبح مهمة بناء جبهة مواجهة واسعة أكثر إلحاحًا من السجال العصبوي الضيق.
اليمين واليسار: مصطلحات ولدت من الصراع
ظهر مصطلحا “اليمين” و“اليسار” تاريخيًا في سياق التحولات السياسية التي رافقت الثورة الفرنسية، وتحديدًا داخل الجمعية الوطنية التي تشكّلت بعد أزمة النظام الملكي، حين جلس المدافعون عن النظام التقليدي والملكية على يمين البرلمان، بينما جلس أنصار التغيير الجذري، المساواة وتقليص سلطة الملك على يساره. ومنذ ذلك الحين، اكتسب كل منهم دلالة رمزية عميقة. فقد أصبح «اليسار» مرادفًا لقيم التقدم، الحرية والمساواة كما السيادة الشعبية، في حين ارتبط «اليمين» بالحفاظ على التقاليد والاستقرار والتراتبية الاجتماعية. ومع تطور الرأسمالية الحديثة، وتوسع المصانع، وظهور الطبقة العاملة بوصفها القوة الاجتماعية الأساسية المعنية والصانعة للتغيير، أخذ اليسار يرتبط تدريجيًا بالنضال ضد الاستغلال الاقتصادي، ومن أجل العدالة الاجتماعية والتنظيم الشعبي والمساواة السياسية. لم يكن ذلك نتيجة “اختيار أخلاقي” مجرد، بل نتيجة تطور الواقع المادي نفسه، أي تطور علاقات الإنتاج والصراع الاجتماعي داخل المجتمع الرأسمالي.
في التحليل السياسي المعاصر لا يملك اليمين واليسار هوية ثقافية جامدة أو تعريفًا نظريًا مكتملًا خارج الزمن والسياق بل يتم فهم هذه الثنائية بوصفها طيفًا متدرجًا حيث تتحدد مواقع الفاعلين السياسيين تبعًا لموقفهم من الوضع القائم (status quo) و تموضعهم داخل الصراع الاجتماعي والسياسي. فكلما ازداد الميل إلى التغيير الجذري، اقترب الفاعل من اليسار، وكلما ازداد حرص الحفاظ على النظام القائم أو تعديله تدريجيًا، اقترب من اليمين.
فالثورة السورية، رغم هزيمتها العسكرية في بحر من الدماء، لم تُمحى أسبابها لحد الآن.
في الحالة السورية الراهنة، تكتسب هذه الفكرة أهمية مضاعفة. فالثورة السورية، رغم هزيمتها العسكرية في بحر من الدماء، لم تُمحى أسبابها لحد الآن. ما تزال الشروط التي دفعت الملايين إلى الانفجار قائمة حتى اليوم: الاستبداد، والتهميش، كما الفقر والبطالة، وهيمنة النخب الاقتصادية، والطائفية بوصفها أداة تفتيت وطغيان، وغياب أي أفق معيشي او سياسي حقيقي. إن السلطة الترميدورية الحالية ليست مجرد تبدل في الأشخاص أو الشعارات، بل سلطة جديدة خرجت من قلب الثورة المضادة، وتعيد إنتاج الاستبداد عبر أدوات مشابهة لما استخدمه النظام السابق: القمع، والخوف، والمحسوبيات، واستخدام الدين بوصفه أداة للضبط والإخضاع، إلى جانب تبني أكثر أشكال النيوليبرالية توحشًا على حساب الطبقات الفقيرة والمهمشة والمقهورة.
التموضع داخل الصراع لا داخل التعريفات الجامدة
إن الواقع المادي والاجتماعي هو ما يحدد الاصطفافات السياسية، لا العكس
إن الواقع المادي والاجتماعي هو ما يحدد الاصطفافات السياسية، لا العكس. ولذلك فإن تحديد الأهداف، والتكتيكات، والاستراتيجيات، والتحالفات، لا يمكن أن يتم انطلاقًا من تعريفات جامدة ومجردة، بل انطلاقًا من قراءة ملموسة للصراع القائم وميزان القوى الاجتماعية والسياسية الفعلي. ففي لحظة تعيد فيها السلطة المتوحشة تثبيت ديكتاتوريتها بنيويًا، يصبح الموقف من القمع والاستبداد، ومن العنف الطائفي والديني، ومن قضايا الحرية والمساواة والديمقراطية، أكثر أهمية من أي نقاش عقائدي مغلق. وكل قوة تواجه هذه السلطة وتقف إلى جانب حقوق الناس وحرياتهم وكرامتهم، تتقاطع موضوعيًا مع اليسار، حتى وإن لم تكن ماركسية تقليدية أو جزءًا من اليسار التاريخي بمعناه الكلاسيكي.
ومن هنا، فإن السؤال المطروح اليوم ليس: “من يملك التعريف النظري الأدق لليسار؟”، بل: “كيف يمكن بناء قوة قادرة على مواجهة الثورة المضادة والديكتاتورية الناشئة؟”. فالسلطة الحالية، بوصفها سلطة قائمة على القمع والسلاح والعمالة الخارجية، تدفع جميع القوى الديمقراطية والاجتماعية إلى إعادة تحديد مواقعها السياسية. الحياد في هذه اللحظة ليس موقفًا “موضوعيًا”، بل شكل من أشكال التساهل مع السلطة الترميدورية. أما العداء الجذري لها، والدفاع عن حق الناس في التنظيم والكرامة والعدالة، فهو معيار التموضع السياسي الحقيقي اليوم.
الحياد في هذه اللحظة ليس موقفًا “موضوعيًا”، بل شكل من أشكال التساهل مع السلطة الترميدورية. أما العداء الجذري لها، والدفاع عن حق الناس في التنظيم والكرامة والعدالة، فهو معيار التموضع السياسي الحقيقي اليوم.
الحاجة إلى الجبهة المتحدة
ورغم ذلك، ما تزال قوى اليسار في سوريا تعاني من التشرذم، والعقائدية، وضعف الانفتاح على التعاون السياسي الواسع. وفي الوقت الذي تنجح فيه الثورة المضادة في إعادة تنظيم أدواتها السياسية والأمنية والاقتصادية، ما تزال أجزاء واسعة من اليسار منغلقة داخل حدودها التنظيمية الضيقة. لكن ميزان القوى لا يُواجه بالبيانات المنفصلة، ولا بالهويات المغلقة، ولا بالانتظار. بل يُواجه ببناء جبهة متحدة، تقوم على وحدة النضال والفعل السياسي المباشر، مع احتفاظ كل طرف باستقلاليته الفكرية والتنظيمية. فالجبهة المتحدة ليست إلغاءً للاختلافات، بل إطارًا عمليًا لتوحيد الجهود في مواجهة عدو مشترك.
إن الحاجة اليوم ليست فقط إلى ندوات ثقافية، بل إلى إعادة بناء أدوات التنظيم والكفاح الشعبي نفسها: النقابات، ولجان الأحياء، وشبكات التضامن، وأشكال التنظيم المحلي القادرة على الانغراس داخل حياة الطبقات الفقيرة والمهمشة والمقهورة. فاليسار الحقيقي لا يُقاس بكمية الشعارات النظرية التي يرفعها، بل بمدى انخراطه الفعلي داخل الصراع الاجتماعي، وبقدرته على تحويل الغضب الشعبي إلى قوة سياسية منظمة.
نحو جبهة مواجهة ديمقراطية ويسارية
مع حلفائها من برجوازية أمراء الحرب القديمة-الجديدة تعيد السلطة الترميدورية في سوريا اليوم تمكين الديكتاتورية تحت شعارات جديدة، بينما تستمر الأسباب الاجتماعية التي فجّرت الثورة بالوجود والتفاقم. ولهذا فإن بناء جبهة يسارية ديمقراطية لم يعد خيارًا سياسيًا إضافيًا، بل ضرورة تفرضها معركة الديمقراطية، العدالة الاجتماعية وتحرير الإنسان من كل أشكال القهر والاستغلال. في سوريا اليوم، وفي لحظة تقترب فيها الديكتاتورية الناشئة من التحول إلى شكل فاشي مكتمل، يصبح توحيد قوى المواجهة مهمة سياسية عاجلة لا تحتمل المزيد من التأجيل.
هيئة التحرير






