
”بروفة يوم الحساب” محاكمة رمزية لواقع مأزوم
الخط الأمامي _ إدوارد
تحت عنوان “بروفا يوم الحساب” عرض على خشبة المسارح السورية بشهر تموز من عام 2026م عمل فني من تأليف فارس الذهبي وإخراج ماهر صليبي وتمثيل كل من: يارا صبري، وروبين عيسى، وجابر جوخدار.
يناقش العرض موضوع العدالة الانتقالية والآثار النفسية والاجتماعية للناجيات من المعتقلات وأهمية تحقيق العدالة لهن، والقصاص لمن قضين في ظلمة أقبية الأجهزة الأمنية لنظام الطغمة الأسدي.
تدور الأحداث بين جدران القبو المكتظ بأدوات ورشة خياطة متواضعة، وفي الفترة الزمنية التي تلي سقوط نظام الأسد، حيث يبدأ العرض بدخول رجل غريب حياة ثريا (روبين عيسى) وسما (يارا صبري) الناجيتين من جحيم المعتقل، محاولتين العيش ضمن مجتمع أقصاهن ولفظهن، فتتقاطع حياتهن مع جلادهن فؤاد (جابر جوخدار)، الذي يعيش حياته حراً طليقا ضمن مجتمع يتقبل وجوده ويتفاعل معه، فيحرض ظهوره الذاكرة المعذبة، والمآسي النفسية لتجربة الاعتقال، فتقرران إقامة المحاكمة التي لطالما حلمتا وخططتا لها مسبقاً، على شكل “بروفة” كوسيلة نجاة داخل المعتقل، وأملاً بتحقيق عدالة مؤجلة عجزت عنها السلطة والمجتمع.
اعتمد العرض على حبكة بسيطة التزمت بالوحدات الثلاث (الزمان والمكان والحدث)، لكن العرض كرّس “كسر الجدار الرابع” لغرض وظيفي، بهدف طرح المشكلة على الجمهور، والابتعاد عن اجترار العواطف وتقديم المأساة كتجربة وجدانية، بل فضّل التساؤل العقلاني البريختي على التطهير العاطفي والوجدانية الأرسطية.
بدا التباين بين أداء الممثلين واضحاً، فبالرغم من أن الشخصيتين مرتا بنفس التجربة إلا أن الممثلة يارا صبري وظفت اضطراب ما بعد الصدمة كمعتقلة سابقة من خلال عدة آثار نفسية واضحة (الضحك الهيستيري والخرس النفسي والقلق المستمر من المجهول والحركات اللاإرادية المتكررة…) أما الممثلة روبين عيسى فاكتفت بإظهار مشاعر الغضب والرغبة المستمرة بالانتقام من جلادها، لكن أداء كلتا الممثلتين كان متزناً بعيداً عن المبالغة والابتذال.
أما المكان والفضاء العام للخشبة، فقد اكتسب رمزية هامة، فالقبو الضيق المكتظ بالدمى، ذو الجدران المرتفعة التي اعتلتها شبابيك بقضبان حديدية، بدا شبيهاً بزنزانة السجن، ما يدل على أن الضحيتين لم تنلن حريتهن رغم التحرر الجسدي فمهوم العار الذي حرمهن عائلتيهن وحياتهن، والجلاد الذي لا يزال حراً، كان هدفه خلق مفارقة مفادها بأن الحرية لا تكتسب بإسقاط الأنظمة الديكتاتورية وحسب، بل تبدأ من محاسبة المجرمين وإسقاط أدواتهم.
ولخدمة هذا الطرح، استخدم المخرج إضاءة حادة استناداً إلى الحالة النفسية للشخصيات، وإيقاع الحبكة وتصاعدها، أما المؤثرات الصوتية المتواترة، فكانت ذات طابع كاريكاتوري ساخر هدفه منع الجمهور من الاستغراق في الحدث الدرامي، والتركيز على المفاهيم التي تطرحها الشخصيات، وعرض تساؤلات عميقة حول أهمية الموضوع وهشاشة الموقف.
“الفن ليس مرآةً تعكس الواقع، بل مطرقةً تعيد تشكيله”
– بيرتوليت بريخت
من خلال رصد تفاعل الجمهور وردود أفعاله، وطريقة عرض معاناة الشخصيات التي قُدمت على شكل خطاب موجه للجمهور باستخدام تقنية “الخطف للخلف”، يلاحظ ميل المخرج لإظهار الحوار العقلاني بدلاً من التركيز على المشهدية الدرامية كمحاولة لاستعطاف الجمهور، فالتساؤلات التي ناقشتها الشخصيتين ثريا وسما لاقت صداً بين الجمهور، فكانت أصواته وتعليقاته التفاعلية مع العرض أشد تأثيراً من تصفيقه.
ورغم اعتماد المخرج على الحوار بشكل أساسي كعتلة محركة للحبكة، إلا أن الرمزية طغت على العرض ومنحته البعد الفني اللازم، فمشهد الصراع بين الضحايا وجلادهن تخلله عبث الجلاد “فؤاد الكلب” بالخيوط المعلقة والمتشابكة بالسقف، التي تشير إلى محاولة الأنظمة العبث بالذكريات والتلاعب بها، كمحاولة لنسف هوية وسردية الطبقات المسحوقة.
كما وُفّق صناع العمل في استخدام رمزية “الرائحة الكريهة” لتمييز الجلادين، مبتعدين عن فخ الخطاب الطائفي التحريضي أو العنصرية الفجة التي سقطت فيها أعمال مسرحية أخرى عزت الإجرام للهجة أو طائفة معينة؛ فالإجرام ليس حكراً على أحد، والنزاع حتماً لم يكن بين ملائكة وشياطين.
لم يحاكم العرض مفهوم العدالة بشكله المجرد، بل أسقطه على التجربة النفسية والاجتماعية للناجيات، واستند الصراع على العلاقة بين الضحية والجلاد. الضحية التي تعيش حالة الاغتراب في مجتمع فشل في احتواءهن، وجلاد وجد في مجتمع متفكك وسلطة تعيد بناء المنظومة الاستبدادية ملاذاً له.
خلقت هذه المفارقة تساؤلات وصراع معقد لدى ضحايا لا دليل على معاناتهن سوى ذاكرة مكلومة، وتجربة نفسية قاسية، هذا الموقف الأخلاقي الذي تجلى في مشهد المحاكمة يعكس بدقة الوضع السياسي الحالي، وآثاره الذي فرضته سياسات السلطة الترميدورية في دمشق بخطابها الطائفي ومجازرها الدموية وقيامها بإعادة تدوير بعض كبار مسؤولي النظام السابق، وميلها لاستقطاب الطبقة البرجوازية ومنحها الامتيازات الاقتصادية على حساب الطبقة المسحوقة، واحتكارها لسردية الثورة وتاريخها.
يصف المخرج بأن هذا العرض المسرحي هو “اعتذار متأخر لمن لم ينصفهن أحد”، وينتهي العمل دون تقديم إجابات قطعية أو حلول جاهزة حول هذا الملف الشائك، مؤكداً على أن دور الفن الحقيقي لا يكمن في تقديم الإجابات، بل في طرح الأسئلة الكبرى.






