
شهدت بلدة جديدة عرطوز في ريف دمشق، يومي الخميس والجمعة 27 و28 آب/أغسطس، توتراً أمنياً بدأ بخلاف محلي بين شبان من أبناء البلدة وآخرين من أبناء محافظة دير الزور المقيمين فيها، قبل أن يتطور إلى مشاجرات واشتباكات وإطلاق نار وتخريب للممتلكات، وصولاً إلى مظاهرة تخللتها هتافات معادية لأبناء دير الزور.
وبحسب مصادر محلية، بدأت الحادثة مساء الخميس إثر خلاف بين عدد من الأشخاص، قبل أن يتدخل آخرون من الطرفين وتتطور المشاجرة إلى استخدام العصي والأسلحة البيضاء، مع سماع إطلاق نار. وانتشرت قوى الأمن الداخلي في عدد من أحياء البلدة، كما فُرض حظر تجوال خلال ساعات الليل في محاولة لمنع توسع التوتر.
رواية لجنة أعيان جديدة عرطوز
تقدم شهادة نضال البدوي، عضو لجنة أعيان جديدة عرطوز، تفاصيل إضافية حول بداية الأحداث. ووفقاً لشهادته، بدأت الشرارة بخلاف بين مجموعة من الأطفال، بعضهم من أبناء البلدة وبعضهم من أبناء إحدى عشائر دير الزور، قبل أن يتدخل أفراد أكبر سناً من الطرفين، مستخدمين العصي وأدوات معدنية.
ويقول البدوي إن أحد أبناء جديدة عرطوز أُصيب في رأسه خلال المشاجرة على يد شخص من أبناء دير الزور، قبل أن تنتشر بين أفراد عائلته شائعة وفاته متأثراً بإصابته، رغم أن الوفاة لم تكن قد حدثت. وعلى إثر ذلك، توجه أفراد من العائلة إلى منزل الشخص المتهم بضربه، قبل أن يتدخل أحد عناصر الأمن الداخلي، وهو من أبناء البلدة، لمنع الانتقام.
وبحسب البدوي، ساهم انتشار مقاطع المشاجرة والهجوم على منزل العائلة المنحدرة من دير الزور عبر وسائل التواصل الاجتماعي في تصعيد التحريض والتجييش المناطقي وتوسيع دائرة التوتر. كما عُقد اجتماع لأعيان البلدة ووجهاء العشائر بهدف احتواء الأزمة والتوصل إلى معالجة سلمية ومحاسبة المتورطين.
الرواية الرسمية
أما الرواية الرسمية، فتتعامل مع الأحداث باعتبارها مشاجرة جماعية محلية، وتؤكد أن قوى الأمن الداخلي تدخلت لضبط الوضع وحماية الأهالي والممتلكات.
وأفاد مصدر أمني بأن قوى الأمن نفذت انتشاراً واسعاً في البلدة بعد تجدد المشاجرة يوم الجمعة، مؤكداً أن الهدف هو الحفاظ على الأمن والاستقرار وحماية السكان والممتلكات، وداعياً الأهالي إلى الالتزام بالقانون والاحتكام إلى المؤسسات الرسمية.
في المقابل، تحدثت مصادر محلية عن اعتداءات طالت منازل وممتلكات، وتكسير سيارات والاعتداء على بعض الأهالي. كما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بتجدد الاشتباكات مساء الجمعة، وإصابة شخص من أبناء البلدة، إضافة إلى تخريب ممتلكات وقطع أشجار، قبل تعزيز انتشار قوى الأمن الداخلي.
من المشاجرة إلى خطاب الكراهية
لم تتوقف الأحداث عند حدود الاشتباك بين مجموعات محددة، إذ خرجت مظاهرة في البلدة تخللتها، بحسب المرصد السوري، هتافات معادية لأبناء دير الزور، تضمنت أوصافاً مثل «الخونة» و«الدواعش».
وهنا تكمن خطورة ما جرى في جديدة عرطوز. فحادثة بدأت، وفق شهادة أحد أعيان البلدة، بخلاف بين أطفال، تحولت خلال ساعات إلى مواجهة جماعية تغذيها الشائعات والسلاح والتحريض والتعميم المناطقي.
فالانتقال من تحميل المسؤولية لأفراد محددين إلى تحميلها لجماعة بأكملها يحول حادثة محدودة إلى صراع مفتوح على أساس الهوية والانتماء، ويجعل أي حادث جديد قابلاً لإعادة إنتاج التوتر نفسه.
حلقة في سلسلة أوسع
لا تبدو جديدة عرطوز حادثة معزولة عن السياق السوري الأوسع. فقد شهدت مناطق مختلفة خلال المرحلة الانتقالية أحداثاً انتقلت فيها الخلافات المحلية أو الأمنية إلى مواجهات ذات أبعاد طائفية أو مناطقية، كما حدث في جرمانا وصحنايا والساحل السوري والسويداء.
وتكشف هذه الأحداث عن بيئة أمنية واجتماعية هشة، ينتشر فيها السلاح وتتراجع الثقة بالمؤسسات، بينما تستطيع الشائعات وخطابات الكراهية تحويل حادثة محدودة إلى مواجهة جماعية.
لكن لا يمكن، في المقابل، تحميل أبناء جديدة عرطوز أو أبناء دير الزور، كجماعات، مسؤولية ما جرى. المسؤولية يجب أن تكون فردية: يحاسب من اعتدى، ومن حرض، ومن خرب الممتلكات، ومن حمل السلاح واستخدمه، بعيداً عن التعميم واستهداف أي جماعة على أساس مناطقي.
مسؤولية سلطة التيرميدور
لكن ذلك لا يعفي السلطة التيرميدورية من مسؤوليتها السياسية والأمنية. فالسلطة التي تحتكر مؤسسات الأمن والقضاء وتعلن نفسها صاحبة الولاية على حفظ النظام، تتحمل المسؤولية عن حماية المدنيين وممتلكاتهم، ومنع تحول الخلافات المحلية إلى صراعات جماعية، وضمان المساواة في تطبيق القانون.
وما تكشفه جديدة عرطوز، كما تكشفه أحداث الساحل وجرمانا وصحنايا والسويداء وغيرها، ليس مجرد خلل أمني عابر، بل أزمة أعمق في بنية السلطة والمؤسسات. فضعف المساءلة، وانتشار السلاح، وغياب الثقة بالمؤسسات، واستمرار الاحتقانات الاجتماعية والمناطقية، تجعل المجتمع أكثر عرضة للانفجار.
إرسال التعزيزات الأمنية وفرض حظر التجوال قد يوقف الاشتباك مؤقتاً، لكنه لا يعالج جذور الأزمة. فالحل لا يكمن في ترميم مؤسسات السلطة التيرميدورية أو منحها مزيداً من الصلاحيات، بل في بناء بديل ديمقراطي واجتماعي من أسفل، يقوم على التنظيم الشعبي المستقل والتضامن بين العمال والفقراء والمهمشين من مختلف المناطق، وعلى مؤسسات خاضعة لرقابة المجتمع ومساءلته.
مواجهة الانقسام المناطقي والطائفي لا تكون باستبدال هيمنة بأخرى، بل بنضال مشترك يضع مصالح السوريين الاجتماعية والطبقية في مواجهة التحريض والتهميش والاستغلال. وجديدة عرطوز، في النهاية، تذكير بأن ترك المجتمع أمام السلاح والشائعات والانقسامات لن ينتج إلا مزيداً من الصدامات، وأن الخروج من هذه الدائرة يحتاج إلى تغيير جذري لا إلى إعادة إنتاج السلطة نفسها بأشكال جديدة.
إعداد هيئة تحرير الخط الأمامي






