افتتاحية العدد 91 من جريدة الخط الأمامي آب/ اغسطس 2026

بعد أكثر من عام ونصف على وصول السلطة الجديدة إلى دمشق، تتسع الفجوة بين الوعود التي قدّمتها سلطة فلول داعش والنصرة للناس وبين الواقع الذي يعيشونه يومياً. فقد رُفعت شعارات التنمية والازدهار والكرامة والأمن والاستقرار، لكن ما يلمسه السوريون هو تدهور متواصل في أوضاعهم المعيشية والخدمية، واتساع دائرة الفقر والبطالة، إلى جانب استمرار حالة القلق وانعدام الأمان في مناطق واسعة من البلاد، وتفريط وقح بسيادة البلاد واستقلالها.
لم تعد المشكلة في الوعود التي أطلقتها السلطة الحاكمة، بل في الهوة المتسعة بينها وبين حياة الناس اليومية. فبدلاً من التنمية والازدهار والكرامة والأمن والاستقرار، يعيش غالبية السوريين تدهوراً في مستوى المعيشة، وارتفاعاً في تكاليف الحياة وفقراً مدقعاً، وتراجعاً في الخدمات، وشعوراً متزايداً بانعدام الأمان، واتساعاً في جرائم القتل والخطف. ومن الطبيعي أن يتحول هذا الواقع القبيح إلى غضب واحتجاج متزايدين.
هذا التناقض بين الوعود والواقع أفقد السلطة الترميدورية رصيدها لدى قطاعات وازنة من الجمهور الذي كان يأمل أن تؤدي التغييرات السياسية إلى تحسين حياته. ومع ازدياد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، تتزايد الاحتجاجات والاعتراضات، ليس فقط باعتبارها رفضاً لسياسة محددة، وإنما تعبيراً عن شعور متنامٍ بأن السلطة لم تستجب للمطالب الأساسية للناس فحسب، بل فاقمت من سوء حياتهم إلى حد مريع. فأصبح الجمهور الموالي للسلطة ضيقاً وفاشياً.
لكن تحويل السخط الشعبي إلى قوة قادرة على التغيير يحتاج إلى التنظيم الذاتي والتغيير من الأسفل، فالجماهير هي ذات التغيير وموضوعه.
لكن الاحتجاج وحده لا يكفي إذا بقي متفرقاً وموسمياً. المطلوب هو تحويل السخط إلى فعل شعبي منظم. ويمكن أن يبدأ ذلك بخطوات بسيطة وعملية: تشكيل لجان محلية مستقلة في الأحياء ومواقع العمل والجامعات، وجمع شكاوى الناس وتوثيقها بالأرقام والشهادات، وتحديد مطالب واضحة ومحددة، مثل الأجور والأسعار والكهرباء والخدمات والأمن، ثم الإعلان عنها بشكل جماعي ومتابعة مدى تحقيقها.
كما يمكن تنظيم عرائض جماعية، ووقفات واعتصامات سلمية، وحملات مقاطعة مدنية للجهات أو السياسات المجحفة، وإطلاق حملات إعلامية وشبكات تضامن بين المناطق والقطاعات المختلفة. والأهم هو بناء روابط بين هذه المبادرات، بحيث لا يبقى كل حي أو قطاع وحيداً، بل تتشكل تدريجياً قوة اجتماعية قادرة على التأثير والفعل والمطالبة بالمحاسبة.
تبدأ المقاومة من الأحياء ومواقع العمل والنقابات والروابط المهنية والطلابية والنسائية، عبر تشكيل أطر مستقلة ترصد الأوضاع المعيشية، وتوثق الانتهاكات، وتطرح مطالب واضحة، وتنظم الاحتجاجات. ومن ذلك العمل على ربط وتوحيد النضالات، وبناء شبكة من التضامن بين مختلف المناطق والمكونات والاحتجاجات، بما قد يسمح بتحويل المطالب المتفرقة إلى حركة اجتماعية واسعة تدافع عن العدالة الاجتماعية والحقوق والحريات، وتحقق، بالكفاح الشعبي المنظم من الأسفل، احترام حقوق ومصالح الجماهير المستغلة والمضطهدة، وصولاً إلى التغيير السياسي والاجتماعي الجذري.
فالمواجهة الحقيقية مع سياسات السلطة المستبدة واللاجتماعية لا تكتفي بشعارات كبيرة، لكنها عملياً فارغة، بل تقوم على بناء وعي وعمل جماعي وتنظيم مستقل وتضامن شعبي واسع، قادر على تحويل الجماهير من متلقين سلبيين للسياسات وضحايا لها إلى قوة اجتماعية فاعلة في تحديد مستقبل البلاد وصنع التغيير.
المقاومة هنا ليست مجرد رفض وغضب؛ إنها تنظيم الناس حول مصالحهم اليومية، وبناء مؤسساتهم المستقلة، وتوسيع دائرة التضامن، واستخدام الضغط الشعبي السلمي بصورة مستمرة ومنظمة. وبذلك يتحول نضال الجماهير ومقاومتها للسلطة والطبقة البرجوازية المالكة الحاكمة إلى قوة فاعلة قادرة على تحقيق التغيير السياسي والاجتماعي المنشود لصالح الكادحين والمضطهدين.
يقف حزبنا بكل طاقاته مع تنظيم المقاومة الشعبية لجماهير المقموعين والمفقرين والمستغلين.

حول حل «قسد» والإدارة الذاتية
إن حلّ «قسد» وإنهاء تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا جاءا كعامل إضعاف إضافي للحركة الديمقراطية السورية عموماً، رغم أنهما حصلا كنتيجة مباشرة لاختلال موازين القوى خلال المرحلة الانتقالية، لمصلحة السلطة المركزية في دمشق والقوى الإقليمية والدولية المتدخلة في الشأن السوري. فقد جرى الانتقال من واقع كانت فيه مناطق واسعة من شمال وشرق البلاد تتمتع بإدارة وقوة عسكرية مستقلتين، إلى إعادة دمج هذه البنية ضمن مؤسسات الدولة، مع تراجع واضح في هامش الاستقلال السياسي والعسكري السابق.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تمنعنا معارضة هذا المسار من إعادة التذكير بانتقاداتنا لتجربة الإدارة الذاتية نفسها، مع تضامننا غير المشروط مع كفاح الشعب الكردي التحرري. فعلى مدى نحو عشر سنوات، لم تنجح هذه التجربة في تقديم نموذج سياسي واجتماعي جذاب بما يكفي ليتحول إلى مشروع ديمقراطي لعموم سوريا يستقطب قطاعات واسعة من العرب والكرد وسائر السوريين، أو إلى قوة تقود حركة ديمقراطية على مستوى البلاد. كما أن اعتمادها الكبير على موازين القوى العسكرية والدعم الدولي جعل قدرتها على الاستمرار مرتبطة إلى حد بعيد بالتحولات الإقليمية والدولية.
لكن انتهاء الإدارة الذاتية بصيغتها السابقة لا يعني انتهاء القضية الكردية، ولا يعني أن الشعب الكردي قد فقد كل ما حققه خلال السنوات الماضية. فالاعتراف بالهوية واللغة والحقوق الثقافية، وما راكمته الحركة السياسية والمجتمعية الكردية من خبرة وتنظيم، تبقى مكتسبات لا يمكن اختزالها في وجود إدارة أو قوة عسكرية. وقد أكدت الترتيبات الجديدة بعض الحقوق الكردية المحدودة، وإن بقيت المخاوف حول مدى ضمانها عملياً قائمة.
والأهم أن الحركة القومية والسياسية الكردية ما زالت قوة اجتماعية وسياسية أساسية في سوريا. وهي جزء أصيل وأساسي من الحركة الديمقراطية السورية، وتبقى القضية الكردية في بلادنا قضية جوهرية للحركة الديمقراطية، لا قضية منفصلة عنها. المطلوب اليوم إعادة بناء تحالف يساري وديمقراطي سوري واسع، يدافع في آن واحد عن اللامركزية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحقوق القومية والثقافية للكرد وسائر القوميات والأديان، ويواجه نزعة السلطة الترميدورية إلى إعادة إنتاج مركزية الدولة الشوفينية ونظام الاستبداد، كما يواجه عنف جمهورها الفاشي.
إن خسارة صيغة الإدارة الذاتية ليست نهاية النضال الديمقراطي والاجتماعي؛ بل قد تكون فرصة لإعادة صياغته على أساس وطني أوسع: من تجربة سلطة الأمر الواقع إلى مشروع ديمقراطي سوري مشترك، تكون فيه القضية الكردية جزءاً من قضية الحرية والمواطنة والعدالة لكل السوريين.
هيئة تحرير الخط الأمامي






