
قبل عام، كان اسم إبراهيم تراوري يتردد في أنحاء أفريقيا بوصفه رمزًا لعودة المشروع التحرري إلى القارة. فالشاب الذي أطاح بالنفوذ الفرنسي في بوركينا فاسو، وطرد القوات الفرنسية، ورفع راية السيادة الوطنية، بدا لكثيرين امتدادًا لتوماس سانكارا، بل واعتبره البعض بداية مرحلة جديدة من التحرر الأفريقي.
لكن السياسة لا تُقاس بالشعارات، وإنما بالسياسات والتحالفات والطبقات التي تخدمها الدولة. وبعد عام، تبدو صورة تراوري أكثر تعقيدًا، وربما أكثر تناقضًا.
ففي الوقت الذي تواصل فيه حكومته تقديم نفسها باعتبارها رأس حربة في مواجهة الإمبريالية الفرنسية، شهدت الأسابيع الأخيرة استقبال السفير الإسرائيلي الجديد في واغادوغو، في خطوة تعكس تقاربًا سياسيًا ودبلوماسيًا واضحًا مع دولة تمثل اليوم أحد أهم أعمدة المشروع الإمبريالي في الشرق الأوسط وأفريقيا.
قد يحاول البعض تصوير المسألة باعتبارها مجرد براغماتية سياسية، أو ضرورة تفرضها ظروف الدولة، لكن هذا التبرير يطرح سؤالًا أكثر جوهرية: إذا كانت مناهضة فرنسا تعني في النهاية إعادة بناء العلاقات مع إسرائيل، فما الذي بقي من الخطاب المناهض للإمبريالية؟
لقد وقع كثيرون في خطأ اختزال الإمبريالية بفرنسا وحدها. صحيح أن باريس كانت لعقود القوة الاستعمارية الرئيسية في غرب أفريقيا، وأن طرد قواتها مثّل ضربة لنفوذها، لكن الإمبريالية ليست علمًا فرنسيًا، ولا قاعدة عسكرية بعينها. إنها نظام عالمي من السيطرة الاقتصادية والعسكرية والسياسية، تتنافس داخله قوى متعددة، وتتعاون حين تقتضي مصالحها ذلك.
وفي هذا النظام تحتل إسرائيل موقعًا متقدمًا، ليس فقط باعتبارها الحليف الأقرب للولايات المتحدة، بل أيضًا بوصفها دولة توسع باستمرار حضورها الأمني والعسكري والتكنولوجي في أفريقيا. وبالتالي فإن التقارب معها لا يمثل خروجًا من المنظومة الإمبريالية، بل إعادة تموضع داخلها.
هذا التناقض لم يظهر فقط في السياسة الخارجية.
ففي الداخل، واصلت السلطة العسكرية تعزيز قبضتها على الحياة السياسية. فقد جرى حل الأحزاب السياسية، وتقييد عمل المنظمات المدنية، وتشديد الرقابة على الإعلام، بينما يجري تقديم كل ذلك باعتباره دفاعًا عن الثورة والسيادة الوطنية.
لكن أي تحرر وطني يمكن أن يقوم على إضعاف المجتمع نفسه؟
إن التجربة التاريخية تعلمنا أن مقاومة الإمبريالية لا تنفصل عن توسيع المشاركة الشعبية، وعن بناء مؤسسات مستقلة للعمال والفلاحين والشباب، لا عن تركيز السلطة في يد المؤسسة العسكرية. فالدولة التي تطالب الجماهير بالصمت باسم المعركة الوطنية سرعان ما تتحول إلى دولة تطالبها بالطاعة الدائمة.
وهنا تكمن حدود المقارنة بين تراوري وتوماس سانكارا.
فرغم كل ما يمكن أن يقال عن تجربة سانكارا، فقد ارتبط مشروعه بمحاولات لإعادة توزيع الثروة، وتوسيع الخدمات العامة، وتعبئة الجماهير للمشاركة في صنع القرار. أما اليوم، فإن الخطاب السيادي لا يرافقه مشروع اجتماعي يعيد توزيع السلطة والثروة، بل يرافقه توسع في سلطة الدولة نفسها.
لقد كان مقال سابق نشرناه بعنوان “تراوري هو الحل لأفريقيا؟” يحذر من إسقاط الآمال على شخصيات عسكرية، مهما بدت راديكالية في خطابها. واليوم تؤكد الوقائع صحة هذا التحذير.
فعندما تغيب الحركة الشعبية المنظمة القادرة على فرض برنامجها المستقل، يصبح الصراع داخل أجهزة الدولة هو المحدد الرئيسي للسياسة. وعندها تتحول الشعارات المناهضة للاستعمار إلى أدوات تفاوض بين قوى إقليمية ودولية، لا إلى مشروع لتحرير المجتمع.
إن الأزمة التي تعيشها أفريقيا ليست مجرد أزمة نفوذ فرنسي، بل أزمة الرأسمالية التابعة بكل أشكالها. ولذلك فإن استبدال باريس بموسكو، أو بواشنطن، أو ببكين، أو حتى بتل أبيب، لا يغيّر طبيعة النظام الذي ينهب ثروات القارة ويحرم شعوبها من السيطرة على مستقبلها.
هذا لا يعني التقليل من أهمية أي ضربة تُوجَّه للإمبريالية الفرنسية، ولا يعني الوقوف إلى جانب التدخلات الغربية أو محاولات زعزعة استقرار بوركينا فاسو. فالاشتراكيون يقفون ضد كل تدخل إمبريالي، وضد كل محاولة لإخضاع شعوب أفريقيا لإرادة القوى الكبرى.
لكنهم، في الوقت نفسه، يرفضون تحويل الأنظمة العسكرية إلى بديل عن النضال الشعبي، أو اعتبار كل من يختلف مع فرنسا مناهضًا للإمبريالية بالضرورة.
لقد أثبتت الأشهر الماضية أن معاداة فرنسا ليست معيارًا كافيًا للحكم على أي مشروع سياسي. فالمعيار الحقيقي هو: من يحكم؟ ولصالح من تُمارس السلطة؟ وهل تتوسع حقوق العمال والفقراء وتنظيماتهم المستقلة، أم تتراجع؟
تبقى أفريقيا بحاجة إلى التحرر من الإمبريالية، لكنها بحاجة أيضًا إلى التحرر من أوهام “القائد المنقذ”. فالتاريخ لم تصنعه الانقلابات العسكرية، بل صنعته الشعوب عندما نظمت نفسها، وبنت مؤسساتها المستقلة، وفرضت إرادتها من أسفل.
وحدها هذه الطريق يمكن أن تحقق التحرر الوطني والاجتماعي معًا، أما الرهان على جنرال يرفع شعارات ثورية، ثم يعيد إنتاج الدولة نفسها بعلاقاتها القديمة والجديدة، فلن يقود إلا إلى دورة جديدة من الإحباط، مهما كانت شعبيته اليوم.
إعداد هيئة تحرير الخط الأمامي






