
تقف سوريا، بعد نحو عامين من سقوط نظام بشار الأسد، أمام مرحلة انتقالية شديدة التعقيد والعنف. فقد انتهى نظام الاستبداد البعثي القديم، لكن ذلك لم يؤدِّ إلى قيام نظام ديمقراطي تعددي، أو إلى حلّ المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي فجّرت الثورة السورية عام 2011. بل على العكس من ذلك تماماً، حلّت مكانه سلطة ترميدورية ميليشياوية طائفية عميلة، تسلّمت الحكم بصفقة إمبريالية، وتستند إلى جمهور من الغبار البشري الفاشي، ارتكبت مجازر عديدة في الساحل بحق العلويين في آذار/مارس 2025، وبحق الدروز في السويداء في تموز/يوليو 2025، وبحق الشعب الكردي في بداية هذا العام، واضطهدت المسيحيين والمذاهب السنية غير السلفية، وغير ذلك من عمليات التمييز والقهر الديني والقومي والمناطقي والجندري.
شهد عام 2026، نتيجة سياسات السلطة الترميدورية، استمرار مظاهر التوتر والعنف والاحتقان الطائفي والاجتماعي. كما شهدت البلاد موجات احتجاج مرتبطة بارتفاع الأسعار والأجور والوقود وسوء الإدارة والفساد المستشري. وفي أيلول/سبتمبر 2026، أدّت زيادات أسعار المحروقات إلى واحدة من أوسع موجات الاحتجاج منذ سقوط الأسد، وشملت إغلاق طرق واحتجاجات في عدة مناطق.
اقتصادياً، وبخلاف ادعاءاتها، فشلت سلطة فلول داعش والنصرة في جلب الاستثمارات المحلية والخارجية، رغم تخفيف العقوبات واستعادتها حقول النفط. لكن كل المؤشرات الكلية لا تُظهر أي تحسن اجتماعي: الفقر يزداد اتساعاً، والقوة الشرائية منهارة، والبطالة مرتفعة إلى حد غير معهود، والخدمات العامة والبنية التحتية في حالة مزرية وشديدة التدهور. كما يشير البنك الدولي إلى أن الإيرادات العامة تراجعت إلى أقل من 5% من الناتج المحلي، وأن قدرة السلطة المالية على تلبية الحاجات الاجتماعية محدودة للغاية، وبالأخص مع تقلص أو توقف الدعم المالي من دول الخليج.
تكمن المسألة الأساسية في أن سقوط النظام القديم لم يغيّر بصورة جذرية علاقات القوة الاجتماعية والاقتصادية. فقد استُبدلت نخبة حاكمة بأخرى، بينما بقيت الغالبية العظمى من السكان خارج عملية اتخاذ القرار السياسي والسيطرة على الموارد الاقتصادية. ولا سيما أن توجه عملية إعادة الإعمار التي تتبناها السلطة الترميدورية يقوم على الخصخصة والمضاربات العقارية وتركيز الثروة في أيدي رجال أعمال مرتبطين بمراكز السلطة، فإن الانتقال السياسي لا يمكن أن يكون انتقالاً ديمقراطياً، بل إعادة تشكيل للبرجوازية السورية على أسس جديدة.
لذلك، فإن المهمة الأساسية لليسار الثوري ليست الدفاع عن الماضي، ولا الاكتفاء بالمطالبة باستبدال حكومة بأخرى، بل تحويل الأزمة الحالية إلى فرصة لبناء قوة اجتماعية مستقلة للعمال والفلاحين والفقراء والشباب والنساء والمهمشين والمضطهدين، وكل المدافعين عن الديمقراطية.
ما نحتاج إليه هو تحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى حركة اجتماعية موحدة واسعة، سلمية ومستقلة عن السلطة، وعن القوى الإقليمية والدولية، وعن أمراء الحرب. تبدأ هذه العملية من لجان شعبية ومحلية، وروابط للعمال والموظفين والطلاب والمزارعين، ومنظمات للنساء والشباب، تتعاون على أساس مطالب ملموسة: الأجور، والأسعار، والكهرباء والماء، والعمل، والسكن، والتعليم والصحة، ووقف الاعتقالات والانتهاكات.
المطلوب ليس أن تحل هذه التنظيمات محل المجتمع، بل أن تمنح الطبقات الشعبية أدوات فعل وتنظيم ذاتي لها.
لا يمكن بناء سوريا ديمقراطية من خلال احتكار نخبة ما للسلطة التنفيذية، أو من خلال حكم أمني جديد، أياً كانت هويته. المطلوب دستور ديمقراطي تضعه جمعية تأسيسية منتخبة انتخاباً حراً، وفصل حقيقي للسلطات، وقضاء مستقل، وبرلمان منتخب، وتعددية حزبية ونقابية كاملة، وحرية الصحافة والتنظيم والتظاهر.
كما يجب إخضاع الجيش والأجهزة الأمنية لسلطة مدنية منتخبة، وإنهاء تعدد مراكز القوى المسلحة والفصائل الطائفية التابعة للسلطة، مع دمج المقاتلين وفق معايير مهنية وحقوقية واضحة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم أياً كانت الجهة التي ينتمون إليها.
نحتاج إلى بناء جمهورية ديمقراطية، لامركزية، تعددية واجتماعية، محايدة دينياً وقومياً.
العدالة الانتقالية لا العدالة الانتقائية
لا يمكن بناء وحدة وطنية على أساس النسيان أو الانتقام الجماعي. المطلوب كشف الحقيقة، وتوثيق الجرائم، ومحاسبة المسؤولين عنها بصورة فردية، وتعويض الضحايا، وإعادة المهجرين، ومنع تحويل الانتماء الطائفي أو القومي إلى أساس للعقاب الجماعي. ومحاسبة كافة مسؤولي السلطة القائمة على المجازر التي ارتكبت.
لن يكون للديمقراطية السياسية وحدها معنى إذا بقي ملايين السوريين أسرى الفقر والبطالة وانعدام الأمن الاقتصادي. لذلك ينبغي أن نعمل من أجل برنامج اجتماعي يقوم على رفع الأجور، وربطها بالأسعار، وتأمين حد أدنى معيشي، وإعادة بناء الخدمات العامة، والتعليم والصحة المجانيين، وحماية العمال، وإعادة تشغيل المؤسسات الصناعية والزراعية، وإصلاح الأراضي، وبناء التعاونيات، وتوفير فرص العمل.
كما ينبغي إخضاع الثروات الطبيعية الكبرى، ولا سيما النفط والغاز والمياه، للملكية العامة والرقابة الديمقراطية، ومنع تحويل إعادة الإعمار إلى مجال لتراكم ثروات جديدة بيد أقلية ضيقة.
يرى حزب اليسار الثوري أن الوحدة السورية لا تُفرض بالقوة المركزية، ولا تقوم على إنكار التعدد القومي والديني. الحل الديمقراطي للقضية الكردية وسائر المسائل القومية والدينية يجب أن يقوم على المساواة الكاملة في الحقوق، والاعتراف بالهوية والحقوق القومية واللغة والثقافة، وعلى نظام لامركزي ديمقراطي يتيح للمناطق إدارة شؤونها ضمن دولة سورية موحدة على أساس طوعي ودستوري.
في الوقت نفسه، لا يمكن مواجهة الطائفية بطائفية مضادة. الطريق إلى تجاوزها هو دولة مواطنة محايدة دينياً وقومياً وديمقراطية، مقرونة بسياسات عدالة اجتماعية تقلل من جذور التهميش والفقر وعدم المساواة.
في مواجهة السلطة الترميدورية بجمهورها الفاشي وميليشياتها الطائفية، نحتاج إلى بناء أوسع الجبهات المتحدة للقوى اليسارية، وأيضاً للقوى الديمقراطية والاجتماعية والشعبية، بما يسمح بمقاومة السلطة والتحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والوطنية التي يواجهها الشعب والبلاد.
التغيير لن يأتي من النخب وحدها، ولا من الخارج، ولا من تبديل الأشخاص في قمة السلطة. يحتاج إلى قوة سياسية منظمة تربط بين النضال الديمقراطي والنضال الاجتماعي.
ومن هنا تبرز مهمة أساسية لنا، هي متابعة العمل على بناء الحزب، ديمقراطياً داخلياً، ومتعدد القوميات والطوائف والمناطق، يعمل داخل الحركة الشعبية والنقابات والجامعات والأحياء وأماكن العمل، ويقدم بديلاً سياسياً واضحاً لكل من الاستبداد والليبرالية الاقتصادية والطائفية والتبعية للقوى الخارجية.
والحال، فإن أفق التغيير في سوريا لا يتحدد مسبقاً بسقوط سلطة أو بقائها. الصراع الحقيقي هو ذلك الذي يدور حول طبيعة المجتمع والدولة اللذين سيخرجان من الأزمة الراهنة. فإذا بقيت الجماهير السورية، وقواها السياسية والاجتماعية، متفرجة أو مشلولة، ثمة خطر أن تنتقل البلاد من استبداد قديم إلى شكل جديد من الاستبداد والتسلط والامتيازات. أما إذا استطاعت القوى اليسارية والديمقراطية، مع الطبقات الشعبية، تنظيم نفسها بصورة مستقلة، وربط الديمقراطية السياسية بالعدالة الاجتماعية والمساواة القومية والطائفية، فإن الأزمة الحالية يمكن أن تتحول إلى بداية لمسار تاريخي جديد: سوريا ديمقراطية، اجتماعية، علمانية، متعددة القوميات والطوائف، لامركزية، تقوم فيها السلطة من أسفل إلى أعلى، وتصبح ثروات البلاد ملكاً للمجتمع لا امتيازاً لنخبة جديدة.
إن المهمة المطروحة علينا جميعاً في المرحلة الراهنة، كما يراها حزب اليسار الثوري، إذن، ليست انتظار «المنقذ»، أياً كان، بل المساهمة في بناء القوة الاجتماعية والسياسية القادرة على جعل الشعب نفسه صاحب القرار، وله اليد العليا في تقرير مستقبله ومستقبل سوريا.
إعداد هيئة تحرير الخط الأمامي






