مقال لجوزيف تشونارا نشر في مجلة الإشتراكية الأممية في حزيران/يونيو 2026

من الموضوعات الرئيسية في التحليلات التي نشرتها مجلة الإشتراكية الأممية خلال السنوات الأخيرة تآكل القوى والمؤسسات التي كانت تمنح الرأسمالية العالمية قدراً من الاستقرار والتماسك. ويشمل ذلك رفضاً واسعاً للسياسيين والأحزاب السائدة، الذين اتجهوا، منذ ثمانينيات القرن العشرين، إلى التقارب حول مجموعة من السياسات والتصورات النيوليبرالية عموماً، وإلى إعادة تشكيل المؤسسات أو بنائها لتعزيز تلك السياسات والتصورات. النيوليبرالية مصطلح مراوغ يصعب تحديده؛ فهو يتخذ أشكالاً متغيرة باستمرار، كما يختلف تطبيقه اختلافاً كبيراً من سياق إلى آخر. ولم تكن يوماً نظاماً متماسكاً اعتُمد بالكامل في أنحاء الرأسمالية العالمية. ومع ذلك، كان ثمة، على الأقل، «شبه عائلي» بين المحاولات المختلفة لتطبيقها أو فرضها. أما اليوم، فغالباً ما تعاقب صناديق الاقتراع القوى السياسية المرتبطة بتلك السياسات.
وهذا ينطبق بوضوح على بريطانيا، حيث هيمن حزبان من خارج التيار السياسي السائد — حزب «إصلاح المملكة المتحدة» اليميني المتطرف، وحزب الخضر بقيادة اليساري زاك بولانسكي — على استطلاعات الرأي في الانتخابات المحلية التي جرت في أيار/مايو. وتراجعت الحصة الوطنية المتوقعة من الأصوات للأحزاب الثلاثة التقليدية في السياسة البريطانية — حزب العمال، والديمقراطيون الليبراليون، والمحافظون — إلى 50 في المئة فحسب، بعدما بلغت 76 في المئة قبل عقد من الزمن. ومن المرجح أن تؤدي النتائج الكارثية لحزب العمال إلى اندلاع صراع على قيادته، يُتوقع أن يفضي إلى رحيل كير ستارمر، الذي قاد الحزب قبل عامين فقط إلى فوز ساحق. ودلالة كبيرة على عجز نواب حزب العمال الـ402 الحاليين أن أندي بيرنهام، وهو المرشح الأوفر حظاً لخلافة ستارمر، يخوض انتخابات فرعية عند إقفال هذا العدد، وكان عليه أن يعود إلى البرلمان قبل أن يتمكن من خوض أي تحدٍّ على القيادة.
وتظهر اضطرابات مشابهة في السياسة السائدة في أماكن أخرى. ففي الاتحاد الأوروبي، تتصدر أحزاب اليمين المتطرف استطلاعات الرأي قبيل انتخابات مهمة في أقوى ثلاث دول فيه: ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. وفي الولايات المتحدة، أعاد دونالد ترامب تشكيل الحزب الجمهوري ليصبح حزباً يمينياً متطرفاً يتبنى شعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). وفي كل مكان تقريباً، تراجعت الديمقراطية الليبرالية منذ عام 2008، مع صعود السياسة السلطوية الذي عكس المسار السائد في معظم فترة ما بعد الحرب.
إذا أصبحت النظم السياسية الوطنية أكثر استقطاباً وتقلباً، فالأمر نفسه ينطبق على الساحة الدولية، أي ميدان العلاقات بين القوى الإمبريالية. وتكمن التحولات الطويلة الأمد في موازين القوة الاقتصادية وراء هذه التغيرات. ففي عام 1960، كانت الولايات المتحدة تمثل 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وبحلول عام 1990، انخفضت هذه النسبة إلى 26 في المئة. لكن الولايات المتحدة تمكنت من منعها من التراجع أكثر خلال العقود الثلاثة والنصف التالية، بفضل الاستخدام الفعال للدولار، الذي لا يزال العملة العالمية المهيمنة، وبفضل نظام تجاري عالمي مواتٍ للغاية أسهمت في إرسائه في البداية، وإلى حد ما بفضل إعادة تنظيم قطاعها الصناعي. وفضلاً عن ذلك، عزز انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ستعيد الآن تنظيم العالم وفقاً لمبادئها. لكن صورة مختلفة أخذت تظهر على نحو متزايد. فإلى جانب الإخفاقات العسكرية الأميركية في أفغانستان والعراق، كان صعود الصين الاقتصادي عاملاً حاسماً؛ إذ ارتفعت حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 2 في المئة عام 1990 إلى نحو 17 في المئة، وهي نسبة تكفي لجعل تهديدها للهيمنة الأميركية أمراً جدياً.
يعبّر الصراع مع إيران، الذي يشكّل خلفيةً لسلسلة من المقالات في هذا العدد من مجلة «الاشتراكية الأممية»، عن بعض عواقب هذه التحولات. فقد أفرز تغيّر موازين القوى الإمبريالية عدداً متزايداً من القوى الإمبريالية الفرعية القادرة على منازعة النفوذ على المستوى الإقليمي. وتضم المنطقة المتمحورة حول الشرق الأوسط عدداً كبيراً منها على نحو لافت، من بينها إسرائيل وإيران والإمارات العربية المتحدة والسعودية وتركيا. وقد أدّى كل منها دوراً في صراعات السنوات الأخيرة، مثل تفتيت سوريا، والحربين في السودان واليمن، والصدام الدائر الآن بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها. وتنعكس التحولات التي طرأت على الإمبريالية العالمية أيضاً في المظهر المتواضع الذي بدا به ترامب خلال لقائه في بكين مع الزعيم الصيني شي جين بينغ في أيار/مايو 2026، بعدما أخفق الرئيس الأميركي في سحق الصين اقتصادياً عبر الرسوم الجمركية، أو إخضاع إيران عسكرياً بالقصف الجوي.
تكشف حرب ترامب على إيران كيف يتفاعل عدم الاستقرار السياسي مع بُعدين آخرين مترابطين من أبعاد الفوضى الجديدة. أولهما البُعد البيئي. ففي وقت مضى، كان معظم السياسيين البارزين يكتفون بإبداء تأييد شكلي لقضايا مثل الاحترار العالمي، بل ويطرحون أحياناً بعض السياسات لمعالجة أزمة المناخ المتفاقمة. لكن ذلك لم يعد يحدث إلا نادراً، في الوقت الذي بدأت فيه المشكلات البيئية تؤثر، على نحو متزايد ومزعزع للاستقرار، في الاقتصاد السياسي للرأسمالية. فعلى سبيل المثال، يشير الاقتصادي اليساري جيمس ميدواي إلى أن تضافر الحرب في إيران مع العوامل البيئية — مثل أحوال الطقس القاسية واشتداد ظاهرة النينيو — قد يؤثر بشدة في أسعار الغذاء في بلدان مثل بريطانيا خلال هذا الصيف. وكما سنناقش أدناه، تتفاقم في أجزاء من الجنوب العالمي عواقب أشد فتكاً وأكثر إلحاحاً.
البُعد الثاني هو البُعد الاقتصادي. فالرأسمالية نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي عالمي ومترابط، يقوم في أساسه على سير عمليات الإنتاج والتداول والتوزيع، أو تعثّرها. وقد أسهم اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، وما أعقبه في معظم الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة من إنقاذ المصارف ثم فرض سياسات التقشف، في تسريع تآكل التأييد للسياسة السائدة. لكن أياً من البدائل لم ينجح في تجاوز التناقضات الكامنة التي تواجهها الرأسمالية؛ بل تكاثرت التعبيرات الجديدة عن هذه التناقضات. وفيما يلي، سأبحث مواطن هشاشة الرأسمالية أمام الاضطراب من النوع الذي أشعلته الحرب في إيران.
ملامح الرأسمالية المعاصرة
لطالما تشككت هذه المجلة في الكلام السطحي عن “العولمة” بوصفها عملية موحّدة، أو عملية تُحدث تحولاً جوهرياً في منطق الرأسمالية القائم على الأزمات، ومن ثم في الاستغلال والتراكم. فمنذ عام 1945 وحتى عام 2008، شهدنا نمطاً متزايداً من تدويل رأس المال، اتسع نطاقه واشتدّ، لكنه ظل انتقائياً وغير متكافئ. يتدفق رأس المال إلى حيث يستطيع تحقيق الأرباح بأكبر قدر من الفاعلية. وتتأثر هذه العمليات بتكاليف العمل، لكن لو كان هذا هو العامل الوحيد، لنُقل معظم التصنيع ببساطة إلى أفريقيا جنوب الصحراء. يتوقف توطّن رأس المال أيضاً على إمكانية الوصول إلى الأسواق؛ وعلى البنية التحتية وأنظمة إعادة الإنتاج الاجتماعي التي تضمن توافر قوة العمل بالخصائص المطلوبة، وغالباً ما تضطلع الدولة بدور فيها؛ وعلى إمدادات المواد الخام وشبكات المدخلات الأخرى؛ وعلى وجود بيئة سياسية مستقرة بما يكفي؛ وغير ذلك. ولا يبقى أي من هذه العوامل ثابتاً بمرور الزمن: فرأس المال والدولة يغيّران محيطهما باستمرار، ويعيدان تشكيله لتحديد المواقع التي يمكن فيها تحقيق الأرباح بأكبر قدر من الفاعلية. وفي الوقت نفسه، فإن ترسّخ رأس المال مادياً في مواقع جغرافية معينة وارتباطه بشبكات الإنتاج الأوسع، قد يجعل نقله أو إعادة تنظيمه أمراً صعباً.
الجدول 1: أين يتركز رأس المال؟

المصدر: حسابات أُجريت استناداً إلى قاعدة بيانات الاستثمار ورصيد رأس المال التابعة لصندوق النقد الدولي (مقوّمة بالدولار الأميركي الثابت؛ واستُخدمت أحدث سنة تتوافر بياناتها عند عدم توافر بيانات عام 2019).
يسعى رأس المال إلى التوسع بحثاً عن الأرباح، لكنه يتركز أيضاً في دول ومناطق بعينها. وتُظهر نتائج هذين الاتجاهين على المدى الطويل بياناتُ الجدول 1. فالصين هي المركز الصاعد بقوة لتراكم رأس المال. وتنتج الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي ما يقارب نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتستحوذ على ما يزيد قليلاً على نصف إجمالي الاستثمارات. تضم قائمة أكبر عشرة اقتصادات عدداً من البلدان الأخرى ذات الكثافة السكانية العالية — الهند وإندونيسيا والبرازيل وروسيا والمكسيك؛ كما تأتي تركيا ضمن أكبر عشرين اقتصاداً. وتمثل هذه البلدان كتلة كبيرة من الإنتاج والاستثمار، لكن أياً منها لا ينافس القوى الثلاث الكبرى من حيث نصيب الفرد. ومن بين القوى الكبرى، كانت الصين والولايات المتحدة الأكثر ديناميكية، بينما يفتقر الاتحاد الأوروبي إلى التماسك السياسي الداخلي وإلى الشركات الرائدة في مجالات مثل التكنولوجيا الكبرى، بما يمكّنه من مواكبة المنافسة. أما ألمانيا، القوة الصناعية الأكبر في الاتحاد الأوروبي، فتعاني الركود وسط ارتفاع تكاليف الطاقة واشتداد المنافسة من الصادرات الصينية.
وتكتمل قائمة الجدول باقتصادات متقدمة أخرى كبيرة نسبياً: كندا وبريطانيا واليابان وكوريا الجنوبية، إلى جانب السعودية، التي كانت تاريخياً عملاقاً نفطياً، لكنها نوّعت أنشطتها لتشمل صناعات أخرى. أما الاقتصادات منخفضة الدخل، فلا تزال هامشية من منظور رأس المال العالمي، رغم أن هذه الفئة تضم بلداناً ضخمة مثل نيجيريا وبنغلاديش وفيتنام. وحتى الاقتصادات التي يصنّفها صندوق النقد الدولي على أنها «اقتصادات أسواق ناشئة» تظل، عند النظر إلى كل منها على حدة، أضعف من القوى الكبرى بفارق يقارب مرتبتين من حيث الحجم.
تنطوي إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي على تداعيات مهمة. فبعد انتصار الحرب الباردة، ربما افترض القادة الغربيون أن دخول الصين منظمة التجارة العالمية عام 2001 يمهّد لتقدّم «السلام الأميركي» — فضاء نيوليبرالي موحّد تحت راية البيت الأبيض ووول ستريت، والشركات متعددة الجنسيات وصندوق النقد الدولي. لكن النتيجة جاءت مختلفة تماماً. كما أشرنا أعلاه، اشتدت التوترات بين القوى الإمبريالية، وتجّلت في صراعات اقتصادية وسياسية وعسكرية. وقد أسهم ذلك، إلى جانب صعود قوة مستعدة لاستخدام دولتها بفاعلية وعلانية لدفع طموحاتها الاقتصادية وتنسيقها، في عودة رأسمالية الدولة؛ إذ أخذت دول أخرى تحاكي جوانب من النهج الصيني في المنافسة. وعلّق مستشار في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ومقره واشنطن، على زيارة ترامب إلى الصين قائلاً: «إن الحديث برمّته عن الإنصاف في التجارة يتلاشى، لأنهم… يعتقدون أنهم لن يتمكنوا من حمل الصينيين على التراجع عن هذه المسائل، لكن أكثر من ذلك، لأن الولايات المتحدة قررت هي نفسها أن تتدخل بقوة في الاقتصاد الأميركي». وتظهر أنماط مشابهة في أماكن أخرى. فقد شرعت ألمانيا، مثلاً، في حملة لزيادة الإنفاق على البنية التحتية والدفاع، ممولة بالديون.
وثمة عامل إضافي يشكّل أساساً أيضاً لرأسمالية الدولة الجديدة، وهو الدور المحوري للدولة في أشكال مختلفة من إدارة الأزمات. فالدولة لم تختفِ مع التحول إلى السياسات النيوليبرالية؛ بل واصلت أداء دور يفوق بكثير ما قد توحي به تلك السياسات في الحياة الاقتصادية، حتى وإن حُصرت وظائفها وأُعيد توجيهها وسط تمجيد آليات السوق. وقد أدّت الدول، إلى جانب مصارفها المركزية، دوراً مهماً في إنقاذ النظام عامي 2008 و2009. ووصف الاقتصادي الماركسي أندرو كليمان ذلك آنذاك بأنه «تجلٍّ جديد لرأسمالية الدولة… لإنقاذ النظام الرأسمالي من نفسه». وبحلول جائحة كوفيد-19، كان بوريس جونسون، رئيس الوزراء الذي أعلن تأييده للتاتشرية، يشرف على أضخم تدخل للدولة في اقتصاد بريطانيا الرأسمالي خلال زمن السلم، إذ تدخلت الدولة لدعم القسم الأكبر من سوق العمل وحماية الشركات. وكان التدخل الواسع للدولة، بما فيه التدخل المموّل بالديون، قد أصبح أمراً طبيعياً بحلول ذلك الوقت. وليس مستغرباً أن يدفع ذلك بعض اليساريين وأفراد الطبقة العاملة إلى التساؤل: إذا كانت الدولة قادرة على إنقاذ الشركات التي توشك على الانهيار، فلماذا لا تستطيع معالجة ما يواجهونه هم من مشقات ومظالم شتى؟
لكننا لا نشهد سوى عودة جزئية لرأسمالية الدولة، أو، بتعبير أدق، انتقالاً معقداً إلى وضع جديد يجمع بين عناصر من رأسمالية الدولة وعناصر من النيوليبرالية في صيغة تركيبية جديدة. وثمة ثلاثة أسباب تحول دون عودة الرأسمالية ببساطة إلى أشكال ما قبل النيوليبرالية.
أولاً، لا تزال لدى الطبقة الحاكمة قناعات نيوليبرالية راسخة. فرغم استعداد ترامب التام لمحاولة نسف إجماع النخب، الممتد لعقود، حول التجارة الحرة، من خلال برنامجه للرسوم الجمركية. فإنه لا يزال ملتزماً ببرنامج على نهج ريغان، يقضي بخفض الضرائب على الأثرياء والشركات، إلى جانب رفع القيود التنظيمية عن المصارف والعملات المشفّرة. كما يشاطِر بيل كلينتون والديمقراطيين الجدد من تسعينيات القرن العشرين نفورهم من برامج الرعاية الاجتماعية الممولة من المال العام. وفي بريطانيا، تمثّل أحد أوجه التخبط في إدارة حزب العمال بقيادة ستارمر في ضمّ أعداد كبيرة من البليريين الذين لم يراجعوا مواقفهم، والذين عملوا، شأنهم شأن الديمقراطيين الجدد، على ترسيخ صيغة من النيوليبرالية في ظل «حزب العمال الجديد». ولا تزال محاولات «إصلاح» نظام الرعاية الاجتماعية باتجاه أكثر نيوليبرالية جزءاً من الأجندة السياسية في بلدان مثل فرنسا وألمانيا؛ وقد تنجح هذه المحاولات أحياناً، وتُجهض أحياناً أخرى.
ثانياً، لم يكن تبنّي السياسات النيوليبرالية الداعمة لتحرير التجارة والتدفقات المالية مجرد استجابة لأزمة الرأسمالية الممتدة في سبعينيات القرن العشرين، بل عكس أيضاً مدى تدويل رأس المال. وكما يوحي الشكل 1، توقّف نمو التجارة إلى حد كبير منذ عام 2008. غير أن الزيادة الإجمالية في قيمة التجارة — من 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في مطلع سبعينيات القرن العشرين إلى ما يزيد كثيراً على 50 في المئة اليوم — لم تُعكس. وقد شهدت فترات سابقة من «انحسار العولمة»، مثل الفترة التي رافقت انهيار نظام التجارة الدولية بين عامي 1914 و1945، انهياراً في التجارة. ففي تلك الحالة، تراجعت من نحو 28 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في أوائل العقد الثاني من القرن العشرين إلى 13.4 في المئة عام 1936. وبالمقارنة مع عام 1914، ثمة مجال أوسع لتراجع التجارة، كما أننا لم نشهد بعد اندلاع حرب عالمية، أو ما يعادل انهيار معيار الذهب أو اندلاع الكساد الكبير. مع ذلك، توجد بعض الأدلة على أن التجارة باتت تتركز أكثر ضمن «مسافات جيوسياسية» أقصر؛ أي إن البلدان تعيد توجيه تجارتها نحو بلدان ترتبط معها بعلاقات سياسية أوثق. وقد سلط إغلاق مضيق هرمز مزيداً من الضوء على مدى تعرض التجارة لمخاطر «نقاط الاختناق»، ومن المرجح أن يدفع إلى مزيد من إعادة تشكيل أنماط التجارة والاستثمار.
الشكل 1: التجارة العالمية (مجموع الصادرات والواردات) كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي

المصدر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، 2025.
لكن كل ذلك لم يوقف الطفرة الحقيقية في تجارة السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وفي حالة الولايات المتحدة، يعني ذلك غالباً استمرار الاستيراد من الصين، أو استبدال الواردات الصينية بواردات من بلدان أخرى. وقد ثبت بالفعل أن من الصعب على ترامب تغيير نظام التجارة العالمي عبر الرسوم الجمركية، لا بسبب أن المحاكم قضت في أيار/مايو 2026 بعدم قانونية الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها بنسبة 10 في المئة فحسب. فقد دفعت حالات الذعر في الأسواق، إلى جانب الرد الصيني، ترامب مراراً إلى التراجع عن جوانب من خططه التجارية، ما دفع الصحفي روبرت أرمسترونغ إلى ابتكار الاختصار TACO، المأخوذ من عبارة Trump Always Chickens Out، أي: «ترامب يتراجع دائماً». تاريخياً، كان بإمكان الولايات المتحدة التهديد باستخدام ثقلها الاقتصادي لعزل اقتصادات أخرى، أي تحويل العولمة إلى سلاح. لكن الأمر لم يعد بهذه البساطة اليوم. فقد بدأت الصين، مثلاً، استخدام ضوابط التصدير لمنع توريد المعادن الأرضية النادرة التي تحتاج إليها صناعة التكنولوجيا، رداً على ترامب. كما فرضت مؤخراً قيوداً على تصدير منتجات ذات استخدامات مزدوجة، مدنية وعسكرية، إلى اليابان.
الشكل 2: كثافة الواردات في الإنتاج العالمي (بالنسبة المئوية)

المصدر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، 2025
لا تهدد النزاعات التجارية تجارة السلع النهائية فحسب، بل تهدد أيضاً «سلاسل القيمة الرأسمالية» المعقدة التي تقوم عليها الأشكال الحديثة من تدويل رأس المال. ويعرض الشكل 2 كثافة الواردات، أي مقدار ما تمثله المدخلات الوسيطة المستوردة والمستخدمة في الإنتاج من قيمة الناتج الإجمالي. والارتفاع لافت، إذ يبيّن مدى صعوبة عكس مسار تدويل رأس المال، ولا سيما بالنظر إلى ضخامة بعض الشركات العملاقة المشاركة في هذه الشبكات. فإيرادات Amazon باتت تعادل حجم اقتصاد النمسا، وإيرادات Apple حجم اقتصاد جنوب أفريقيا، وإيرادات Walmart حجم اقتصاد الأرجنتين، وإيرادات Volkswagen حجم اقتصاد باكستان، وإيرادات Toyota حجم اقتصاد البرتغال. ونظراً إلى أهمية المصالح المطروحة، ليس مستغرباً أن يرافق ترامب في زيارته الأخيرة إلى الصين مسؤولون تنفيذيون، من بينهم جينسن هوانغ من Nvidia، وتيم كوك من Apple، وإيلون ماسك من Tesla، وديان باول ماكورميك من Meta، وكيلي أورتبرغ من Boeing.
“والسبب الثالث الذي يجعل عكس بعض ملامح الحقبة النيوليبرالية أمراً بالغ الصعوبة هو أهمية الأسواق المالية العالمية. وكما يجادل كوستاس لابافيتساس، فإن رأس المال الإنتاجي «مقيّد بشروط إنتاج غير مرنة»، في حين أن رأس المال المالي «ينظّم السيولة، والتحويل بين آجال الاستحقاق، والائتمان، ضمن بنية مؤسسية وقانونية تمنحه مرونة أكبر بكثير». وهذا الأخير ضروري لعمل الأول، ولا سيما في إنشاء سلاسل القيمة الرأسمالية وتشكيلها.
وعلى الرغم من استمرار أهمية المصارف في عمل النظام المالي، فإن الفاعلين الرئيسيين منذ عامي 2008 و2009 أصبحوا مشاركين في نظام الظل المصرفي، مثل صناديق التحوط، وشركات الاستثمار الخاص، وشركات التأمين، وصناديق أسواق النقد. نظام الظل هذا، الذي يعمل خارج الإطار التقليدي للأنظمة المفروضة على المصارف، بات يستحوذ اليوم على ما يزيد قليلاً على نصف الأصول المالية العالمية.”
الشكل 3: إجمالي الدين الحكومي العالمي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي

المصدر: تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، صندوق النقد الدولي، 2026.
لكن التمويل لا ينفصل عن الدول. وكما أشرنا أعلاه، فإن دور الدولار — وهو أقرب ما يكون إلى ما سمّاه كارل ماركس «النقود العالمية» — أحد العوامل التي دعمت الإمبريالية الأميركية حتى الآن. بل إن أهمية الدولار ازدادت بوصفه وسيلة لتسوية المدفوعات الدولية. ولا يزال الوصول إلى الدولار حاسماً لضمان سيولة الأنظمة المالية في الدول التي تريد المشاركة في تدويل رأس المال. قد تراجعت حصة سندات الخزانة الأميركية والأصول الأخرى المقوّمة بالدولار من احتياطيات المصارف المركزية العالمية قليلاً. لكن لم تحلّ أي عملة منفردة محلها. بل إن الذهب — وهو «ملاذ آمن» تقليدي في أوقات الاضطراب — شهد أسرع زيادة. وفعلاً يجادل لابافيتساس، بأن غياب «منظومة مؤسسية منافسة ذات امتداد مماثل» قد أوجد، رغم القيود الاقتصادية والعسكرية الأميركية، «مرحلة انتقالية» تتسم بتصاعد الصراع «على جبهات متعددة: التجارة، والتكنولوجيا، والتمويل، والمدفوعات، والاحتياطيات، والتموضع العسكري».
وثمة أيضاً مسألة اعتماد الدول على إصدار الدين العام عبر أسواق السندات. فقد ازداد الدين الحكومي كثيراً منذ مطلع الألفية (الشكل 3)، ما جعل الدول عرضة لضغوط أسواق السندات. وينطبق ذلك بوجه خاص على بريطانيا، حيث ارتفع الدين الحكومي من 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2000 إلى 95 في المئة اليوم، ويحتفظ مستثمرون في الخارج بثلث هذا الدين. ومن الواضح أن بنك إنجلترا زاد الوضع سوءاً، إذ أغرق السوق بالسندات التي كان قد اشتراها ضمن برنامج التيسير الكمي في عامي 2008 و2009، أو خلال الجائحة. لكن حتى حين تتجنب الحكومات والمصارف المركزية خيارات سياسية سيئة، تظل أسواق السندات، من خلال تأثيرها في تكلفة الاقتراض، قيداً قوياً على الحكومات المنتخبة — ما لم تكن مستعدة لتحدي منطق الرأسمالية. وفي اقتصادات مجموعة السبع، انخفضت أسعار السندات واتجهت عوائدها إلى الارتفاع منذ بدء حرب ترامب على إيران. وتأتي التوقعات بزيادة الاقتراض الحكومي، مع ما تولّده الحرب من تضخم وأشكال أخرى من الاضطراب الاقتصادي، في وقت بلغت فيه أسواق السندات مستويات تشبّع مرتفعة نسبياً.
ما مدى قوة الرأسمالية؟
ما مدى قوة الرأسمالية المعاصرة وقدرتها على مواجهة متاعبها الراهنة؟ ثمة مقاييس عديدة ممكنة، لكن الماركسيين كثيراً ما يركزون على معدلات الربح. وليس ذلك، خلافاً لما يُقال أحياناً، نابعاً من هوس تبسيطي بفكرة أن الرأسمالية تشهد تدهوراً ثابتاً ومتواصلاً وحتمياً. فماركس لم يقل قط إن معدلات الربح تنخفض دائماً، وقد أظهرت الجائحة أن حركة رأس المال يمكن أن تتعطل لأسباب كثيرة، من دون أن يكون انخفاض الربحية هو السبب المباشر.
ومع ذلك، فإن القوة المحركة للرأسمالية هي تراكم القيمة في ظل المنافسة، وهي قيمة تُنتزع من العمال عبر استغلالهم. وهذا يعني أن الوتيرة المحتملة لتوسع رأس المال — أي نسبة القيمة الجديدة المتولدة إلى كتلة رأس المال المتراكم بالفعل — مسألة مهمة. وقد حدّد ماركس نزوعاً نحو انخفاض معدلات الربح، إلى جانب قوى مضادة لهذا النزوع، مثل انخفاض تكلفة الاستثمار بفعل نمو الإنتاجية، أو تكثيف الاستغلال. وتميل التناقضات الناجمة عن ذلك إلى أن تجد مخرجها عبر الأزمات، التي تخفّض قيمة بعض الاستثمارات المتراكمة خلال مراحل التوسع وتدمّرها، ما يتيح للنظام استعادة مستوى من الربحية يمكّنه من الدخول في مرحلة توسع جديدة. كما يسهم النظام المالي في توسيع رأس المال، وفي تدميره وخفض قيمته خلال الأزمات.
رغم أن الازدهار والكساد يتعاقبان في دورات، فإنني أرى أن الاتجاه طويل الأمد أصبح أهم مع مرور الوقت. فالشركات الكبرى أصبحت أضخم، والدولة باتت تؤدي دوراً أكبر في الرأسمالية الحديثة، فيما يربط القطاع المالي بين الشركات والدول. وكل ذلك يجعل تدمير رأس المال أكثر خطورة. لذلك تتدخل الدول على نحو متزايد لمنع انهيار واسع في النظام. وقد أسهم ذلك في إطالة فترة ضعف الربحية وتعزيز الاتجاه نحو الركود في المراكز الرأسمالية الأكثر تقدماً.
يُعدّ قياس معدلات الربح مسألة معقدة. يقدّم الشكل 4 تقديراً تقريبياً لها، استناداً إلى بيانات «جداول بن العالمية Penn World Tables». ويبدو أن معدلات الربح هبطت بشدة مع نهاية فترة الازدهار الطويلة التي أعقبت الحرب. ثم أسهمت الهجمات على العمال، وإعادة هيكلة النظام جزئياً عبر الأزمات، وفتح مجالات جديدة لتراكم رأس المال، وتبنّي السياسات النيوليبرالية، مجتمعةً، في وقف هذا الهبوط. واستقرت معدلات الربح، لكن عند مستوى أدنى بكثير مما كانت عليه خلال فترة الازدهار الطويلة.
يساعد انخفاض معدلات الربح، إلى جانب تزايد تدويل رأس المال، على تفسير نمو القطاع المالي. فعندما تكون العوائد في مجال الإنتاج محدودة، يُرجّح أن يتجه الرأسماليون إلى الاستثمارات المالية، بما فيها الاستثمارات ذات الطابع المضاربي، بحثاً عن مصدر محتمل للربح. ويسهم نمو القطاع المالي بدوره في إبقاء كتلة من رأس المال منخفض الربحية نسبياً قائمة؛ إذ تكتفي بإعادة تدوير ديونها من دون أن تستثمر كثيراً. هكذا يتباطأ تراكم رأس المال، فيما يتسع نطاق الائتمان باستمرار، دافعاً رأس المال إلى تجاوز حدوده، ومانحاً إياه مظهراً من مظاهر الحيوية على الأقل. وقد جعل ذلك الرأسمالية هشّة: فكل هزة مالية تنتشر في أرجاء النظام بسرعة، ويمكن لتحولات طفيفة في أسعار الفائدة أن تجعل كتل الديون المتراكمة تبدو فجأة غير قابلة للاستدامة.
الشكل 4: تقديرات معدلات الربح العالمية

المصدر: حسابات استناداً إلى PWT 13.0.
الشكل 5: تقديرات معدلات الربح في الصين

المصدر: حسابات استناداً إلى PWT 13.0.
يختلف الوضع في الصين بعض الشيء (الشكل 5). فقد أدى اندماجها المتزايد في مسارات حركة رأس المال العالمية — أولاً بوصفها قاعدةً للتجميع لحساب الشركات متعددة الجنسيات، ثم بوصفها مركزاً أكثر استقلالاً لتراكم رأس المال — إلى ارتفاع معدلات الربح فيها إلى مستويات تجاوزت المتوسط العالمي بكثير بحلول أواخر تسعينيات القرن العشرين. لكن تراكم رأس المال بوتيرة استثنائية السرعة بدأ الآن، تماماً كما توقّع ماركس، يعيق استمرار هذا التراكم. ولا تعاني الصين بعض آثار فرط تراكم رأس المال فحسب؛ بل إنها، شأنها شأن الاقتصادات الغربية، تطوّر أيضاً أسواقاً للائتمان والتمويل تزداد أهمية، سعياً إلى الحفاظ على نموها. بل إن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الصين باتت الآن أعلى منها في الولايات المتحدة وبريطانيا ومنطقة اليورو.
لا يحول انخفاض الربحية دون أن يحقق الرأسماليون أرباحاً مطلقة هائلة، كما أنه لا يعني أن الرأسمالية ستنهار. لكنه يجعلها أكثر عرضة لاضطرابات من قبيل تلك التي تسببت بها الحرب في إيران. وينبغي أيضاً أن يدفعنا ذلك إلى التريث والتفكير ملياً في الضجة المثارة حول الذكاء الاصطناعي. فحجم رأس المال الذي جرى حشده لتطوير النماذج اللغوية الكبيرة اللازمة للذكاء الاصطناعي التوليدي وطرحها هائل. ومزوّدو خدمات الذكاء الاصطناعي الثلاثة الكبار، ومقرّهم كاليفورنيا، هم OpenAI وAnthropic وGoogle، ويقدّمون على التوالي ChatGPT وClaude وGemini. ويوضح الجدول 2 كيف تتشابك هذه الشركات والبنى التحتية التي تعتمد عليها مع شركات التكنولوجيا العملاقة الأخرى. وتنشأ بينها شبكة كثيفة من العلاقات المتبادلة، حتى فيما تواصل هذه الشركات التنافس بعضها مع بعض.
الجدول 2: أكبر عشر شركات من حيث القيمة السوقية وأنشطتها في مجال الذكاء الاصطناعي

المصدر: البيانات الصحفية للشركات والتقارير الإخبارية
بما أن الجدول يضم الشركات الأعلى قيمةً سوقيةً (قبل الطرح العام الأولي لأسهم SpaceX في حزيران/يونيو)، فإنه يركّز على الشركات المنخرطة في موجة التفاؤل المفرط في أسواق الأسهم بشأن شركات التكنولوجيا الكبرى. لكنه لا يشمل أبرز منافسيها الصينيين. ومن بينهم عمالقة الإنترنت مثل Baidu وAlibaba وTencent، الذين يستثمرون مبالغ كبيرة في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب ByteDance، الشركة الأم لـTikTok، التي يتجاوز عدد المستخدمين اليوميين لروبوت المحادثة المدعوم بالذكاء الاصطناعي لديها 100 مليون مستخدم. وتشمل هذه الشركات أيضاً DeepSeek، وهي شركة ناشئة انبثقت عن صندوق تحوّط، وقد أذهل نموذجها R1 عالم التكنولوجيا في مطلع عام 2025، إذ استطاع منافسة نماذج طورتها شركات أميركية أغنى منها بكثير. وتعكس محاولات إدارتي ترامب وجو بايدن السابقة منع الصين من الوصول إلى أحدث الرقائق وتقنيات تصنيعها كيف أصبح الذكاء الاصطناعي جبهةً للتنافس الإمبريالي. وردّت بكين بالسعي إلى إنشاء بنية تحتية خاصة بها لتصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، بالاعتماد على شركات صينية مثل Huawei، لكن من دون أن تنجح حتى الآن في تقويض التفوق التكنولوجي الأميركي.
الشكل 6: النفقات الرأسمالية المتوقعة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي (مليارات الدولارات الأميركية)

المصدر: لي وغرينباوم، 2026.
أصبحت موجة الاستثمار المحمومة في الرقائق ومراكز البيانات والبنية التحتية للطاقة عاملاً رئيسياً في دفع عجلة الاقتصاد، وسبباً أساسياً مكّن الولايات المتحدة من تجاوز الفوضى التي أحدثتها خطط ترامب للرسوم الجمركية من دون أن تصاب بأضرار كبيرة نسبياً. ويعرض الشكل 6 الاستثمارات المتوقعة من جانب القوى الرئيسية في مجال الذكاء الاصطناعي. ولفهم حجم هذه الاستثمارات، يبلغ الإنفاق الرأسمالي السنوي للشركات غير المالية نحو 4.5 تريليون دولار في الآونة الأخيرة. وإضافة أكثر من تريليون دولار إلى هذا المبلغ ستشكل تحولاً كبيراً. وقد نوقشت على نطاق واسع الأبعاد الأخلاقية لبناء مراكز بيانات تستهلك الطاقة بشراهة وتلوّث المياه، من أجل تشغيل تكنولوجيا تقوم على نهب النتاج الإبداعي للبشرية، ولا غاية لها سوى استبدال العمال بأنظمة إكمال تلقائي للنصوص، وإن أُحيطت بهالة من الأهمية. لكن حتى من منظور رأسمالي ضيق، يبدو هذا الاستثمار غير قابل للاستدامة. وحتى المعلّقون الذين يحاولون تبرير هذا الإنفاق ينتهون، من دون قصد، إلى الإشارة إلى اللاعقلانية العميقة المتأصلة في النظام الرأسمالي:
«لا يعني الحماس بالضرورة غياب العقلانية… فعندما تظهر تكنولوجيا جديدة وجذرية، مثل الذكاء الاصطناعي، يكتنف قيمتها قدر كبير من عدم اليقين… والسبب الأهم لتسميتها طفرةً لا فقاعةً هو القوة المحركة لها: مجموعة صغيرة من عمالقة التكنولوجيا الراسخين، لديهم أسباب عقلانية بحتة لإنفاق مئات المليارات على الذكاء الاصطناعي… فقد شكّلت واجهة ChatGPT تهديداً فورياً وواضحاً لمحركات البحث على الإنترنت (القيمة السوقية لألفابت: 3.8 تريليون دولار). وتؤثر الخوارزميات والفرز وإنشاء المحتوى بالذكاء الاصطناعي التوليدي في وسائل التواصل الاجتماعي (ميتا: 1.7 تريليون دولار). وإذا أطلقنا العنان لخيالنا قليلاً بشأن وكلاء الذكاء الاصطناعي والواجهات الصوتية… فقد تعطل هذه التكنولوجيا أيضاً سوق الهواتف الذكية (آبل: 4.05 تريليون دولار) والتجارة الإلكترونية (أمازون: 2.5 تريليون دولار)، حتى قبل أن نصل إلى مايكروسوفت وبقية قطاع الحوسبة.
ومن المنطقي تماماً إنفاق ثروة لحماية هذه الشركات ذات القيمة الهائلة، بوصف ذلك بمثابة بوليصة تأمين، حتى لو لم يُفضِ الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف إلى خلق قيمة جديدة تُذكر… وقال مارك زوكربيرغ، مؤسس ميتا، في أيلول/سبتمبر: “إذا انتهى بنا الأمر إلى إهدار بضع مئات من مليارات الدولارات، فسيكون ذلك مؤسفاً جداً، بالطبع، لكنني أرى أن المخاطر في الاتجاه الآخر أكبر”.»
على المدى القصير، تثق شركات مثل Microsoft وGoogle وAmazon بأن الطلب من الشركات الأخرى على خدمات الحوسبة السحابية التي توفرها سيواصل الارتفاع. لكن المشكلة على المدى الطويل واضحة. فكما يرى جون فولي في مقال ثاقب بصحيفة فاينانشال تايمز، ليس من الواضح أن الذكاء الاصطناعي سيحقق أرباحاً تبرر حجم هذه الاستثمارات. بل يُتوقع أن تؤدي الاستثمارات المخطط لها إلى انخفاض الإيرادات المتحققة لكل وحدة من رأس المال الثابت المستثمر. ويشير فولي إلى أن Apple، التي ظلت حتى الآن بعيدة نسبياً عن هذه الحمى الاستثمارية، تحقق أكثر من 8 دولارات مقابل كل دولار من رأس المال الثابت، مقارنةً بدولارين فقط لدى Amazon. وتتوقع كل من Meta وGoogle وMicrosoft وAmazon مزيداً من التراجع في هذا المؤشر. وثمة خطر أكثر إلحاحاً، وهو أن يؤدي تعطل إمدادات مدخلات تصنيع الرقائق، مثل الهيليوم، بسبب صراعات كالحرب على إيران، إلى رفع تكاليف الاستثمار نفسها، ما يقوّض العوائد المحتملة أكثر.
اعتادت شركات التكنولوجيا الكبرى أن تمتلك سيولة نقدية وفيرة تستثمرها. لكن حجم الاستثمارات التي تخطط لها الآن أدى إلى هبوط حاد في توقعات تدفقاتها النقدية الحرة، حتى إنها أصبحت سالبة لدى Amazon. ولذلك، باتت هذه الشركات تلجأ حتماً إلى الاقتراض بمبالغ متزايدة. ففي عام 2025 وحده، بلغت قيمة السندات التي أصدرتها ما يُسمى بشركات الحوسبة السحابية فائقة النطاق 120 مليار دولار، أي 45 في المئة من إجمالي السندات التي أصدرتها شركات التكنولوجيا على مستوى العالم. لكن هذا الرقم يقل عن حجم الديون الحقيقي. فالشركات تنشئ أيضاً كيانات ذات غرض خاص خارج الميزانية العمومية، لتمويل أنشطة محددة مثل تشغيل مراكز البيانات. وتجذب هذه الكيانات استثمارات من شركات أخرى، ما يعرّض المستثمرين للمخاطر إذا جاءت الإيرادات دون التوقعات. وقد يبلغ حجم هذه الديون الإضافية حالياً 120 مليار دولار أخرى. إذا بدا هذا مألوفاً، فذلك لسبب وجيه. فعلى الرغم من أن حجمه لم يبلغ بعد المستوى نفسه، يشبه هذا «الابتكار» المالي الذي أسهم في تفجير أزمة سوق الرهن العقاري عالي المخاطر في الولايات المتحدة عامي 2007 و2008. ويأتي بعض تمويل هذه الاستثمارات أيضاً من الائتمان الخاص، وهو قطاع تضاعف حجمه من أكثر بقليل من تريليون دولار عام 2020 إلى ما يزيد كثيراً على تريليوني دولار اليوم. وقد أثار الائتمان الخاص نفسه مخاوف في الآونة الأخيرة، إذ دفعت اضطرابات الأسواق المستثمرين إلى سحب أموالهم دون سابق إنذار.
وتشمل الوسائل الأخرى التي تلجأ إليها شركات التكنولوجيا العملاقة لتأمين الأموال اللازمة لاستثماراتها إصدار أسهم جديدة — إذ أصدرت Google أسهماً بقيمة 85 مليار دولار في وقت سابق من هذا العام، ومن المرجح أن تحذو Meta حذوها — وتسريح موظفين في مجالات أخرى من أنشطتها.
أزمة تلوح في الأفق؟
لا تقدم الماركسية إجابات قاطعة عن احتمال انفجار النظام قريباً في أزمة على غرار أزمة 2008 و2009، أو أشد منها. وما يمكننا فعله هو الإشارة إلى هشاشة طفرة الذكاء الاصطناعي، وإلى الطريقة التي تعمّق بها تناقضات النظام. ومن المؤكد أن كثيرين يتوقعون تصحيحاً ما للارتفاع الحاد في أسعار أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى. أما ما لا شك فيه، فهو أن الحرب على إيران وما أعقبها من حصار لمضيق هرمز قد زادا الضغوط على الاقتصاد العالمي وجعلا وقوع أزمة أرجح بكثير.
“لم تعبر ناقلات النفط مضيق هرمز إلا نادراً منذ أواخر شباط/فبراير 2026، كما دُمّر جزء كبير من البنية التحتية النفطية في الخليج. وقد تعطلت إمدادات سلع عدة، منها النفط واليوريا والهيدروجين والهيليوم.
وحتى وقت كتابة هذا المقال، لم تكن الاقتصادات المتقدمة قد شعرت بالأثر كاملاً بعد، بفضل السحب من المخزونات القائمة والإفراج عن الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية من جانب وكالة الطاقة الدولية. لكن الآثار الأولية كانت قد ظهرت بالفعل في أجزاء من الجنوب العالمي. فقد أسهمت تكاليف الوقود في اندلاع احتجاجات في كينيا، بعدما رفعت الحكومة أسعار الديزل بمقدار الربع. وفي موزمبيق، أضرب سائقو الحافلات الصغيرة إثر زيادات بلغت 46 في المئة. ومن المرجح أن يؤدي تعطل إمدادات الأسمدة إلى أزمة غذاء طويلة الأمد في عدد كبير من البلدان الأفريقية والآسيوية التي تعتمد على الإمدادات القادمة من الخليج.”
إذا استمرت الحرب أو تصاعدت، فسيكون لها أثر كبير على الاقتصادات الكبرى في الشمال العالمي، وستترتب عليها تداعيات سياسية. وقد زادت أسعار الوقود بالفعل الضغوط على معدلات التأييد المتدنية لترامب، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر. وثمة خطر آخر، هو أن يزيد حكامنا الوضع سوءاً. ففي ظل الرأسمالية، تُواجَه ندرة السلع الأساسية بمزيج من كبح الطلب، وخنق النمو، ورفع الأسعار، ما يؤدي إلى التضخم. وفي أسوأ الحالات، كما حدث في سبعينيات القرن العشرين، يمكن لصدمة نفطية أن تؤدي إلى هذه النتائج كلها في آن واحد، فتفضي إلى ركود تضخمي. وإذا ارتفع التضخم بشدة، فمن المرجح أن ترفع المصارف المركزية أسعار الفائدة، وفق الوصفة النيوليبرالية المعتادة لاحتواء ارتفاع الأسعار. وهذه أداة غليظة، إذ تثبط الإنفاق والاستثمار أساساً عبر زيادة تكلفة الائتمان. ومع اعتماد الاقتصاد العالمي المتزايد على الائتمان منخفض التكلفة، وبالتالي على أسعار الفائدة المنخفضة، فإن هذا الإجراء قد ينذر بدوره بحدوث ركود. وسيكون على كيفن وورش، الذي اختاره ترامب لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وتولى منصبه في أيار/مايو، أن يقرر بحلول اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في منتصف حزيران/يونيو ما إذا كان سينحاز إلى الرئيس، المعروف بتأييده لخفض أسعار الفائدة.
في هذا السياق، يواجه اليسار تحديين رئيسيين. أولهما مواصلة حشد الناس في مواجهة اليمين المتطرف، الذي سيسعى إلى استغلال أي أزمة، حتى تلك التي يسهم في صنعها شخصيات من اليمين المتطرف مثل ترامب وبنيامين نتنياهو. وثانيهما تشجيع العمال والنقابات على خوض النضال ضد أزمة تكاليف المعيشة المتفاقمة، والاستعداد لأزمة أشد فتكاً إذا تحولت طفرة الذكاء الاصطناعي الراهنة إلى كساد. وفي خضم ذلك كله، تشتد الحاجة إلى تفسير أعمق أوجه اللاعقلانية والتناقضات في الرأسمالية التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة، وإلى الدعوة لبديل أممي واشتراكي.
جوزيف تشونارا: محرر مجلة «الاشتراكية الأممية». ومن مؤلفاته كتاب «دليل القارئ إلى رأس مال ماركس» (Bookmarks، 2017)، وكتاب «تفكيك الرأسمالية: دليل إلى الاقتصاد السياسي الماركسي» (الطبعة الثانية، Bookmarks، 2017).
ترجمة وإعداد هيئة تحرير الخط الأمامي






