
أصدرت محكمة الجنايات العسكرية في حلب، الخميس 17 أيلول/سبتمبر، أحكاماً بحق أربعة متهمين في قضية الانتهاكات المرتكبة خلال أحداث الساحل السوري في آذار/مارس 2025، قضت بإعدام أحدهم، والسجن المؤبد لثانٍ، والسجن 20 عاماً لثالث، فيما برأت المتهم الرابع.
وبحسب المحكمة، تتعلق التهم بالتحريض على الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، والاشتراك في مجموعات مسلحة، والقتل والسلب والنهب. أما المحكوم بالسجن 20 عاماً فهو عنصر في وزارة الدفاع التابعة للسلطة الانتقالية، وأدين بالقتل. وتأتي هذه الأحكام بعد تسع جلسات علنية ضمن ملف يضم 14 متهماً، بينهم سبعة من عناصر النظام السابق وسبعة من منتسبي وزارة الدفاع.
ولا يمكن إنكار ضرورة محاسبة كل من ارتكب جرائم القتل والانتهاكات بحق المدنيين في الساحل، أياً كان موقعه أو انتماؤه. لكن تحويل هذه المحاسبة إلى قضية تديرها السلطة نفسها، ومن خلال قضاء عسكري تابع لها، يطرح أسئلة جدية حول طبيعة العدالة التي يجري بناؤها. فكيف يمكن لسلطة احتكرت القوة والسلاح، وارتبطت قوات تابعة لها بجزء من الانتهاكات، أن تكون في الوقت نفسه الخصم والحَكَم وصاحبة القرار النهائي في العدالة؟
المشكلة ليست في محاكمة الأفراد المتورطين، بل في حدود هذه المحاكمات. أربعة أحكام، بينها حكم بحق عنصر من وزارة الدفاع، لا تكفي وحدها لكشف الحقيقة الكاملة حول ما جرى، ولا تحدد بالضرورة المسؤوليات القيادية وسلسلة الأوامر، ولا تضمن محاسبة جميع من شاركوا أو أصدروا الأوامر أو سمحوا بارتكاب الجرائم. كما أن العدالة لا يمكن أن تتحول إلى محاكمات انتقائية تستخدم لإظهار السلطة بمظهر الحامي للضحايا، بينما تبقى مؤسساتها نفسها خارج الرقابة الشعبية.
إن ضحايا الساحل لا يحتاجون إلى عدالة تُفرض عليهم من فوق، بل إلى عدالة حقيقية يشارك المجتمع في ضمانها، تكشف الحقيقة كاملة، وتحاسب كل مرتكب على أساس فعله، وتحمي حقوق الضحايا والمتهمين، وتصل إلى المسؤولين عن الجرائم ضمن سلسلة القيادة، أياً كانت مواقعهم.
العدالة التي نحتاجها ليست عدالة السلطة التيرميدورية، بل عدالة شعبية مستقلة، تقوم على رقابة المجتمع وتنظيمه من أسفل، وتضع كل مؤسسات الأمن والقضاء تحت المحاسبة الديمقراطية. فدماء ضحايا الساحل لا يجوز أن تكون ورقة في صراع السلطة، ولا أن تتحول المحاسبة إلى إعادة إنتاج للسلطة نفسها؛ المطلوب هو كشف الحقيقة ومحاسبة الجناة وبناء عدالة تخدم السوريين لا من يحكمهم.
إعداد هيئة تحرير الخط الأمامي.






