افتتاحية العدد 88 من جريدة الخط الأمامي أيار / مايو 2026

لا يكاد يمر يوم في سوريا دون أن تشهد البلاد بؤراً عديدة للاحتجاج الجماهيري على سياسات السلطة الترميدورية الحاكمة؛ ولا سيما ضد السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي أدت إلى تدهور مريع ومتسارع لمستوى معيشة الغالبية العظمى من السوريين، إذ ألقت بهم في كابوس من الجوع والإفقار والتشرد والبؤس واليأس.
بالرغم من أن الاحتجاجات يغلب عليها طابع العفوية والمحلية والتشتت، بيد أنها تتوحد حول المطالب ذاتها وتزداد عدداً وقوة يوماً بعد يوم. وفي المقلب الآخر، يتسم تعامل سلطة فلول “داعش” و”النصرة” مع الاحتجاجات بمزيج من العنف والاستخفاف، واهمةً أن هيمنتها الإيديولوجية الرجعية الدينية والشوفينية، مدعومة بوسائل إعلامها المبتذل الذي يبيع الأوهام والأكاذيب، إضافة إلى استخدام العنف العاري، قادر على إجهاض هكذا احتجاجات.
ما لا تدركه السلطة هو أن الكتلة الكبرى من الجماهير المحتجة هي نفسها تلك التي كانت -لغاية البارحة- واقعةً تحت الأوهام التي تروج لها السلطة بأنها حررتهم وأعادت لهم كرامتهم؛ لكن الواقع المادي اليومي لحياة الناس، في لحظات تأزمه، أقوى من الأوهام الأيديولوجية التي تروجها السلطة وشيوخها وأجهزتها الإعلامية؛ إذ تدرك الناس بواقعها المعاش أن السلطة هي المسؤولة عن البؤس الذي يعيشونه، وعن الجحيم اليومي الذي لا يرون مفرّاً منه.
مع ذلك، لم تصل بعد هذه الاحتجاجات الجماهيرية إلى النضج الكافي على صعيدي الوعي والتنظيم لتشكل تهديداً جدياً للسلطة وسياساتها المتوحشة. فهي احتجاجات مطلبية معيشية تفتقر إلى قيادة سياسية حازمة تربط فيما بينها وتعمم دروسها وتنظمها وفق آفاق استراتيجية لمواجهة سلطة القمع والمجازر والنهب والتفريط بسيادة واستقلال البلاد؛ حيث إن غالبية القوى السياسية المعارضة تنأى بنفسها، أو هي عاجزة، عن الالتحام بالنضالات المطلبية للناس، متعاليةً عليها بخطاب سياسي نخبوي ينفصل عن الواقع، يتوجه إلى السلطة نفسها متوسلاً إصلاحها أو إلى “المجتمع الدولي” المزعوم طالباً منه التدخل لصالحها.
والحال، حتى الآن تفتقر سوريا إلى معارضة ديمقراطية ويسارية قوية ومنظمة وذات صدقية، منغرسة في كفاح الجماهير وليست منعزلة عنها. لذلك، تجد الجماهير السورية نفسها، في الصراع الطبقي الجاري، وحيدةً في مواجهة وحشية السلطة الترميدورية التي لا همَّ لها سوى السطو المحموم على ثروات البلاد وأرزاق الناس واحتكار مفاصل الحكم لصالحها وحدها.
حيث إن قوى المعارضة الديمقراطية واليسارية، رغم تناميها، ضعيفة ومشوشة؛ فتلك الجذرية منها، علينا أن نقر، ما تزال محدودة التأثير رغم نشاطها اليومي، في حين أننا نجد أن أغلب التحالفات المعارضة المعروفة -القديمة والجديدة منها- المفترض بها أنها تضم عشرات الأحزاب والهيئات، ليس لها تأثير يُذكر. فقد اختارت آليات عمل تشلُّ أي نشاط، ووقعت في مطبات سياسية وسوء تقدير -بل أخطاء جسيمة- سلبتها القدرة على الفعل المعارض الجدي، تبرره عبر اجترارها لفكرة تبنيها القرار 2254 الذي يطالب، في زمن النظام السابق، بمفاوضات وتوافق بين النظام والمعارضة.
هذا الموقف يعني عملياً اليوم السلبية والانتظارية بأمل فارغ أن تستدعيهم السلطة، ذات يوم، للتفاوض معهم، أو بحلم أن تقوم الدول الكبرى بفرض ذلك؛ وهو وهم تكرر خطلُه على مدى عقود من الزمن. تحولت هذه التحالفات إلى لافتة أكثر منها إطاراً منظماً للعمل المشترك، أسيرةً لآليات عمل ضيقة وبيروقراطية تشلّها تماماً عن الفعل، فتحولت إلى منصات لبيانات باهتة لا جدوى منها. للخروج من هذا العجز، لا بد من استخلاص دروس وخبرات الماضي لبناء تحالفات جدية وفاعلة وقوية.
من جهة أخرى، تعرضت الإدارة الذاتية إلى ضربة قاصمة إثر صفقة إمبريالية في بداية العام، تلاها هجوم جحافل السلطة على مناطقها، ما خلق وضعاً جديداً اختلّت فيه موازين القوى داخلياً أكثر لصالح السلطة والثورة المضادة. فالإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا كانت تشكل في الوضع السوري مركز ثقل أساسياً في النضال الديمقراطي والاجتماعي لكل السوريين، ولقضية الشعب الكردي في سوريا.
انتكاسة الإدارة الذاتية لم تكن نتيجة صفقة إمبريالية فحسب، بل هنالك أسباب خاصة بها؛ فقد أخفقت الإدارة الذاتية إلى حد كبير، رغم ظروف الحرب والدمار، في إقناع كتلة وازنة من السوريين أنها نموذج جذاب لها، بالرغم من تفوقها وتقدمها، على الصعد السياسية والاجتماعية، على كافة الأوضاع الأخرى القائمة في سوريا. كما أنها أيضاً عانت من البيروقراطية وضعف المشاركة الشعبية والسياسية ومن الفساد.
وخلال السنوات الماضية، ارتكبت أخطاء استراتيجية كبيرة وخيارات غير صائبة، مثل وهم “التحالف” مع الولايات المتحدة والغرب، واتخاذ قرارات بمنظور تطورات الوضع الخارجي وليس وفق منظور مصالح ونضال الناس في سوريا؛ وأيضاً توقيعها اتفاقيات مع سلطة الترميدور أضعفت إلى حد التفكك قدراتها العسكرية والسياسية، رغم إعلان الإدارة الذاتية، في كل مرة، أن السلطة قد غدرت بها ونكثت بوعودها.
إن انجرار قوى سياسية كردية وعربية إلى لعبة انتخابات ما يسمى “مجلس الشعب” المهزلة التي تتحكم بها السلطة، والصراع على فتات من المقاعد فيه لا قيمة لها فعلياً، يفاقم من الضرر الحاصل على القضية الكردية وعلى قضية الديمقراطية في سوريا. تعمل السلطة، بدعم إمبريالي-تركي، على تفكيك الإدارة الذاتية تحت مسمى زائف هو “الاندماج الديمقراطي”، وهو في الحقيقة “ابتلاع لا ديمقراطي” لمرتكز أساسي للنضال الديمقراطي والاجتماعي في سوريا.
يقع على عاتق القوى الديمقراطية واليسارية الواعية لهذه المخاطر التصدي لها؛ لأنه إذا استمر الحال، فإن القوى الديمقراطية واليسارية ستواجه خسارة فادحة وستفقد مرتكزاً أساسياً لها في نضالها من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، كما سيفقد الشعب الكردي الكثير من حقوقه القومية التي انتزعها بتضحيات كبيرة.
ندعو ونمد اليد إلى كل القوى السياسية الكردية الواعية لذلك وهي كثيرة، وكافة القوى الديمقراطية واليسارية السورية عموماً، الراغبة في مواجهة هذا التدهور العام لأوضاع الجماهير السورية على كل الصعد، والتصدي للسلطة الترميدورية وسياساتها المتوحشة ورفع رايات مصالح كل المضطهدين، إلى العمل المشترك باستراتيجية وآليات عمل جديدة تحشد كل طاقات القوى الديمقراطية واليسارية السورية والقوى الاجتماعية في “جبهة متحدة” للعمل المشترك، منخرطة في الحراك الجماهيري والاجتماعي والسياسي، من أجل سوريا تعترف بالحقوق القومية لشعوبها وبالتعددية، والتي تقوم على العدالة الاجتماعية وسيادة واستقلال البلاد في جمهورية ديمقراطية لا مركزية.
الوضع الراهن يؤكد بأن كل مكونات المجتمع السوري، أكانت قومية أو إثنية أو دينية، والطبقات الشعبية، بحاجة ماسة إلى قيادة سياسية حازمة وواضحة الاستراتيجية، تعمل مع الناس، تقود نضال السوريين والسوريات من أجل مستقبل أفضل، تواجه سلطة المجازر وتقف في وجه الظلامية والعنصرية والفاشية التي تطل برأسها وتهدد الجميع.
حزب اليسار الثوري
آيار/مايو 2026












