افتتاحية العدد 89 من جريدة الخط الأمامي حزيران/ يونيو 2026

السلطة الجديدة، التي تسلمت مقاليد الحكم بصفقة اقليمية ودولية نهاية عام 2024، مستمرة بمؤسسات السلطة السابقة ممارسة نفس السياسات الاقصائية والاستبدادية، بفارق أن السلطة السابقة استغرقت تحولاتها لنظام شمولي عقود من الزمن، في حين أن السلطة الجديدة تسلمت الحكم وهي معبأة وجاهزة بطبيعتها الطبقية والسياسية والايديولوجية كسلطة استبدادية وعنفية.
حال تسلم السلطة الترميدورية الحكم قامت بحشد جمهور فاشي وطائفي النزوع حولها وارتكبت سلسلة من المجازر بحق الأقليات الدينية والقومية. أصاب الذعر من المذابح قطاعات واسعة من السوريين لا تقتصر على الاقليات الدينية والقومية فحسب، بل شملت المذاهب السنية والشرائح الاجتماعية المفقرة.
استنادا على هذا التهديد المتواصل بالمجازر، التي ما زالت مستمرة بوتيرة اضيق وبأشكال متنوعة، أطلقت السلطة الترميدورية العنان لما أسمته “السلم الأهلي”، والذي تكالبت على حمله منظمات ” مجتمع مدني” كمصدر رزق لها او لتخيل بعضها انها ستمنع بذلك تجدد المجازر.
اعتقد بعض اليسار واهما أن العمل على “السلم الأهلي” سيوقف الجنوح الطائفي ويمنع المجازر. وقد يفسح في المجال لمساحة ديمقراطية أوسع. وهذا محض هراء.
والحال، فإن حملة ” السلم الأهلي” في إطار السلطة العنفية القائمة، يعمل كإطار ايديولوجي في خدمتها: يقوم على زعم أن بقاء هذه السلطة هو الضامن الوحيد لعدم تكرار المجازر. والتوجه الى الاقليات التي تعرضت لمجازر، محاولة اقناعها بقبول هذه السلطة، المسؤولة عن المجازر، كشرط لعدم تكرار المذابح. في المقلب الآخر، التوجه الى جمهور السلطة المنفلت، واقناعه بأنه طالما السلطة القائمة غير مهددة وان الاقليات رضخت لها لا داعي لمزيد من القتل الجماعي.
هكذا يلعب ” السلم الأهلي” كأداة ايديولوجية لإخضاع المجتمع للسلطة القائمة. عوضا عن قيام بعض اليسار والديمقراطيين ببناء منظمات شعبية لمواجهة العنصرية والشوفينية والطائفية والفاشية.
بذلك قد يجد بعض اليسار والليبراليين تبريرا لإراحة ضمائرهم بأقل تكلفة، مع دعوة بعضهم العلويين، ككتلة سكانية لا تمايز فيها، للاعتذار للشعب عن مجازر النظام السابق، وتجاهلهم. في الوقت عينه، دعوة “شعب” السلطة الحالية الى الاعتذار للشعب السوري عن مجازر السلطة القائمة.
“السلم الأهلي” هو، إذن، أقرب الى اكذوبة وتلاعب ايديولوجي خبيث أطلقته السلطة الترميدورية، ولأنه كذلك مطلوب تعرية وفضح أهدافه، وإطلاق البديل الديمقراطي: محاكمة مجرمي النظام السابق والحالي، الدفاع عن الديمقراطية والحريات، عن العدالة الاجتماعية واستقلال البلاد ومواجهة المجازر بكل الاشكال، ومقاومة العنصرية والإقصاء والشوفينية والتمييز العرقي والديني ومقارعة الفاشية.
في حين تنشغل، ما تبقى من نخب البرجوازية الوسطى واتباع السلطة بخرافة “السلم الأهلي” الايديولوجية. فان الواقع الاجتماعي والطبقي أكبر قوة بكثير من هكذا خزعبلات ايديولوجية.
فإذا كانت الدولة ” تكثيف مادي لعلاقات الإنتاج الاجتماعية” فإن الأيديولوجيا نفسها إنما تحددها هي أيضا علاقات الإنتاج الاجتماعية السائدة. حيث تشهد البلاد منذ اسابيع احتجاجات عمالية، في سياق أشهر طويلة من الاحتجاجات الاجتماعية اليومية. تتسم هذه الاحتجاجات العمالية المنظمة رغم عفويتها بقطيعة كاملة مع خمود الحركة العمالية السورية لعقود طويلة في ظل حكم الطغمة لآل الأسد. وبالأخص منذ عام 1974, حيث قرر نظام الأسد الأب وضع يده على الاتحاد العام للعمال بذريعة الانتقال من ” النقابية الاقتصادية ” الى “النقابية السياسية” فأصبحت ارستقراطية اتحاد العام جزءا لا يتجزأ من مؤسسات السيطرة والقمع لنظام الأسد.
اليوم تستعيد الطبقة العاملة شيء من استقلاليتها ونضالها، وتراكم خبرات جديدة، غم محاولة السلطة الترميدورية، على شاكلة نظام الأسد، وضع يدها على النقابات العمالية بتعيين مجالسها. في مقابل ذلك من الواجب العمل على رفض المجالس العمالية المعينة من السلطة والتشجيع على تشكيل نقابات عمالية مستقلة. لا سيما أن السلطة الجديدة ما تزال أضعف من أن تهيمن على كل مفاصل المجتمع.
أن نهوض الطبقة العاملة الشابة والجديدة، التي تتشكل من جيل شارك في الثورة والاحتجاجات لأكثر من عقد ونصف يحمل في طياته نشوء طبقة عاملة جديدة وواسعة العدد أكثر جرأة وتنظيما وثورية.
فالاحتجاجات العمالية التي اخترقت الانقسام العرقي والديني، بجرأتها شكلت سدا مانعا في وجه التهييج الطائفي الشوفيني ووضعت الصراع الطبقي المباشر على جدول الأعمال بين العمال والمأجورين من جهة والبرجوازية القديمة – الجديدة من جهة أخرى، يؤهل الطبقة العاملة مستقبلا لدورها التاريخي في التغيير الاجتماعي الجذري وتحرير المجتمع الشامل.
اضافة الى ذلك، تجري في مناطق الادارة الذاتية، او وكاذب هونها، عملية تفكيكها المتواصلة بعد تعرض قوات سوريا الديمقراطية إلى هزيمة قاصمة في شهر كانون الثاني/ يناير من هذا العام، ودون الخوض في الإخفاقات و الأخطاء الاستراتيجية التي أدت الى هذه الهزيمة، وتحولات مواقف الدول الكبرى، منها تخلي الولايات المتحدة عن دعمها لقسد، وتنامي النفوذ التركي في سوريا الذي أصبحت من خلاله تركيا وصية على السلطة الجديدة، فإن عملية تفكيك الادارة الذاتية واهدار مكاسبها التي كانت لصالح الشعب الكردي خصوصا والكفاح الديمقراطي لعموم الشعب السوري لم تقتصر على نتائج الهزيمة العسكرية لقسد بل انتقلت الى عملية سياسية لتفكيك بقاياها تحت شعار بدوره مخادع وكاذب هو ” الاندماج الديمقراطي”. الذي لا يعني في الواقع كما نشهده سوى ابتلاع لمؤسسات الادارة الذاتية داخل السلطة الترميدورية بشروط مذلة، مثل محافظ بصلاحيات محدودة، معاون لوزير شكلي الصلاحيات وغير ذلك من الابتلاع اللاديمقراطي.
في الوقت نفسه، وكتعبير عن شعور بعض مسؤولي الإدارة الذاتية بأن هذا المسار سيؤدي الى ابتلاع كامل لتجربة قدم الشعب الكردي آلاف الشهداء من أجلها وكانت مصدر أمل لقوى ديمقراطية سورية، يستخدم بعضهم مصطلح ” التكامل الديمقراطي” عوضا عن ” الاندماج الديمقراطي”، ولكنه يبقى في إطار تلميع صورة بشعة لما يجري.
في مواجهة محاولة السلطة المدعومة من تركيا، والاخيرة أصبحت صاحبة اليد العليا في الملف الكردي، فإن قطاعات من الجماهير والقوى السياسية الكردية والسورية تدرك تماما أن ابتلاع السلطة للإدارة الذاتية يعني هزيمة كبرى لنضال للشعب الكردي وللقضية الديمقراطية في سوريا. ما يتطلب توحيد نضالات الجماهير السورية وكل المضطهدين/ات في كل مواقعها مع قواها الاجتماعية والسياسية اليسارية والديمقراطية في مواجهة سلطة المجازر والتمييز. من أجل قيام سوريا جمهورية ديمقراطية لامركزية تعترف وتغتني بالتعددية العرقية والدينية وتحميها.
كل السلطة والثروة للشعب
حزب اليسار الثوري
حزيران/يونيو 2026
