
شهدت ساحة سعدالله الجابري وسط مدينة حلب، يوم الاثنين 17/8/2026، وقفة احتجاجية شارك فيها عدد من ناشطي المدينة، رداً على تزايد حالات القتل تحت التعذيب بحق المعتقلين على يد السلطة وعناصرها، والتي كان آخرها الشهيد «محمد غميرة».
اللافت في الموضوع هو تطور الأساليب والأدوات القمعية التي تنتهجها السلطة لمواجهة الاحتجاجات الشعبية. فلم تعد تعتمد السلطة على شبيحتها من الغوغائيين الذين يهاجمون المحتجين بشكل مباشر ويعتدون عليهم ويرددون سؤالهم التخويني المعتاد: «وين كنتوا من 14 سنة؟»، بل اتخذت طرقاً مختلفة تعتمد على استخدام القوة المفرطة والترهيب والسيطرة الإعلامية على الحدث.
الترخيص كإجراء بيروقراطي قمعي
ورد على لسان أحد المنظمين والمشاركين في الاحتجاجات أن السلطة كانت على علم مسبق بالتجهيزات الخاصة بالوقفة الاحتجاجية، رغم ذلك حاولت قيادات القوى الأمنية المتواجدة في الساحة منع التجمهر بحجة عدم وجود الترخيص اللازم. وبعد المناوشات وإجراء بعض الاتصالات من قبل منظمي الوقفة، سمح لهم بالاحتجاج لمدة ربع ساعة فقط، بدلاً من المدة المقررة مسبقاً، وهي ساعة كاملة.
علماً أن وزارة الداخلية قد أصدرت البلاغ رقم /201/ تاريخ 29/4/2026، الذي ينص على وجوب تشكيل لجنة وتقديم طلب ترخيص للمظاهرة السلمية وفق نموذج خاص، على أن يتم دراسة الطلب خلال 5 أيام، وفي حالة الرفض فإن البت في الطعن قد يمتد أسبوعاً آخر. وتشكل هذه الإجراءات محاولة من السلطة لفرض قيود بيروقراطية وتبرير استخدامها للعنف ضد كل من يقرر تجاهل قوانينها، التي تمنحها الحق الكامل في الوصاية على أي شكل من أشكال الاحتجاجات وفضّها حينما تشاء.
الترهيب والطوق الأمني لاحتواء الاحتجاجات
أدركت السلطة أهمية ساحة سعدالله الجابري بسبب موقعها ومساحتها الواسعة، وصعوبة السيطرة عليها في حال تصاعد الاحتجاجات وامتدادها، لذلك قررت فرض تواجد أمني دائم لعناصر يتبعون لأمن الطرق، وتتبع إدارياً لوزارة الداخلية.
وبسبب كثافة مرتادي الساحة، كونها تعتبر متنزهاً لأهالي المدينة، استخدمت السلطة سياسة الطوق الأمني من خلال إحاطة المحتجين بحاجز بشري من عناصر أمن الطرق المدججين بالسلاح، بهدف منعهم من التحرك وعزلهم ضمن دائرة صغيرة، ومنع انضمام أو تزايد أعداد المحتجين. وهذا ما حصل عند محاولة التحاق بعض المتأخرين بالوقفة.
ولم يقتصر هذا الأسلوب على ذلك، بل قامت السلطة بإغلاق كافة مداخل الساحة بسياج أمني، وتوزيع السيارات الأمنية على زواياها، وفتح ممرين فقط للمشاة، بما يشبه نقاط التفتيش العسكرية، مع وجود مسيّرات عسكرية ترصد الساحة من الأعلى، وانتشار كثيف لعناصر الجوالين ضمن الساحة لمنع المشاة من التوقف أو الاقتراب من الاحتجاجات.
كما لم تعتمد السلطة على قوى أمن الطرق وحدها، بل لوحظ وجود أكثر من 10 سيارات مع عناصرها بالعتاد الكامل من قوى مكافحة الشغب في شارع فرعي خلف مبنى البريد قرب الساحة.
هذه السياسة الجديدة التي تنتهجها السلطة تهدف إلى عزل أي تجمع أو مظاهرة عن محيطها، وترهيب المدنيين، وتصدير صورة الدولة ذات القبضة الحديدية لكل من يفكر بالتعبير عن رأيه والمطالبة بحقوقه.
الإعلام المتواطئ مع السلطة
رغم التغطية الإعلامية التي شهدتها الوقفة الاحتجاجية من قبل عدة قنوات وصفحات رسمية وشبه رسمية، إلا أنها جميعها كانت متواطئة مع السلطة من خلال تصوير لقطات قريبة للمتظاهرين، وإخفاء الوجود الأمني الكثيف الذي فاق عدد المتظاهرين بأضعاف، ضمن صورة محددة رسمتها السلطة مسبقاً وسمحت بها للخروج إلى العلن.
يهدف هذا الأسلوب إلى تصدير صورة للجمهور العام عن رغبة السلطة في محاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة، وصورة أخرى لأهالي المدينة عن قدرتها الأمنية والعسكرية على مواجهة أي احتجاجات قد تصدر في ظل تصاعد الاحتقان الشعبي في حلب بسبب تردي الأوضاع الخدمية والأمنية، والأزمات المعيشية المتزايدة.
من جهتها، تحاول السلطة امتصاص الغضب الشعبي من خلال تشكيل لجنة بموجب الأمر الإداري رقم (471) تاريخ 16/8/2026، للتحقيق في جريمة قتل الشهيد محمد غميرة. كما وردت أنباء عن منع تنظيم احتجاجات مشابهة في مدينة دمشق بتاريخ 18/8/2026، بعد تقديم السلطة وعوداً بمحاسبة المسؤولين عن الجريمة.
السلطة أصبحت محرجة تجاه جمهورها نفسه، حيث إن طبيعتها العنفية الواسعة والفاشية الطابع، وعمليات القتل والتعذيب اليومية والمعممة، وصلت إلى حد تنفير جزء من جمهور كان موالياً لها. وبكل الأحوال، فإن السلطة الرجعية لا تملك سوى العنف العاري لإبقاء سيطرتها على الجماهير التي يزداد غضبها كل يوم نتيجة سياسات السلطة النيوليبرالية التي تفاقم من الإفقار المدقع لغالبية السوريين، وأيضاً بسبب انفلات وحشية وعنف السلطة وأتباعها من الفاشيين والمجرمين.
لكن قمع السلطة لن يكون كافياً عندما تنهض الجماهير الشعبية، عاجلاً أم آجلاً، لتكنس هذا التوحش السلطوي وتحرر نفسها، ومعها عموم الشعب، من سلطة القمع والنهب والمجازر والعمالة.
إعداد هئية تحرير الخط الأمامي






