
ترجمة وإعداد الخط الأمامي عن مقال في دورية الإشتراكية الأممية
هل ثمّة جغرافيا للأزمة؟
هل تمتلك الأزمة موقعاً مادياً على سطح الأرض؟ كان المسؤولون الأميركيون يؤمنون بذلك قبل خمسين عاماً، حين حدّدوا مساحات شاسعة من الشرق الأوسط وأفغانستان ووصفوها بـ”قوس الأزمة”، حيث تتعاقب الحروب والانتفاضات. أم أن للأزمة وجهاً وشخصية؟ من السهل هنا أن ننظر إلى دونالد ترامب وبيت هيغسِث بوصفهما تجسيداً لها: عدوانيين، سريعي الغضب، متقلّبين، عنيفين.
تُعيد أكثر الصيغ تبسيطاً لفكرة “الأزمة كمكان” إنتاج قوالب نمطية عنصرية، أو بالأحرى استشراقية، تصوّر المسلمين شعباً دموياً وبدائياً، يميل إلى قتال بعضه بعضاً وتدمير الحضارة، وبالتالي إشعال حروب لا تنتهي. أما صيغة “الأزمة كشخص” فعادةً ما تختزل تقلبات النظام العالمي في صراع بين نزعات فردية أنانية، وتقوم على فكرة أن استبدال شخصيات مثل ترامب وهيغسِث ونتنياهو بآخرين أكثر التزاماً بـ”النظام الدولي القائم على القانون” في إطار الرأسمالية الليبرالية، كفيل بإعادة كل شيء إلى مساره الطبيعي وتشغيله بشكل سليم.
ثمّة صيغ أكثر تعقيداً من هذه السرديات، تتخذ خطوة إلى الوراء بعيداً عن الشخصيات، لتحيل إلى الأيديولوجيات ونظريات الحكم. فبعض المعلقين اليمينيين يرون الصراع نتاجاً لـ”الإسلاموية” بوصفها نظرية وممارسة للسلطة السياسية. أما على اليسار، فغالباً ما تحلّ الصهيونية، بوصفها أيديولوجيا للتفوق اليهودي والقوة المفترضة الكامنة وراء النزعات الإبادية للدولة الإسرائيلية، محلّ تفسيرات أكثر عمقاً.
تنطلق هذه المقالة من موضع مختلف. سأجادل بأن الحجم المرعب للاشتعال الذي اجتاح الشرق الأوسط، من بيروت إلى طهران والخليج، نتيجة الهجمات المشتركة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ولبنان، لا يمكن تفسيره من دون فهم العلاقة بين هذه الهجمات والتفكك المتسارع للنظام الرأسمالي النيوليبرالي. إن الانشقاقات التي تتشكل في مواقع متعددة، وحروب الغزو والإبادة الممتدة، ليست سوى أعراض لعلّة أعمق بكثير، متجذرة في بنية عمل الرأسمالية ذاتها.
قد تكون الحرب على إيران قد بدأت كمحاولة لـ”تغيير النظام” باستخدام قاذفات “بي-52″، لكنها سرعان ما تحوّلت، خلال الأسبوعين الأولين، إلى حرب تُخاض حول البنية التحتية الاقتصادية وبواسطتها. وقد تركزت أنظار وسائل الإعلام العالمية والمتداولين في أسواق السلع على الأضرار التي لحقت بمنشآت النفط والمصافي ومراكز البيانات. وبعيداً عن الاستسلام أو الانزلاق إلى حرب أهلية، ردّت القيادة العسكرية والسياسية الإيرانية، بعد اغتيال رئيس الدولة علي خامنئي، بإغلاق مضيق هرمز والتهديد برفع أسعار النفط إلى ما فوق 200 دولار للبرميل. وتكمن جذور هذا التصعيد في مركز النظام العالمي، حيث تواجه الهيمنة الاقتصادية الأميركية تحدياً بفعل صعود الصين، كما تعود إلى الشرق الأوسط، حيث شهد العقد الأخير تصاعداً في حدة المنافسة بين قوى إقليمية صاعدة: إسرائيل وإيران ودول الخليج وتركيا. وعلى المستويين العالمي والإقليمي، تتضاعف وتتسارع حلقات الارتداد بين البعدين الاقتصادي والعسكري للمنافسة الرأسمالية.
ومع ذلك، وفي خضم هذا الرعب، لا تزال هناك أسباب للأمل. فالوجه الآخر لهذه المرحلة من الأزمة لا يتمثل في تعمّق الانقسامات بين الدول القومية أو الطوائف الدينية، بل في إمكانية نشوء صراع من الأسفل. إن التركيز الأساسي للنشاط المناهض للحرب في بريطانيا يجب أن ينصبّ على تعطيل دور حكومتنا في دعم ومساندة جرائم التحالف الأميركي-الإسرائيلي ضد شعوب إيران وفلسطين ولبنان واليمن. غير أن هذه الحركة الجماهيرية تحتاج إلى تيار جذري داخلها. فتنظيم الإضرابات والاحتجاجات الجماهيرية لتعطيل تدفق الأسلحة والسلع عبر دوائر الرأسمالية العالمية، يُعدّ وسيلة أكثر فعالية لوقف آلة الدمار من أي طائرة مسيّرة أو صاروخ.
وداعاً لـ”الحروب الأبدية”؟
إنها لتجربة تقترب من السريالية، أن نعيد قراءة وثيقة استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ووثيقة استراتيجية الدفاع الوطني الصادرة في يناير/كانون الثاني 2026، بينما تتساقط القنابل على طهران وبيروت. تشرح استراتيجية الأمن القومي لماذا ينبغي للولايات المتحدة أن تتبنى موقفاً مختلفاً جذرياً تجاه المنطقة مقارنة بالماضي:
“على مدى نصف قرن على الأقل، أعطت السياسة الخارجية الأميركية الأولوية للشرق الأوسط فوق جميع المناطق الأخرى. والأسباب واضحة: فقد كان الشرق الأوسط، لعقود، أهم مورد للطاقة في العالم، ومسرحاً رئيسياً للتنافس بين القوى العظمى، كما كان مثقلاً بصراعات مهددة بالامتداد إلى العالم الأوسع، بل وحتى إلى داخل حدودنا.”
وتزعم الوثيقة أن اثنين من هذه الشروط “لم يعد قائماً” اليوم، إذ جرى استبدال التنافس بين القوى العظمى بـ”مناورات القوى الكبرى”، وأن الولايات المتحدة، بصفتها مُصدّراً صافياً للطاقة، لم تعد تمتلك الحاجة الملحّة نفسها للتدخل المباشر في المنطقة:
“ومع قيام هذه الإدارة بإلغاء أو تخفيف السياسات الطاقوية التقييدية، ومع ارتفاع إنتاج الطاقة الأميركي، فإن السبب التاريخي لانشغال أميركا بالشرق الأوسط سيتراجع.”
تركّز الاستراتيجية الأميركية هنا على تأمين التفوق في ساحات عالمية أخرى، ولا سيما في المناطق التي تنظر إليها الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة بوصفها “حديقتها الخلفية” في نصف الكرة الأرضية الغربي، وذلك من خلال إعادة تأكيد مبدأ مونرو. وتشمل هذه الرؤية إشادة مألوفة بدور إسرائيل بوصفها الحارس الإقليمي للمصالح الأميركية، بالتحالف مع دول الخليج. وترد في استراتيجية الدفاع الوطني الصياغة التالية:
“لقد أثبتت إسرائيل، على مدى عقود، أنها راغبة وقادرة على الدفاع عن نفسها، مع حصولها على دعم أميركي حاسم، وإن كان محدوداً. وتمثل إسرائيل حليفاً نموذجياً، ولدينا اليوم فرصة لتعزيز قدراتها بصورة أكبر كي تتمكن من الدفاع عن نفسها وتعزيز مصالحنا المشتركة، استناداً إلى الجهود التاريخية التي بذلها الرئيس ترامب لإحلال السلام في الشرق الأوسط. وبالمثل، فإن شركاء الولايات المتحدة في الخليج أصبحوا، على نحو متزايد، أكثر استعداداً وقدرةً على الاضطلاع بدور أكبر في الدفاع عن أنفسهم في مواجهة إيران ووكلائها، بما في ذلك من خلال اقتناء وتشغيل مجموعة متنوعة من الأنظمة العسكرية الأميركية.”
قد يبدو شنّ العمل العسكري ضد إيران في أواخر فبراير/شباط 2026 وكأنه تخلٍّ مفاجئ عن الوعود السابقة بإنهاء “الحروب الأبدية” والكفّ عن لعب دور “شرطي العالم”. وقد ندّدت قطاعات من حركة “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً” (MAGA) بصوت مرتفع بهذا الهجوم، معتبرةً إياه خيانة لوعود ترامب، في مقابل موجة لا تقل حدّة من الإدانات المضادة صدرت عن حلفائه. غير أن عناصر مهمة من تحليل استراتيجية الأمن القومي واستراتيجية الدفاع الوطني لدور الشرق الأوسط داخل الرأسمالية العالمية تستند إلى تحولات حقيقية شهدها النظام الرأسمالي العالمي، وهي تحولات تكافح الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة للتكيّف معها. فقد أدّت التحولات في مجال الإنتاج الصناعي إلى إعادة توجيه مسارات تداول السلع وإعادة تشكيل منظومات الطاقة العالمية. ولا يتعلق الأمر بتغيير في الكيفية الأساسية التي تعمل بها الرأسمالية، بل بتغيّر موقع مراكزها الأكثر ديناميكية. فقد شهدت الصين، خلال العقدين الماضيين، قفزة هائلة في قواها المنتجة، ولذلك ينبغي أن تحتل موقعاً مركزياً في أي تحليل لهذه التحولات. كما باتت مؤسسات الدولة والشركات، التي كانت تدير الرأسمالية العالمية خلال الحقبة النيوليبرالية، مضطرة إلى التكيّف مع هذه المتغيرات.
تعترف كلٌّ من استراتيجية الأمن القومي واستراتيجية الدفاع الوطني بهذه التحولات، إذ تجعل كلتاهما من إحياء الصناعات العسكرية الأميركية هدفاً رئيسياً للاستراتيجية الجيوسياسية الشاملة للولايات المتحدة. غير أن الولايات المتحدة لم تُعهِد بالإنتاج الصناعي إلى الصين فحسب. بل على العكس، فإن التوسع في البنية التحتية الرقمية داخل الولايات المتحدة، والنمو السريع في الطلب على الطاقة وشبكات نقلها، الذي تفرضه الزيادة الهائلة في استخدام الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الهيمنة الأميركية على منتجات تكنولوجية رئيسية (مثل أشباه الموصلات المتقدمة)، كلها مؤشرات على احتدام المنافسة الاقتصادية مع اقتراب الصين من تضييق الفجوة، لا على وجود مسار عام لتراجع التصنيع في الولايات المتحدة.
احتدام صراع الأشقاء
في الشرق الأوسط، يتنافس المسؤولون الأميركيون وكبرى الشركات الغربية مع الصين على ترسيخ نموذج للنمو الصناعي يقوم على البنية التحتية الرقمية، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، وصناعة البطاريات. وبالنسبة لترامب وحلفائه الإقليميين، يقتضي هذا المشروع إنشاء حيّز إقليمي عابر للحدود لتراكم رأس المال الديناميكي يمتد من فلسطين إلى الخليج، ويُقام فوق عظام شهداء غزة.
كما بيّنتُ في مقالتين سابقتين نُشرتا في هذه المجلة عامي 2018 و2024، دخلت القوى الإقليمية المتوسطة الرئيسية في المنطقة — إسرائيل، ودول الخليج (ولا سيما الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية)، وإيران وتركيا — في دورة من المنافسة الاقتصادية والعسكرية بلغت بحلول أوائل عشرينيات القرن الحادي والعشرين حالةً من التوازن غير المستقر. وقد أفسحت الهزيمة العسكرية التي مُنيت بها الولايات المتحدة في العراق، عقب تدخلها واحتلالها الكارثيين، المجال أمام اتساع الطموحات الإقليمية لهذه القوى المتنافسة. وتمثّل ذلك في توسّع النفوذ الإيراني داخل العراق، وفي بناء “محور المقاومة” بوصفه تحالفاً عسكرياً ودبلوماسياً. كما تجلّى في المغامرات العسكرية السعودية والإماراتية في اليمن بعد عام 2015، وفي التدخلات الكارثية في السودان بعد عام 2019. أما تركيا، فاستناداً إلى عقيدة “الوطن الأزرق”، فقد عززت حضورها العسكري والدبلوماسي في شرق البحر المتوسط.
وأين يندرج “الحليف النموذجي” للولايات المتحدة في هذه الصورة؟ لقد كان على إسرائيل أن تنتظر حتى تمرّ طبقتها الحاكمة بصراع داخلي طويل قبل أن تطلق موجةً جديدة من الغزو إبادي الطابع. وفي سياق هذا الصراع، فقد مهندسو نظام الفصل العنصري الذي أُقيم عبر عملية أوسلو للسلام في تسعينيات القرن الماضي جانباً من سيطرتهم على الدولة والجيش، مما مهّد الطريق لصعود اليمين المتطرف إلى السلطة. ولا تنبع الحرب الوحشية التي تشنّها إسرائيل على غزة، وهجماتها على خصومها الإقليميين، مثل إيران وحزب الله في لبنان وأنصار الله (الحوثيين) في اليمن، فقط من أوهام عنصرية ترمي إلى القضاء على المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي التي تدّعي الطبقة الحاكمة الإسرائيلية ملكيتها. بل تهدف أيضاً إلى إضعاف النفوذ الإيراني، وتقويض ثقة الطبقة الحاكمة في إيران بقدرتها على التدخل خارج حدودها. وقد تجلّى أثر هذه الثقة، على سبيل المثال، في الهجوم بالطائرات المسيّرة على المنشآت النفطية السعودية عام 2019، وهو الهجوم الذي أصبح بدوره أحد العوامل الرئيسية التي دفعت دول الخليج إلى تبنّي أجندة “التطبيع” مع إسرائيل بقيادة الولايات المتحدة.
حتى خريف عام 2025، بدا أن هذه الاستراتيجية تحقق أهدافها. ويبدو أن إحدى اللحظات المفصلية في المسار الذي انتهى باعتماد “خطة ترامب للسلام” الخاصة بغزة كانت الغارة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مسؤولين في حركة حماس في قطر في 9 سبتمبر/أيلول 2025. وقد شكّل هذا الهجوم صدمةً خاصة لقادة دول الخليج، لأنهم كانوا شركاء مع إسرائيل في تحالف سري تقوده الولايات المتحدة، حمل اسم “الهيكل الأمني الإقليمي” (Regional Security Construct)، وكان يهدف إلى تنسيق الردود على التهديدات العسكرية الإيرانية. ووفقاً لوثائق مسرّبة كشفت عنها صحيفة واشنطن بوست، أشرفت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) على تنظيم سلسلة من الاجتماعات والأنشطة التدريبية التي جمعت إسرائيل وقطر والبحرين ومصر والأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة خلال عامي 2024 و2025. وربطت القيادة المركزية بيانات الرادارات وأجهزة الاستشعار الخاصة بهذه الدول بالأنظمة الأميركية، كما أتاحت لها الاطلاع على بيانات بعضها البعض، بهدف تنسيق الدفاعات الجوية في حال وقوع هجوم إيراني. ومع ذلك، مرّ الهجوم الذي جاء من داخل صفوف هذا التحالف من دون أن ترصده تلك المنظومات. وقد أوضح الفريق في سلاح الجو الأميركي ديريك فرانس للصحفيين أن السبب يعود إلى أن هذه الأنظمة “تركّز عادةً على إيران وغيرها من المناطق التي نتوقع أن يأتي منها الهجوم”. ومن الواضح أن هذا التحالف الذي كان يُدار خلف الكواليس لم يكن تحالفاً بين أطراف متكافئة. كما أن استمرار القيادات العسكرية لمعظم الدول المجاورة لفلسطين في المشاركة فيه، حتى مع تصاعد الإبادة الجماعية في غزة، يكشف حجم ضعف الأنظمة العربية الموالية للغرب في مواجهة إسرائيل. بل إن الاستعداد لـ”القضاء على ما تبقى” من قوات المقاومة الفلسطينية عقب أي وقف لإطلاق النار شكّل جزءاً من الدورات التدريبية التي نُظمت في إطار هذا التحالف. ووصل الأمر إلى حد أن إحدى الفعاليات التي عُقدت في يناير/كانون الثاني 2025 في فورت كامبل بالولايات المتحدة تضمنت تدريباً متخصصاً على تدمير الأنفاق.
بالتوازي مع تصاعد الإبادة الجماعية في غزة، طرح ترامب ونتنياهو والمقرّبون منهما، ومن بينهم توني بلير، رؤيةً اقتصادية تهدف إلى جعل الهيمنة العسكرية الإسرائيلية أقل وطأةً على القوى الإقليمية الأخرى. وكما سبق أن جادلتُ في تحليلي للاقتصاد السياسي لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي، فقد شكّلت الصناعات المتقدمة والاقتصاد الرقمي أكثر القطاعات ديناميكية في الاقتصاد الإسرائيلي منذ تسعينيات القرن الماضي. وقد تطورت هذه القطاعات إلى حدٍّ كبير بفضل علاقة تكافلية بين المجمعين العسكريين–الصناعيين في الولايات المتحدة وإسرائيل، تعود جذورها إلى سبعينيات القرن العشرين. كما لعبت صفقات البنية التحتية الرقمية الضخمة التي أُبرمت مع عمالقة التكنولوجيا الأميركيين، ومن بينهم مايكروسوفت وغوغل وأمازون، دوراً محورياً في الإبادة الجماعية في غزة، إذ أسهمت في إنشاء آلة اغتيال جماعي رقمية تعتمد على أنظمة الاستهداف الإسرائيلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. بل إن الحكومة الإسرائيلية أنشأت منشآت متقدمة لتصنيع أشباه الموصلات على بعد بضعة أميال من غزة، ويبدو أن هدفها كان إنشاء “درع سيليكوني” مماثل لذلك الذي سعت الطبقة الحاكمة في تايوان إلى بنائه، في محاولة لجعل نفسها عنصراً لا غنى عنه بالنسبة للولايات المتحدة. وبالنسبة لترامب وبلير، يُفترض أن تشكل نقاط القوة الاقتصادية التي تتمتع بها إسرائيل في هذه المجالات الأساسَ لتعاون اقتصادي مع دول الخليج، وأن تسهم في بناء شراكات مع قوى أخرى، مثل الهند.
غير أن ما يزيد الوضع تعقيداً هو احتدام المنافسة العسكرية بين القوى الإقليمية نفسها، وهو ما يُعدّ، جزئياً، نتيجةً للتراجع النسبي في النفوذ الأميركي (ولانشغال قادتها بصراعات وساحات أخرى باتت تحظى بالأولوية). وهذا يعني أن العدوان الإسرائيلي، ليس على فلسطين فحسب، بل أيضاً على لبنان واليمن وإيران، يجعل من حلم تحويل إسرائيل إلى الركيزة المحورية لمنطقة تعاون اقتصادي تمتد من البحر المتوسط إلى الخليج أبعد عن التحقق من أي وقت مضى. فالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بما تتسم به من نزعة توسعية وعدوانية مفرطة، تثبت أنها عامل لزعزعة الاستقرار، إذ تدفع المنطقة إلى دورة جديدة من الحروب الإقليمية، بدلاً من أن تهيئ الأسس التي تمكّن ترامب وهيغسِث من تنفيذ رؤيتهما لفكّ ارتباط الولايات المتحدة بمشكلات الشرق الأوسط، كما وردت في استراتيجية الأمن القومي واستراتيجية الدفاع الوطني.
العودة إلى مفارقة إسبرطة
إن تصعيد الحرب الإقليمية الذي أشعلته الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط 2026 ليس المرة الأولى التي تحاول فيها الدولة الصهيونية فرض إعادة صياغة عنيفة للتوازنين العسكري والاقتصادي بين القوى الإقليمية المتوسطة في الشرق الأوسط. فكما يقدّم نتنياهو إسرائيل اليوم بوصفها “إسبرطة عظمى”، كان القادة الإسرائيليون وحلفاؤهم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي يتصورون إسرائيل باعتبارها نسخةً من مدينة إسبرطة القديمة، تفرض هيمنتها على المنطقة بقوة السلاح. وكانت الحرب التي شنتها إسرائيل على مصر وسوريا في يونيو/حزيران 1967 لحظةً حاسمة. فللمرة الأولى، تصرفت إسرائيل بصورة أحادية بوصفها وكيلاً إقليمياً للإمبريالية الأميركية، من خلال احتلال الأراضي وتدمير القدرات العسكرية لأقرب منافسيها، أي مصر. غير أن دور إسرائيل بوصفها الحارس الإقليمي للمصالح الأميركية لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان له أيضاً بُعد اقتصادي، إذ استُخدمت الحرب وسيلةً لتطويع الدولة المصرية وتقييدها. ففي ظل قيادة جمال عبد الناصر، كانت مصر تسعى إلى التصنيع وفق نموذج للتنمية الرأسمالية استلهم بدرجة كبيرة تجربة الاتحاد السوفييتي. وفي معرض كتابته مباشرةً بعد انتصار إسرائيل عام 1967، أشار توني كليف إلى التناقضات المأساوية، غير القابلة للحل، الكامنة في دور إسرائيل بوصفها قاعدةً عسكرية متقدمة للقوى الغربية:
“ ليست إسرائيل مستعمرةً يقمعها الاستعمار، بل هي مستعمرة استيطانية، وقلعة للمستوطنين، ومنصة انطلاق للإمبريالية. إنها مأساة أن بعض أولئك الذين كانوا هم أنفسهم ضحايا للاضطهاد والمجازر بأبشع الأشكال، قد جرى دفعهم إلى حالة من الحماسة الشوفينية والعسكرية، ليصبحوا أداةً عمياء في يد الإمبريالية لإخضاع الجماهير العربية.”
انتقلت الطبقة الحاكمة المصرية، خلال العقد التالي، من موقع المنافس لإسرائيل والولايات المتحدة إلى موقع الحليف لهما، غير أن دولاً منافسة أخرى سرعان ما ظهرت. ومن المفارقات أن صعود هذه القوى كان، جزئياً، نتيجةً للتأثيرات العميقة التي خلّفتها حرب 1967 على أسواق النفط. فقد حفّزت الحرب نشوء منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك). وقد تحدّى هذا التكتل بين منتجي النفط الوطنيين هيمنة شركات النفط الغربية الكبرى، ودشّن عصراً من التقلبات الحادة في أسعار النفط — وهو أمر سيصبح لاحقاً سمةً عامة للرأسمالية العالمية — إلى جانب صدمات الإمدادات. وقد أدّت التدفقات الهائلة من عائدات النفط إلى خزائن الدولتين الإيرانية والعراقية، نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار النفط، إلى تعزيز موجات التوسع الصناعي وتطوير البنية التحتية التي قادتها الدولة في كلا البلدين، كما زادت من حدة المنافسة العسكرية بين هذين الجارين.
كان هذا أحد الأسباب التي جعلت الجولة التالية من الحروب، الرامية إلى إعادة التوازن في النظام الإقليمي خلال أوائل ثمانينيات القرن العشرين، تشمل إلى جانب تصعيد إسرائيل لعملياتها العسكرية عبر غزو لبنان، اندلاع حرب طويلة الأمد بين العراق وإيران، أسفرت عن ثماني سنوات من الصراع امتد تأثيرها إلى منطقة الخليج بأكملها. وفي نهاية المطاف، أدّى التدخل الأميركي الحاسم لدعم نظام صدام حسين في العراق إلى ترجيح الكفة ضد إيران. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة تفضّل الملكية الإيرانية بوصفها ركيزةً داعمة مكمّلة لبنيتها الإقليمية للهيمنة، إلى جانب الدور المتنامي لإسرائيل. وقد أدى إسقاط الملكية البهلوية عام 1979 بفعل الثورة إلى إجبار الولايات المتحدة على إعادة ضبط استراتيجيتها، كما أوجد مساحةً أتاحت للدولة الإسرائيلية قدراً أكبر من الاستقلالية في التحرك والإفلات من المساءلة. وتحت قيادة حزب الليكود برئاسة مناحيم بيغن، اجتاح الجيش الإسرائيلي الحدود اللبنانية، وأباد عشرات الآلاف من الفلسطينيين واللبنانيين عبر غارات قصف واسعة النطاق، ومكّن حلفاءه من اليمين المسيحي اللبناني المتطرف من ارتكاب مجازر في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت. ولم تستطع مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا عام 1982، ولا الإبادة الجماعية في غزة منذ عام 2023، القضاء على مقاومة الفلسطينيين واللبنانيين للاحتلال والفصل العنصري. فقد زرع تدمير بيروت عام 1982 بذور موجة جديدة من حركات المقاومة، من بينها نشوء حزب الله. كما أظهرت حملة القصف الإسرائيلية منذ عام 2023 عبثية استخدام الصواريخ ضد تنظيمات متجذرة بعمق في شعب يكافح من أجل وجوده ذاته.
تمتد أوجه التشابه البنيوية بين ثمانينيات القرن العشرين والفترة الممتدة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى ما هو أبعد بكثير من أوجه التقارب الأيديولوجي بين بيغن (الذي استحضر علناً روح أحد أوائل منظّري الصهيونية في القرن العشرين، زئيف جابوتنسكي، المعروف بدعوته الإبادية، بوصفها مصدر إلهام في خطاب تأبيني ألقاه عام 1981) وبين القادة الإسرائيليين اليوم. وكما هو الحال اليوم، جاءت أوائل ثمانينيات القرن العشرين في أعقاب فترة طويلة من عدم الاستقرار العالمي والأزمة البنيوية، حيث سعت القوتان العالميتان المهيمنتان، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، إلى معالجة المشكلات المتفاقمة في نموذج الرأسمالية الذي نشأ بعد الحرب. وكما أوضح كتّاب ينتمون إلى تقليد هذه المجلة في ذلك الوقت، فإن تفكك أشكال رأسمالية الدولة واقتصاد الحرب الدائم، وهما الركيزتان اللتان استند إليهما ربع القرن من التوسع الرأسمالي الذي أعقب عام 1945، أحدث موجات صدمة انتشرت آثارها في أنحاء العالم.
رأى مسؤولو وزارة الخارجية الأميركية أن “قوس الأزمة” هذا يتجسّد في مخاطر الحرب والثورات التي كانت تعصف بالشرق الأوسط وأفغانستان في نهاية سبعينيات القرن العشرين. وفي نهاية المطاف، خرجت الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة من هذه المرحلة منتصرةً على منافسها العالمي، الاتحاد السوفييتي، من خلال فرض أساليب جديدة لتنظيم الإنتاج الرأسمالي وإدارة العلاقات بين حلفائها وتابعيها، وهي العملية التي سنطلق عليها لاحقاً اسم النيوليبرالية. لكن الولايات المتحدة، في ذلك الوقت، بدت تحت ضغط شديد. فقد كان جيشها لا يزال يترنح إثر هزيمته في فيتنام، وهي الهزيمة التي زعزعت ثقتها في إمكانية نشر القوات الأميركية براً والتدخل المباشر بجنودها. علاوةً على ذلك، أُطيح بأحد حلفائها الموثوقين، شاه إيران، عبر ثورة قادها أناس صاغوا انتصارهم بوصفه نضالاً مناهضاً للإمبريالية، وأعلنوا أنهم سيعيدون قضية التضامن مع فلسطين إلى مركز السياسة الإقليمية، بعد 15 عاماً من هزيمة ناصر المهينة.
الطاقة والأتمتة واشتداد المنافسة
تدفع المنافسة المتصاعدة لإنتاج الآلات والبنية التحتية إلى إعداد قوائم شراء ضخمة لموارد النفط والغاز، و”المعادن الحرجة” و”العناصر الأرضية النادرة” التي تصبح عرضةً للنهب من قبل حكومات تتجاوز حدودها. غير أن محرّك المنافسة الرأسمالية اليوم، على غرار فترة “الإمبريالية الكلاسيكية” بين سبعينيات القرن التاسع عشر وعام 1945، لا يتمثل أساساً في الاستيلاء على الأراضي واستخراج المواد الخام. لقد وثّقت الأطر النظرية التي طوّرها الماركسيان الروسيان نيكولاي بوخارين ولينين لتحليل الإمبريالية في أوائل القرن العشرين كلتا هاتين العمليتين، لكنها درست أيضاً النمو السريع لوسائل تداول البشر والسلع والمعلومات، متتبعةً عدد الكيلومترات التي شُيّدت من السكك الحديدية وأعمدة التلغراف، وأنماط حمولة الشحن البحري العالمي، والتقلبات في أحجام التجارة. وبالمثل، لفت انتباههما التحول في أنظمة إمداد الطاقة اللازمة لتشغيل التجمعات الجديدة من الآلات والعمال. وعلى الرغم من أن الكهرباء كانت آنذاك تقنيةً حديثة نسبياً، فقد احتلت مكانةً بارزة في تحليلهما. كما بحثا السباق المحموم نحو التفوق التقني، الذي يمكن رصده من خلال طلبات تسجيل براءات الاختراع، وظهور ثقافة البحث والتطوير التقني، وإنشاء مجالات مهنية متخصصة مكرّسة لرفع الإنتاجية. وتناولت كتاباتهما ظهور أشكال جديدة من الشركات، وتنامي دور الدولة في الإنتاج، ونمو الكارتلات، وهيمنة رأس المال المصرفي على رأس المال الصناعي. وكان من المؤشرات الأساسية الأخرى التي أبرزها كلٌّ من لينين وبوخارين استهلاك الطاقة من قبل التجمعات الهائلة من الآلات، بوصفه وسيلةً لتصوير تركّز رأس المال ومركزيته. واليوم، كما كان الحال في زمن لينين وبوخارين، فإن التحولات في الدوائر العالمية لتداول السلع الطاقوية تدفعها، في المقام الأول، التغيرات التي تطرأ على القوى المنتجة للنظام الرأسمالي.
منذ عام 2010، شهدنا انعكاساً دراماتيكياً لما يقارب نصف قرن من تراجع إنتاج النفط في الولايات المتحدة. ولم يكن ذلك نتيجة اكتشاف احتياطيات نفطية جديدة لم تكن معروفة سابقاً، بل كان ثمرةً لاختراق تقني وهندسي. فقد أتاح التطوير الناجح لتقنيات وتكنولوجيات التكسير الهيدروليكي واستخراج الغاز الصخري استغلال احتياطيات كان استخراجها مستحيلاً في السابق، وأعاد الولايات المتحدة إلى موقع الصدارة باعتبارها أكبر منتج للنفط في العالم، ومُصدّراً صافياً ضخماً للطاقة. وكانت هذه القفزة في التقدم التقني تعتمد على قدرة الولايات المتحدة على تطوير وتصنيع آلات فائقة التطور وعالية الدقة (مثل رؤوس الحفر الماسية متعددة البلورات المستخدمة في درجات الحرارة المرتفعة أثناء حفر الآبار الحرارية الجوفية)، وعلى أساليب بحث وتطوير تعتمد على كثافة عالية من رأس المال. وقد جرى تمويل جزء كبير من هذه الأبحاث من القطاع العام منذ سبعينيات القرن الماضي فصاعداً، لكنها لم تؤتِ ثمارها إلا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
يُظهر إنتاج الطاقة في الصين اتجاهاً مشابهاً خلال الفترة الزمنية نفسها تقريباً، ولكن باستخدام مصدر طاقة مختلف: الفحم. فبينما تجوب السيارات العاملة بالبطاريات شوارع المدن، أُنشئت قدرة تبلغ 356 غيغاواط من طاقة الرياح والطاقة الشمسية بحلول نهاية عام 2024 (وهو ما يعادل تقريباً إجمالي قدرة طاقة الرياح والطاقة الشمسية في الولايات المتحدة). ومع ذلك، وكما يشير آدم توز بحق، فإن وراء قصة صعود الصين بوصفها “دولة كهربائية” تكمن “أقذر عملية قمنا بها على الإطلاق”. إن الارتفاع الكارثي في إنتاج الفحم، والمكانة المركزية التي يحتلها الفحم في التقدم الصناعي الصيني، هما مثل “ثورة” الغاز الصخري في الولايات المتحدة، أحد نتائج الاستثمار المكثف الموجّه من الدولة في البحث والتطوير عند الحدود التكنولوجية. وقد بدأ توليد ما يقارب 100 غيغاواط من القدرة الإنتاجية لمحطات كهرباء جديدة كبيرة تعمل بالفحم بدأ بناؤها في عام 2024، تستخدم تقنيات “فوق حرجة” و”فائقة فوق حرجة”، قادرة على تسخين الفحم إلى درجات حرارة تتجاوز 600 درجة مئوية وتحت ضغط مرتفع. وهذه هي التكنولوجيا نفسها التي تقترح الولايات المتحدة الآن محاكاتها، بعد منشورات ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي التي أبدى فيها حماساً شديداً لمزايا “الفحم النظيف الجميل”.
إن نضوج القدرات الإنتاجية للرأسمالية الصينية، في خضم أزمة عميقة تضرب قلب الرأسمالية الغربية (ولا سيما في الولايات المتحدة)، قد دفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة تتسم باشتداد المنافسة على نحو محموم، حيث عادت الدول إلى استعراض قوتها في كل حلقة من حلقات عملية الإنتاج، من التعدين إلى مصانع تصنيع أشباه الموصلات، ومن خطوط التجميع في المصانع إلى مختبرات البرمجيات. وتُعدّ مراكز البيانات، التي تؤدي دور مصانع إنتاج الذكاء الاصطناعي وتستضيف البنية التحتية للحوسبة السحابية، أكثر القطاعات التي تحظى اليوم باهتمام الطبقتين الحاكمتين في الصين والولايات المتحدة، وإن جاءت مصانع تصنيع أشباه الموصلات في المرتبة الثانية بفارق ضئيل. وليس من قبيل المصادفة أن تحتل هذه القطاعات، إلى جانب قطاعات أخرى في الصناعات عالية التقنية، مكانةً بارزة في أنماط الاستثمار الأجنبي المباشر على مستوى العالم. ويُظهر تقرير صادر في سبتمبر/أيلول 2025 عن شركة الاستشارات ماكينزي أن 75 بالمئة من إعلانات تدفقات الاستثمار العابر للحدود منذ عام 2022 قد تركزت في التصنيع المتقدم، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وأنظمة الطاقة.
وتُعدّ تدفقات الاستثمارات القادمة من شركات البنية التحتية الرقمية الأميركية العملاقة، مثل أمازون وغوغل ومايكروسوفت، وشركائها، ومن بينهم OpenAI وشركة تصميم الرقائق Nvidia، إلى المشاريع الكبرى في الخليج، أحد أبرز مؤشرات هذا التوجه. وسيكون أول نشر دولي لمنصة البنية التحتية Stargate التابعة لـ OpenAI في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يُخطَّط لتشغيل مركز بيانات بقدرة 200 ميغاواط خلال عام 2026، على أن تتوسع قدرته مستقبلاً إلى 1 غيغاواط. أما مايكروسوفت، وهي إحدى الشركات الشريكة في مشروع Stargate، فلديها استثماراتها الخاصة في مجموعة G42 الإماراتية، كما حصلت على تراخيص تصدير ضرورية تسمح بشحن رقائق Nvidia المتقدمة لاستخدامها في مراكز البيانات، وذلك في إطار إنفاق تبلغ قيمته 15 مليار دولار (11.3 مليار جنيه إسترليني) في الإمارات خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2029. وفي الوقت نفسه، أعلنت Amazon Web Services (AWS)، في مايو/أيار 2025، عن شراكة بقيمة 5 مليارات دولار (3.7 مليارات جنيه إسترليني) مع شركة HUMAIN، وهي شركة سعودية حديثة التأسيس مدعومة من الدولة ومتخصصة في ابتكارات الذكاء الاصطناعي. وبموجب هذه الشراكة، ستنشئ AWS منطقة بنية تحتية سحابية داخل المملكة العربية السعودية لتقديم خدماتها السحابية.
ولا يقل أهميةً عن ذلك أن الاستثمارات تتدفق أيضاً في الاتجاه المعاكس، من دول الخليج الغنية بالسيولة إلى الاقتصاد الأميركي، حيث تواصل فقاعة الذكاء الاصطناعي الآخذة في الاتساع تأجيل الدخول في حالة ركود. ويزعم البيت الأبيض أن شركات إماراتية التزمت باستثمارات وشراكات مع شركات أميركية تبلغ قيمتها تريليوني دولار (1.5 تريليون جنيه إسترليني)، وتشمل إنشاء بنية تحتية جديدة لصهر الألمنيوم، واستثمارات في إنتاج المعادن ذات الأهمية الاستراتيجية. كما أعلن ترامب، في مايو/أيار 2026، عن حزمة من الصفقات مع شركات سعودية قال إن قيمتها تبلغ 600 مليار دولار (449 مليار جنيه إسترليني). وكما هو الحال مع كثير من تصريحات ترامب، فإن القراءة المتأنية تكشف في كثير من الأحيان عن قدر من استخدام أساليب محاسبية ملتوية هادفة إلى تضخيم الأرقام. ومع ذلك، فمن الواضح أن تدفقات مالية كبيرة تنتقل بين الولايات المتحدة ودول الخليج.
غير أن الاعتقاد بأن الخليج على وجه الخصوص، والشرق الأوسط عموماً، يخضعان اقتصادياً لهيمنة الولايات المتحدة وحدها، اعتقادٌ غير دقيق. فمع أن التدفقات المالية بين الولايات المتحدة والمنطقة لا تزال أكبر بكثير من تلك القائمة بين الصين والمنطقة، فإن الحضور المالي والمادي للرأسمالية الصينية قد توسّع بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. وقد تعمّق التعاون الاقتصادي بين المملكة العربية السعودية والصين في ظل القيادة الفعلية لمحمد بن سلمان، إذ وقّع خلال زيارته إلى الصين عام 2019 ما مجموعه 35 اتفاقية بلغت قيمتها 28 مليار دولار (21 مليار جنيه إسترليني). وفي الوقت نفسه، لعبت الاستثمارات الصينية في السعودية دوراً مهماً في تنفيذ بعض مشاريع رؤية 2030، ولا سيما في قطاع الطاقة المتجددة. كما تتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة بتاريخ من التعاون التكنولوجي مع الصين، وهو ما أثار قلق المسؤولين الأميركيين. فعلى سبيل المثال، اشترطت الولايات المتحدة على شركة التكنولوجيا الإماراتية G42 التخلي عن استثماراتها الصينية قبل الموافقة على نقل رقائق ذكاء اصطناعي عالية المواصفات إليها. ويتجلى احتدام المنافسة بين الشركات الصينية والأميركية العملاقة المزودة للبنية التحتية السحابية فائقة النطاق على الوصول إلى أسواق الخليج وغيرها، في مجموعة مراكز البيانات القائمة والمخطط لها في الرياض. فقد أصبحت العاصمة السعودية تضم أيضاً مراكز بيانات تملكها الشركات الصينية العملاقة Tencent وAlibaba وHuawei، إلى جانب شركات أميركية مثل AWS وMicrosoft وOracle.
فما الذي يعنيه كل ذلك بالنسبة إلى النفط والغاز في الشرق الأوسط؟ لا تزال المنطقة تمثل عقدةً محورية في الاقتصاد العالمي للهيدروكربونات، كما أن إنتاجها النفطي لا يزال يفوق إنتاج الولايات المتحدة. وكان الأثر الأهم للشهية التي لا تشبع لدى قطاع التصنيع الصيني تجاه المواد الخام والطاقة، وما نتج عنها من توسع عمراني ونمو في شبكات النقل، هو إعادة توجيه القسم الأكبر من إنتاج النفط والغاز في الشرق الأوسط نحو الأسواق الصينية. فاليوم، يتجه معظم النفط والغاز اللذين يعبران مضيق هرمز، وهو عنق الزجاجة الذي يربط الخليج بالمحيط الهندي، شرقاً، في طريقهما إلى الهند والصين.
لقد أضاف الطلب الصيني على النفط، بين عامي 2000 و2019، إلى السوق العالمية حجماً من الاستهلاك يعادل دخول ولايات متحدة ثانية إلى السوق. غير أن الزيادة في واردات النفط لم تكن مدفوعة أساساً بالحاجة إلى الوقود، بل باحتياجات الصناعة الصينية إلى المنتجات النفطية بوصفها مواد أولية تدخل في عمليات التصنيع. وقد أسهم هذا التحول نحو الأسواق الجديدة في تحفيز نمو الصناعات البتروكيميائية في دول الخليج، بحيث برزت دول، مثل المملكة العربية السعودية، بوصفها من كبار مصدّري الإيثيلين — وهو مادة أولية أساسية في صناعة البلاستيك — إلى الصين. ومنذ عام 2019، اتجه الطلب الصيني بصورة أكثر حزماً بعيداً عن زيت الوقود والبنزين ووقود الطائرات والديزل، نحو غاز البترول المسال (LPG) والإيثان والنافثا، مدفوعاً بالتوسع المتواصل في صناعة البتروكيميائيات الصينية. وفي الوقت نفسه، يشهد إنتاج الإيثيلين داخل الصين نمواً سريعاً، مع إضافة طاقة إنتاجية تتجاوز 25 مليون طن سنوياً، وهو ما يمثل نحو 50 بالمئة من إجمالي الطاقة الإنتاجية الجديدة عالمياً.
لقد أدّى رأس المال الخليجي دوراً حيوياً في صعود هذا المركز الصناعي الجديد. ففي سياق سعي الطبقات الحاكمة في دول الخليج إلى تنويع اقتصاداتها بعيداً عن استخراج النفط والغاز، نحو الصناعات البتروكيميائية وغيرها من المنتجات النفطية التحويلية، وصناعات الأسمنت والألمنيوم، إلى جانب البناء والسياحة، نجحت في ترسيخ موقعها عند تقاطع تدفقات عالمية ذات أهمية كبرى لرؤوس الأموال والسلع والبشر. ومن ثم، فإن عودة الحرب إلى المنطقة بعد أربعة عقود تُحدث موجات ارتدادية تمتد آثارها إلى قطاع النفط والغاز، والأنظمة المالية، وسلاسل الإمداد الصناعية.
الأزمة الإيرانية في المنظور العالمي
إن الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تمطر غزة وبيروت وطهران بالدمار، وأنظمة المراقبة الرقمية ومراكز البيانات التي تعتمد عليها، ليست سوى نتاجٍ لهذه التحولات في دوائر الرأسمالية العالمية. ولنأخذ الطائرة المسيّرة الإيرانية “شاهد” مثالاً على ذلك. فهي تجمع، على نحو مبتكر، بين التقنيات العالية والمنخفضة. إذ تُصنع من محركات طائرات مخصصة لهواة الطيران، وألواح خشبية، ومكونات إلكترونية متاحة تجارياً، ما يجعلها نموذجاً لكيفية تمكن الابتكار في المستويات الوسطى من السلسلة التكنولوجية داخل صناعات قوة إقليمية متوسطة الحجم من إنتاج أسلحة عالية الفاعلية، تدفع حتى القوى الكبرى إلى تقليدها. وفي 4 مارس/آذار 2026، أعلن الجيش الأميركي، باحتفاء واضح، أنه نشر طائرةً مسيّرة منخفضة الكلفة تحمل اسم LUCAS، وصرّح علناً بأنها صُممت عبر الهندسة العكسية اعتماداً على تصميم طائرة “شاهد”. ولا يخبرنا ذلك كثيراً عن العبقرية التقنية للمهندسين الإيرانيين (مع أن أكثر المعلقين العسكريين الغربيين إدراكاً يعترفون بأن هذه المسيّرة مثّلت اختراقاً تقنياً مهماً). وإنما يكشف، في المقام الأول، كيف أن صناعة الإلكترونيات الاستهلاكية — وهي إحدى أبرز ثمار مركز تراكم رأس المال في شرق آسيا بأسره — باتت، في سياق الأزمة الممتدة، تنتج أدوات الحرب على نطاق غير مسبوق.
وكما كتبتُ عام 2024، فإن السباق لإنتاج الطائرات المسيّرة العسكرية بأعداد كافية لحسم الحروب المعاصرة (لا مجرد تنفيذ هجمات استعراضية ضد خصوم غير مستعدين لأغراض دعائية أو نفسية) يتحدد بمدى القدرة على الوصول إلى خطوط تجميع الإلكترونيات، سواء عبر سلاسل الإمداد العالمية أو من خلال تطوير الجيوش لقاعدتها الصناعية المحلية الخاصة بالتصنيع.
إن التناقضات التي تعتري الاقتصاد الرقمي المدني في إيران تقدم أيضاً مثالاً كاشفاً للتحديات التي تواجه النظام الإيراني وحلفاءه داخل الطبقة الحاكمة الأوسع، في ظل الضغوط التي تفرضها الاتجاهات العالمية في بناء بنية تحتية رقمية واسعة النطاق للاتصالات، وتداول السلع، والتجارة. وتكشف هذه التناقضات عن تفاعل معقد بين بُعدين. فمن جهة، يسعى النظام الإيراني إلى تجديد قاعدته الاجتماعية وتطويرها عبر إتاحة الفرصة أمام شريحة جديدة من الرأسماليين في القطاع الخاص لتحقيق الأرباح من نمو البنية التحتية الرقمية والخدمات المرتبطة بها. ومن جهة أخرى، يواجه قادة النظام صعوبات متزايدة كلما حاولوا قطع الإنترنت لاحتواء تنامي السخط الشعبي. ورغم أن السلطوية الرقمية، مثل استخدام أدوات المراقبة الحديثة، بما في ذلك توظيف تقنيات التعرف إلى الوجوه عبر أنظمة واسعة النطاق من الكاميرات “الذكية” في مدن كبرى مثل طهران، تشكل جزءاً من المشهد، فإن الاقتصاد الرقمي الإيراني يتجاوز بكثير كونه مجرد أداة للرقابة على المعلومات والقمع. وبالمثل، فقد تطور استخدام تطبيقات الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ما هو أبعد من الأنماط التي كانت سائدة قبل أربع أو خمس سنوات. فبعد أن كان استخدامها يتركز أساساً في الاتصالات الشخصية، والحصول على الأخبار والمعلومات، والترفيه، أصبحت تؤدي اليوم دوراً محورياً في الخدمات اللوجستية والتجارة. ووفقاً لتقديرات مركز تطوير التجارة الإلكترونية التابع للحكومة الإيرانية، أسهمت منصات التواصل الاجتماعي وحدها في تحقيق مبيعات تراوحت بين 595 مليون دولار (445 مليون جنيه إسترليني) و833 مليون دولار (466 مليون جنيه إسترليني) خلال عام 2021 وحده.
غير أنه في يناير/كانون الثاني 2026، بادرت الحكومة الإيرانية نفسها إلى قطع شبكات الهاتف المحمول وخدمات الإنترنت، رداً على احتجاجات جماهيرية أشعلتها مطالب اقتصادية. وقد كشف أثر هذا الانقطاع على شركة Tipax، إحدى أكبر الشركات الخاصة في إيران، التي تقدم خدمات مماثلة لتلك التي تقدمها DHL وFedEx، عن المأزق الحاد الذي يواجهه النظام. فبعد أن كانت الشركة تعالج نحو 320 ألف شحنة يومياً قبل قطع الإنترنت، أفادت التقارير بأنها لم تعد تتعامل إلا مع بضع مئات من الشحنات بعد ذلك. وكما يكتب إندراني غوش:
“إن التكلفة الاقتصادية لقطع الإنترنت هائلة. فقد قدّر نائب وزير الاتصالات الإيراني الخسائر اليومية بما يصل إلى 4.3 ملايين دولار (3.2 ملايين جنيه إسترليني). أما منظمة NetBlocks فتقدّر أن التكلفة الحقيقية تتجاوز 37 مليون دولار يومياً (27.7 مليون جنيه إسترليني). ويعتمد أكثر من 10 ملايين إيراني بصورة مباشرة على المنصات الرقمية في كسب أرزاقهم.”
في السابق، قدّم النظام الإيراني حوافز كبيرة للشركات التي تعمل على بناء بنية تحتية لاقتصاد رقمي “حلال”، بما في ذلك تطوير بدائل محلية للمنصات والخدمات الشائعة، مثل منصات التسوق الإلكتروني وخدمات التوصيل، وخدمات الفيديو حسب الطلب، ومنصات طلب سيارات الأجرة. ونظراً إلى أن Amazon وUber لا تستطيعان العمل في إيران بسبب العقوبات، فقد حظيت البدائل المحلية، مثل DigiKala وSnapp، بسوق شبه احتكارية، فيما أصبحت منصة استضافة الفيديو Aparat واحدة من أكثر المواقع الإلكترونية استخداماً في البلاد. أما فيما يتعلق بتطبيقات المراسلة الخاصة، فقد عرض النظام منحاً تصل إلى 780 ألف دولار (583,900 جنيه إسترليني) للشركات الإيرانية التي تنجح في رفع عدد مستخدميها إلى أكثر من خمسة ملايين مستخدم. وفي المقابل، واجه المستخدمون الإيرانيون تكاليف أعلى عند استخدام تطبيقات المراسلة الأجنبية، إلى جانب محاولات حكومية لحظرها أو تقييد الوصول إليها، بحيث أصبح استخدامها ممكناً فقط عبر الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN). وعلى الرغم من هذه القيود، لا تزال أدوات العمل الرقمية التي توفرها المنصات الغربية مستخدمة على نطاق واسع في إيران، ويؤدي فقدان الوصول إلى خدمات مثل Slack وGoogle Meet وJira وGitHub إلى مشكلات خطيرة لشريحة من الشركات الإيرانية.
كانت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن قطع الإنترنت تمثل مشكلةً بالغة الحساسية بالنسبة للنظام، لأنها أصابت شريحةً من الرأسماليين في القطاع الخاص الذين نمت ثرواتهم أساساً بفضل الاستراتيجية التي انتهجها النظام نفسه لتطوير الاقتصاد الرقمي. وشمل ذلك خصخصة البنية التحتية الحكومية لقطاع الاتصالات ونقل ملكيتها إلى رجال أعمال يرتبطون بالحرس الثوري الإسلامي (IRGC)، إلى جانب إسناد عقود تكنولوجية دولية مربحة إلى شخصيات نافذة مقربة من النظام. ومع ذلك، عندما أقدمت الحكومة، في عامي 2022 و2026، على إغلاق شبكات الهاتف المحمول في محاولة لاحتواء الحركة الاحتجاجية، بدا أن بعض مالكي هذه الشركات لم يمتثلوا للأمر دون اعتراض. فخلال انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022، وجّه الرئيس التنفيذي لشركة RighTel، المعروف بـ”صلاته الوثيقة غير المعتادة” بالنظام، انتقاداً علنياً حاداً لقرار خفض سعة النطاق الترددي، مطالباً بتعويضات، ومؤكداً أن الشركة كانت قد التزمت بجميع التدابير الأمنية المطلوبة. وخلال أزمة يناير/كانون الثاني 2026، أُقيل الرئيس التنفيذي لشركة Irancell — أكبر شركة للاتصالات المتنقلة في إيران، ويبلغ عدد مشتركيها 66 مليوناً — بسبب عدم تنفيذه أمر إغلاق الشبكة.
ويؤكد ذلك أن إيران ليست مجرد دولة عالقة في كماشة جيوسياسية بسبب العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة عقاباً لها على معارضتها للسياسات الأميركية في المنطقة. فشرعية الطبقة الحاكمة وقدرتها على الحكم تتآكلان أيضاً تحت وطأة تناقضات داخلية، مع تفكك العقود الاجتماعية والسياسية التي فُرضت عقب ثورة عام 1979، بفعل الموجات المتراكمة من الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية. ولا يعني ذلك إنكار أن العقوبات، في سياق تاريخ الصراع الطويل مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، قد ألحقت أضراراً جسيمة بالاقتصاد الإيراني. ويظهر ذلك بوضوح عند مقارنة مسار النمو الاقتصادي في إيران منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي بمسار الاقتصاد التركي، وهو اقتصاد مماثل له من حيث الحجم وفي المنطقة نفسها. ففي عام 1990، وعلى أعتاب موجة كبرى من إعادة الهيكلة النيوليبرالية لاقتصادات المنطقة، بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إيران 80 بالمئة من نظيره في تركيا، لكن هذه النسبة انخفضت بحلول عام 2024 إلى 48 بالمئة. وقد استفادت تركيا من مزايا إضافية، من بينها قربها الجغرافي من أوروبا، وحصولها على امتيازات في الوصول إلى الأسواق الأوروبية، وعضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو). ومع ذلك، فإن الأثر القاسي للعقوبات أعاق، بلا شك، قدرة الرأسماليين الإيرانيين على الوصول إلى التكنولوجيا، والمواد الخام، والأسواق، مقارنةً بنظرائهم الأتراك.
يكشف قطاع النفط والغاز الإيراني عن مجموعة مختلفة، لكنها لا تقل تعقيداً، من التناقضات التي تواجه النظام. فهناك ضغوط خارجية (ليست جميعها ناجمة عن السياسات الأميركية) بات التعامل معها يزداد صعوبة. غير أن أكثر ما يبعث على الأمل، في هذه الحالة، ليس الانقسامات داخل قمة هرم السلطة، بل المؤشرات المتزايدة على تنامي بوادر التمرد من القاعدة الاجتماعية. ويهيمن القطاع العام على قطاع النفط والغاز، وإن كانت الملكية والسيطرة داخله تتسمان بتشظٍّ كبير وتخضعان للمنافسة بين أجنحة مختلفة داخل النظام. فعلى سبيل المثال، تهيمن القطاعات الرأسمالية التي يديرها الحرس الثوري الإسلامي (IRGC)، في حين تراجع دور شركة النفط الوطنية الإيرانية (NIOC). وتؤدي صادرات النفط دور شريان مالي حيوي للنظام، إذ يسهم القطاع بنحو 23 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، رغم العقوبات. وقد تمكنت إيران من الحفاظ على تدفق صادرات النفط والغاز عبر وسائل متعددة، من بينها شبكات لوجستية سرية ومعقدة للالتفاف على العقوبات، إلى جانب تقديم خصومات كبيرة للصين، التي لا تزال أهم مشترٍ يواصل شراء النفط الإيراني بانتظام. وتتجه أكثر من 90 بالمئة من صادرات النفط الإيرانية إلى الصين، كما يعتمد النظام أيضاً على استخدام حسابات مقومة باليوان لإجراء معاملاته التجارية، وهو ما يشكل بدوره إحدى نتائج العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة. ويبدو أن الحكومة الصينية تواصل تكوين مخزونات استراتيجية من النفط، مستفيدةً في الوقت نفسه من الصعوبات التي تواجهها إيران. وفي الوقت ذاته، يواجه قطاع النفط الإيراني تحديات داخلية تتمثل في تقادم البنية التحتية، واستنزاف الحقول القديمة، والنقص الحاد في رأس المال اللازم للاستثمار في عمليات الحفر والتوسع في حقول جديدة.
ومن العوامل الرئيسية الأخرى التي تزيد من صعوبة مواصلة النظام لآلياته المكلفة للالتفاف على نظام العقوبات، انخفاض أسعار النفط نسبياً في الأسواق الدولية، نتيجة فائض المعروض النفطي عالمياً خلال العام الماضي. ويؤدي ذلك إلى تغذية التوترات المتزايدة داخل مختلف شرائح الطبقة الرأسمالية الإيرانية، كما يحدّ من هامش المناورة المتاح عموماً أمام القائمين على إدارة جهاز الدولة. وتقدّر شركة Rystad Energy أن ثلث عائدات صادرات النفط قد جرى تحويله من قبل النظام إلى الحرس الثوري الإسلامي (IRGC)، مما خفّض الحصة المتاحة لشركة النفط الوطنية الإيرانية (NIOC) إلى نحو 10 بالمئة فقط، مقارنة بنسبة 14.5 بالمئة المخصصة لها رسمياً. وفي ظل بيئة تتسم بانخفاض نسبي في أسعار النفط العالمية، أصبحت شركة النفط الوطنية الإيرانية غير قادرة على تغطية تكاليفها.
وغني عن القول إن قيادة الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) وإدارة شركة النفط الوطنية الإيرانية (NIOC) لا تقومان بإنتاج هذا النفط والغاز بنفسيهما. فهذه هي مهمة عشرات الآلاف من العمال الذين يواجهون ظروفاً عمل قاسية، بما في ذلك درجات الحرارة الشديدة في جنوب إيران، حيث يجري تطوير حقول جديدة للنفط والغاز. وكان أحد الآليات الرئيسية التي استخدمها النظام خلال العقود الماضية للحفاظ على تفوقه هو التكتيك النيوليبرالي الكلاسيكي المتمثل في “فرّق تسد” بين العمال الدائمين والعمال ذوي العقود المؤقتة، عبر منح كل شريحة من القوة العاملة شروطاً مختلفة، والتفاوض معها بشكل منفصل، وإضعاف قدرتها الجماعية على المقاومة.
توجد مؤشرات على أن سيطرة النظام على العمال في قطاعي النفط والغاز بدأت تتآكل. فقد اندلعت خلال السنوات الأخيرة موجات عدة من الإضرابات. ويُظهر سردٌ مفصل للإضرابات والاحتجاجات على مستوى القطاع التي نفذها عمال العقود في قطاع النفط والغاز في أغسطس/آب 2021، كيف نضجت الحركة وتطورت مقارنةً بموجة أصغر من العمل الجماعي شهدها عام 2020. فقد نسّقت لجنةٌ ما الإضرابات عبر 102 مصنع ومصفاة في 39 مقاطعة خلال الفترة الممتدة بين 19 يونيو/حزيران و11 يوليو/تموز 2021، وهو توسع واضح مقارنة بموجة الإضرابات في العام السابق، التي شملت 42 موقعاً في 17 مقاطعة. وقد أنشأ منظمو الإضرابات منظمات عمالية مستقلة:
” عبر وسائل مبتكرة، مثل إنشاء منظمة تنسيقية جامعة وعقد تجمعات محلية. وفي بعض الحالات، يدعو العمال السلطات إلى حضور اجتماعاتهم لعرض مطالبهم، بدلاً من إرسال ممثليهم العماليّين إلى السلطات. وتكتسب هذه الاجتماعات أهمية ليس فقط في الحفاظ على استمرارية الاحتجاجات، بل أيضاً في ترسيخ ثقافة ديمقراطية راديكالية تنشأ من القاعدة إلى الأعلى.”
يمثل ذلك إنجازاً هائلاً في قطاع شديد الخضوع للرقابة الأمنية، ضمن سياق نظام سياسي قمعي للغاية لا يتيح مجالاً واسعاً للتنظيم العمالي المستقل. وقد شارك نحو 10 آلاف عامل في إضرابات عام 2021، كما أظهر إضراب حقل بارس الجنوبي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إمكانية توسع الحركة على نطاق أكبر، إذ شارك فيه ما يصل إلى 15 ألف عامل. وقد نظّمت رابطة نقابات عمال صناعة الغاز هذا الإضراب، وحرصت على تأكيد استقلاليتها عن المصالح الأجنبية. وتحدث المنظمون عن معارضتهم للتدخل الإمبريالي، وعن تضامنهم مع نضالات التحرر الفلسطينية واليمنية واللبنانية. وكانت المطالب المطروحة مشابهة لتلك التي دفعت موجة إضرابات عام 2021، إذ ركزت على تحسين الأجور، والحماية من درجات الحرارة الشديدة، وتأمين سكن لائق بدلاً من المساكن المتدنية المستوى. ويدرك العمال المضربون جيداً أن العمل الجماعي يمكن أن يمنحهم موقعاً تفاوضياً قوياً، إذ قال أحد العمال لموقع Drop Site News: “ينتج حقل بارس الجنوبي 40 بالمئة من دخل إيران و70 بالمئة من طاقة البلاد. لذلك فهو موقع استراتيجي للغاية يمكن للعمال فيه امتلاك قوة حقيقية، وبناء قاعدة تمكّننا من تحقيق مطالبنا.”
تندرج تجربة عمال قطاع النفط الإيراني ضمن مسار طويل الأمد من تصاعد النضالات حول طيف واسع من القضايا الاقتصادية، وتحقيق مكاسب محدودة، وإنشاء نقابات مستقلة، أو على الأقل منظمات وشبكات عمالية ناشئة، انبثقت من عملية تنسيق الإضرابات. وخلال السنوات الخمس التي سبقت عام 2020، شكّلت أشكال العمل الجماعي للعمال ما يُقدّر بنحو 57 بالمئة من أصل 2183 احتجاجاً وثّقتها وكالة الأنباء الخاضعة لسيطرة الدولة “وكالة أنباء العمل الإيرانية” (ILNA). وقد لعب عمال النفط دوراً مركزياً في الثورة الإيرانية عامي 1978-1979، التي أطاحت بالشاه. وكان القطاع بؤرةً للحركة العمالية التي تمحورت حول الشورى، وهي مجالس منتخبة مارست قدراً كبيراً من السيطرة داخل أماكن العمل، وفتحت الطريق أمام تحدٍ جذري وديمقراطي للدولة الرأسمالية ككل.
غير أن تجربة انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022 تُظهر أنه لا يوجد مسار تلقائي أو خطي ينتقل فيه تنظيم العمال للاحتجاجات حول القضايا الاقتصادية إلى أن تصبح هذه التنظيمات متجذرة في قلب تحدٍ سياسي شامل للدولة. وكما يجادل بيمان جعفري، فقد امتلكت انتفاضة عام 2022 إمكانية التطور في هذا الاتجاه، إلا أن النظام نجح نسبياً في إبقاء قيادة الاحتجاجات في الشوارع منفصلة عن العمال المنظمين، وذلك عبر مزيج من القمع الوحشي للغاية وتقديم تنازلات انتقائية لاحتواء مطالب العمال والحد من زخمها. كما تشير تجربة تصاعد الاحتجاجات السياسية والإضرابات الجماهيرية ضد نظام الشاه خلال الفترة 1978-1979 إلى أهمية حشد العمال حول المطالب الاقتصادية في سياق من المظالم السياسية الواسعة. فمثل هذا الحشد يمكن أن يساعد في خلق المجال لانتقال العمال إلى طرح مطالبهم السياسية الصريحة بأنفسهم.
في المستقبل القريب، قد تؤدي الحرب الحالية إلى دفن آفاق إعادة إشعال المقاومة من الأسفل تحت الأنقاض، سواء ضد التدخل الإمبريالي أو ضد القيادة الوحشية للجمهورية الإسلامية. فحجم العنف الذي مارسه النظام رداً على الاحتجاجات الجماهيرية في 8-9 يناير/كانون الثاني 2026، والتي اندلعت في بدايتها بسبب مظالم اقتصادية، كان قد أدى بالفعل إلى قمع الحركة الجماهيرية الناشئة. ووفقاً لوكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان الإيرانية، ومقرها إيران، كان قد تأكد بحلول بداية فبراير/شباط مقتل ما يقارب 7 آلاف شخص على يد قوات أمن النظام، مع وجود 11 ألف حالة أخرى قيد المراجعة. وقد تسربت صور لأكياس الجثث المكدسة خارج المباني العامة والمستشفيات، إلى جانب تقارير عن اعتقالات جماعية وعمليات إعدام، رغم قطع خدمة الإنترنت. إن استعادة الثقة السياسية بعد ضربة بهذا الحجم ستكون بطيئة في جميع الأحوال. غير أن وابل القنابل الأميركية والإسرائيلية سيزيد من إضعاف احتمالات إعادة إحياء الحركة المنظمة.
آفاق المقاومة
تقدم تجربة العراق عام 1991 تحذيراً صارخاً للشعوب التي تتعرض للقصف الأميركي، ثم تستجيب في الوقت نفسه لدعوات التمرد التي تطلقها القوة ذاتها. فقد أجبر تحالف عسكري بقيادة الولايات المتحدة القوات العراقية على الانسحاب من الكويت، التي كانت حكومة صدام حسين قد غزتها في أغسطس/آب 1990. ثم دعا الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، في 15 فبراير/شباط 1991، العراقيين في عبارته الشهيرة إلى “أن يأخذوا زمام الأمور بأيديهم” وأن يثوروا على النظام. ولم يكن النظام العراقي ولا قوى المعارضة الرئيسية مستعدين للانتفاضة الشعبية. فقد تمردت وحدات من الجيش، وبدأت المؤسسة العسكرية بالتفكك. ومع ذلك، سُحقت الانتفاضة، إذ فضّلت الولايات المتحدة الإبقاء على دولة عراقية ضعيفة ولكن مستقرة، متجاهلة الثمن الذي دفعه العراقيون الذين تجرأوا على التمرد.
يؤكد هذا المثال أن العلاقة بين التعبئات الثورية الناشئة عن الأزمة الداخلية للمجتمع، والتدخلات الأجنبية، والحروب، علاقة معقدة وليست خطية. فالهزيمة في الحرب قد تكون الشرارة التي تؤدي إلى انهيار سلطة الحكومة، كما أن مقاومة الاحتلال الاستعماري قد تتخذ أشكالاً متعددة، تتراوح بين حرب العصابات والإضرابات الجماهيرية. وقد يشكل الاضطهاد القومي أو الديني أيضاً الشرارة الأولى للانتفاض، وتسعى الولايات المتحدة بدورها إلى توظيف تاريخ الدولة الإيرانية في قمع الأقليات لخدمة أهدافها، مدعيةً أنها تتعاون مع جماعات كردية إيرانية لإطلاق تمرد مسلح جديد. غير أن المشكلة تكمن في أن ظروف الحرب والقمع المعسكر تجعل من الأصعب تنظيم أشكال العمل الجماعي القادرة على إلهام الملايين لكي “يأخذوا زمام الأمور بأيديهم” بحق، ويشرعوا في إعادة صنع العالم. وفي مقابلة مع صحيفة USA Today في 15 مارس/آذار 2026، قال ريباز شريفي، وهو أحد قادة حزب حرية كردستان: “لسنا بحاجة إلى أن ينزل الناس إلى الشوارع، ولا نتوقع منهم ذلك.”
ومع ذلك، فإن الناس العاديين هم الذين يسهمون في إسقاط الأنظمة السلطوية من خلال مشاركتهم في النضال من أجل تحررهم، وعبر الإضرابات الجماهيرية والاحتجاجات. لقد توقّف تطور الحركة الجماهيرية في إيران من الأسفل — على الأقل في الوقت الراهن — بسبب مزيج من القمع والقصف الأميركي–الإسرائيلي. كما أن حكام إيران شكّلوا بدورهم عائقاً أمام تطوير أشكال مماثلة من التضامن والتنظيم عبر الحدود في الشرق الأوسط. فقد تدخلوا لدعم ديكتاتورية بشار الأسد والمساعدة في سحق الانتفاضة الشعبية في سوريا بعد عام 2011، كما أسهموا في تأجيج الطائفية والعنف في العراق. ومع تصاعد الإبادة الجماعية في غزة، تقلّص محور المقاومة بدلاً من أن يتوسع، إذ نادراً ما تمكنت أطرافه من التحرك بصورة منسقة في مواجهة الجيش الإسرائيلي الأفضل تسليحاً، والذي لم يكن دعمه من قبل الولايات المتحدة مهدداً على نحو جدي.
ومن المستبعد للغاية أيضاً أن يؤدي النظام الإيراني الوحشي أي دور في إلهام إحياء موجة الإضرابات والاحتجاجات في البلد الرئيسي الآخر الذي يمكن أن تبدأ فيه طبقة عاملة منظمة بتحدي النظام الإقليمي الذي ينشر الحرب والدمار على نطاق هائل، وهو مصر. ففي الوقت الذي شهدت فيه غزة، على الجانب الآخر من الحدود، مجازر وجرائم حرب وإبادة جماعية، بقيت الشوارع المصرية، في معظمها، صامتةً صمتاً ثقيلاً. ولا تزال الثورة المضادة التي أعقبت عام 2013 تلقي بظلالها الطويلة. وحتى الآن، أدى انهيار جماعة الإخوان المسلمين بوصفها أكبر قوة معارضة منظمة إلى جعل انطلاق الاحتجاجات والتنظيم الشعبي تضامناً مع فلسطين أكثر صعوبة.
غير أن حكام مصر يستعدون، مرة أخرى، لمواجهة موجة جديدة من الارتدادات الناجمة عن الحرب. فقد توقف تدفق الغاز الطبيعي من حقل ليفياثان الإسرائيلي مع بدء الهجوم الإسرائيلي–الأميركي، مما حرم مصر من 15 إلى 20 بالمئة من إمداداتها المعتادة من الغاز الطبيعي. وتتمتع مصر بقدر من الاكتفاء الذاتي في إنتاج النفط لتلبية احتياجاتها المحلية. غير أن الارتفاعات الحادة المحتملة في أسعار النفط، التي قد تنجم عن صراع طويل الأمد تتبادل فيه الطائرات المسيّرة والصواريخ الهجمات بما يؤثر في تدفقات النفط والغاز من الخليج، قد تلحق الضرر بعشرات الملايين ممن شهدوا بالفعل تراجعاً في مستويات معيشتهم بسبب جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا. ولم يكن الاقتصاد المصري قد بدأ يستعيد استقراره إلا مؤخراً، كما أن تعافيه يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات رؤوس الأموال القادمة من دول الخليج. إلا أن هذه التدفقات باتت مهددة مع شروع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر في إعادة معايرة استراتيجياتها الاستثمارية لحماية أصولها.
ومرة أخرى، قد تكون تجربة ما بعد حرب عام 1967 ذات دلالة في هذا السياق. فبالنسبة للمصريين في منطقة قناة السويس، لم تكن الحرب مجرد حرب الأيام الستة، بل تحولت إلى حرب استنزاف طويلة على طول خط المواجهة الجديد الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء، وتخللتها هجمة عسكرية مصرية مضادة حققت نجاحاً جزئياً عام 1973 في عهد خليفة جمال عبد الناصر، أنور السادات. وبالنسبة للسادات، لم يكن عبور قناة السويس هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة ضغط للحصول على شروط أفضل للانخراط الكامل في النظام العالمي الجديد الذي كانت الولايات المتحدة تعمل على تشكيله. ولذلك تبنّى وصفات البنك الدولي للإصلاحات النيوليبرالية، وسافر إلى القدس لإبرام اتفاق مع مناحيم بيغن. غير أن العمال المصريين لم ينظروا إلى هذه المقايضة بالقدر نفسه من الرضا. وكثيراً ما يُغفل أن الثورة الإيرانية عام 1979 كانت التعبير الأبرز عن موجة إقليمية من الانتفاضات والإضرابات الجماهيرية التي شملت مصر أيضاً. ومع تجدّد الإضرابات والاحتجاجات في أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان أحد أكثر الهتافات شيوعاً، ساخراً من السادات: “يا بطل العبور… فين الفطور؟”
من الصعب الجزم بما إذا كانت الجولة الحالية من الحرب ستمهّد الطريق مرة أخرى لحظة إقليمية مماثلة تفتح آفاقاً جديدة للتغيير. إلا أن المؤكد هو أن تطور الحركات والتنظيمات — مهما كانت لا تزال في مراحلها الأولى — التي تجعل من تضامن الطبقة العاملة جوهراً لسياستها المناهضة للإمبريالية، يمثل الشرط الأساسي لاغتنام تلك الفرصة إذا ما سنحت. لقد تمثلت مأساة عام 1979 في أن الحركات الإسلامية، وليس اليسار، هي التي استطاعت استثمار الأزمة السياسية والاجتماعية التي خلّفتها صدمة هزيمة عام 1967 وتداعياتها. وكان ذلك، بدوره، نتيجةً لكون التيار الرئيسي لليسار الستاليني في المنطقة قد بنى سياسته على سيادة الدولة، لا على التحرر الذاتي للطبقة العاملة. وإذا كان ثمة ما يمكن إنقاذه من أنقاض المشروع الإسلامي، فهو ألا نكرر ذلك الخطأ مرة أخرى.
الاستنتاج الآخر الذي ينبثق من نقطة انطلاق هذا المقال هو أن عدم الاستقرار في مركز النظام العالمي يعني أيضاً أن احتمالات حدوث انقطاعات ذات مضامين ثورية تتزايد في الاقتصادات الكبرى للرأسمالية الغربية. فـ”نهاية التاريخ” التي بشّر بها فرانسيس فوكوياما أثناء انهيار الاتحاد السوفييتي لم تكن سوى وهم، تماماً كما كانت ادعاءات كارل كاوتسكي بأن “الإمبريالية الفائقة” ستؤدي إلى استقرار النظام العالمي في بداية القرن العشرين. وعلى المستوى السياسي، انقلب المسؤولون عن إدارة الدول الغربية على أسلافهم، وراحوا ينددون بالآلهة القديمة الفاشلة للسوق، وبأنظمة الدبلوماسية الدولية متعددة الأطراف التي كانت تقودها نخبة ليبرالية غربية يُفترض أنها حميدة، وبسلاسل التوريد العابرة للحدود. وعلى المستوى العالمي، نشهد بحثاً يائساً عن موضوعات جديدة للعبادة: الإنتاج المتكامل رأسياً، والدولة القوية، والشخصيات السلطوية التي تقودها، والأحلام المحمومة بالتفوق العرقي والديني، وعبادة الآلة على نطاق غير مسبوق.
لهذا السبب، فإن “تغيير النظام يبدأ من الداخل”، كما كان يقول الشعار القديم للحركة المناهضة لحرب العراق قبل عقدين. نحن بحاجة إلى تعبئات جماهيرية مناهضة للحرب لإغلاق القواعد التي تُستخدم كنقاط انطلاق للقاذفات التي تدمر الشرق الأوسط. وينبغي للنقابيين أن يستلهموا تحركات العمال الإيطاليين واليونانيين والمغاربة الذين رفضوا السماح بمرور الأسلحة والمواد المتجهة إلى إسرائيل. كما أن المقاومة المنظمة لآلة الحرب تعني بالضرورة مواجهة اليمين المتطرف المتصاعد؛ فالعنصريون أنفسهم الذين يريدون غرق اللاجئين في القنال الإنجليزي هم الذين يهللون للقنابل التي تحطم أوطانهم. إن وضع مقاومة العمال للرأسمالية والإمبريالية في صميم الحركات المناهضة للحرب والعنصرية والعسكرة هو أفضل شكل من أشكال التضامن الذي يمكننا تقديمه لكل أولئك الذين يقاومون الحرب والإبادة الجماعية والديكتاتورية في الشرق الأوسط.
آن ألكسندر: هي مؤلفة كتاب «الثورة هي خيار الشعوب: الأزمة والانتفاض في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» (Bookmarks، 2022). وهي من الأعضاء المؤسسين لـ شبكة التضامن مع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA Solidarity Network)، وتشغل منصب محررة مشاركة في مجلة التضامن مع الشرق الأوسط (Middle East Solidarity)، كما أنها عضو في نقابة الجامعات والكليات (University and College Union).






