افتتاحية العدد 85 من جريدة الخط الأمامي تشرين الثاني / نوفمبر 2025

“الإضراب الجماهيري ليس اختراعاً تقنياً، بل تعبير حي عن نهوض الجماهير إلى التاريخ” (روزا لوكسمبورغ، الإضراب الجماهيري، الحزب والنقابات، 1906). ففي كل مرحلة تاريخية يشهد فيها العالم احتقاناً اجتماعياً واقتصادياً، تخرج الجماهير إلى الشوارع لتُعلن رفضها و امتعاضها من الواقع المُعاش، ولتُعيد رسم حدود الممكن السياسي. ف المظاهرات والإضرابات لم تكن يوماً مجرّد فعل احتجاجي عابر، بل كانت دائماً أحد أشكال الوعي الجماعي المتقدّم، وأداة لإعادة تعريف العلاقة بين الطبقات، بين الحاكم والمحكوم، بين الظالم والمظلوم .. بين رأس المال والعمّال.
بهذا المعنى، لا تُعتبر التظاهرات ولا الإضرابات مجرد آليات ضغط على السلطة، بل لحظات تاريخية تتكثّف فيها تناقضات النظام القائم، وتعبّر فيها الطبقات الشعبية عن إرادتها في التغيير الجذري ل تفتح أفقاً جديداً للتاريخ، أفقاً تُعيد فيه الجماهير إنتاج ذاتها كقوّة فاعلة، لا كموضوع للسياسات السائدة.
شهدت سوريا مع انهيار نظام الدكتاتورية لآل الأسد فسحة من الحرية والأمل، بالرغم من أن الفصيل الذي وصل للحكم في دمشق كان أبعد ما يكون عمّا تمناه الشعب السوري في ثورته لعام 2011. فالسلطة الترميدورية (سلطة الثورة المضادة المنتصرة) التي وصلت لقصر الرئاسة بتوافق دولي وإقليمي أجهضت سريعاً آمال وطموحات غالبية الجماهير الشعبية، التي دفعت دماء غالية لاكتساب تلك المساحات من الحرية.
حيث لم تتوانى السلطة الجديدة في التعبير عن رغبتها بالتفرد بالسلطة فبدأت بحل مؤسسات الدولة وفصل العاملين بها بشكل تعسفي واستبدالهم ب مُقربين لها مما أدى الى مزيد من الاقصاء وارتفاع الاحتقان عند تلك الجماهير.
كما تهاوت كل ادعاءات سلطة هيئة تحرير الشام بتحسين أحوال الناس بعدما رُفع الغطاء عن المشاريع الاستثمارية الوهمية وعن حملات التبرع المليئة فقط بالوعود البرّاقة وانكشفت أكاذيب الجيش الإلكتروني والإعلامي المروج لها، حيث ظهر للملأ أن هذه السلطة مستعدة للتنازل عن السيادة والاقتصاد للدول الإقليمية والدولية مقابل بقائها في السلطة.
ولكونها سلطة هشة لا تمتلك شرعية وليس لديها قاعدة شعبية كافية لتوفير حد أدنى من الاستقلالية، فإن سياسة “فرق تسد” هي السياسة الداخلية الوحيدة التي تمارسها في تمزيق السوريين وتحريضهم على بعضهم وعلى الاقتتال فيما بينهم على أساس ديني أو عرقي أو مناطقي.
فمن مجازر الساحل إلى مجازر السويداء وما بينهما وبعدهما وما يزال مستمراً من عمليات القتل والخطف على أساس الهوية الطائفية، تجلّت السلطة الترميدورية بوصفها سلطة حرب طائفية وعرقية مستمرة، ما دامت قائمة على طبيعتها الراهنة.
رغم الخوف والرعب الذي كرّسته أجهزة تلك السلطة والجحافل البربرية المرافقة لها فإننا نشهد ومنذ ثلاثة أشهر نهوضاً واضحاً ومتزايداً لنضالات الجماهير التي تتسع على رقعة واسعة من البلدات والمدن بأعداد أكبر ووتيرة أعلى وثقة في النفس.
فقد شهدت مدينة حلب في شمال البلاد احتجاجات للمدرسين في ساحة سعدالله الجابري اعتراضاً على انقطاع الرواتب للشهر الثالث على التوالي كما خرج أهالي مدينة الباب احتجاجاً على تردي الواقع الخدمي والإداري مطالبين بإيقاف سياسات الإقصاء وإشراك الكفاءات المحلية في إدارة شؤون المدينة.
كما احتضنت مدينة شهبا في محافظة السويداء العديد من الوقفات الاحتجاجية أبرزها كان تحت شعار “السويداء لأهلها”، حيث خرج المئات رفضاً للحكومة الانتقالية مُطالبين ب الكشف عن مصير المغيبين قسراً و مُؤكدين على استمرار الحراك الشعبي في المحافظة.
كما أعلن سائقو الشحن في محافظتي حماة وحمص عن إضراب مفتوح تحت عنوان “إضراب الكرامة” رافضين للقرارات الجائرة و مطالبين باسقاط وزير النقل.
وعلى خلفية مقتل شابين من الديانة المسيحية خرج المئات من أهالي منطقة الحواش في وادي النصارى في مسيرة شموع تحت شعار”منموت وما منرضى بالذل” كما أعلن المواطنون عن إضراب عام شمل العديد من المطاعم والمحلات التجارية تعبيراً عن الغضب والحزن، وقد شهد حي باب توما وسط العاصمة دمشق خروج العشرات تضامناً معهم.
في الساحل السوري وتحديداً في مدينة اللاذقية خرجت مظاهرات لثلاثة أيام متتالية تنديداً باختطاف الطفل محمد حيدر في وضح النهار من أمام مدرسته كما شهدت الأيام الثلاثة إضراب شارك به العديد من طلاب ومدرسين الساحل السوري مُعبرين عن غضبهم وحزنهم في ظل تكرار حوادث الخطف والقتل والانفلات الأمني.
لم تندلع الثورات الكبرى في التاريخ من العدم، ولم تنفجر كحدثٍ معزول أو مفاجئ. فكل تحوّل ثوري عظيم سبقه مسار طويل من النضالات الجزئية، والإضرابات المحدودة، والاحتجاجات المحلية التي شكّلت أرضية خصبة لتحولات تراكمية تنضج في عمق المجتمع، ثم تنفجر عندما تبلغ التناقضات الاجتماعية حدّها الأقصى.
كما كتب إنجلز: «الثورات لا تُصنع، بل تنضج» (ضد دوهرينغ، 1878) نرى في الثورة الفرنسية مثال على ذلك. حيث لم يبدأ الانفجار الثوري عام 1789 من اقتحام سجن الباستيل، بل من سلسلة أزمات غذائية واحتجاجات فلاحية ضد الضرائب والإقطاع، رافقتها مظاهرات نساء باريس من أجل الخبز.
الأمر ذاته ينطبق على ثورة 1905 في روسيا القيصرية، التي انطلقت من إضرابٍ محدود في مصانع سانت بطرسبورغ، قبل أن تتحوّل إلى حركة جماهيرية هائلة شلّت الاقتصاد والإدارة. هذه التجربة، رغم هزيمتها، كانت المدرسة التي خرجت منها ثورة أكتوبر 1917، إذ أطلقت أولى «السوفييتات» (المجالس العمالية) التي شكّلت لاحقاً البنية المؤسِّسة لثورة أكتوبر.
وأيضاً في تونس، لم يكن إضرام الشاب محمد البوعزيزي النار في نفسه في ديسمبر 2010 سوى واحدة من سلسلة احتجاجات اجتماعية سابقة ضد البطالة والفساد، لكنها كانت اللحظة التي التقت فيها كلّ التناقضات، وتحول الغضب الفردي إلى حركة جماهيرية أطاحت بالنظام القائم وأشعلت سلسلة ثورات الربيع العربي.
ما يميز النضالات في الساحة السورية، لغاية الآن، هو عفويتها وتمحورها على قضايا مطلبية مباشرة وعزلتها عن بعضها البعض ولكن استعادة الجماهير حيويتها وقدرتها على التحرك المستقل في مواجهة السلطة الترميدورية يشكل منعطف هام في الوضع السوري، يقع على عاتقنا وعاتق القوى الديمقراطية والاجتماعية توحيده ومركزته وتطويره.
حينما تلتقي القوى اليسارية والديمقراطية وتتحد مع النضال الشعبي ومع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا كما حراك السويداء وكل المتضررين والضحايا في كتلة هائلة، عندها يصبح من الممكن مواجهة السلطة الطائفية الترميدورية وفرض تغيير جذري في موازين القوى السياسية والاجتماعية لصالح بناء الجمهورية الديمقراطية اللامركزية القائمة على توفير الحريات والمساواة والسيادة والأمن والعدالة الاجتماعية.
هنا مربط الفرس في الوضع السوري، والتحدي الكبير الذي يطرح نفسه علينا جميعاً. ويتطلب منا بأسرع وقت ابتداع آليات تحقيقه، بأشكال متعددة للجبهة المتحدة، لمنع انزلاق البلاد الى حرب اهلية مستمرة، وإخراجها من الكارثة التي فرضها علينا تاريخ وحاضر سلطة أمر الواقع في دمشق.
مع كلّ جولة نضالية جديدة، يتّسع أفق الجماهير وتزداد قدرتها على الفعل المنظّم، حتى تتحوّل الشرارة إلى لهب ثوري شامل يُعيد صياغة التاريخ. فلنرصّ الصفوف ونعمل من أجل الخبز والحرية والعدل والمساواة والسيادة الحقيقية للشعب السوري بتنوعه القومي والديني.
كل السلطة والثروة للشعب
تيار اليسار الثوري في سوريا
تشرين الثاني/ نوفمبر 2025
