افتتاحية العدد 84 من جريدة الخط الأمامي أيلول / سبتمبر 2025

في الوقت الذي تعاني فيه غالبية الشعب السوري في كل مناطق الجغرافيا السورية من شظف العيش والبؤس وغياب الأمن والأمان. تعاني القوى السياسية القديمة والجديدة، الضعيفة التأثير، التي تتشكل تباعا، من توه عام تجاه تموضعها السياسي يرافقه غياب شبه كامل لنشاط ملموس لها مع الناس التي تدعي تمثيلهم.
وكأن العمل السياسي إنما يقتصر على ابتداع هذه الوثيقة أو تلك، المتشابهة كلها في مبادئها العامة، ولكنها تخفي ميل عملي غير معلن بانتظار من يلقاها أو يتبناها من قوى اقليمية أو دولية. هجرت غالبية القوى السياسية المعارضة، وتلك التي تقف ما بين – بين، الناس. كما فعلت خلال عقد ونيف من الثورة وهزيمتها إلى يومنا هذا.
نجد تقريبا نفس الأشخاص و “التجمعات ” السياسية والمدنية تجمع نفسها بهذا التجمع أو ذاك ثم تعيد إنتاج تجمع جديد وهكذا دواليك. يبدو العمل السياسي بالنسبة لها ينحصر في تدوير الذات، بشكل مغلق على نفسها، حتى يصل بها الأمر إلى أن تستهلك نفسها ذات يوم.
لقد تركت الناس،المدنيين، وحيدة فريسة أمام توحش ميليشيات السلطة الطائفية التي فتكت بالمدنيين بالساحل والسويداء وغيرها من المناطق. سلطة ترميدورية أشعلت لهيب التحريض الطائفي و الشوفيني، حصرت تعاملها مع الناس من خلال رجال الدين وشيوخ العشائر أساسا، ما يجعل هذه السلطة الطائفية وحدها المسؤولة عن الانشطار الطائفي والقومي الذي ينغل اليوم في نسيج مجتمعنا.
هذا ما ساهم في أن تتصدر قيادة مواجهة هذا التوحش شخصيات دينية درزية، كما في السويداء، أصبحت في عيون أهل المنطقة رمزا لمواجهة توحش الميليشيات الطائفية التابعة للسلطة، في حين ان اهل الساحل ومناطق حمص وريف حماة من العلويين الذين أضفت عليهم ايديولوجية السلطة الترميدورية، وايضا تنظيرات سخيفة من معارضين “علمانيين” خلال العقود السابقة تهمة أنهم جزء عضوي من نظام الأسد. إذن، ترك العلويين بلا تمثيل لهم او قوة سياسية وازنة تدافع عنهم مقابل توحش السلطة.
فقد أعلن عن عدد متنافر من الهيئات التمثيلية لهم، اغلبها طائفية المضمون، بلا تأثير واضح لها تتنافس فيما بينها، مع عدم قدرة أي منها التحول الى رمز معترف به لمقاومة وحشية السلطة. يضاف الى ذلك أن هنالك وعي متوارث لدى العلويين يجعل من الصعب، حتى الآن، رص غالبية منهم سياسيا كطائفة حول شخصية دينية ايا كانت. وهذا الوضع هو الذي يجعل من العلويين الفئة الأكثر انكشافا لوحشية ميليشيات السلطة وكل أنواع العصابات التي تمارس بحقهم يوميا كل أنواع القتل والسلب والخطف.
في حين أن قدرة السلطة الترميدورية على ممارسة توحشها ضد الشعب الكردي و مناطق الإدارة الذاتية تبقى لليوم محدودة جدا، لأسباب جيوسياسية يتعلق بالتواجد الامبريالي المتدخل عسكريا في سوريا وبالأخص أمريكا التي توازن النزوع التدخلي لتركيا ورغبة الاخيرة بسحق الادارة الذاتية. والأهم من ذلك كله هو أن القدرة العسكرية الكبيرة لقوات سوريا الديمقراطية في مواجهة أي اعتداء عسكري قد تقوم به ميليشيات السلطة، يجعل الاخيرة مترددة في أي نوايا هجومية واسعة وإن كان لا يردعها ذلك عن القيام بمناوشات حربية وأعمال تخريبية.
ما هو واضح أن هذه السلطة، كغيرها من السلطات الاستبدادية، لا تفهم سوى لغة القوة. فهي تتراجع امام جماهير مسلحة تكسر شوكتها، أو أمام جماهير منتفضة ضدها. هذا ما شهدناه من ممارساتها منذ نهاية العام الماضي، وايضا خلال سنوات سيطرة هيئة تحرير الشام على إدلب.
زرعت وحشية النظام السابق والسلطة الحالية بغياب ملحوظ لقوى سياسية جماهيرية وثورية نزوعا، عفويا، للجماهير من ضحايا المجازر وأمام عجزها على مواجهة المجرمين ، الى طلب أو قبول الحماية من الابادة من أي دولة أو قوة عسكرية جبارة ايا كانت. كان هذا هو حالها في مواجهة نظام الإبادة للأسد حيث رفعت مطالب فرض حظر جوي وتدخل دولي، في حين أنه عندما جاء الاخير عبر التدخل الامريكي والتركي، فإنه جاء بشكل لم يخدم مصالح الجماهير السورية في أغلب الأوقات ولم يمنع المجازر بحقها.
وهذا ينطبق على بعض صرخات الفرح لتدخل الكيان الصهيوني ضد قوات السلطة الحالية إن كان بالسويداء أو في مناطق الساحل وغيرها. الموضوع الأساس في إزالة هذا الوهم هو التجربة الملموسة فنتائج تدخلات الدول الامبريالية لم تختلف لا سابقا ولا حاليا، هذا المطلب وهم خطير بتبعاته، لأن الدول الإقليمية والدولية تتصرف وفق مصالحها الخاصة وليس وفق رغبات الشعوب. ما يجعل وهم طلب الحماية من هذه الدولة أو تلك في مواجهة وحشية السلطة كمن يستجدي من الرمضاء بالنار.
واجب القوى اليسارية والديمقراطية دحض هذا الوهم الخطير، ليس بالتعالي والنفور من جماهير الضحايا الخائفة على وجودها بل ان هذا يستلزم أولا الوقوف بين ومع الضحايا في مواجهة القتلة، والعمل على تنظيم الجماهير لمقاومة وحشية السلطة وميليشياتها الطائفية بكل الوسائل المتاحة.
من هنا، ومن منطلق كيف يمكن بناء جدار مقاومة جماهيرية وشعبية في مواجهة سلطة ميليشيات طائفية، فعلاوة على ضرورة بناء جبهة متحدة شعبية من القوى والتجمعات اليسارية والديمقراطية لا تكتفي بالبيانات العامة فقط بل تنخرط بالميدان بين الناس بنشاطات عملية، بهدف منع المجازر والوقوف في وجه السياسات الاقصائية والطائفية والشوفينية و اللاجتماعية بحق قطاعات واسعة من الشعب السوري، وأيضا إنهاء سلطة الاستبداد وبناء الجمهورية الديمقراطية اللامركزية. في سوريا حرة ومستقلة.
في هذا الصراع المركب والمعقد، نرى من المضر جدا ان تتحول اتهامات الانفصال والتقسيم التي يلوح البعض بها كفزاعة لإدانة او عدم دعم قطاعات من السوريين ضحايا لهذه السلطة. هكذا مواقف أطلقتها بعض القوى السياسية ومنها يسارية تقليدية برفض الانفصال والتقسيم وشعارات الوطنية، كذريعة لها للقطع مع قيادات في السويداء وشمال شرق سوريا وغيرها.
في حين أنه تلتف حول الاخيرة شرائح واسعة من السوريين لا تخدم برأينا سوى السلطة الحالية. مع قناعتنا بضرورة نقد وفضح مواقف تتعارض مع مصالح الشعب السوري، وكشف خطورتها؛ لكن ذلك لا يمكن أن يتم ويكون له صدقية إلا من خلال نضالنا المشترك في قلب نضالات الناس لحماية حياتها وحريتها. حينها ترى هي بنفسها و بالملموس البديل السياسي الفعلي عن هذه السلطة والحامي الحقيقي لها ما يبعد الجماهير عن هكذا مواقف خاطئة. وعن القيادات التي ترفعها.
القيام بذلك، يسمح في نفس الوقت، بتشكيل جبهة، أو تحالف، أوسع تضم السويداء وشمال شرق سوريا والقوى السياسية والاجتماعية اليسارية والديمقراطية قادرة على مقاومة السلطة الترميدورية وتحقيق التغيير الديمقراطي والاجتماعي في جمهورية سورية ديمقراطية و لامركزية موحدة تشمل كل السوريين/ات على قدم المساواة تعترف وتحترم تعدديتهم الدينية والقومية.
تيار اليسار الثوري في سوريا
أيلول/ سبتمبر 2025
