حوار «الخط الأمامي» مع الرفيق جيتشي تانوه (Gyekye Tanoh) حول أزمة اليسار الغاني، وتحولات الطبقة العاملة، والتعدين، والنقابات، والنضالات الديمقراطية، وبناء قاعدة ثورية، وآفاق الأممية بين أفريقيا والشرق الأوسط

في إطار التواصل بين قوى اليسار الثوري في أفريقيا والشرق الأوسط، أجرى «الخط الأمامي» حواراً مع الرفيق جيتشي تانوه، الباحث والناشط في اليسار الغاني، حول الوضع السياسي والاجتماعي في غانا والتحديات التي تواجه اليسار الثوري.
ينطلق الحوار من مفارقة أساسية: فبينما تبدو الحركة العمالية المنظمة أضعف مما كانت عليه، وتراجعت أعداد العمال في قطاعات صناعية تقليدية، فإن عدد الأشخاص الذين يعتمدون على بيع قوة عملهم من أجل البقاء يتزايد بصورة كبيرة. وفي الوقت نفسه، تتوسع أشكال العمل الهش وغير الرسمي، ويضم قطاع التعدين الحرفي ملايين الأشخاص، بينما تنشأ أشكال جديدة من النضال العمالي والشبابي خارج المؤسسات التقليدية.
بالنسبة إلى تانوه، لا تعني هذه التحولات اختفاء الطبقة العاملة، وإنما تعني أن اليسار بحاجة إلى إعادة النظر في الطريقة التي يفهم بها الطبقة وتنظيمها.
في هذا الحوار، يتناول تانوه أيضاً العلاقة بين الصراع الطبقي وقضايا الأرض والإثنية والجندر، وأزمة النقابات، وحركات الشباب، والتضامن مع فلسطين، والحاجة إلى إعادة بناء الروابط بين اليسار الثوري في أفريقيا والشرق الأوسط.
- الوضع مفتوح، لكنه محكوم بحزبين نيوليبراليين
الخط الأمامي: كيف تصف الوضع السياسي الحالي في غانا، خصوصاً من منظور الطبقة العاملة واليسار؟
جيتشي تانوه: أعتقد أنه من الإنصاف القول إن الوضع في غانا في الوقت الحالي متحرك ومفتوح. هناك مساحة للعمل السياسي؛ فلا توجد قيود كبيرة على النقابات أو الحركة النسائية أو حركات الشباب، وأحزاب المعارضة والأحزاب الرئيسية تعمل بصورة علنية. لذلك، إذا تحدثنا عن البيئة السياسية بحد ذاتها، فهي ليست قمعية بصورة خاصة في هذه المرحلة.
لكن هذا الانفتاح السياسي يجري داخل نظام يهيمن عليه حزبان رئيسيان، وكلاهما حزبان نيوليبراليان. فمنذ عودة الديمقراطية الليبرالية عام 1992، يتناوب الحزبان على السلطة.
المشكلة الأساسية هي أنه لا يوجد حزب عمالي بالمعنى الحقيقي. والحزبان الرئيسيان مرتبطان بسياسات التقشف، وجذب الاستثمار الأجنبي، وخدمة الديون، والحفاظ على علاقات قوية مع الرأسمالية العالمية. وفي الوقت نفسه، يعمل النظام على تعزيز قوة وثروة الطبقة الحاكمة المحلية.
وهذا ليس خاصاً بغانا وحدها. ففي أجزاء واسعة من أفريقيا، تقوم الاستراتيجية الاقتصادية على تعميق استغلال الموارد الطبيعية، وبالتالي تصبح الصناعات الاستخراجية جزءاً أساسياً من النموذج الاقتصادي.
- أفريقيا خسرت فرصة التصنيع
الخط الأمامي: كيف انعكس هذا النموذج الاقتصادي على بنية الطبقة العاملة؟
جيتشي تانوه: خلال العقود الأخيرة، ومع انتقال جزء كبير من التصنيع العالمي إلى آسيا، وخصوصاً الصين وفيتنام وغيرها، لم تشارك أفريقيا بصورة حقيقية في هذه العملية. بل يمكن القول إن الصناعة في أفريقيا تراجعت بصورة عامة.
ولهذا أصبحت القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، من حيث الإنتاجية، والعمل المستقر، وما يسمى بالعمل اللائق، أقل تنوعاً وأكثر ضيقاً.
لكن المفارقة هي أن الاقتصاد نفسه نما بصورة كبيرة. فقد استفادت غانا من طفرة المواد الأولية التي رافقت صعود الصين بين عامي 2002 و2014 تقريباً، ومن النفط والسلع الأساسية الأخرى. ثم أدى هذا النمو إلى توسع القطاع المالي والعقاري والمصرفي، في حين لم يحدث التطور نفسه في الصناعة والزراعة، وخصوصاً الزراعة الموجهة للسوق المحلية.
ومن هنا نشأت حالة يمكن أن ينمو فيها الاقتصاد من دون أن تتوسع القاعدة الاجتماعية للعمل المستقر بالقدر نفسه.
- الأرض في قلب الصراع
الخط الأمامي: تحدثت عن الزراعة والموارد. إلى أي حد أصبحت الأرض جزءاً مركزياً من الصراع الاجتماعي في غانا؟
جيتشي تانوه: الأرض أصبحت مسألة أساسية جداً. فحتى النمو في قطاعات مثل العقارات والتمويل يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيلاء على الأرض، وكذلك الحال بالنسبة إلى صادرات السلع الزراعية.
ولا تزال هناك نسبة كبيرة من السكان تتمتع بحقوق عرفية في الأرض، سواء كانوا مزارعين صغاراً أو ينتمون إلى قرى ومجتمعات محلية. لكن هذه الحقوق تتعرض لضغوط متزايدة.
والاستيلاء على الأرض أكثر وضوحاً في المناطق الحضرية مثل أكرا وتيما، حيث أصبح الأمر شديداً جداً، لكن الصراعات على الأرض موجودة في جميع أنحاء البلاد.
وهذه الصراعات ليست اقتصادية فقط. فلها أيضاً بعد إثني، وبعد ديني مرتبط بالتاريخ الاستعماري، كما أن لها بعداً متعلقاً بالجندر، لأن وصول النساء إلى الأرض كان تقليدياً يمر في كثير من الحالات عبر أحد أقاربهن الذكور أو رئيس الأسرة.
لذلك، عندما نتحدث عن الصراع الطبقي، لا يمكن أن ننظر فقط إلى مكان العمل. هناك أيضاً علاقات الملكية، والوصول إلى الأرض، والأسرة، والجندر، والإثنية.
- الطبقة العاملة تقلصت… لكنها في الوقت نفسه نمت
الخط الأمامي: هنا نصل إلى سؤال أساسي. هل تقلصت الطبقة العاملة في غانا؟
جيتشي تانوه: هناك مفارقة مهمة جداً. إذا كنت تتحدث عن الطبقة العاملة التقليدية، المنظمة والموجودة في قطاعات صناعية مستقرة، فإنها تقلصت بالفعل. وهذا يعني أن الإطار الذي كانت الطبقة العاملة توفره في مرحلة ما بعد الاستقلال للنضالات الاجتماعية الأخرى قد تراجع.
لكن في الوقت نفسه، الطبقة العاملة، بمعنى أوسع، نمت بصورة هائلة.
هناك أشخاص لم يعودوا قادرين على العيش كفلاحين مستقلين أو منتجين مكتفين ذاتياً، وأصبحوا مضطرين إلى البحث عن عمل مأجور. لا توجد تقريباً عائلة في البلاد لا يوجد أحد من أفرادها يعمل بأجر في مدينة أو مكان آخر.
قد يكون العمل جزئياً أو موسمياً أو هشاً أو غير رسمي، لكن هؤلاء الأشخاص يحتاجون إلى العمل بأجر، وبالتالي يدخلون في علاقات استغلال وإنتاج للقيمة الفائضة.
هذا هو التناقض الذي نواجهه: الطبقة العاملة التقليدية تتقلص، بينما يتوسع عدد الأشخاص الذين يعيشون من بيع قوة عملهم.
المشكلة أن الإحصاءات والمؤسسات التقليدية لا تلتقط هذا التحول بصورة كاملة.
- التعدين الحرفي: ملايين العمال خارج التنظيم
الخط الأمامي: يبدو التعدين مثالاً واضحاً على هذا التحول.
جيتشي تانوه: بالتأكيد. في قطاع التعدين الصناعي، أصبح عدد العمال أقل بكثير مما كان عليه سابقاً، رغم أن الإنتاجية والربحية ارتفعتا.
أما في التعدين الحرفي والصغير، فنحن نتحدث عن ملايين الأشخاص. هناك ما لا يقل عن مليوني شخص مشاركين في هذا القطاع، وربما أكثر. ونحو 30 في المئة من الذهب في غانا يأتي من التعدين الصغير.
لكن المفارقة هي أن هؤلاء العمال غير منظمين.
في القطاع الصناعي توجد نقابات وتنظيمات. لكن هذه التنظيمات لا تساعد عمال التعدين الحرفي على التنظيم. بل إن موقفها، في كثير من الأحيان، هو أن هؤلاء العمال يجب أن يُمنعوا لأنهم يلوثون المياه، مع أن التعدين الصناعي نفسه يسبب تلوثاً.
بالطبع، التعدين الحرفي أكثر خطورة من ناحية معينة بسبب انخفاض التكاليف، وغياب التنظيم والرقابة، والضغط لإنتاج الذهب بأرخص طريقة ممكنة. ولذلك فإن التدمير البيئي شديد.
لكن في الوقت نفسه، هؤلاء الأشخاص يعملون لأنهم بحاجة إلى العمل. فالكثير من الناس لم يعودوا قادرين على الاعتماد على الزراعة، ولذلك يؤجرون أراضيهم أو يذهبون للعمل في التعدين.
هناك إذاً صراع، ولكن هناك أيضاً تعاون وتداخل بين هذه الأنشطة.
- النقابات أصبحت أقرب إلى الشراكة الاجتماعية
الخط الأمامي: ماذا يكشف ذلك عن أزمة الحركة النقابية؟
جيتشي تانوه: بالنسبة إليّ، التعدين الحرفي مثال على أزمة العمل نفسها. المؤسسات والتنظيمات العمالية التقليدية أصبحت أكثر ارتباطاً بفكرة الشراكة الاجتماعية مع الإدارة والرأسمال والدولة، بدلاً من بناء وحدة الطبقة العاملة على نطاق أوسع.
في قطاع التعدين الصناعي، لا أعتقد أن عدد عمال الذهب يتجاوز حالياً نحو 30 ألفاً، وربما هناك عدد مماثل من العمال المرنين أو الموسميين أو أصحاب العقود القصيرة. بينما كان العدد في الماضي يصل إلى مئات الآلاف.
في المقابل، نتحدث في التعدين الحرفي عن ملايين الأشخاص.
وهنا يظهر السؤال: أين توجد الحركة العمالية؟
- الإضرابات العفوية تكشف عن فراغ سياسي
الخط الأمامي: وهل توجد مؤشرات على أن العمال أنفسهم يبحثون عن طرق جديدة للتنظيم؟
جيتشي تانوه: بالتأكيد. هناك استياء كبير بين العمال القاعديين من القيادات النقابية. كثير من العمال لا يثقون بهذه القيادات، ويعتبرون أنها تخلت عنهم.
والأهم أن غالبية الإضرابات التي تحدث في غانا هي إضرابات غير رسمية، أو ما يسمى بالإضرابات العفوية، وفي كثير من هذه الحالات تحاول القيادات النقابية إضعاف الحركة أو السيطرة عليها أو إدخالها تحت سيطرتها.
هذا ليس أمراً خاصاً بغانا، لكنه منتشر إلى درجة كبيرة.
وهذا يخبرنا بوجود فراغ سياسي.
حتى لو كانت قوى اليسار الثوري صغيرة، فإن أفكارها يجب أن تبدأ بالوصول إلى أقلية مؤثرة، ويجب أن تمتلك قاعدة فعلية بين بعض قطاعات العمال والنضالات.
المطلوب ليس فقط أن تكون لدينا أفكار، بل أن تكون لدينا قاعدة نشطة، وأن نمتلك القدرة على معرفة الظروف الحقيقية للعمال، وأن نعرف أين توجد النضالات وكيف يمكن أن نرتبط بها.
- لماذا يبدو اليسار أضعف مما هو عليه الواقع؟
الخط الأمامي: إذا كانت هناك كل هذه النضالات، لماذا يبدو اليسار الغاني ضعيفاً إلى هذه الدرجة؟
جيتشي تانوه: إذا نظرت إلى المؤشرات التقليدية للصراع الطبقي، فالصورة محبطة بالفعل: المنظمات، والصحف، والأعداد، والعضوية، والنقابات، وكل المؤشرات التي اعتدنا استخدامها لقياس قوة الطبقة العاملة.
لكنني أعتقد أن هناك الكثير مما يحدث ولا تلتقطه هذه المؤشرات.
علينا أن نفهم لماذا تبدو هاتان الحقيقتان متناقضتين، رغم أنهما في الواقع جزء من الحقيقة نفسها: من جهة، تراجع الأشكال التقليدية للتنظيم؛ ومن جهة أخرى، توسع قطاعات اجتماعية جديدة تدخل في علاقات العمل والاستغلال.
السؤال إذن ليس فقط كيف نفسر ذلك، وإنما: ماذا نفعل حيال ذلك؟
- اليسار يركز على الإمبريالية وينسى الصراع الطبقي في الداخل
الخط الأمامي: أين ترى نقاط الضعف السياسية الأساسية لليسار الغاني اليوم؟
جيتشي تانوه: على السطح، الوضع يبدو محبطاً. اليسار ضعيف، والجزء الأكبر منه يميل إلى الاهتمام بالإمبريالية والصراع العالمي أكثر من الصراع الطبقي في الداخل. وهناك أيضاً ميل قومي قوي.
النقد الأكثر انتظاماً للطبقة الحاكمة هو الفساد، وهذا مهم، لكنه لا يكفي. القضية ليست فقط فساد الدولة، وإنما الاستغلال اليومي للعمال.
وفي الوقت نفسه، اليسار ضعيف جداً في القضايا التي ليست اقتصادية بصورة مباشرة، لكنها تؤثر في الطبقة العاملة وفي انقساماتها.
هو ضعيف في قضية النساء، وضعيف في مسألة الإثنية، وغالباً ما ينظر إلى الإثنية باعتبارها مجرد بقايا من الماضي، بدلاً من رؤيتها مرتبطة بالملكية ونظام الوصول إلى الأرض والطريقة التي استخدم بها الاستعمار الرأسمالية الزراعية والأسرة كوحدة إنتاج.
الإثنية مسألة طبقية أيضاً؛ إنها مسألة استغلال، وليست مجرد فكرة متخلفة من الماضي.
ونرى ذلك في عودة أشكال العنصرية وكراهية الأجانب في أفريقيا، وفي أماكن أخرى.
أما في قضية مجتمع الميم، فهناك ضعف شديد لدى قطاعات من اليسار.
- هناك كل شيء يستحق النضال من أجله
الخط الأمامي: ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى بناء اليسار الثوري؟ أين يجب أن يبدأ؟
جيتشي تانوه: النقطة الأساسية بالنسبة إليّ هي أن هناك كل شيء يستحق النضال من أجله. لكن يجب أن نعرف ما الذي نقاتل من أجله، ولا يمكننا الهروب من كل معركة، خصوصاً على المستوى الأيديولوجي ومعركة الأفكار.
حتى لو كنت تخشى أن تجد نفسك في الأقلية، عليك أن تدخل المعركة. لأن هذه هي الطريقة التي تحافظ بها على وجودك وتبني قاعدة حقيقية وتُظهر ما الذي تعنيه سياستك فعلياً.
خذ الجامعات مثلاً. لدينا فروع هناك، والجامعة الرئيسية التي أعمل عليها تضم أكثر من 50 ألف طالب، إلى جانب آلاف العمال المنظمين في نقابات مختلفة ومئات المحاضرين. وهي ليست مؤسسة نخبوية كما كانت في الماضي؛ يأتي الطلاب من المدن والقرى والمناطق المختلفة، وبالتالي تعكس الجامعة المجتمع الأوسع.
هناك قضايا السكن والكهرباء والإيجارات والمياه والبطالة وغيرها من القضايا التي تواجه المجتمع كله.
لذلك، حتى منظمة صغيرة يمكنها أن تبني قاعدة في مكان استراتيجي كهذا، وأن تنافس على القيادة السياسية والفكرية حول القضايا الأساسية، وفي الوقت نفسه تبني قاعدة من الناشطين.
- الشباب ليسوا خارج الصراع الطبقي
الخط الأمامي: ماذا عن حركات الشباب الجديدة، وخاصة ما يسمى بحركات «جيل زد» التي ظهرت في عدد من البلدان الأفريقية؟
جيتشي تانوه: هذه الديناميكية حقيقية في كل بلد أفريقي تقريباً، سواء ظهرت بصورة واضحة أو بأشكال أقل وضوحاً.
هناك أجيال جديدة تدخل النضال حول الديمقراطية والفساد والبطالة والحقوق والقضايا الاجتماعية المختلفة. علينا أن نعرف كيف نرتبط بهذه الحركات، لكن من دون أن نفقد الوضوح السياسي أو أن نتعامل معها باعتبارها شيئاً متجانساً.
هناك مشكلات وتحديات وفرص داخل هذا الوسط، وعلى اليسار أن يفهمها.
التجربة التي نعيشها اليوم لا تعني أن علينا انتظار عودة أشكال التنظيم القديمة. بل علينا أن نفهم أين توجد الطاقة السياسية الجديدة، وكيف يمكن ربطها بمشروع ثوري أوسع.
- فلسطين: الوحدة لا تعني التخلي عن الاستقلال السياسي
الخط الأمامي: تحدثت أيضاً عن فلسطين باعتبارها ساحة يمكن أن يلتقي فيها اليسار. كيف ترى ذلك؟
جيتشي تانوه: عندما عادت حركة التضامن مع فلسطين إلى الظهور في غانا بعد أكتوبر 2023، كان معظم اليسار يقف إلى جانب السلطة الفلسطينية. بالطبع، يعارضون دولة إسرائيل، وهذا موقف قديم، لكن إذا قالت السلطة الفلسطينية بحل الدولتين، فإنهم يقولون أيضاً بحل الدولتين.
نحن لسنا طائفيين أو انعزاليين. سنعمل معهم لبناء حركة التضامن مع فلسطين، لكننا لا نخفي اختلافاتنا السياسية.
وهذا هو معنى الجبهة المتحدة بالنسبة إلينا: يمكن أن تعمل مع قوى كبيرة حول القضايا التي نتفق عليها، من دون أن تتخلى عن مواقفك المستقلة.
إذا كنت أقلية، فلا بأس. طالما أنك لست عصبوياً، وطالما أنك تعمل بجدية لبناء جبهة موحدة وتشارك بصورة صادقة في الحملات والقضايا المشتركة، فلا ينبغي أن تضحي بمواقفك المستقلة في القضايا الأوسع.
بهذه الطريقة نستطيع أن نكتسب قدراً من المصداقية حتى عندما نعمل إلى جانب منظمات أكبر بكثير منا.
إنها وحدة، ولكنها أيضاً تمايز نوعي في السياسة.
وهذا يسمح لمنظمة صغيرة بأن «تضرب فوق وزنها»، وأن تكسب بعض أفضل الناشطين، حتى لو كانت أعدادها محدودة.
- بناء قاعدة صغيرة قادرة على التأثير
الخط الأمامي: إذا كانت الموارد محدودة، كيف يمكن لمنظمة ثورية صغيرة أن تتحول إلى قوة سياسية مؤثرة؟
جيتشي تانوه: لا يمكننا أن نكون في كل مكان. علينا أن نكون أذكياء في اختيار المواقع التي يمكننا فيها بناء قاعدة تستطيع التأثير في قطاعات أوسع.
إذا كنت في جامعة، فلا يكفي أن يكون لديك وجود بين الطلاب. عليك أيضاً أن تبحث عن مواقع داخل النقابات التي تمثل العمال، وفي المستشفيات مثلاً، وفي قطاعات التعليم والخدمات. عليك أن تفكر في المكان الذي يمكن أن تتحول فيه قاعدة صغيرة إلى نقطة نفوذ أوسع.
وهذا يتطلب تنظيماً وصبراً وإعادة بناء مستمرة.
نحن أنفسنا نمر بمرحلة إعادة تجميع وإعادة بناء وإطلاق جديد. نعيد إطلاق صحيفتنا، وحصلنا للمرة الأولى في تاريخنا على مكتب، وسنحاول أن يكون لدينا منظم بدوام جزئي، رغم أن مواردنا محدودة.
الفكرة هي أن نحاول، بموارد صغيرة، أن نستجيب للفرص والتحديات، لكن بصورة انتقائية، وأن نحدد أين يمكن لقوتنا المحدودة أن تحقق أكبر تأثير.
- من أفريقيا إلى الشرق الأوسط: أممية من جديد
الخط الأمامي: كيف يمكن لليسار الثوري في أفريقيا والشرق الأوسط أن يتعلم بعضه من بعض، وأن يعيد بناء الروابط التي تراجعت خلال العقود الماضية؟
جيتشي تانوه: طبيعة العالم اليوم تضعنا أمام نضالات مشتركة كثيرة. فلسطين مثال واضح، وكذلك الأزمة البيئية. وإذا نزلنا إلى مستوى أكثر مباشرة، سنجد أن المنظمات العمالية المختلفة تواجه مشكلات وتحديات متشابهة.
لذلك علينا أن نحاول جمع مواردنا. إذا كانت هناك ندوة حول فلسطين، مثلاً، فلماذا لا نتأكد من أن الرفاق في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى يستطيعون المشاركة؟ لماذا لا نجري مقابلات مع بعضنا البعض؟ هذه الأمور مهمة.
والأمر لا يتعلق فقط بالمنظمات الرسمية. هناك جاليات كبيرة من بلدان مختلفة في غانا، وهناك دائماً شباب يشعرون بالإحباط من قيادات مجتمعاتهم لأنها لا تنظم شيئاً يتيح للآخرين المشاركة. هذه أيضاً مساحات يمكن العمل فيها.
لدينا تاريخ مشترك من التضامن المناهض للإمبريالية. وإذا كان القوميون استطاعوا بناء هذه الروابط، وما زالوا يفعلون ذلك بأشكال مختلفة، فلماذا لا يجد الاشتراكيون الثوريون طرقاً للقيام بالأمر نفسه؟
أحياناً ننظر إلى المسألة بطريقة ميكانيكية ونقول إننا ضعفاء، ولذلك يجب أن نركز فقط على ما يحدث هنا. أعتقد أن هذا خطأ. نحن بحاجة إلى أن نسير على أكثر من ساق في الوقت نفسه.
التجارب والنضالات في أماكن أخرى لا تمنحنا الإلهام فقط؛ بل يمكن أن تسرّع تطورنا نحن أيضاً، والعكس صحيح.
- ما هي آفاق اليسار في غانا؟
الخط الأمامي: أخيراً، أين ترى الفرص الرئيسية أمام اليسار الغاني خلال السنوات القادمة؟
جيتشي تانوه: أعتقد أنها تقوم على ثلاثة اتجاهات مترابطة.
الأول هو بناء قاعدة في المواقع الاستراتيجية التي نستطيع الوصول إليها، مثل الجامعات وبعض مناطق التعدين وأماكن العمل. علينا أن نكون أذكياء في كيفية استخدام قوتنا الصغيرة لتنظيم النضالات حول ظروف العمل وظروف المعيشة، وأن نجد موطئ قدم في المواقع التي يمكن أن تصبح مراكز للصراع.
الثاني هو النضالات الديمقراطية. ستستمر هذه النضالات في الجنوب العالمي، سواء حول الاستيلاء على الأرض، أو محاولات إدامة السلطة عبر الانتخابات، أو الهجمات على مجتمع الميم، وغيرها من القضايا. علينا أن نكون قادرين على صياغة الأفكار وقيادة النقاش فيها، وأن نقدم تضامناً نوعياً للحركات الموجودة في أكثر الجبهات حدة.
أما الاتجاه الثالث فهو القضايا العالمية الكبرى: الإمبريالية، والطاقة، والموارد الطبيعية، وتغير المناخ.
إذا كنت تعيش في أفريقيا أو الشرق الأوسط، فلا يمكنك تجنب هذه الأسئلة. نحتاج إلى أفكار جديدة حولها، وإلى إعادة بناء رؤية لليسار تربطها بالوضع العالمي.
وفي الوقت نفسه، علينا أن نطور نقداً واضحاً، وإن كان ودياً حين يكون ذلك ممكناً، للقوميين الراديكاليين، حتى نقدم بديلاً عن الوقوع مجدداً في فخ السياسة القومية والجبهات الشعبية.
لذلك أرى ثلاثة مجالات مترابطة: النضال من أجل الديمقراطية ومواجهة الاضطهاد، وبناء قواعد في المواقع التي تمثل مراكز فعلية للصراع، وتطوير الأفكار حول القضايا العالمية الكبرى.
- هناك فرص لا يمكن لأي اشتراكي ثوري جاد أن يتجاهلها
الخط الأمامي: في ضوء كل ذلك، هل ترى أن وضع اليسار الغاني يدعو إلى التشاؤم؟
جيتشي تانوه: إذا نظرنا فقط إلى المؤشرات التقليدية، نعم، يمكن أن تبدو الصورة قاتمة. لكن هذا ليس كل ما يحدث.
هناك قطاعات واسعة من العمال لم تعد منظمة. وهذه بحد ذاتها فرصة. إذا بدأ هؤلاء العمال بالتنظيم الآن، فلن يكونوا بالضرورة مقيدين منذ البداية بتقاليد الإصلاحية النقابية القديمة.
هناك أيضاً أجيال جديدة تدخل النضال حول الديمقراطية والفساد والجنسانية وغيرها من القضايا. ورأينا ديناميكية ما يسمى بحركات «جيل زد» في أنحاء أفريقيا.
علينا أن نرتبط بهذه الديناميكيات من دون أن نفقد وضوحنا السياسي. كما يمكننا أن نتعلم من تجارب المنظمات الشقيقة في العالم، بما فيها المنظمات التي عملت في ظروف أكثر صعوبة بكثير.
لذلك فإن خلاصة ما أريد قوله هي أن هناك فرصاً حقيقية ينبغي لأي اشتراكي ثوري جاد أن يتوجه إليها، ولا ينبغي له أن يستسلم لليأس فقط لأن الصورة العامة، إذا نظرنا إليها بطريقة رسمية، لا تبدو جيدة.
المشكلة ليست أن الصراع اختفى. المشكلة أن كثيراً منه لم يعد يظهر في الأشكال التي اعتدنا استخدامها لقياس الصراع الطبقي.
ولهذا علينا أن نبحث عن أشكال التنظيم الجديدة، وأن نبني حيث توجد النضالات، وأن نربط بين هذه المواقع المختلفة، وأن نمتلك الصبر والذكاء الاستراتيجي لبناء شيء قادر على الاستمرار.
- من غانا إلى الشرق الأوسط: إعادة بناء الجسور
يكشف الحوار مع جيتشي تانوه عن مسألة تتجاوز حدود غانا نفسها. فالأزمة التي تواجه اليسار ليست ببساطة أزمة عدد أعضاء أو ضعف أحزاب ونقابات، بل أزمة في العلاقة بين أشكال التنظيم القديمة والتحولات التي أحدثتها الرأسمالية في بنية الطبقة العاملة والمجتمع.
الطبقة العاملة لم تختفِ؛ بل أصبحت أكثر تشتتاً، وأكثر هشاشة، وأكثر حضوراً في الاقتصاد غير الرسمي. النضال لم يتوقف؛ لكنه ينتقل باستمرار إلى مواقع جديدة. والنقابات لم تعد قادرة وحدها على تمثيل جميع أشكال العمل والاستغلال التي ينتجها الاقتصاد المعاصر.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة بناء اليسار على أساس مختلف: قاعدة حقيقية في أماكن الصراع، حضور في النضالات الديمقراطية والاجتماعية، قدرة على خوض معركة الأفكار، واستقلال سياسي لا يمنع العمل المشترك مع قوى أخرى.
والأمر نفسه ينطبق على العلاقة بين اليسار في أفريقيا والشرق الأوسط. فالتاريخ المشترك لمقاومة الاستعمار والإمبريالية موجود، لكن المطلوب اليوم ليس استعادته بصورة نوستالجية، وإنما تحويله إلى علاقات حية بين المناضلين والمنظمات.
وكما قال تانوه، لا ينبغي أن ننظر إلى ضعفنا باعتباره سبباً للانكفاء، بل علينا أن «نسير على أكثر من ساق في الوقت نفسه»: أن نبني في مواقعنا، وأن نتعلم من النضالات في أماكن أخرى، وأن نساعد الآخرين على التعلم من تجاربنا.
في نهاية المطاف، لا يبدأ بناء اليسار من امتلاك القوة، بل من معرفة أين يمكن بناء القوة.
وهنا ربما تكمن الرسالة الأهم في هذا الحوار: إذا كانت أشكال الصراع القديمة تتراجع، فهذا لا يعني أن الصراع الطبقي انتهى؛ بل يعني أن علينا أن نتعلم كيف نراه من جديد.
إعداد وتحرير الخط الأمامي






