
اللاذقية _ الخط الأمامي
بين حقول الزيتون التي طالما شكلت شريان الحياة ومصدر الرزق الأساسي لكادحي الساحل السوري، ينطلق موسم القطاف هذا العام في ريفي اللاذقية وجبلة مثقلاً بتناقضات طبقية واقتصادية طاحنة. فرغم المؤشرات التي تحمل تحسناً نسبياً في كميات الإنتاج مقارنة بالموسم الفائت، يجد العمال الزراعيون وصغار الفلاحين أنفسهم محاصرين بين مطرقة تكاليف الإنتاج والنقل الجنونية، وسندان الغلاء الفاحش الذي يلتهم كل أثر لهذا التحسن، في ظل واقع اقتصادي يرزح فيه أكثر من تسعين بالمئة من السوريين والسوريات تحت وطأة الفقر، بينما تواصل السلطة الترميدورية الحالية تطبيق سياسات نيوليبرالية فاقت في توحشها حتى سياسات نظام الأسد البائد.
على جبهة العمل المأجور، تتبدى قسوة المشهد في أبشع صورها؛ حيث يواجه العمال الزراعيون ساعات عمل طويلة وشاقة مقابل أجور يومية هزيلة لا تتجاوز 100 ألف ليرة سورية. وفي قرية البودي بريف اللاذقية، يلخص العامل إبراهيم القاضي مأساة آلاف الشغيلة الذين يضطرون لاقتطاع نفقات المواصلات والطعام والشراب من أجرهم اليومي، فلا يتبقى للعامل في نهاية يومه المنهك سوى مبلغ يتراوح بين 50 و60 ألف ليرة سورية، وهو فتات يعجز عن تأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء في ظل التضخم الجامح.
ولا تتوقف المأساة عند حدود العمل المأجور، بل تكشف حالة القاضي عن سيرورة إفقار ممنهجة تحول الفلاحين الصغار إلى بروليتاريا مسحوقة؛ فهو يمتلك حقلاً صغيراً بمساحة دونمين، لكن انعدام السيولة المالية يمنعه من جني محصوله بنفسه، ما يضطره لبيع قوة عمله في حقول الآخرين أولاً كي يجمع ما يكفي من المال لخدمة أرضه لاحقاً. هذا الواقع يجسد جوهر النيوليبرالية التي تضع تكاليف الأزمة الاقتصادية على كاهل الفقراء والمأجورين.
لا ينجو صغار ومتوسطو المزارعين بدورهم من هذا الحصار الاقتصادي واللوجستي. ففي قرية البشراح بريف جبلة، تبرز معاناة المزارعين مع انتشار الآفات والحشرات بين أوراق الشجر دون توفر وسائل المكافحة، مما يضرب جودة حبة الزيتون كما تؤكد المزارعة رئيفة محفوض. ويتقاطع ذلك مع ما يواجهه المزارع محمود دوبا في القرية ذاتها؛ فرغم أن حمل الأشجار هذا العام أفضل من سابقه، إلا أن غياب الأسمدة وارتفاع أجور النقل وتكاليف القطاف تبتلع أي مردود مالي متوقع، في ظل تخلي السلطات التام عن دعم المستلزمات الزراعية وترك الفلاحين فريسة لتجار الأزمات واحتكارات السوق الحر.
ويمتد هذا الارتباك ليطال مرحلة عصر المحصول؛ إذ يوضح منهل يوسف، صاحب معصرة في قرية البودي، أن توقيت القطاف لعب دوراً حاسماً في كميات الزيت المستخرجة هذا الموسم. فمن بادر بالقطاف قبل هطول الأمطار حصل على إنتاج ناهز 9 كيلوغرامات من الزيت لكل تنكة (عبوة سعة 20 لتراً)، بينما هبط إنتاج من تأخر لما بعد المطر إلى نحو 5 كيلوغرامات فقط للتنكة الواحدة. هذا التفاوت الحاد، الذي يرتبط غالباً بعجز الفلاح الفقير عن تأمين أجور القطاف والنقل في الوقت المناسب، يضاعف من خسائر المنتجين الصغار.
لا يمكن للأمل وحده أن ينقذ كادحي الساحل السوري من هذه الدوامة التي تعيد إنتاج البؤس مع كل موسم زراعي. إن الزراعة تلعب دوراً حاسماً في الاقتصاد السوري وفي حماية الأمن الغذائي الداخلي، ما يفرض ضرورة تطوير نضال الفلاحين وفقرائهم وتنظيمهم لانتزاع حقوقهم وعدم التفريط بأراضيهم، والعمل على تعزيز تشكيل التعاونيات الزراعية التي تحميهم من جشع المحتكرين وتقلبات السوق.
وبالتوازي مع ذلك، فإن تحرير العمال الزراعيين من شروط العمل العبودية يتطلب كفاحاً جماعياً من الأسفل لبناء نقاباتهم ولجانهم المستقلة، وفرض حد أدنى للأجور يتناسب مع التضخم والأسعار الفعلية. فخلاص الفلاحين والعمال في الساحل وعموم سوريا لن يأتي من وعود سلطة تلهث خلف اقتصاد السوق الحر، بل عبر توحيد نضالاتهم الطبقية في مواجهة السياسات اللااجتماعية، على طريق بناء مجتمع العدالة الاجتماعية والمساواة الذي تدار فيه الثروات والموارد بأيدي منتجيها الحقيقيين.






