
في جزء من اليسار الماركسي العربي، جرى خلال العقود الماضية اختزال الصراع السياسي والاجتماعي في المنطقة إلى مواجهة مع الإسلام السياسي، باعتباره العقبة الأساسية أمام التحرر والتقدم والثورة. وباسم هذا الفهم، تحولت معركة يفترض أنها ضد الاستغلال الطبقي والرأسمالية والاستبداد، إلى صراع سياسي وثقافي ضد تيار أيديولوجي محدد، وكأن الأزمة تبدأ منه وتنتهي عنده.
هذا التحليل ليس تحليلًا ماركسيًا، بل انزلاق إلى قراءة سطحية للواقع، تستبدل فهم البنية الاجتماعية والاقتصادية والصراع الطبقي بصراع هويات وأفكار وايديولوجيا. فالإسلام السياسي، بشقيه السني والشيعي، ليس ظاهرة معلقة في الفراغ، ولا سببًا أوليًا لكل ما تعانيه مجتمعاتنا من قمع أو تخلف أو انقسام. إنه، في جوهره، أحد التعبيرات السياسية والأيديولوجية والاجتماعية التي تنشأ داخل مجتمعات مأزومة، تعاني من الاستغلال الطبقي، والاستعمار، وتفكك الدولة الاجتماعية، وتبعات أزمات النظام الرأسمالي العالمي.
فحين تنهار المشاريع القومية والستالينية، وتتراجع الحركة العمالية، وتُسحق التنظيمات الشعبية، وتُدفع الجماهير إلى الهامش، لا ينشأ الإسلام السياسي من العدم، بل يجد الأرض التي تسمح له بالنمو والتوسع. إنه ليس “سبب الأزمة” بقدر ما هو أحد أعراضها، وإن كان عرضًا قد يتحول بدوره إلى أداة من أدوات إعادة إنتاجها.
التجربة التاريخية تثبت أن الإسلام السياسي، حين يصل إلى السلطة، لا يحمل مشروعًا لتحرير الطبقات الشعبية من الاستغلال، ولا يطرح قطيعة مع النظام الاقتصادي القائم. في معظم الحالات، يعيد إنتاج نفس البنية الرأسمالية يدعي اصلاحها، بأشكال مختلفة: زبائنية، ريعية، محافظة، أو حتى نيوليبرالية صريحة. قد يختلف الخطاب، لكن علاقات السلطة والثروة تبقى في جوهرها على حالها.
مع ذلك، فإن الخطأ لا يقع فقط عند من يجعل من الإسلام السياسي العدو الرئيسي. فداخل جزء آخر من اليسار الماركسي، يظهر انحراف معاكس لا يقل خطورة: تحويل أي قوة ترفع شعار “المقاومة” أو تعلن عداءها للإمبريالية إلى قوة تقدمية تستحق الدعم غير المشروط، حتى لو كانت في بنيتها الاجتماعية والسياسية جزءًا من منظومة القمع الطبقي نفسها.
وهكذا نجد أنفسنا أمام خطأين متقابلين، لكنهما يشتركان في الجوهر: الأول يختزل الصراع في معاداة الإسلام السياسي، والثاني يختزل السياسة في الاصطفاف مع الإسلام السياسي حين يرفع راية المقاومة. كلا الموقفين يتركان التحليل الطبقي جانبًا، ويستبدلانه بقراءة معسكرية أو هوياتية لا تفسر الواقع بقدر ما تضلله.
موقف اليسار الثوري لا ينطلق من هذه الاختزالات. فهو لا يرى في الإسلام السياسي عدوًا مطلقًا خارج التاريخ، ولا حليفًا موضوعيًا بمجرد دخوله في صراع مع الإمبريالية أو الاحتلال. بل يتعامل معه باعتباره تيارًا سياسيًا برجوازيًا أو برجوازيًا صغيرًا، يحمل تناقضاته الخاصة، ويمكن أن يدخل في صدام مع قوى الهيمنة في لحظات معينة، دون أن يتحول بذلك إلى مشروع تحرر للطبقة العاملة.
من هنا، لا يكون الموقف الثوري هو الاصطفاف خلف هذه القوى، ولا الذوبان في خطابها، ولا منحها شرعية سياسية باسم “المرحلة” أو “التناقض الرئيسي”. وفي الوقت نفسه، لا يكون الموقف هو الانخراط في جبهة مع الأنظمة القمعية أو القوى الليبرالية التابعة فقط لأنها تعادي الإسلاميين.
المعيار بالنسبة لليساريين الثوريين ليس الهوية الأيديولوجية لهذه القوى، بل موقعها الفعلي والعملي من الصراع الطبقي، وموقفها من مصالح العمال والكادحين، ومن قضايا الحرية والتنظيم الشعبي والاستقلال السياسي للطبقات المستغَلة.
المعيار بالنسبة لليساريين الثوريين ليس الهوية الأيديولوجية لهذه القوى، بل موقعها الفعلي والعملي من الصراع الطبقي، وموقفها من مصالح العمال والكادحين، ومن قضايا الحرية والتنظيم الشعبي والاستقلال السياسي للطبقات المستغَلة.
قد تتخذ بعض هذه القوى مواقف محددة تستحق الدعم في لحظة معينة: ضد احتلال، ضد عدوان، ضد قمع مباشر. لكن دعم الموقف المحدد لا يعني منح الثقة السياسية لقيادتها، ولا القبول بمشروعها الاجتماعي، ولا التخلي عن الاستقلال الإديولوجي والتنظيمي.
هذه نقطة جوهرية غابت عن كثير من الماركسيين العرب، الذين انتقلوا بين ضفتين متناقضتين: ضفة جعلت الإسلام السياسي أصل كل الشرور، وضفة جعلت منه حليفًا دائمًا ما دام في مواجهة خصم أكبر. وبين هذا وذاك، ضاع التحليل الطبقي، وضاعت معه مهمة الماركسيين الأساسية.
الماركسية لا تفسر التاريخ باعتباره صراعًا بين أديان أو هويات أو أفكار مجردة، بل باعتباره صراعًا بين طبقات وقوى اجتماعية تتحرك داخل شروط مادية ملموسة. ومن دون هذا الفهم، يتحول اليسار نفسه إلى مجرد طرف في صراعات سطحية تجريدية، بدل أن يكون حاملًا لمشروع تحرر سياسي واجتماعي جذري.
الإسلام السياسي ليس أصل الأزمة، بل أحد مظاهرها ، انه ليس طريق الخلاص أبدا. إنه ظاهرة يجب فهمها في سياقها، والصراع معها أو معها جزئيًا لا يُحسم بالشعارات، بل بالتحليل المادي الملموس، وبالتمسك باستقلال الطبقة العاملة ومصالحها، لا بالانجرار وراء معسكرات جاهزة.
فالمهمة ليست اختيار معسكر بين إسلاميين وخصومهم، بل بناء بديل مستقل، جذري، منحاز للعمال والكادحين، وقادر على رؤية ما وراء الواجهات السياسية التي تخفي جوهر الصراع الحقيقي: صراع الطبقات في ظل نظام رأسمالي مأزوم، يعيد إنتاج أشكال مختلفة من الهيمنة، مهما تغيّرت شعاراتها.
إعداد هئية تحرير الخط الأمامي




