
الخط الأمامي _ هيئة التحرير
ليست الحدود والخرائط الجغرافية في منطقتنا قدراً أزلياً، ولا هي خطوطاً محايدة رسمتها الطبيعة؛ بل هي تعبير مادي عن موازين القوى الطبقية وتنافس القوى الإمبريالية التي اقتسمت بلادنا لنهب ثرواتها وإخضاع شعوبها ومد نفوذها العالمي. إن النظرة السياسية الليبرالية التي تقدس الواقع القائم وتتعامل معه كحقيقة ثابتة وحتمية، هي نظرة قاصرة تخدم في جوهرها استمرار سلطات الاستبداد والتبعية.
بالمقابل، ينطلق منظورنا الثوري من حقيقة أن الواقع الاجتماعي والسياسي في حالة صيرورة مستمرة؛ فالتاريخ يعلمنا أن هذه الحدود قد تهاوت وتغيرت بفعل الهزات الاجتماعية الكبرى والتدخلات الإمبريالية، تماماً كما نشهده اليوم في سوريا من تفكك لنظام الطغمة الأسدي وتصاعد سلطة الأمر الواقع التي تنهل من بئر “سايكس-بيكو” بحلية ترميدورية جديدة.
إن أي حديث عن مستقبل الجغرافيا السياسية في منطقتنا لا يستقيم دون إخضاع هذه “الحدود” للنقد الماركسي، وفضح كيف تسعى النخب البرجوازية الصغيرة والقوى الرجعية لاستبدال خرائط قديمة بأخرى تكرس استغلال الطبقات الكادحة وتدمج كليا المنطقة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي. فالمستقبل السياسي لن يُرسم في الغرف المغلقة أو بقرارات الدول الإمبريالية، بل في ساحات النضال الجماهيري التي ترفض التقسيم، وترنو إلى جمهورية اجتماعية ديمقراطية لا مركزية، تحطم قيود التبعية للدول الامبريالية والاستبداد من الأسفل.
الليبرالية في طور الاحتضار.. نحو أفقٍ ثوري
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تراجع في “شعبية” الليبرالية، بل هو سقوط حتمي لمشروع هيمنة عالمي استنفد أدواته التاريخية. إن الليبرالية، بوصفها الغطاء الأيديولوجي للرأسمالية، لم تفشل لأنها “لم تُطبق جيداً” كما يروج منظروها، بل فشلت لأنها نجحت في مهامها الأساسية: تفتيت البنى الاجتماعية، تحويل الإنسان إلى سلعة، وتكريس التفاوت الطبقي الصارخ.
بينما يرى البعض في الليبرالية “نظام تشغيل” محايد، نؤكد نحن في حزب اليسار الثوري أنها أيديولوجيا قمعية تعمل على تبرير التناقضات الطبقية والظلم الاجتماعي خلف شعارات براقة عن “الحيادية” و”الحرية الفردية”. إن محاولات “إصلاح” هذا النظام عبر أدواته نفسها ليست سوى محاولة يائسة لترميم جدران آيلة للسقوط، بل هي صبّ للزيت على نار الغضب الشعبي المتصاعد.
إن الأزمات البنيوية التي تعصف بالمجتمعات الغربية ، قلب النظام الرأسمالي العالمي، من التمزق الاجتماعي والنزعة الفردية المتطرفة، إلى سيطرة التكنولوجيا والانهيار الاقتصادي، ليست عوارض جانبية، بل هي جوهر النظام الليبرالي الذي يحمل بذور فنائه في أحشائه.
إن هذا الأفول في الغرب الرأسمالي ليس مجرد حدث عابر، بل هو فرصة استراتيجية للقوى الثورية في منطقتنا. لقد كان “الكوكب” لعقود طويلة مسرحاً لاستغلال الدول الامبريالية ونهب موارده تحت شعارات الليبرالية. واليوم، وبينما يترنح هذا النظام الرأسمالي العالمي عموما و في مركزه بالأخص، تبرز المهمة التاريخية للطبقات الكادحة في سوريا والمنطقة: ألا وهي التقاط لحظة الانهيار هذه لفرض مشروعنا التحرري.
إننا لا ننتظر انهيار الليبرالية لنرث فوضاها، بل نعمل من خلال نضالنا اليومي، وتوحيد صفوف العمال والكادحين، وتجاوز سرديات السلطة الترميدورية، لبناء أفق ثوري مستقل. إن تراجع المركزية الغربية يعني أن الفرصة باتت مواتية لانتزاع قرارنا الوطني، بعيداً عن إملاءات الرأسمال العالمي، لنتجه نحو بناء مجتمعاتنا على أسس ديمقراطية، لا مركزية، واجتماعية، تضع الإنسان المنتج في قلب التاريخ، لا رأس المال.
أداة الاستبداد والنهب في طور الانحلال
إن تقديس “الدولة القومية” ككيان أبدي هو وهْمٌ ليبرالي يغفل حقيقتها الطبقية؛ فهي ليست نتاجاً لتطور حضاري طبيعي، بل هي إفراز لضرورات النهب الرأسمالي التي كرستها “اتفاقية وستفاليا” لخدمة مصالح البرجوازية الصاعدة في أوروبا، وفي المنطقة. إن التمييز الغربي بين “دولة ناجحة” وأخرى “فاشلة” ليس سوى أداة عنصرية لتعيين الدول التي تخضع لسياسات السوق الحر تماما وتخدم مراكز الرأسمال العالمي، وتلك التي لا تزال تعيق هذا الاندماج. الكامل.
اليوم، يواجه هذا النموذج أزمة وجودية لا يمكن ترميمها. فالدولة القطرية – وبخاصة في منطقتنا التي مزقتها “سايكس-بيكو” – قد كشفت عن وجهها كأداة قمعية لحماية مصالح الطغمة الحاكمة والشركات العابرة للقارات. إن العولمة الرأسمالية، التي بشرت بها الليبرالية، انتهت بتآكل سيادة الدول الوطنية، تاركةً الجماهير بين مطرقة استبداد السلطات المحلية وسندان استغلال الشركات العالمية.
إن تصدع هذه الدولة في مركزها الغربي لا يعني مجرد “تراجع نفوذ”، بل يفتح أفقاً ثورياً لتجاوز مفهوم “الوطن” الذي صاغته النخب البرجوازية. إننا كيسار ثوري لا ندعو للعودة إلى قوميات ضيقة، بل نؤكد على ضرورة:
- تفكيك السردية القومية: التي استخدمتها أنظمة الطغمة (كالأسدية) لتبرير القمع تحت شعارات “السيادة” و”المقاومة” المزعومة، بينما كانت تنهب ثروات الشعب.
- تبني الأممية الطبقية: فالمستقبل السياسي للمنطقة لا يكمن في الحفاظ على حدود استعمارية، بل في بناء تحالفات عابرة للحدود تقوم على أساس نضال العمال والكادحين.
- رفض التبعية: إن أي مشروع سياسي مستقبلي يجب أن يقطع مع سياسات السوق الحر التي تفرضها السلطة “الترميدورية” الحالية، ويطرح بدائل ديمقراطية لا مركزية، تُبنى من الأسفل عبر المجالس الشعبية.
إن انحسار الدولة القومية هو دعوة لنا لنقول إن “فكرة الأمة” يجب أن يُعاد صياغتها لتكون مجتمعاً من الأحرار المتساوين، لا رعايا لدولة فاشلة تُدار بالوكالة عن القوى الإمبريالية.
الصهيونية والليبرالية: حارسا “سايكس-بيكو” في مرحلة الانهيار
إن القول بأن “سايكس-بيكو” قد انتهت هو وهْمٌ سياسي لا يغفله إلا من يجهل القوى المادية التي تُبقي هذه الخرائط الاستعمارية حيّةً على الأرض. إن الصهيونية ليست مجرد حركة أيديولوجية، بل هي الركيزة العضوية للهيمنة الإمبريالية في منطقتنا، وحارسُ المصالح الرأسمالية التي رسمتها القوى الاستعمارية منذ ما يزيد عن قرن.
إن الروابط التي تجمع الصهيونية بفرنسا (كما في أدبيات موسى هاس)، وبريطانيا (وفق رؤية جابوتنسكي)، وأمريكا (في عهد بن غوريون)، لم تكن وليدة الصدفة؛ بل هي تحالف طبقِيّ ومصلحيّ يهدف إلى تحويل الكيان الصهيوني إلى “نقطة ارتكاز” وثكنة أمامية أمنية واقتصادية تضمن تدفق الرأسمال العالمي وتمنع أي انعتاق للجماهير الكادحة في العالم العربي. لقد كان جابوتنسكي صريحاً في كشف هذه “الشرطية”: الصهيونية تحمي مصالح الإمبراطورية مقابل الحماية.
بناءً على ذلك، نؤكد على الحقائق التالية:
تفكيك الصهيونية شرطٌ للتحرر: لا يمكن الحديث عن إنهاء الحدود الاستعمارية (سايكس-بيكو) في ظل وجود “إسرائيل” كقوة عسكرية وأمنية وظيفية تخدم المركز الرأسمالي.
الارتباط العضوي بالليبرالية: إن الصهيونية، بوصفها “فرع أوروبا” في الشرق الأوسط، تعيش وتقتات على أيديولوجيا الليبرالية العنصرية التي تبرر وجود الدول القومية القائمة على الاستغلال والتوسع.
الأفق الثوري: إن زوال “سايكس-بيكو” لن يتحقق بقرارات سياسية فوقية، بل هو مشروط بـ تراجع الليبرالية عالمياً ونجاح الطبقات الشعبية – من عمال وكادحين – في دحر مشاريع الهيمنة الصهيونية وربط نضالهم الوطني بنضالٍ أمميّ شامل ضد النظام الرأسمالي.
إنّ مواجهتنا للصهيونية هي الوجه الآخر لمواجهتنا للأنظمة الاستبدادية (مثل طغمة الأسد) التي خدمت – رغم ادعاءاتها الكاذبة بـ “المقاومة” – وهي نفس المنظومة الترميدورية التي تكرس اليوم تبعيتنا للخارج وتنهب ثرواتنا.
انحلال الهيمنة الإمبريالية: من أوهام “النظام العالمي” إلى واقع التعددية المأزومة
إن الخطاب الليبرالي الذي روّج لـ “نهاية التاريخ” والسيادة المطلقة للغرب الرأسمالي قد تحطم على صخرة التناقضات الرأسمالية. فاليوم، لم يعد العالم يدور في فلك الإدارة الأمريكية الواحدة، بل نشهد حالة من “الانحلال الذاتي” للنظام الذي قادته واشنطن، حيث برزت قوى صاعدة – كروسيا والصين والهند – لا لتقدم بديلاً تحررياً للشعوب، بل لتعيد ترتيب موازين القوى ضمن نظام رأسمالي عالمي جديد.
إننا، كيسار ثوري، نرى أن صعود قوى إقليمية كتركيا وإيران والسعودية ليس دليلاً على “التحرر”، بل هو انعكاس لتشظي النفوذ الإمبريالي، حيث تتحول منطقتنا إلى ساحة صراع بين وكلاء محليين، تابعين لدول امبريالية واقليمية، يتنافسون على النهب والنفوذ تحت عباءة “السيادة” و”الاستقلال”. إن حالة “الترميدور” التي نشهدها في سوريا، وما أعقبها من استفراد بالسلطة وخدمة أجندات السوق الحر والنظام الرأسمالي العالمي، هي النموذج الأصدق على كيف يمكن لهذه التحولات الجيوسياسية أن تفرز أنظمة تقتات على دماء الكادحين، تماماً كما فعل نظام الأسد المنهار.
لذا، فإن قراءة المشهد الدولي تتطلب منا:
تفكيك وهم” التعددية القطبية” كحل: إن تراجع هيمنة الدولار الأمريكي (الذي لا يزال يحكم 60% من التجارة الدولية) أو تقلص القواعد العسكرية الإمبريالية (التي لا تزال تتجاوز 750 قاعدة) لا يعني بالضرورة زوال الاستغلال، بل يعني تحول أدواته وشروطه. فالتعددية القطبية لا تلغي اليات النظام الرأسمالي التي تسود كل بلدان كوكبنا.
نقد الأيديولوجيا الليبرالية: إن التحدي الحقيقي ليس في “صعود الصين” أو “عودة روسيا”، بل في انهيار الليبرالية كأيديولوجيا مقنعة للبرجوازية العالمية، مما يفتح فراغاً سياسياً يجب أن نملأه نحن، قوى اليسار الثوري، عبر بناء جبهات متحدة للجماهير الكادحة.
الخيار الثوري: إن طريقنا ليس الانحياز لأي من أقطاب هذا النظام العالمي المأزوم، بل العمل على بناء “بديل أممي” عابر للحدود، يقوم على أساس ديمقراطي ولا مركزي، يقطع مع النهج الترميدوري الذي يحاول الهيمنة على سوريا اليوم.
إن “تفكك النظام العالمي” هو دعوة لنا لنضع خياراتنا الطبقية في الصدارة؛ لا عودة إلى استبداد الأنظمة الوطنية القومية، ولا استسلام لسياسات السوق الحر الإمبريالية.
تحطيم “القابلية للاستعمار”: المقاومة كفعل أممي لا يعترف بحدود سايكس-بيكو
إن معركتنا التحررية ليست مجرد مواجهة عسكرية مع الكيان الصهيوني أو الأنظمة الاستبدادية؛ إنها حرب عقول لانتزاع الوعي من أسر التبعية الاستعمارية وأفكار الطبقات السائدة. إن مفهوم “القابلية للاستعمار” الذي نتجاوزه اليوم يفرض علينا تفكيك هيكل “الدولة القومية” – تلك البنية الاستعمارية التي صُدِّرت إلينا لحماية مصالح الرأسمال العالمي وتفتيت إرادة الكادحين.
لقد أثبت “طوفان الأقصى” أن الفعل الثوري حين يتجاوز الحدود التي رسمها الاستعمار، فإنه يحطم “مستحيلات” كان يروج لها النظام العالمي. ولكن، لكي لا تتحول هذه التضحيات إلى وقود لمشاريع “ترميدورية” جديدة – تسرق سردية المقاومة لتفرض سياسات نيوليبرالية وتستفرد بالسلطة كما رأينا في الحالة السورية – يجب أن نؤكد على أن:
الأخلاق كفعل ثوري: المقاومة ليست شعاراً، بل هي ممارسة أخلاقية يومية ترفض التواطؤ مع أمراء الحرب أو الاستسلام لسياسات السوق الحر التي تنهب ثرواتنا.
تجاوز القطرية: إن تحررنا مرهون بربط نضالنا الوطني بنضال الطبقة العاملة الأممية، ففلسطين ليست مجرد قضية قطرية، بل هي قلب الصراع ضد الإمبريالية العالمية التي تمثل “إسرائيل” حارسها العضوي.
التحرر الذهني: إن معركتنا ضد الكيان الصهيوني لا تنفصل عن معركتنا ضد “الاستعمار الداخلي” الذي يمارسه الطغاة وأدواتهم من النخب المتسلطة التي تقتات على بقايا الدولة المنهارة في سوريا.
إننا في حزب اليسار الثوري، نرى أن الخروج من أزمة “سايكس-بيكو” لا يكون بالعودة إلى “الدولة الوطنية” الفاشلة، بل ببناء أفق ثوري أممي يجمع كادحي المنطقة في مواجهة الرأسمالية والاحتلال معاً، ويرفض أي سلطة لا تنبع من الإرادة الحرة للعمال والكادحين.






