
الرفيق جوهر باني _ يساري ثوري تونسي
«المثقفون هم أقدر الناس على تبريرها»
بغض النظر عن صحة نسبة هذه العبارة إلى لينين، فإن ما يهمني ليس هل هي اقتباس صحيح أم لا، بل في الأسئلة التي تثيرها حول دور المثقفين في المجتمع وفي الصراع الطبقي.
فلو أخذنا العبارة حرفيًا لبدت وكأنها إدانة أخلاقية للمثقفين باعتبارهم فئة اجتماعية أكثر ميلًا للخيانة من غيرها. لكن هذا فهم سطحي لا يساعد على تفسير شيء. فالمشكلة ليست أن المثقفين أكثر سوءًا من غيرهم، بل أن موقعهم الاجتماعي يمنحهم قدرة خاصة على إنتاج الأفكار والخطابات والتبريرات.
ولهذا فإن المثقف المنحاز إلى السلطة لا يكتفي عادة بالدفاع عنها بشكل مباشر، بل يؤدي وظيفة أكثر أهمية: يجعل مصالحها تبدو مصالح الجميع. يحول القمع إلى ضرورة، والعنصرية إلى حماية للمجتمع، والتفاوت الاجتماعي إلى نتيجة طبيعية للكفاءة أو الجدارة، ويعيد تقديم السياسات المعادية للفقراء أو للمهاجرين أو للحريات في صورة حلول عقلانية لمشكلات معقدة. هنا لا تكمن خطورة المثقف في خيانته، بل في قدرته على إخفاء حقيقة ما يخدمه وراء لغة من الموضوعية والخبرة والعلم والمعرفة.
من السهل توجيه هذا النقد إلى المثقفين المرتبطين بالدولة أو برجال الأعمال أو وسائل الإعلام السائدة. الأصعب هو طرح السؤال نفسه على الحركة العمالية واليسار.
فالمثقف لا يتوقف عن كونه مثقفًا بمجرد انضمامه إلى منظمة ثورية أو نقابية. وقد يحمل معه إلى الحركة نفس التصور الذي يحكم دوره في المجتمع: هو يفكر، والآخرون ينفذون. هو ينتج الأفكار، والآخرون يتلقونها. هو يفسر الواقع، والآخرون يكتفون بخوض النضالات اليومية.
عندها لا يصبح المثقف مبررًا للسلطة القائمة، لكنه قد يتحول إلى وصي على الحركة التي يدّعي الدفاع عنها.
وهنا تكمن إحدى المشكلات المزمنة في تاريخ الحركة العمالية. فبدل أن تُستخدم المعرفة لتوسيع قدرة العمال على الفهم والتنظيم والقيادة، تتحول أحيانًا إلى مصدر سلطة داخل التنظيم نفسه. وبدل أن يكون دور المثقف نقل الخبرة وتعميمها، يصبح دوره احتكارها. وبدل أن تساعد النظرية على تطوير المبادرة من أسفل، تتحول إلى وسيلة لإقناع المناضلين بأن عليهم انتظار ما تقرره النخبة الأكثر معرفة.
لذلك لا ينبغي أن يُفهم نقد المثقفين على أنه دعوة معادية للثقافة أو للمعرفة. فالحركات الثورية تحتاج إلى النظرية والدراسة والتحليل بقدر حاجتها إلى الإضرابات والاحتجاجات. لكن السؤال الحاسم هو: هل تُستخدم هذه المعرفة لتوسيع المشاركة والقدرة الجماعية على الفعل، أم لإعادة إنتاج التراتبية؟
وعوض أن ترتبط المسألة بالخيانة بمعناها الأخلاقي، من المهم النظر لدور المثقفين في إعادة إنتاج علاقات الهيمنة أو تبربرها. فقد يوظف المثقفون معرفتهم دفاعًا عن الدولة والطبقات السائدة، كما يمكنهم كذلك ممارسة الوصاية داخل الحركات التي يفترض أنها تناضل ضد هذه الهيمنة. وفي الحالتين، يبقى التحدي نفسه: كيف تتحول المعرفة إلى أداة للتحرر لا إلى مصدر جديد للسلطة والوصاية






