بالنسبة للمثقفين العضويين، المعرفة هي أداة لتغيير العالم وليست مجرد وصف له.

تحتاج المنظمة الاشتراكية إلى مناضلين من الطبقة العاملة متجذرين في أماكن العمل والمجتمعات المحلية. وفي بعض الأحيان، يكون هؤلاء المناضلون أيضًا مثقفين ماركسيين ينخرطون في التفاعل مع الأبحاث الأكاديمية الجديدة.
كتب المؤرخ الماركسي إي. بي. تومسون: «إن بلورة أفكار متماسكة، وفهم الظواهر المعقدة للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المعاصرة، يتطلب وقتًا، وإمكانية الوصول إلى الكتب، وفراغًا، والخضوع للانضباطين الفكري أو الثقافي.» ويضيف: «وهذا أمر بالغ الصعوبة بالنسبة للعامل الصناعي، بل وحتى بالنسبة للمعلم العادي المثقل بأعباء العمل.»
ومع ذلك، لا يقتصر التحدي أمام الرأسمالية على هذا النوع من المثقفين فقط، بل نحتاج أيضًا إلى نوعٍ آخر من المثقفين.
فكّر الثوري الإيطالي أنطونيو غرامشي في دور المثقفين، وطور مفهوم «الهيمنة»، أي الطريقة التي تحافظ بها الطبقة الحاكمة على سلطتها ليس فقط عبر القوة المباشرة، بل أيضًا عبر الرضا أو القبول. وهذه الهيمنة لا تقوم على الدعاية وحدها، بل على «حسٍّ مشترك» يتكوّن من افتراضات يتقاسمها الناس حول ما هو عادل ومنصف وحتمي.
في هذا الإطار، جادل غرامشي بأن كل طبقة اجتماعية تنتج مثقفيها الخاصين، الذين يمنحون تلك الطبقة إحساسها بالهوية والغاية والاتجاه. ويقدّم المثقفون التقليديون، مثل رجال الدين والعلماء والفلاسفة والمحامين، أنفسهم على أنهم فوق جميع المصالح الطبقية، لكن حيادهم ليس إلا وهمًا يخفي خدمته للطبقة الحاكمة، إذ يعيد إنتاج رؤيتها للعالم بوصفها «حقيقةً كونية».
أما المثقفون العضويون، فعلى النقيض، فينحدرون من داخل الطبقة العاملة، ولا يدّعون الحياد، بل يعملون على تعزيز مصالحها. وإن هيمنة الطبقة الحاكمة لا تمر دون مقاومة، ويؤدي المثقفون العضويون دورًا حاسمًا في دعم هذه المعارضة.
وقد ميّز غرامشي بين المثقفين العضويين والمثقفين التقليديين من خلال جذورهم داخل طبقة اجتماعية محددة والتزامهم بتعزيز مصالحها والدفاع عنها. فمعرفتهم ليست مجرد وسيلة لوصف العالم، بل أداة لتغييره، ولا يُحدَّدون بالشهادات الأكاديمية، بل بقدرتهم على التعبير عن الخبرات الجماعية وتنظيمها.

ومن الأمثلة التاريخية على ذلك فاني لو هامر، وهي امرأة سوداء وابنة لمزارع مُستأجر لم تحظَ بتعليم يُذكر، لكنها أصبحت واحدة من أبرز الأصوات في حركة الحقوق المدنية الأمريكية في ستينيات القرن العشرين، وقائدة ومثقفة عضوية في آنٍ واحد.
تاريخيًا، تطور المثقفون من الطبقة العاملة، الذين حُرموا من التعليم الرسمي، عبر قيادة النضالات، والقراءة، وإلقاء المحاضرات وحضورها. أما اليوم، فيمكن أن يظهر المثقف العضوي بأشكال جديدة؛ فمثلًا يمكن لمهاجر غير نظامي يروي تجربته على تيك توك أن يساهم في بناء فهم مشترك لتأثير العنصرية والإمبريالية.
غير أن وسائل التواصل الاجتماعي تعقّد هذا الدور، إذ إن مدى وصول الناشطين بات خاضعًا للخوارزميات. كما أن الحركات المعارضة لطالما واجهت محاولات من المؤسسات لتحييدها واحتوائها.
توفر هذه المنصات إمكانية الوصول إلى جمهور واسع، لكنها في الوقت نفسه تتعارض مع فكرة غرامشي عن المثقفين الذين يجب أن يكونوا مُساءَلين أمام من يؤثرون فيهم، ومتجذرين في الطبقة العاملة. ولا يمكن للمجتمعات الرقمية أن تُحدث تغييرًا فعليًا ما لم تُترجم إلى فعل في العالم المادي.
إن انعدام الثقة بالخبراء يرتبط جزئيًا بالإحباط من غياب المثقفين العضويين المتجذرين في شروط الحياة المشتركة والمعارضين للمؤسسة القائمة. لذلك تحتاج حركات الاحتجاج إلى مواجهة أكاذيب الطبقة الحاكمة، وربط التجارب الفردية بالبنية العامة للنظام، واقتراح سبل للتغيير. وهنا يبرز دور المثقفين العضويين في إنتاج هذه الأفكار والحجج.
ويكتب غرامشي أن المثقفين العضويين يجب أن يشاركوا «في التحويل العملي للعالم الواقعي». وبالتالي، فإن أي حركة فعالة يجب أن تجمع بين النظرية والممارسة. وليس مطلوبًا من كل عضو في حزب ثوري أن يكون خبيرًا في كل مسألة، بل المهم أن تكون هناك ثقة بوجود خبرة داخل التنظيم عند الحاجة.
وفي النهاية، يتجاوز المجتمع الاشتراكي الانقسام المصطنع بين العمل الذهني والعمل اليدوي، وكذلك التخصصات الضيقة، ليطوّر قدرات الجميع إلى أقصى حد ممكن.
ترجمة هيئة تحرير الخط الأمامي عن جريدة العامل الإشتراكي






