
حين كتبنا في افتتاحية العدد 88 من الخط الأمامي أن “الفاشية تطل برأسها”، قد يبدو للبعض أن في الأمر مبالغة. فالكثيرون ما زالوا يختزلون الفاشية في صورتها الكلاسيكية: دبابات في الشوارع، معسكرات اعتقال، أو أنظمة شمولية مكتملة على شاكلة النازية والفاشية الإيطالية. لكن هذا الفهم يخفي جوهر الظاهرة. فالفاشية لا تولد مكتملة، بل تتشكل تدريجياً داخل المجتمع في لحظات الأزمات الكبرى، عندما تعجز الطبقات الحاكمة عن تقديم حلول لأزماتها، وتصبح أكثر ميلاً إلى استخدام الانقسام والكراهية والعنف للحفاظ على سيطرتها.
ولم تنشأ الفاشية تاريخياً من فراغ. ففي كل مرة كانت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية العميقة تطرح سؤالاً بسيطاً وخطيراً في آن واحد: من المسؤول عن هذا الواقع؟ ومن الطبيعي أن يقود هذا السؤال إلى مساءلة النظام الاقتصادي القائم والطبقات المستفيدة من الاستغلال والنهب. لكن القوى الرجعية تعمل دائماً على حرف الغضب الشعبي عن هذا الاتجاه. فبدلاً من توجيهه نحو المسؤولين الحقيقيين، يجري اختراع “عدو داخلي” جديد: مهاجر، أقلية، طائفة، جماعة قومية، أو شعب آخر. وهكذا يتحول الصراع من مواجهة بين المضطهدين ومضطهديهم إلى مواجهة بين المضطهدين أنفسهم.
اليوم يتكرر هذا المنطق على نطاق عالمي. ولعل الحرب الإسرائيلية على غزة تمثل أحد أكثر الأمثلة وضوحاً وخطورة. فالقضية لا تقتصر على حجم التدمير أو أعداد الضحايا، بل تكمن أيضاً في سقوط القناع عن النظام الدولي الذي طالما قدم نفسه باعتباره حارساً لـ”القانون الدولي” و”حقوق الإنسان” و”النظام العالمي القائم على القواعد”. فقد شاهد العالم، على الهواء مباشرة، كيف يمكن تعليق هذه المبادئ أو تجاهلها عندما تتعارض مع مصالح القوى المهيمنة. وفي الوقت نفسه جرى نزع الإنسانية عن شعب كامل، وتصوير ملايين البشر كتهديد أمني جماعي يبرر العقاب الجماعي والتدمير واسع النطاق. لقد كشفت غزة ليس فقط وحشية المشروع الصهيوني، بل أيضاً الإفلاس الأخلاقي والسياسي للنظام الليبرالي العالمي الذي يدّعي الدفاع عن الحقوق والقانون بينما يبرر انتهاكهما حين يخدم ذلك مصالحه.
ويتكرر المنطق نفسه بأشكال مختلفة في أماكن أخرى. ففي الهند يتصاعد الخطاب القومي الهندوسي الذي يصور المسلمين كخطر على الأمة والهوية الوطنية. وفي جنوب إفريقيا تُحمَّل الجماهير المهاجرة مسؤولية البطالة والأزمات الاجتماعية، رغم أنها من ضحاياها. وفي أوروبا والولايات المتحدة تتوسع الخطابات المعادية للمهاجرين واللاجئين وتنتشر نظريات عنصرية مثل “استبدال السكان”، بينما يجري في عدد من بلدان أميركا اللاتينية تصوير الفقراء وسكان الأحياء الشعبية كمصدر للجريمة والفوضى لتبرير مزيد من القمع والعسكرة. ورغم اختلاف السياقات، فإن القاسم المشترك واحد: إنتاج “عدو داخلي” يُحمَّل مسؤولية أزمة لم يكن هو من صنعها، بهدف إبعاد الغضب الشعبي عن القوى الفعلية المسؤولة عن الاستغلال والهيمنة.
أما في تونس، فقد تحولت حملات التحريض ضد المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء إلى خطاب سياسي واجتماعي واسع النطاق يربطهم بالتهديد الديمغرافي وبالمؤامرات على الهوية الوطنية. ولم يبق هذا الخطاب في حدود الإعلام والسياسة، بل تُرجم إلى اعتداءات وممارسات عنصرية مباشرة ضد الفئات الأكثر هشاشة.
وفي سوريا، يرافق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي العميق تصاعد خطابات طائفية وقومية ودينية تُستخدم لتفكيك ما تبقى من النسيج الاجتماعي. فبدلاً من توجيه الغضب نحو السلطة والسياسات التي أنتجت الفقر والبطالة والانهيار، يجري تحميل جماعات كاملة مسؤولية أفعال أنظمة أو أفراد أو قوى سياسية، وتتوسع دعوات الإقصاء والثأر الجماعي على حساب أي تصور للمواطنة المتساوية والحقوق الديمقراطية المشتركة.
ما يجمع هذه الحالات ليس التشابه في الشكل، بل الوظيفة السياسية نفسها. ففي كل مرة يجري تحويل الأزمة الاجتماعية إلى صراع بين المقهورين أنفسهم، بدلاً من أن تتحول إلى مواجهة مع القوى التي تنتج الاستغلال والقهر. وهكذا يُعاد توجيه الغضب الشعبي بعيداً عن جذوره الحقيقية، ويُمنع تشكل وعي جماعي أو طبقي موحد قادر على تحدي النظام القائم.
بهذا المعنى، لا تمثل العنصرية والطائفية والشوفينية مجرد أفكار متطرفة أو انحرافات أخلاقية، بل أدوات سياسية واجتماعية تستخدم لتفتيت المضطهدين ومنع توحدهم. وهي تشكل التربة التي تنمو عليها النزعات والحركات الفاشية الجديدة في مراحلها الأولى.
ولا يعني ذلك أن العالم يعيش اليوم فاشية مكتملة، ولا أن الأنظمة القائمة أصبحت جميعها أنظمة فاشية تقليدية. لكن تجاهل هذه المؤشرات يعني انتظار الظاهرة حتى تترسخ وتتجذر وتصبح حركات جماهيرية. فالفاشية، في تشكيلة اجتماعية مأزومة تعاني من صعف او هزيمة الطبقة العاملة واحزابها مع ازمة للطبقة البرجوازية، لا تبدأ بمعسكرات الاعتقال، بل تبدأ بخطاب الكراهية. لا تبدأ بإلغاء السياسة، بل بتسميمها. ولا تبدأ بالإبادة، بل بنزع الإنسانية عن فئات محددة وتحويلها إلى مصدر لكل الأزمات والمخاوف، تجد الفاشية الجديدة جمهورها في الطبقة البرجوازية الصغيرة وحثالة البروليتاريا.
لكن توصيف الظاهرة لا يكفي. فالتاريخ يبين أن الفاشية لا تُهزم بالمواعظ الأخلاقية ولا بالتعويل على مؤسسات الدولة أو الليبرالية التي كثيراً ما تتكيف معها أو تفتح الطريق أمامها، بل عبر بناء قوة اجتماعية وسياسية مستقلة قادرة على مواجهتها.
ومن منظور اليسار الثوري، لا يمكن فصل صعود هذه النزعات عن أزمة النظام الرأسمالي نفسه، ولا عن عجز قوى اليسار والإصلاحية التقليدية عن تقديم بديل سياسي واجتماعي مقنع لملايين الناس. فحين يغيب البديل التقدمي، تتقدم القوى الرجعية لملء الفراغ عبر الكراهية والعنصرية والانقسام.
لهذا فإن المهمة المركزية لليسار اليوم ليست فقط الدفاع عن ضحايا العنصرية والتمييز والتحريض، رغم أهمية ذلك، بل العمل على توحيد العمال والكادحين والمضطهدين حول مصالحهم المشتركة، ورفض كل أشكال الانقسام القومي والطائفي والعرقي التي تستخدمها الطبقات الحاكمة لتثبيت سيطرتها.
فالفاشية تنمو حين يُدفع الناس إلى رؤية بعضهم البعض كأعداء، بدلاً من رؤية النظام الذي يستغلهم جميعاً. أما حين تنجح الجماهير في بناء أدواتها التنظيمية المستقلة، وفي خوض نضالاتها المشتركة من أجل الخبز والعمل والحرية والكرامة، فإن الأرض التي تنمو عليها الفاشية تبدأ بالتراجع وتنهزم.
ولهذا فإن مواجهة الفاشية التي تطل برأسها اليوم ليست قضية أخلاقية مجردة، بل جزء من الصراع السياسي والاجتماعي الأوسع من أجل بناء بديل يساري ثوري، قادر على توحيد المضطهدين والمستغلين في مواجهة الاستبداد والاستغلال والعنصرية والشوفينية، ومن أجل مجتمع يقوم على الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والتضامن الإنساني وتتطلب منه العمل على بناء جبهات متحدة لمواجهة هذه الفاشية الجديدة وهزيمتها .
إعداد هيئة تحرير الخط الأمامي






