
في سياق معقد و ضمن ما يقدم على أنه محاولة للنهوض بالاقتصاد السوري و رفع معدلات الاستثمار، تطرح حكومة السلطة الحاكمة مسودة ما يقدم على أنه حزمة إصلاح ضريبي ليتم الترويج للنظام الضريبي الجديد على أنه يقوم على “التبسيط والوضوح والتنافسية والعصرنة، وتشجيع القطاع الخاص ودعم النمو الاقتصادي” كما روج له وزير المالية محمد برنية.
وبعيداً عن تلك الشعارات البراقة التي يمكن في حقيقة الأمر إطلاقها جزافاً على أي مشروع، فإن ما تم نشره إنما يحمل في طياته تعزيزاً للانقسام الطبقي في المجتمع، ويلقي العبء الاقتصادي الأكبر على كاهل الطبقات المسحوقة والتي تشكل الأغلبية الساحقة من المجتمع والتي لم تزدها الحرب إلا مزيدا من الفقر.
فالحق أن زيادة الحد الأدنى المعفي من الضرائب إلى 12000 دولار سنوياً تستهدف شريحة قليلة جداً من الناس وخصوصاً عندما نعلم بأن متوسط الدخل السنوي في سوريا لا يتجاوز 1200 دولار سنوياً في أحسن التقديرات ويعيش 90% من السكان تحت خط الفقر البالغ 2.15 دولاراً في اليوم الواحد. تظهر تلك الاحصائيات تفاوتاً كبيراً في الثروة في المجتمع السوري حيث تقدر الاحصائيات نسبة الأغنياء بما لا يتجاوز الخمسة بالمئة من السكان. وهي الشريحة المستهدفة بالإعفاء الضريبي حسب مسودة القانون الجديد. يستهدف القانون، إذن، شريحة ضئيلة من السكان.
ولكي يزيد الطين بلة، فإن مشروع القانون الجديد يعفي وبشكل كامل البنوك من أي التزام ضريبي مما يعزز سطوة الأغنياء و حيتان المال على الاقتصاد السوري. يقدم القانون الجديد فيما لو تم اعتماده هدية مجانية لرؤوس الأموال حيث يتم إعفاء الأرباح الناتجة عن التداول في الأسهم من الضريبة بينما يعتمد نظام الضريبة الموحدة التي تحافظ على الطابع الاستغلالي للقانون الساري حتى اليوم والذي تم اعتماده في عام 2003 مع بدايات التحول في الاقتصاد السوري نحو اقتصاد السوق والتي عبر كثير من الباحثين المختصين في أكثر من موضع عن قناعتهم بأنه التحول الذي أدى إلى تفاقم الظروف الاجتماعية والأزمة المعيشية التي أدت إلى الانفجار الشعبي في ثورة 2011. تم اعتماد الضريبة الموحدة في القانون الجديد والقديم على حد سواء، لكن تنخفض حدودها في القانون الجديد. فبينما كانت نسبتها تتراوح بين 10% و 35% في القانون القديم سيتم تخفيض الحد الأعلى للضريبة بحيث تتراوح النسب بين 10% و 15% في القانون الجديد. تخفض تلك التغييرات النسب الضريبية لصالح الملاك الكبار و الرأسماليين بينما تبقى الأعباء الضريبية على كاهل العاملين بأجر و على الطبقات الوسطى.
وبينما كان المبتغى المعلن من السلطة هو تعزيز الاقتصاد المنتج لما له من قدرات توظيفية عالية و مساهمة في متطلبات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، يعمل مشروع القانون الجديد في الاتجاه المعاكس تماماً حيث أن الإعفاء الضريبي على تداول الأسهم يعزز من اقتصاد المضاربة الذي يعتبر منافساً خطيراً للاقتصاد المنتج لما له من تأثيرات سلبية على مستويات التضخم في بلد أنهكت الحرب اقتصاده و تآكلت قيمة العملة فيه إلى حد الانهيار.
وبالرغم من أن العمال والفلاحين وباقي الطبقات المسحوقة هم من دفعوا الأثمان الأعلى خلال مسيرة الثورة لأنهم كانوا القوى الاجتماعية المحركة للثورة . وهي الطبقات الشعبية التي تعرضت لافقار ممنهج و مدقع في عهد الأسد وخصوصاً الأسد الإبن، فإن النظام الضريبي الجديد لا يحافظ فقط على النظام الضريبي غير العادل القديم، بل يدفع الشرائح المنخفضة الدخل الى دفع نسباً أعلى من دخولها بينما يتمتع الرأسماليين والأثرياء بالإعفاءات الضريبية. رغم أن هذا المشروع الضريبي للسلطة الجديدة تم تقديمه على انه يسعى لتعزيز العدالة ! . إلا أن نسخة مشروع القرار تبدو معنية أكثر بتعزيز الاستثمار و دعم المستثمرين الكبار عوضاً، وعلى حساب، دعم الفقراء والكادحين.
تأتي هذه الاجراءات محليا، في وقت يزيد فيه النقاش عالمياً وبشكل مضطرد حول ضرورة القيام باصلاحات ضريبية تعتمد على نظام ضرائب تصاعدي يخفض مستوى الضرائب على الدخل الضعيف؛ و يزيدها على الأرباح الرأسمالية والاستهلاك الفاخر وأرباح الشركات الكبرى وبينما يزداد النقاش عالمياً حول فرض ضرائب على ما يتجاوز الأرباح والأجور ليشمل الثروات والميراث، يثبت المشروع الجديد للسلطة في سوريا أن التوجه الاقتصادي للحكومة إنما يسير بنفس اتجاه إعادة إنتاج الأزمات وتحميل الفقراء العبء الناتج عنها عوضاً عن تسخير موارد الدولة كاملة لتحقيق نهضة اقتصادية تستهدف أول ما تستهدفه رفع السوية المعيشية للغالبية العظمى من الشعب السوري التي عانت طيلة سنوات الحرب فقراً مدقع و علقت أمالاً عريضة على أن تنتصر ثورتها لتحقيق العدالة الاجتماعية، مظلومية الفقراء والمستغلين هذه هي التي يمكنها تجمع السوريين ببعضهم البعض وتوحد مطالبهم ونضالاتهم ولاسيما لمواجهة انتشار الطائفية كالنار في الهشيم ونكوص المجتمع نحو طوائفه و قومياته و اثنياته الداخلية.
الخط الأمامي _ المحرر الاقتصادي






