
في تسعينيات القرن العشرين وما تلاها، هيمن مفهوم العولمة على الصحافة الاقتصادية والأوساط الأكاديمية في علم الاقتصاد. وتحولت العولمة إلى أرثوذكسية جديدة، وُقدِّمت بوصفها تُطيح بمختلف أشكال التدخل الاقتصادي للدولة، من تخطيط اقتصادي وصناعات مؤمَّمة وإنفاق على الرعاية الاجتماعية، في ظل إقرار الحكومات بعجزها عن كبح جماح رأس المال العابر للحدود أو الأسواق المالية العالمية.
وظهرت مصطلحات وتعابير جديدة: رأس مال “متفلّت” ضعيف الارتباط بأي دولة، يجوب عالمًا يزداد “تخطيًا للحدود”. وفي هذا العصر “ما بعد القومي”، غدت الطبقات الحاكمة في الاقتصادات الكبرى أكثر “كوزموبوليتية”. أما الماركسيون الذين تحدّوا هذه الأرثوذكسية، فكانوا معرضين لأن يُنظر إليهم باعتبارهم منفصلين عن الواقع ومتشبثين بالإطار المرجعي الوطني المألوف.
وفي الوقت ذاته، ومع استقلال البنوك المركزية عن الحكومات، برز جيل جديد من قادة الأعمال في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، توسع من الولايات المتحدة إلى السوق الصينية، حتى وإن استلزم ذلك تعزيز الاقتصاد الصيني “الشيوعي” الموجَّه من الدولة. وفي عام 2016، لم يؤيّد حملة دونالد ترامب الرئاسية من بين كبار التنفيذيين العشرين في قطاع تكنولوجيا المعلومات في وادي السيليكون سوى لاري إليسون.
غير أن شيئًا ما آخذ في التغيّر. فقد كشفت الأزمة المالية العالمية عام 2008 هشاشة الأسواق، وأجبرت الدول على التدخل لاستعادة الاستقرار، بما في ذلك إنقاذ المصارف وضخّ سيولة هائلة عبر سياسات التيسير الكمي التي نفذتها بنوك مركزية توصف اسميًا بالمستقلة. وبحلول عام 2012، حذّرت المجلة الاقتصادية الأسبوعية ذي إيكونوميست، التي طالما عُدّت حصنًا من حصون أرثوذكسية السوق الحرة، من “صعود رأسمالية الدولة”، مشيرة إلى أنها قد تكون “النموذج الجديد للعالم الصاعد”. وقد تعزز هذا الاتجاه مع الاستجابة لجائحة كوفيد-19 عام 2020.
أما اليوم، فقد تلاشت الهالة الكوزموبوليتية التي كانت تحيط بـ”أقطاب التكنولوجيا” (tech bros)، وأصبح معظمهم يدعم مشروع دونالد ترامب “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا.”(MAGA)
لقد أُعيد الاعتبار للنشاط الاقتصادي للدولة على نطاق أوسع. فقبل قرن من الزمن، كان يُنظر إليه غالبًا بوصفه أداة للدول المتأخرة تنمويًا في جهود اللحاق بالدول المتقدمة، ووسيلة لحماية الاقتصادات الأضعف. وقبل نصف قرن، لجأت البلدان حديثة الاستقلال في الجنوب العالمي إلى تعبئة سلطة الدولة لتعويض ضعف الطبقات الرأسمالية المحلية.
أما اليوم، فإن تدخلات الدولة في القطاعات التكنولوجية المتقدمة -ضمن ما يسميه توبياس تن برينك “رأسمالية متداخلة مع الدولة” في الصين- تجد ما يقابلها في البلدان الغربية الكبرى. كما أن أكبر الصناديق السيادية في العالم تعود إلى بعض أغنى المجتمعات. ويجري توظيف أدوات الحِرفية الاقتصادية للدولة، من تعريفات جمركية وحوافز موجَّهة لرأس المال وتوسيع للأسواق الخارجية، بصورة هجومية من قبل أقوى دولة في العالم، الولايات المتحدة.
تتناول هذه المقالة الاتجاهات المعاصرة في العلاقة بين الدولة ورأس المال. أولًا، سأعرض بإيجاز تصور النظرية الماركسية لهذه العلاقة؛ ثانيًا، سأناقش النزوع نحو رأسمالية الدولة الذي تبلور في البلدان الرأسمالية المتقدمة منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ ثالثًا، سأبيّن لماذا ينبغي توصيف الاتحاد السوفييتي الستاليني بوصفه شكلًا من أشكال رأسمالية الدولة البيروقراطية، وهو توصيف يحتل موقعًا مركزيًا في التقليد الماركسي الكلاسيكي الذي تنتمي إليه هذه المجلة.
لقد انهار الاتحاد السوفييتي، بوصفه الصيغة الأكثر تطورًا لرأسمالية الدولة، بين عامي 1989 و1991، وأُعيدت هيكلته هو ودوله التابعة في أوروبا الشرقية بصورة جذرية، في إطار إعادة تشكيل أعمّ لعلاقات الدولة برأس المال تحت مظلة العولمة النيوليبرالية. وسأحلل بعض هذه العمليات في القسم الرابع.
وقد بيّن العديد من الكتّاب في هذه المجلة، أو المرتبطين بها، أن المزاعم بشأن “تراجع” الدولة في الحقبة النيوليبرالية -التي أعقبت مرحلة رأسمالية الدولة منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين- هي مزاعم مبالغ فيها ومختزِلة. فمع أنه لم يحدث تراجع جوهري لدور الدولة، فإن إعادة صياغة علاقاتها برأس المال كانت واقعية وملموسة.
واليوم، فإن عودة بروز عناصر مهمة من صيغ سابقة لرأسمالية الدولة، ولا سيما في مجال السياسة الصناعية، حقيقة قائمة بالقدر نفسه. غير أن دلالة هذه العودة لا تكمن في تأكيدها المقاربة النظرية العامة لهذه المجلة، بل في إظهارها أن الرأسمالية العالمية قد دخلت مرحلة أكثر صراعية وأشد اضطرابًا، تتعمق فيها المنافسة الإمبريالية المتبادلة. وهذا يهدد مستقبل كوكبنا ذاته.
الدولة ورأس المال في النظرية الماركسية
اضطلعت الدول بدور حاسم في نشأة الرأسمالية، إذ سعت -على حد تعبير كارل ماركس- إلى “تعجيل الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية تعجيلًا مصطنعًا ومكثفًا”. عملت الدولة البريطانية على تعزيز التراكم البدائي لرأس المال عبر حماية، بل والمشاركة الفعلية في، النهب الدموي لأجزاء أقل تطورًا من العالم.
تقدّم الأيديولوجيا البرجوازية الأسواق بوصفها ظواهر طبيعية؛ غير أن المؤرخ الاقتصادي كارل بولاني رأى أن: «لا شيء طبيعيًا في مبدأ “دعه يعمل لوحده” (laissez-faire)؛ فالأسواق الحرة ما كان لها أن تنشأ بمجرد ترك الأمور تسير في مجراها… لقد فُرض عدم التدخل في السوق عبر سلطة الدولة».
وكان المجتمع السوقي الجديد مناقضًا لأنماط السلوك الاجتماعي القائمة، إلى حد أن إرساؤه «بدل أن يُلغي الحاجة إلى الضبط والتنظيم والتدخل، وسّع نطاقها على نحو هائل». وقد كان ذلك صحيحًا بصورة خاصة في ما يتعلق بسوق العمل، الذي جرى إنشاؤه قسرًا عبر سلسلة من التدابير القمعية الصارمة، شملت تطهير الأراضي (نزع الفلاحين منها)، وتجريم التشرد، وإقامة نظام بيوت العمل. وخلص ماركس إلى أن الدولة تؤدي دورًا أساسيًا لا تستطيع أي جهة أخرى الاضطلاع به، يتمثل في إرساء «الشروط اللازمة لوجود رأس المال».
إلى جانب حماية حقوق الملكية، تشمل هذه الشروط أيضًا توفير البنى التحتية المادية مثل النقل والطاقة والمياه والاتصالات. غير أنه، كما أشار ماركس، فإن رأس المال ليس شيئًا ماديًا بحتًا، بل هو “علاقة إنتاج اجتماعية محددة”، علاقة بين العمل الميت والحَيّ، ومن ثم فإن هذه الشروط لوجود رأس المال تتعلق أساسًا بفرض العلاقات الاجتماعية والسلوكيات والمواقف التي تهيئ الأرضية للرأسمالية.
ويشمل ذلك تدابير الدولة الرامية إلى إنشاء قوة عاملة متعلمة ومدرّبة، والحفاظ على صحة العمال، وإعادة إنتاج قوة العمل (وإعادة إنتاج المجتمع بصورة أوسع). وتجري عملية إعادة إنتاج قوة العمل أساسًا داخل الأسرة، وهو ما يخفّض كلفة رأس المال ويكرّس في الوقت ذاته الأدوار الجندرية التقليدية. ورغم أنها تتم إلى حد كبير في المجال الخاص، فإنها تخضع لتنظيم الدولة وتحظى بدعمها.
غالبًا ما يقاوم الرأسماليون وفلاسفتهم التدخلات الحكومية في حقوق ملكيتهم، لكن من دون سلطة الدولة (المموّلة أساسًا من فائض القيمة المنتج في الاقتصادات الوطنية)، ستكون ممارسة حقوق الملكية بفعالية وإعادة إنتاج النظام بأكمله مهددة بالخطر.
لقد اعتمدت الرأسمالية في كل أشكالها دائمًا على تدخلات الدولة، بحيث عملت الدولة ورأس المال دائمًا ضمن علاقة ما وصفه كريس هارمان بـ«الترابط البنيوي». غير أن هذا التوازن ليس ثابتًا، بل يعاد تشكيله تاريخيًا، بحيث يتغيّر الوزن النسبي للدولة ورأس المال من مرحلة إلى أخرى.
حقبة رأسمالية الدولة
ترتبط ظاهرة رأسمالية الدولة بجذور تطور الرأسمالية ذاتها. وقد التقطت روزا لوكسمبورغ ملامح النزوع المتصاعد نحو “دولنة” الرأسمالية في أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر، حين كتبت:
“إن تطور الرأسمالية يُحدث تحولًا جوهريًا في طبيعة الدولة، فيوسّع نطاق عملها، ويفرض عليها باستمرار وظائف جديدة… ويجعل تدخلها ورقابتها في المجتمع أكثر فأكثر ضرورة. وبهذا المعنى، فإن التطور الرأسمالي يُمهّد تدريجيًا لاندماج الدولة والمجتمع في المستقبل”.
كان لتنامي دور الدولة بُعدان: وطني ودولي. فقد أفرز التصنيع الرأسمالي في البلدان المتقدمة طبقةً عاملة جديدة سريعة الاتساع -وصفها ماركس بـ”حفّاري قبور” الرأسمالية- تركزت في المدن، وازدادت معرفتها، وانتظمت في نقابات عمالية وأحزاب اشتراكية. ومنذ العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، طالبت هذه الحركات العمالية الناشئة بأن تُقرّ الدول إصلاحات اجتماعية وتشريعات حمائية.
وقد فسّر كارل بولاني تصاعد التنظيم الحكومي بوصفه العنصر الثاني في “الحركة المزدوجة”: ردّ فعل على عملية التسليع الشامل (العنصر الأول)، التي كان من شأنها أن “تُفني” المجتمع لولا “حركات مضادّة وقائية كبحت عمل هذه الآلية ذاتية التدمير”. فبعد أن كانت سلطة الدولة تضمن إدارة المجتمع “بوصفه ملحقًا بالسوق”، انخرطت تلك الدول نفسها في مسارات لإعادة إدماج الاقتصاد ضمن العلاقات الاجتماعية الأوسع، وتوفير بنى تحتية أوسع لإعادة إنتاج قوة العمل.
وفي مختلف أنحاء أوروبا، وتحت أنظمة سياسية متباينة، ظهرت تشريعات رفاهية تُقيّد منطق السوق، شملت تنظيم أماكن العمل، والصحة العامة، والتأمين الاجتماعي. وقد تأثر مدى الإصلاح الاجتماعي وسرعته بمستويات الصراع الطبقي، غير أن الدول لم تواجه ضغوطًا من الأسفل فحسب، بل من الأعلى أيضًا. وكما أبرزت لوكسمبورغ، فإن حاجة رأس المال إلى عمال أصحاء ومتعلمين تعني أن “تشريعات العمل تُسنّ لتخدم المصالح المباشرة للطبقة الرأسمالية بالقدر نفسه الذي تخدم فيه مصالح المجتمع عمومًا”.
لقد فرض التنافس الدولي على الدول أن تتدخل بصورة أكثر منهجية في عمليات الإنتاج الرأسمالي وإعادة إنتاج قوة العمل والمجتمع. وكما أشارت إلين وود، فإن الرأسمالية هي “نظام عالمي يُنظَّم على الصعيد الوطني”. ومع ذلك، فإن الدول عند تنظيم المكوّن الوطني للرأسمالية العالمية ليست مجرد ناقلة سلبية للضغوط الدولية، ولا تقوم بمجرد ترجمة المتطلبات العالمية إلى إطار وطني. فقد غيّرت الرأسمالية مجتمعات العالم ودوله، غير أن الدول أصبحت اليوم تصوغ أشكالًا وطنية محددة للرأسمالية.
في أوائل القرن العشرين، طوّر البلاشفي نيكولاي بوخارين التحليل الماركسي للبُعد العالمي لتنامي دور الدولة. فقد اتخذ في كتابه عام 1917 (الإمبريالية والاقتصاد العالم) الاقتصاد الرأسمالي العالمي كنقطة انطلاق، وكتب أن:
“هيكلًا اقتصاديًا عالميًا شديد المرونة للرأسمالية يتكوّن، وجميع أجزائه مترابطة واعتمادها متبادل. وأي تغيير طفيف في جزء واحد ينعكس فورًا على الجميع”.
ولم يكن هذا المسار سلسًا أو خاليًا من الصراعات. بل إن الاعتماد المتبادل زاد من حدة التنافس الدولي، فقد واجهت الدول المتأخرة في التطور مثل ألمانيا وروسيا واليابان القيادة العالمية لبريطانيا وتوسعها الإمبراطوري عبر السعي لإحداث تغييرات اجتماعية واقتصادية بتخطيط الدولة لتسهيل تراكم رأس المال السريع. وشملت الإجراءات إنشاء مصارف ادخار مملوكة للدولة لتركيز المدخرات، وتنفيذ مشاريع بنى تحتية ضخمة، وبرامج لتوسيع التعليم التقني.
لقد أدى العولمة الرأسمالية، المدفوعة بالإلزام المنهجي للتراكم التنافسي، والتي تجسّدت في ظهور الشركات متعددة الجنسيات وتزايد التجارة والاستثمارات الخارجية، إلى إثارة “نزعة معاكسة نحو توطين المصالح الرأسمالية”. بالنسبة لبوخارين، فقد ولّد هذا ضغوطًا نحو رأسمالية الدولة -التي تجمع بين زيادة نشاط الدولة في الاقتصاد وتكاثف رأس المال الكبير حول الدول التي يتركّز فيها رأس المال- والتي دُعيَت لتقديم الدعم في الصراع التنافسي على المستعمرات، والوصول إلى الأسواق، ومصادر المواد الخام، وفرص الاستثمار في الخارج. وربما بالغ بوخارين في بعض جوانب أطروحته، بما في ذلك افتراضه أن الاقتصادات الوطنية ستصبح خاضعة لهيمنة الدولة لدرجة تطويرها إلى مشروع موحد شامل، لكنه أدرك الجوهر الأساسي للرأسمالية العالمية في النصف الأول وما بعده من القرن العشرين.
ما نتج كان حقبة ممتدة من رأسمالية الدولة، حيث تزامن التنافس الاقتصادي مع النزاعات والمنافسات بين الدول، بل ومع السباق العسكري والصراعات. مارست الدول دور الوسيط في إعادة تشكيل الضغوط العالمية وتعديلها في سياق الهياكل الاجتماعية القائمة والثقافات والترتيبات المؤسساتية والظروف السياسية.
بالنتيجة، تحتفظ الرأسماليات الوطنية بخصوصياتها، ومع ذلك، كما أشار ديفيد كوتس، فإن الانطباع السطحي لعالم “متعدد الأبعاد ومعقد بشكل لا يقبل الاختزال” يخفي “منطقًا بنيويًا كامناً… مرتبطًا بالتطور غير المتكافئ للرأسمالية عبر الزمن كنظام عالمي”. إن المنطق البنيوي للتراكم التنافسي العالمي، والتنافس العسكري الذي يُعد أحد أشكاله، هو الإطار الأساسي لفهم طبيعة الاتحاد السوفييتي بعد أن عزلته القوى الرأسمالية المتقدمة وحاصرته بعد التحول الثوري عام 1917.
رأسمالية الدولة البيروقراطية في روسيا السوفييتية
تربط الصيغ التبسيطية للماركسية بين الرأسمالية والمجال الاقتصادي وحده، وتُصنّف سائر مجالات النشاط الإنساني باعتبارها “ليست رأسمالية”، بما في ذلك أفعال الدول. وهي بذلك تُقيم فاصلًا حادًا بين السياسة والاقتصاد، وتنكر أن الدولة ورأس المال شكلان متميزان لكن متشابكان من سلطة الطبقة الحاكمة، وكلاهما مُهيكل بالمنطق الرأسمالي ذاته.
وعلى النقيض من ذلك، يجادل الجغرافي الماركسي ديفيد هارفي بأن مفهوم نمط الإنتاج لا يقتصر ببساطة على الاقتصاد، بل يشير إلى:
“كامل طيف علاقات الإنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك، فضلاً عن الترتيبات المؤسساتية والقانونية والإدارية، والتنظيم السياسي وجهاز الدولة، والأيديولوجيا، والأشكال المميزة لإعادة إنتاج المجتمع (الطبقي). وفي هذا الإطار، يمكننا مقارنة أنماط الإنتاج ‘الرأسمالية’ و’الإقطاعية’ و’الآسيوية’ وغيرها.”
يتقاسم هذا النهج إلى حد كبير التيار الفكري المرتبط بهذه المجلة. ففي الوثيقة المؤسسة لهذا التيار، كتاب توني كليف )رأسمالية الدولة في روسيا) يُركّز على أن ترسيخ البيروقراطية الستالينية السوفييتية عام 1928 والخطة الخمسية الأولى مثل ثورة مضادة، أدّت إلى إقامة ما حلّله كليف بوصفه “رأسمالية دولة بيروقراطية” تحت هيمنة طبقة حاكمة جديدة. وكان مصدر قوتها يكمن في سيطرتها على الدولة السوفييتية وامتلاكها -بالمعنى العملي أي السيطرة الفعلية- على الملكية المؤممة. وقد مكّنت هذه العناصر معًا الطبقة الحاكمة في الدولة الرأسمالية من التحكم في الفائض الاجتماعي الناتج عن استغلال العمال. وعلى الرغم من أن السياسة والاقتصاد كانت مفصولة مؤسسيًا، إلا أنهما كانا متحدين جوهريًا.
تم التأكيد على الوحدة الجوهرية للجانبين من سلطة الطبقة الحاكمة السوفييتية في كتاب ميشال ريمان (ميلاد الستالينية)، لذي استند إلى اكتشاف أرشيف من المواد التاريخية السوفييتية في وزارة الخارجية الألمانية الغربية عام 1969. أظهر ريمان كيف أن إحكام البيروقراطية الستالينية قبضتها على الشرطة والقضاء منحها احتكارًا لوسائل الإكراه والإنتاج الأيديولوجي، مما مكّنها من فرض مصالحها على المجتمع بشكل متزايد في أواخر عشرينيات القرن العشرين، لا سيما بعد وضع الخطة الخمسية الأولى.
وقد أدت الإجراءات القمعية المذهلة في أوائل عام 1929 إلى القضاء على آخر آثار قوة الطبقة العاملة، التي كانت المكسب الرئيس لثورة 1917. فتم اعتماد نظام الإدارة الفردية بدلًا من نظام الترويكا، الذي كانت النقابات -المستقلة إلى حد ما حتى عام 1928- تمارس بعض السيطرة على قرارات الإدارة؛ ومنح للإدارة حقوقًا متزايدة لمعاقبة وفصل العمال؛ ومنعت المحاكم من النظر في شكاوى العمال بشأن العقوبات والفصل؛ ومنذ ذلك الحين، امتنعت النقابات عن الدفاع عن أعضائها في المحاكم. وفي الوقت نفسه، أُلغي يوم الأحد كيوم للراحة، وأُدخل نظام الحصص، وبدأ توسيع كبير لنظام الأجور حسب القطعة، الذي عمل كقوة مفرقة قوية للطبقة العاملة. وبحلول عام 1932، كان 68% من العمال يتقاضون أجورهم على أساس الأجر حسب القطعة.
أدى صعود رأسمالية الدولة البيروقراطية إلى إخماد آخر شرارات قوة العمال في الصناعة، وعكس التغيرات الثورية التي كانت قد وفّرت أساسًا لتحرر المرأة وإعادة تعريف الأدوار والعلاقات التقليدية بين الجنسين. وقد تراجعت التدابير التي هدفت إلى تحويل جزء كبير من عبء الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال إلى مسؤولية جماعية، والتي أُدخلت مباشرة بعد الثورة -بما في ذلك المغاسل والمطاعم في أماكن العمل- أمام إعادة تأكيد على مركزية الأسرة الخاصة في عملية إعادة إنتاج قوة العمل.
وبعد عام 1945، فُرض النموذج السوفييتي على دول أوروبا الشرقية، ولاحقًا تم تكراره في الصين بعد ثورة عام 1949. رغم أن الصورة لم تكن موحدة، فإن فقدان عدد كبير من العمال الذكور خلال الحرب العالمية الثانية زاد من الطلب على قوة عمل النساء، وكانت مشاركتهن الاقتصادية الرسمية أكبر عمومًا مما هي عليه في الغرب، ما أتاح لهن فرصًا ومزايا لم تكن متاحة على نطاق واسع للنساء الغربيات. وكان هذا صحيحًا بشكل خاص في ألمانيا الشرقية، أكبر اقتصاد في أوروبا الشرقية، حيث كان عدد الرجال القتلى في الحرب مرتفعًا بشكل استثنائي. وقد شجعت الدولة تطوير مهارات العاملات، ودخلت النساء بأعداد متزايدة القطاعات التي كانت تقليديًا حكراً على الرجال، بما في ذلك المناصب الإدارية، كما انتقلن إلى القطاعات الأكثر مكانة، بما في ذلك التعليم العالي والعلوم. وبشكل عام، في الدول التي تعتمد نموذج رأسمالية الدولة، تحسّنت تجربة النساء في العمل بعد عام 1945 بشكل ملحوظ، بما شمل إجازات الأمومة المدفوعة، والوصول إلى خدمات رعاية الأطفال والحضانات.
“ومع ذلك، لم يكن الدافع وراء هذه التغيرات التزام النظام الستاليني بتحرير المرأة، بل حاجته إلى توفير قوة عاملة. وهذا يعني أنه رغم تحسّن حياة العديد من النساء بشكل ملحوظ، فإن هذه المكاسب كانت هشة: إذ كانت خدمات الحضانات ورياض الأطفال والمطاعم المدرسية دائمًا أقل من مستوى الطلب، ومرتبطة مباشرة بدفع عجلة التصنيع. وعندما تباطأ النمو، كما حدث في تشيكوسلوفاكيا عامي 1962-1963، أعلنت الحكومة المفهوم الأيديولوجي لتعميم الأعمال المنزلية”.
واستمرت النساء في تحمل “العبء المزدوج” للعمل داخل المنزل، بما في ذلك التسوق والطهي والأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، والعمل المأجور خارج المنزل، مما رسّخ مركزهن دونيًا في المجتمع. وقد تجلّى ذلك بطرق عدة، بما في ذلك النظرة الرسمية للنساء كمصدر للعمل الرخيص، والفجوة في الأجور بين الجنسين، وتقسيم جندري للعمل، إذ كانت النساء عادةً مهمشات في مواقع اتخاذ القرار والمناصب الإدارية، يشغلن الوظائف الأدنى أجرًا، ويؤدين أعمالًا غير ماهرة أو يعملن بدوام جزئي، مما حدّ من فرص التقدم المهني الأوسع.
وبغض النظر عن الاختلافات بين اقتصادات الكتلة الشرقية، وبغض النظر عن ادعاءات الستالينيين، لم تمثل رأسمالية الدولة تحقيقًا لرؤية الماركسية لتحرر المرأة، بل كانت خطوة إلى الوراء مقارنة بالسنوات المليئة بالأمل مباشرة بعد عام 1917.
إن إعادة الهيكلة المنهجية للاقتصاد والمجتمع السوفييتيين عكست إضعاف الطبقة العاملة وقواعد الحزب البلشفي خلال الحرب الأهلية وحرب التدخل الإمبريالي، وما ارتبط بذلك من صعود بيروقراطية الحزب-الدولة إلى السلطة في عشرينيات القرن العشرين. غير أن كليف، مستعيدًا جدلية نيكولاي بوخارين بين التدويل والتأميم، شدد على أن الديناميكية لم تكن داخلية فحسب. فقد كان ستالين شديد الوعي بالبيئة الدولية التنافسية، إذ أكد في نوفمبر/تشرين الثاني 1928 أنه: «من المستحيل الدفاع عن استقلال بلدنا من دون قاعدة صناعية كافية للدفاع… إما أن نمتلكها أو نُمحى». وكرر حجته عام 1931 حين خاطب مديري المصانع قائلًا: «نحن متأخرون عن البلدان المتقدمة بخمسين أو مئة عام. يجب أن نعوض هذا التأخر خلال عشر سنوات. إما أن نفعل ذلك أو يسحقوننا». وقد تطلّب ذلك، بحسب تعبير ريمان، “قطيعة الستالينية الكاملة مع معنى وجوهر العقيدة الاجتماعية للاشتراكية”.
إن الجذور التاريخية لرأسمالية الدولة البيروقراطية في خصوصية تطور الاتحاد السوفييتي وبنيته الطبقية خلال العقد الذي أعقب عام 1917 جعلت منها نظامًا اتسم بتحويل شبه كامل لقوى الإنتاج إلى ملكية الدولة. وقد أدى ذلك إلى قدر كبير من الالتباس داخل اليسار الدولي بشأن كيفية فهم طبيعة الاتحاد السوفييتي. فبالنسبة لكثيرين، تُعرَّف الرأسمالية انطلاقًا من الملكية الخاصة، المفهومة بوصفها ملكية قانونية لأفراد أو شركات. غير أنه في إطار النظام العالمي القائم على التراكم التنافسي، كانت الملكية المؤممة في الاتحاد السوفييتي “خاصة” بمعنى محدد: فقد انحصرت السيطرة عليها في الدولة السوفييتية وحدها، فيما استُبعد جميع غير السوفييت، وعمليًا، خارج الخطاب الأيديولوجي الرسمي، معظم المواطنين السوفييت أنفسهم، من أي قدرة فعلية على التأثير في استخدامها.
مثّلت رأسمالية الدولة السوفييتية الشكل الأكثر تطرفًا للظاهرة العامة التي حدّدها نيكولاي بوخارين عام 1916. غير أنّ الأشكال القائمة على رأسمالية الدولة كانت، على امتداد العالم، هي السائدة حتى صعود النيوليبرالية في أواخر سبعينيات القرن العشرين. فكل أزمة كبرى كانت تدفع الدول إلى اتخاذ مزيد من التدابير لحماية الاقتصاد الوطني ورأس المال الوطني.
عقب انهيار وول ستريت وبدايات الكساد في ثلاثينيات القرن الماضي، تخلّت كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة عن معيار الذهب، بما أدى إلى تقليص الخضوع المباشر لقانون القيمة، وتحرير اقتصاديهما نسبيًا من تقلبات النظام النقدي الدولي. وشهدت الحرب العالمية الثانية تنظيمًا منهجيًا لاقتصادات الدول المتحاربة تحت إشراف الدولة.
وبعد عام 1945، تعززت نزعات رأسمالية الدولة مع امتداد النفوذ السوفييتي إلى أوروبا الشرقية، ومع محاكاة النموذج السوفييتي في الصين وغيرها. وفي الغرب، أسهمت قوة الحركات العمالية والتنافس بين الشرق والغرب في تكثيف الضغط التنافسي على رأس المال من أجل توسيع تمويل الرعاية الاجتماعية، وهو تمويل كان يخدم أيضًا مصالحه عبر رفع عبء هذه النفقات عن عاتق الرساميل الفردية. وأصبح تأميم الصناعات الثقيلة أمرًا شائعًا.
أما في الجنوب العالمي، فقد عزز ضعف الطبقات الرأسمالية المحلية الاتجاه نحو إنشاء “أبطال وطنيين” بوصفهم رمزًا للاستقلال السيادي في الدول الخارجة حديثًا من الاستعمار. وفي بعض مناطق الجنوب، ولا سيما في آسيا، لعبت الدول “التنموية” دورًا مركزيًا في حشد رأس المال وتوجيهه ضمن مشروع للنمو والتحديث الوطنيين.
كتب بول صامويلسون، صاحب كتاب( الاقتصاد) الأكثر مبيعًا في ستينيات القرن العشرين، أن الأساليب الكينزية في التخطيط الحكومي وإدارة الطلب قد حلت المشكلات البنيوية للرأسمالية. غير أنه خلال السنوات القليلة اللاحقة، ومع تفاقم أزمة الربحية، بدأت الحركة العمالية وحركات اجتماعية أخرى تطرح تحديًا للرأسمالية على نطاق لم يُشهد له مثيل منذ خمسين عامًا. وبحلول منتصف سبعينيات القرن الماضي، كانت الرأسمالية غارقة في أول أزمة اقتصادية شاملة منذ ثلاثينيات القرن العشرين.
وفي هذا السياق، بدأ الليبراليون الجدد -الذين ظلوا، منذ عام 1945، يروّجون لأيديولوجيا السوق الحرة من الهامش السياسي- يوسّعون نفوذهم داخل دوائر الطبقة الحاكمة في عدد من البلدان الغربية، بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث كانت معدلات النمو ضعيفة بصورة ملحوظة. وباستثناء جزئي لتشيلي في أعقاب انقلاب أوغستو بينوشيه عام 1973، لم ينجح المشروع النيوليبرالي في إحداث قطيعة شاملة مع النظم الاقتصادية الوطنية القائمة، بل تقدّم عبر برامج إصلاح براغماتية، لا سيما حين واجه مقاومة اجتماعية أو سياسية. ومع ذلك، بحلول أوائل ثمانينيات القرن العشرين، كان الوعد النيوليبرالي باستعادة الربحية وتعزيز قوة رأس المال يعني أن ترتيبات رأسمالية الدولة باتت تتعرض لضغوط متزايدة في العديد من الاقتصادات الكبرى.
النيوليبرالية والتراجع الجزئي للدولة
كما سنبيّن لاحقًا، فإن العلاقة بين النيوليبرالية والدولة الرأسمالية ليست بسيطة أو أحادية الاتجاه؛ فقد عملت النيوليبرالية في الوقت نفسه على تقويض بعض أوجه سلطة الدولة -مثل تنظيم رأس المال- وعلى تعزيز أوجه أخرى، من بينها السياسات المناهضة للنقابات. ويُفسَّر ذلك بالتناقضات التي اتسمت بها الرأسمالية في مرحلة ما بعد الحرب، والتي واجهتها النيوليبرالية: فقد كانت من جهة تتسم بتعاظم دور الدولة في مجالات أساسية، مثل الرعاية الاجتماعية والصناعات المؤممة، ومن جهة أخرى تزداد انكشافًا على مسارات التدويل، من تجارة واستثمارات خارجية وتوسع الأسواق المالية العالمية، تحت ضغط الولايات المتحدة وأكبر الرساميل العالمية.
مع ذلك، واصل منظّرو النيوليبرالية التأكيد على أن الدولة تشكّل عائقًا أمام الدينامية الريادية ومصدرًا لعدم الكفاءة وبطء النمو. غير أن هدفهم المركزي لم يكن تفكيك الدولة ذاتها، بل تقويض نفوذ الحركة العمالية على سياسات الدولة، وإعادة رسم التصورات السائدة حول الحدود بين العام والخاص. فقد كانوا يدركون تمامًا أنه حتى لو تحوّل دور الدولة من الإنتاج المباشر إلى تهيئة شروط السوق، فإن المطلوب كان إعادة تشكيلها لا إلغاؤها.
وقد أدت أربعة عقود من إعادة الهيكلة النيوليبرالية والعولمة إلى إعادة تشكيل العديد من سمات أنماط رأسمالية الدولة التي سادت في الغرب لنحو خمسة وسبعين عامًا. وبين عامي 1989 و1991 انهار النمط السوفييتي. أما التحول الذي فُرض في إطار ما عُرف بـ«توافق واشنطن»، فقد جمع بين القطيعة والاستمرارية.
على جانب التغيير، سردت النخب السياسية الحاكمة سلسلة من الحجج التي تحولت إلى “مسلمات سائدة” دامت عقودًا. أدى النمو الكبير في التجارة الدولية إلى تعريض الاقتصادات الوطنية على نحو متزايد لمقارنات الأسعار العالمية، ما فرض ضغوطًا متصاعدة لخفض الضرائب والإنفاق العام. وبات يُفترض في السياسات العامة أن تُصاغ وفق اعتبارات الكفاءة والعائد مقابل التكلفة، بما يقتضي تهيئة المجال أمام القطاع الخاص، الذي عُدَّ أكثر كفاءة من القطاع العام، لا سيما بحكم قدرته على تحقيق وفورات الحجم على المستوى العالمي.
وأصبح إنفاق الدولة يخضع اليوم لمراقبة الأسواق المالية الدولية، ووكالات التصنيف العالمية، والمؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وتناقص إنتاج المؤسسات المملوكة للدولة كنسبة من إجمالي الإنتاج الوطني، وتم خصخصة العديد من الأصول الحكومية. وحتى في الصين، تمثل المؤسسات المملوكة للدولة نحو 30٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن 50٪ من النشاط المصرفي بات في أيدي القطاع الخاص.
في تلك المرحلة، كان تشويه صورة دولة الرفاه -التي وُصفت تهكّمًا بـ”الدولة الحاضنة”- أمرًا شائعًا في الخطاب السائد. وكما يوضح فرانسيس كاسلز وزملاؤه في كتابهم (هل تتلاشى الدولة؟)، فقد جادل النيوليبراليون بأن “دول الرفاه الكبيرة لا تستطيع المنافسة في أسواق تزداد عولمة، لأن المستويات المرتفعة من الإنفاق الحكومي «غير المنتج» تُعدّ مصدرًا لعدم الكفاءة الاقتصادية”.
وقد كتب هذا العمل في ذروة هيمنة خطاب العولمة، ويبرز فيه المؤلفون عناصر الاستمرارية مع المرحلة السابقة، مفنّدين عددًا من الأساطير المرتبطة بالنيوليبرالية. ويحللون اتجاهات الإنفاق الحكومي بين عامي 1980 و2005، مع التركيز على دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، اعتمادًا على نظام تصنيف وظائف الحكومة (COFOG) الذي يشمل مجالات مثل التعليم، والخدمات العامة، والدفاع، والنظام العام والسلامة، والشؤون الاقتصادية (بما في ذلك الإعانات)، وحماية البيئة، والإسكان، والرعاية الاجتماعية.
رغم غياب نمط موحد على امتداد دول OECD، تُظهر البيانات بشكل عام تخفيضات طفيفة في النفقات الأساسية، مثل جمع الضرائب وإنفاق الأمن العام. ووفقًا لمبدأ النيوليبرالية في ترك الأمور للسوق، فقد شهدت سياسات الدولة تخفيضات كبيرة في تنظيم الأسواق، سواء أسواق المنتجات أو سوق العمل، فضلاً عن تقليص الدعم الصناعي، وتم تخفيض الإنفاق الدفاعي والمخصصات الموجهة للتعليم.
لكن ما يثير الدهشة هو أن الوفورات لم تُقتصر على تغطية النفقات الأساسية، بل استُنفدت بالكامل تقريبًا في توسيع نطاق برامج الرعاية الاجتماعية. ففي الفترة بين 1980 و2001، ارتفعت مستويات الإنفاق الاجتماعي في دول OECD بمعدل 3.9٪ من الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 22.7٪، بينما انخفض الإنفاق الأساسي بمقدار 1.4٪ ليصل إلى 22.9٪، وفق بيانات Our World in Data. ويشمل الإنفاق الاجتماعي مجالات الصحة، ومعاشات الشيخوخة، ومنافع العجز، ودعم الأسرة، وبرامج سوق العمل، وإعانات البطالة، والإسكان.
الجدول 1: الإنفاق الحكومي كنسبة من الدخل القومي (الناتج المحلي الإجمالي)

“المصدر: Our World in Data، 2025. يشمل الإنفاق الاجتماعي مجالات الصحة، ومعاشات الشيخوخة، والمنافع المرتبطة بالعجز، ودعم الأسرة، وبرامج سوق العمل، وإعانات البطالة، والإسكان.”
الجدول 2: الإنفاق الاجتماعي الحكومي كنسبة من الدخل القومي (الناتج المحلي الإجمالي) في عدد من بلدان “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” المختارة

“مصدر: Our World in Data، 2025. يشمل الإنفاق الاجتماعي مجالات الصحة، ومعاشات الشيخوخة، ومنافع العجز، ودعم الأسرة، وبرامج سوق العمل، وإعانات البطالة، والإسكان.”
حتى في ظل النيوليبرالية، ارتفع الإنفاق على النظام الصحي الوطني (NHS) في بريطانيا بالقيمة الحقيقية، وإن كان بوتيرة أبطأ مقارنة بالفترات السابقة. وتشير البيانات الاقتصادية حينها إلى وجود أسس قوية للطعن في الادعاء المبالغ فيه بأن العولمة الاقتصادية النيوليبرالية أدت إلى تآكل جوهري في سلطة الدولة.
ويؤكد المحرك الرئيسي للعولمة النيوليبرالية، الولايات المتحدة، هذه الصورة: وفق بيانات OECD، بلغ الإنفاق الحكومي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي 33.6٪ في عام 1979، ولم ينخفض أبدًا بعد ذلك عن 34٪، وبلغ نحو 39.1٪ في عام 2023 بعد أن انخفض من ذروة بلغت 47.3٪ في 2020 عقب أزمة كوفيد-19. وينطبق هذا الاتجاه العام على باقي الاقتصادات المتقدمة.
الأرقام الإجمالية تخفي كثيرًا من التفاصيل. فقد يكون دخل الدولة من الضرائب ثابتًا أو في ارتفاع، لكن تحليل هيكل الضرائب يظهر تحوّلًا من الضرائب المباشرة إلى الضرائب غير المباشرة وإرساء نظام الإقرار الذاتي. وبالمثل، يكشف تحليل الإنفاق الصحي عن دعم ضخم يُقدَّم لرأس المال الخاص من خلال Private Finance Initiative (مبادرة التمويل الخاص)، خصوصًا في بريطانيا. علاوة على ذلك، تتطلب الأسواق الداخلية والتنافس بين مقدمي الخدمات الصحية توسيعًا كبيرًا لعدد المديرين والمحاسبين، ممول جزئيًا من تقليص أعداد الممرضين والكادر الطبي. وباختصار، الأرقام الرئيسة لا تشير بالضرورة إلى ما إذا كان الإنفاق العام قد تحوّل إلى تعزيز السوق، لكن مستويات الإنفاق الحكومي الإجمالية تؤكد على الأهمية المستمرة للدولة في الرأسمالية النيوليبرالية حتى أزمة 2007–2008 وما بعدها.
يتعزز هذا الطرح عند نقد المنظور الماركسي العابر للحدود الوطنية (الترانسناسيونالي)، الذي يعتبر أن رأس المال تحرّر من مرساته الوطنية بفعل النيوليبرالية، وأصبح يُنظّم—إن وُجد تنظيم أصلًا—من قبل نخبة إدارية عابرة للحدود ضمن المؤسسات المالية الدولية، كما وصفه روبرت كوكس بـ”سديم” (nebuleuse).
لكن المؤشرات التجريبية، مثل Transnationality Index (مؤشر الإنتشار عبر الدول) الذي أعدّه مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، أظهرت أن التدويل الفعلي للشركات لم يتجاوز في أغلب الحالات 50٪، وأن الاستثمار الأجنبي المباشر لم يشكّل سوى نحو 8٪ من إجمالي الاستثمار المحلي العالمي بين 1990–2003، مما يوضح أن الادعاءات عن “اقتصاد عالمي واحد” كانت مبالغًا فيها. حتى الاستثمار الأجنبي المباشر والتجارة العالمية كانا متركزين بدرجة كبيرة داخل الثالوث الاقتصادي: الاتحاد الأوروبي، شرق آسيا، وأمريكا الشمالية.
إضافة إلى ذلك، اعتمدت العولمة النيوليبرالية على سلطة الدولة بشكل حاسم. فقد كان التحول بعيدًا عن سياسات دولة الرفاه مرتبطًا بهزائم قطاعات الحركة العمالية في دول رئيسية، مثل عمال FIAT في إيطاليا، عمال المناجم البريطانيين، عمال الصلب الفرنسيين، ومراقبي الحركة الجوية في الولايات المتحدة. وقد دعمت هذه الهزائم سياسات تقليص الالتزامات تجاه الرعاية الاجتماعية، وإعادة هيكلة علاقات العمل، وفرض انضباط السوق على العمال، ضمن تصاعد النزعة القومية وتحويل الحواجز الطبقية إلى حواجز وطنية أو خفية.
باختصار، تحت النيوليبرالية، أعيد تشكيل الدولة، وتحول التوازن بين برامج إنفاقها، لكن الدولة وحدها كانت تمتلك الشرعية السياسية لفرض شكل جديد لحكم رأس المال على الطبقات الخاضعة، ومتابعة هذه الترتيبات عند مواجهة التحديات. الوظائف الأساسية للدولة استمرت، لكن دورها أصبح أكثر ارتباطًا بتدفقات السلع ورأس المال العالمية، أكثر سلطوية وقمعية، وأقل التزامًا بإعادة التوزيع. كما أشار بيير بورديو، لم تتراجع الدولة ككل، بل تراجعت يدها “اليسرى” المسؤولة عن توزيع الموارد، بينما ظلت اليد اليمنى قوية كما كانت دائمًا، ممثلة بالتكنوقراطيين في وزارة المالية، البنوك، والمجالس الوزارية. وقد عزز ذلك قدرة الدول على حماية وتعزيز اقتصاداتها وشركاتها الكبرى، وصناعة أشكال جديدة من رأسمالية الدولة.
أنماط جديدة من رأسمالية الدولة
لا يوجد نموذج واحد أو شامل لرأسمالية الدولة، بل ثمة مجموعة من التراكيب بين الدولة ورأس المال تتراوح بين الدولة السلطوية إلى أشكال أكثر ليبرالية للإدارة الاقتصادية وفن الحكم. تكشف دول البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا (المعروفة بمجموعة البريكس) والاقتصادات الغربية والدول الغنية بالطاقة في الشرق الأوسط والدول الواقعة في مركز النمو الجديد بشرق آسيا عن فسيفساء من استراتيجيات الدولة. تنشأ الفروق بينها من التطور غير المتكافئ والمركب للرأسمالية كنظام عالمي، والذي تتوسطه التاريخيات الوطنية والترتيبات المؤسسية وأنماط الصراع الطبقي الوطني والمنافسة الدولية بين الدول. ومع ذلك، لا تشكل هذه الأنماط الجديدة لرأسمالية الدولة في أي مكان انقطاعًا جوهريًا مع النيوليبرالية؛ بل هي التكيف الأحدث لضرورات الرأسمالية الأساسية في ظل قيود وظروف سياسية جديدة. يجمع هذا التكيف بين عناصر نشأت في ظل النيوليبرالية (ضعف تنظيم رأس المال، خصوصًا المالي، واستبعاد الحركات العمالية من مؤسسات صنع السياسات) مع تدابير جديدة تتشكل بدورها بفعل التجارب غير المتكافئة لأزمات الرأسمالية وتصاعد المنافسة الإمبريالية المتبادلة التي تنتجها.
شكلت الأزمة المالية العالمية في 2007–2008 نقطة تحول. قامت الحكومات بتأميم البنوك، وضخ السيولة، وأعادت استخدام بعض الأدوات الكينزية. ومن المفارقات، على الأقل لأولئك الذين يعتقدون أن الصين وحكومة حزب العمال بقيادة غوردون براون ملتزمان إلى حد ما بالاشتراكية، أن الصين وحكومة حزب العمال البريطانية هما من ساعدا على استقرار الرأسمالية العالمية. وقد تعززت الأزمة الهيكلية بتصاعد التنافس الإمبريالي المتبادل كعامل يدفع إلى تجديد النشاط الاقتصادي للدولة. بهذا المعنى، يشبه العقد الأخير تقريبًا الفترة التي سبقت عام 1914، والتي استند إليها بوخارين في حجته بأن التدويل المتزايد يولد اتجاهًا معاكسًا نحو زيادة تأميم المصالح الرأسمالية. وقد أدت أربعة عقود من العولمة إلى تجدد المنافسة الدولية، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وأجبرت الدول على اتخاذ تدابير جديدة لحماية مصالحها وتعزيزها، وكذلك مصالح رؤوس الأموال المحلية الكبرى العاملة على أراضيها.
نقطة البداية الواضحة لمناقشة أشكال رأسمالية الدولة المعاصرة هي الصين. هذه الحالة تبرز على الفور مشكلة التعريف. في مجال الإسكان، على سبيل المثال، حوالي 95٪ مملوكة للقطاع الخاص، مقارنة بـ 63٪ في الولايات المتحدة الأمريكية. وبالمثل، كما رأينا في الجدول 1 أعلاه، الإنفاق الحكومي العام أقل في الصين منه في الولايات المتحدة الأمريكية، وأدنى بكثير من أوروبا. كما أن الإنفاق على الرعاية الاجتماعية منخفض في الصين، وقد تحدث الرئيس شي جينبينغ ضد الرعاية الاجتماعية باعتباره “فخًا يربّي الكسل”. مقارنةً بالولايات المتحدة الأمريكية، البنوك الصينية مملوكة للدولة بشكل غير متناسب (0٪ مقابل 51٪)، لكن ملكية الدولة أعلى بكثير في الهند وروسيا (70٪ و72٪ على التوالي). أما الصورة بالنسبة لرأس المال الإنتاجي فهي أكثر وضوحًا: تمتلك الدولة الصينية 42.5٪ من رأس المال المؤسسي، وأعلى نسبة تليها بين دول البريكس، روسيا بنسبة 35٪، مع الهند والبرازيل أقل بكثير عند 17٪.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال رأسمالية الدولة في ملكية الدولة لرأس المال فقط. فالشركات المملوكة للدولة في الصين تنتج نحو ثلث الإنتاج الصناعي، لكن رأس المال الخاص يخضع لرقابة صارمة من الدولة. جميع الكيانات تُعتبر جزءًا من الأمن القومي وفقًا لقانون الأمن القومي لعام 2015، ويجب على كل منها أن تضم خلية للحزب الشيوعي، والتي تؤثر على القرارات الاستراتيجية للشركات وعمليات التوظيف. البنوك المملوكة للدولة متشابكة بشكل عميق مع الشركات المملوكة للدولة، حيث يذهب أكثر من 80٪ من الإقراض لهذه الشركات في كثير من السنوات. في روسيا، وعلى الرغم من وجود خلاف حول الرقم الدقيق لحصة الدولة من الناتج المحلي الإجمالي، من الواضح أن فلاديمير بوتين قد عكس خلال العقد الأخير تقريبًا اتجاه التحرر الليبرالي بعد الحقبة السوفيتية، وزاد السيطرة الدولة على الأوليغاركيين الذين استفادوا من الخصخصة في عهد بوريس يلتسين، ونفذ عمليات تأميم استراتيجية لشركات رئيسية.
تهيمن الشركات المملوكة للدولة على القطاعات الصناعية الاستراتيجية في كل من الصين وروسيا، وتبرز موقعها الاستراتيجي في قلب الاقتصاد السياسي لكل دولة بحقيقة أنها رغم أنها تولد نحو ثلث الإنتاج فقط، فإنها تمثل أكثر من ثلثي قيمة إدراجات سوق الأسهم. بوجه عام، كما أشارت دراسة حديثة حول دول البريكس: “لدولة دور أكبر بكثير في توجيه النشاط الاقتصادي، وهو ما يُناقش غالبًا تحت مصطلح رأسمالية الدولة في أدبيات الرأسمالية المقارنة”.
لا تُعد اقتصادات البريكس متجانسة، لكن في جميعها، تكون مؤسسات الدولة، ولا سيما الأنظمة المالية، موجهة بشكل أكثر مباشرة من نظيراتها الغربية لدعم رؤوس الأموال الوطنية. وهذا يطرح سؤالًا حول ما إذا كانت دول البريكس ستستمر في التكيف مع النظام المالي الليبرالي الذي يهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية، أم أن الإصلاحات المالية المحلية والتحركات نحو التخلص من الاعتماد على الدولار الأمريكي قد تمكنها من تحدي هذا النظام، وإذا وُجدت مثل هذه الإمكانية، هل يمكن لأي ابتكارات على هذا النحو أن تمتد عبر الحدود؟ يبدو أن التوسع الأخير لمجموعة البريكس مرتبط جزئيًا على الأقل بهذه القضايا، على الرغم من أن حجم التجارة المحدود بين أعضاء البريكس يعني أن حتى إلغاء الاعتماد الكامل على الدولار الأمريكي سيكون له تأثير محدود على مركزية الدولار الأمريكي في النظام المالي العالمي. ومع ذلك، كان دونالد ترامب يدرك التهديد الذي يشكله وجود عملة احتياطية عالمية بديلة على قوة الولايات المتحدة الأمريكية، عندما كتب في يناير 2025 أنه إذا قامت “هذه الدول التي تبدو معادية” بإنشاء عملة جديدة للبريكس أو “دعم أي عملة أخرى لتحل محل الدولار الأمريكي القوي”، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستفرض عليها رسومًا جمركية بنسبة 100٪.
تُبرز تصريحات ترامب أن مسألة إلغاء هيمنة الدولار الأمريكي يجب أن تُفهم في سياق تصاعد التنافسات بين الإمبراطوريات وإعادة تأكيد النشاط الاقتصادي للدولة. بعض التطورات، مثل صناديق الثروة السيادية للدول الغنية بالطاقة التي أصبحت جزءًا اعتياديًا من الرأسمالية خلال العقدين الأخيرين، تشير إلى أن الدول المتأخرة والأقل تطورًا التي تسعى للحاق بالركب هي التي كثفت من إجراءات رأسمالية دولة. ومع ذلك، مع زيادة التوترات العالمية، أصبحت الدول الأكثر تقدمًا اقتصاديًا أيضًا أكثر نشاطًا في القطاعات الاستراتيجية.
رد ترامب خلال ولايته الأولى على صعود الصين كخصم رئيسي تضمن حربًا تكنولوجية ضد شركات صينية كبرى مثل هواوي، وفرض قيود على صادرات التكنولوجيا المتقدمة. وتم تمديد هذه القيود في ظل إدارة جو بايدن، الذي تبنى سياسة صناعية مُجددة لتعزيز موقع الولايات المتحدة الأمريكية مقارنة بالصين. وشملت هذه السياسة قانون إنشاء حوافز مفيدة لإنتاج أشباه الموصلات وقانون العلوم لعام 2022 (CHIPS and Science Act)، الذي خصص 280 مليار دولار للقطاعات التكنولوجية المتقدمة، إضافةً إلى تحفيز رؤوس الأموال التكنولوجية العالمية لإنشاء مواقع إنتاج جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية.
هذا العودة إلى النشاط الاقتصادي المكثف جعل إعلان نموذج الذكاء الاصطناعي لشركة DeepSeek في يناير 2025 يبدو وكأنه لحظة سبوتنيك معاصرة للولايات المتحدة الأمريكية. فالنموذج تم تطويره بتكلفة 5 مليارات دولار، مقارنة بمئات المليارات التي أنفقتها النماذج الغربية مثل ChatGPT، وأظهر أن القيود الغربية قد سرّعت تطوير التكنولوجيا الصينية، التي استفادت من دعم صندوق الاستثمار الصناعي للدارات المتكاملة في الصين بقيمة 150 مليار دولار. يشكل هذا تهديدًا لقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التكنولوجية في الصناعات الاستهلاكية الأساسية، وكذلك في المجال العسكري، حيث يواصل المجمع الصناعي العسكري لعب دور المحرك المركزي للاقتصاد الأمريكي.
تواجه الصين والولايات المتحدة الأمريكية منافسة متبادلة في القطاعات التكنولوجية المتقدمة. ردًا على نموذج DeepSeek، سرّعت إدارة ترامب من إجراءاتها الرأسمالية الحكومية دفاعًا عن رأس المال الأمريكي. وأصدرت تهديدات مشفرة لأوكرانيا، مبادلة الدعم العسكري مقابل الوصول إلى المعادن الاستراتيجية، بما في ذلك التي تهيمن الصين على إنتاجها من المعادن الأرضية النادرة. هذه المعادن ضرورية لمجموعة واسعة من التقنيات الاستهلاكية، بما في ذلك الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والمركبات الكهربائية. كما أنها لا غنى عنها لأحدث التقنيات العسكرية، بما في ذلك أنظمة توجيه الصواريخ. تحتوي أوكرانيا على مخزون 22 من أصل 34 معدنًا استراتيجيًا تعرفها الاتحاد الأوروبي، بينما تمتلك غرينلاند مخزون 90٪ من المعادن الاستراتيجية في العالم. من السهل رؤية الاستراتيجية الجغرافية الأمريكية وراء اهتمام ترامب بهذه الدول.
صُممت السياسات الاقتصادية العدوانية لترامب للحفاظ على الموقع القيادي للولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة الصين (وكذلك المنافسين الغربيين مثل اليابان والاتحاد الأوروبي). في الثمانينيات، استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية مبادرة الدفاع الاستراتيجي (SDI، المعروفة أيضًا بـ«حرب النجوم») لتحديث القاعدة الصناعية حول المجمع الصناعي العسكري، بما في ذلك الطيران، والحوسبة، والهندسة، والإلكترونيات. وقد منحت برامج «حرب النجوم» الغالبية العظمى من عقود البحث وغيرها لشركات أمريكية، ومثّلت سياسة صناعية ضخمة مركزة على التسليح، صممت، وفقًا لجون بالمر، لاستعادة الولايات المتحدة الأمريكية إلى «موقع لا يمكن تحديه في قيادة التكنولوجيا العالمية مقارنة بالأوروبيين واليابانيين»، ومن إجمالي الإنفاق على SDI حتى نهاية 1986، لم يذهب سوى 0.7٪ إلى الشركات الأوروبية.
من خلال خطوات وسيطة متعددة، تظهر الشركات المستفيدة اليوم مثل مايكروسوفت وآبل وجوجل، والتي يعبّر حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية مثل الاتحاد الأوروبي عن قلقهم بشأن الدعم الهائل الذي تتلقاه هذه الشركات من خلال الإنفاق الدفاعي الأمريكي. وتظهر التوترات العابرة للأطلسي بانتظام حول بوينغ وإيرباص، وكذلك حول هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية في الاقتصاد الرقمي، أن الدعم الحكومي لـ«الأبطال الوطنيين» يظل مصدراً للنزاع حتى بين الحلفاء طويلين الأمد. من المرجح أن يزداد هذا التوتر في ظل خطط ترامب لتحديث برنامج «حرب النجوم» بنظام دفاع صاروخي فضائي يُعرف باسم «القبة الذهبية».
الخلاصة: لماذا يهم هذا اليسار
في ظل الرأسمالية، السياسة والاقتصاد منفصلان شكليًا ويشغلان مجالات مؤسسية مختلفة، لكنهما متشابكان ومرتبطان بعضهما ببعض ارتباطًا لا يمكن تجاهله. العلاقات التبادلية في السوق (وخاصة في سوق العمل) لن تستمر طويلًا دون دعم من علاقات قائمة على الإكراه لا على التبادل. بالنسبة للرأسمال، فإن النتيجة المترتبة هي أنه قائم في علاقة تبادل هيكلي ومتداخل مع الدولة. هذه علاقة تاريخية ليست ثابتة أو غير متغيرة، ولا تتسم بتغير خطي مستمر. توازن القوى بين الجانبين يمر بمراحل من المد والجزر، لكن الرأسمال لم يكن يومًا، ولا يمكن أن يكون، “مُحرَرًا” من ارتباطاته بالدول.
لقد تراجعت هيمنة رأسمالية الدولة خلال جزء كبير من القرن العشرين بفعل الثورة النيوليبرالية، التي انسحبت الدولة في ظلها من عدد من المجالات والميادين السياسية (ولا سيما من خلال تقليص الدعم للقطاعات الصناعية المتراجعة والصناعات المؤممة). ومع ذلك، حتى في هذا التراجع المفترض، لم تختفِ الدولة قط؛ بل أعادت تشكيل وظائفها وعادت لتبرز من جديد بعد أزمة عام 2008 بدور أكثر وضوحًا.
“يتغير التوازن بين الوطني والدولي تاريخيًا أيضًا، لكنه يظل مسألة دائمة الاهتمام لجميع الدول، التي تكون دائمًا ذات وجهين. فالقول إن الاقتصادات الوطنية يمكنها ببساطة أن تتكيف مع الضرورات العالمية هو طرح أحادي الجانب في أحسن الأحوال. وكما يكتب فيليب ماكمايكل عن أحد أبرز منظّري العابرية الوطنية ويليام آي. روبنسون، فإن مثل هذا النهج «يعلّق الجدل (الديالكتيك)”».
ليست الدول، ولا سيما الأقوى بينها، مجرد متلقٍ سلبي للضغوط الدولية، بل هي فاعلون نشطون يعملون على تعزيز مصالح رؤوس الأموال المحلية ويسعون إلى تقوية الاقتصاد الوطني الأوسع. ولم تُضعِف العولمة الدول على نحو جوهري أو لا رجعة فيه؛ فالرأسمالية العالمية لا تزال تتشكل بفعل أفعال كلٍّ من رؤوس الأموال الكبرى وأقوى دول العالم، التي تتمركز ضمن ولاياتها القضائية تلك الرؤوس المالية إلى حد كبير.
في بداية القرن العشرين، لعب صعود الحركات العمالية واليسار دورًا مهمًا في إجبار الدول على تبني إجراءات لكبح «الآلية التدميرية» للسوق. وهذا ما يمثّل الجزء الثاني من الحركة المزدوجة عند كارل بولاني، وهو أمر لا يشكل في الوقت الحاضر مصدر قلق مباشر للطبقات الحاكمة. كما كانت رأسمالية الدولة، كما شدّد نيكولاي بوخارين، استجابة لعملية التدويل. فمع تشابك الدول في منافسة إمبريالية متزايدة، سعت إلى تصدير الأزمات وحماية مواقعها داخل النظام العالمي. ويمكن ملاحظة أصداء لذلك في عودة رأسمالية الدولة اليوم، استجابةً للتدويل الذي عززته العولمة النيوليبرالية، ولا سيما مع صعود الصين وتصاعد المنافسة الإمبريالية بين الدول. وقد تضاعفت هذه الاستجابات بفعل الضغوط الناتجة عما يسميه مايكل روبرتس «الكساد الطويل» الذي يعاني منه النظام الرأسمالي العالمي.
إن عودة رأسمالية الدولة تفرض على اليسار العالمي قدرًا من الوضوح والحجج المبدئية. ففي وقت يقف فيه العالم على حافة كارثة مناخية وتصاعد العنف الشعبوي-القومي، يحتاج الاشتراكيون إلى أن يجادلوا بما يلي:
إن رأسمالية الدولة ليست بديلاً تقدميًا للنيوليبرالية، بل أداة لإدارة أزمات الرأسمالية والتنافس الدولي. فسواء كانت الدولة سلطوية أم ليبرالية ديمقراطية، فإن الدولة الرأسمالية تظل ملتزمة بتراكم رأس المال وبسلطة الطبقة الرأسمالية. قد تلعب الدولة دورًا أكثر نشاطًا في الاقتصاد في الصين تحت شي جينبينغ وروسيا تحت فلاديمير بوتين، على سبيل المثال، لكن هذه ليست نماذج يمكن للاشتراكيين دعمها. فكلا المجتمعين يتسمان بدرجة عالية من اللامساواة، كما أن الإنفاق الاجتماعي والاستهلاك الأسري كنسب من الدخل القومي أقل حتى مما هو عليه في الغرب.
قد تتضمن النزعة الدولتية عناصر تقدمية، كما في حالة النظام الصحي الوطني البريطاني (NHS)، لكن النشاط الاقتصادي للدولة ينطوي في الغالب على دعم لرأس المال.
إن عودة إجراءات رأسمالية الدولة تُبرز أن سلطة الدولة ليست منفصلة عن الرأسمالية وتراكم رأس المال، بل هي عنصرٌ مركزي في كليهما.
الدولة ليست حكمًا محايدًا، بل أداة طبقية. فهي تفرض حقوق الملكية، وتضبط العمل، وتسعى إلى الحفاظ على الربحية. وخلال العقود الأخيرة، جرى تشكيل إصلاحات الرعاية الاجتماعية بطريقة تمكّن رأس المال بدلاً من أن تقيده.
القومية، التي طالما سُطِّرت ضمنها الإجراءات الرأسمالية للدولة، تظل أداة استراتيجية للطبقات الحاكمة في سعيها لترسيخ سلطتها وشرعيتها وتفتيت التضامن الطبقي للعمال. ومع تصاعد المنافسة بين الإمبراطوريات، تتزايد أيضًا تأكيدات الدولة على القومية والتفوق.
حيث تفشل الحركات العمالية في مواجهة القومية والعنصرية المرتبطة بها، فإنها تفشل في تجاوز عقبة أمام النشاط المستقل للطبقة العاملة والتضامن الدولي الضروري للنضال من أجل الاشتراكية. يجب أن يتجاوز تضامن العمال الحدود.
يناضل الاشتراكيون على الأرض والقضايا التي يولّدها الرأسمال، بشكل رئيسي على المستوى الوطني. ومع ذلك، كما قال أنطونيو غرامشي، «نقطة الانطلاق وطنية – لكن المنظور يجب أن يكون دوليًا».
أدريان باد (Adrian Budd) يُدرّس العلاقات الدولية في جامعة هيرتفوردشاير وهو مؤلف كتاب «الصين: الصعود، القمع والمقاومة».
(International Socialism Journal) مقال مترجم عن






