
في منطقة البيال، أو ما يُعرف بـ«مركز بيروت للمعارض والترفيه»، ما تزال عشرات الخيم تؤوي نازحين من العدوان الإسرائيلي، بينهم لبنانيون وسوريون وفلسطينيون. لكن مع دخول فصل الصيف، بدأت محافظة بيروت حملة لإعادة تنظيم المنطقة، عنوانها الظاهر «إعادة التموضع»، بينما هدفها الفعلي يبدو مرتبطًا بإخلاء المساحات المحيطة بالمراقص وأماكن السهر وإعادتها إلى الاستخدام التجاري والترفيهي المعتاد.
وفق ما يجري على الأرض، تسعى المحافظة إلى ترحيل السوريين والفلسطينيين بشكل كامل من البيال، من دون تقديم أي بدائل حقيقية لهم، فيما يُطلب من النازحين اللبنانيين الانتقال إلى نحو أربعين خيمة فقط جرى تحديد موقعها على طرف المنطقة، بعيدًا عن المراقص والبارات. غير أن هذا العدد من الخيم لا يكفي أساسًا لاستيعاب عدد العائلات اللبنانية الموجودة حاليًا.
اللافت أن الخيم الموجودة اليوم تشغل مساحات تُستخدم عادة كمواقف سيارات لمرتادي البيال، وهو ما يفسّر جزئيًا الاستعجال الرسمي في إخلائها مع عودة الموسم الصيفي. فخلال الشتاء، حين كان النازحون يعيشون البرد والعواصف داخل خيمهم، لم تُظهر الجهات الرسمية أي اهتمام فعلي بأوضاعهم، ولم يحصل أي تواصل جدي معهم أو محاولة لتحسين ظروفهم. بل على العكس، كانت عناصر تابعة للدولة اللبنانية تصادر الخيم والشوادر التي يحاول ناشطون إيصالها للنازحين، وتقوم أحيانًا بتوقيف المتطوعين الذين ينقلون المساعدات.
أما اليوم، ومع عودة النشاط الليلي والسياحي إلى المنطقة، فقد تحوّل وجود هؤلاء النازحين إلى «مشكلة» ينبغي التخلص منها بسرعة.
بحسب شهادات عدد من الموجودين في المخيم، عُقد اجتماع في البيال ضم محافظ بيروت وعددًا من الأشخاص الذين جرى تكليفهم بإدارة شؤون المنطقة واتخاذ القرار حول من يبقى ومن يُجبر على المغادرة. المشكلة الأساسية أن هذه القرارات تُتخذ بلا أي معايير واضحة أو آليات شفافة، ما يعني عمليًا أن مصير العائلات بات مرتبطًا بعلاقات شخصية ومزاجية.

ويروي أحد اللاجئين السوريين تفاصيل ما جرى أثناء عملية إخلاء الخيم، قائلًا إن المسؤولين أبلغوهم عند الساعة الواحدة ظهرًا بأنهم سيتكفلون بنقلهم إلى المدينة الرياضية، وطلبوا منهم تفكيك خيمهم على هذا الأساس. لكن الساعات مرّت من دون أن يأتي أحد، وعند الثالثة بعد الظهر كانوا ما يزالون في المكان بلا أي وسيلة نقل أو بديل واضح، فيما كان المساء يقترب.
ويضيف أن التهديدات تصاعدت سريعًا: «قالولنا يا منشيل الخيم يا بتجي الجرافة وبتجرفها، ومنجيب عمّال البلدية يشيلوا الأغراض». ويؤكد أن العائلات اضطرت إلى إزالة خيمها تحت الضغط والخوف من تدميرها بالكامل، مضيفًا: «لو كنا نعرف إنها مجرد تهديدات، ما كنا فكّينا الخيم».
وبحسب الشهادة، فإن الأشخاص الذين أبلغوا السكان بقرار الإخلاء لم يكونوا من الجيش أو قوى الأمن، بل من “المسؤولين المدنيين” الذين جرى تكليفهم بإدارة المنطقة. في المقابل، كانت عناصر الدرك قد حضرت قبل يومين إلى المكان، وسجّلت أسماء المقيمين وسألت عمّن يحمل الجنسية السورية، كما طلبت إبلاغها في حال تعرّض أي لاجئ لمشكلة أو اعتداء.
ويشدد اللاجئون السوريون على أن ما يتعرضون له يحمل طابعًا عنصريًا، معتبرين أنهم تضرروا من الحرب مثلهم مثل اللبنانيين، خصوصًا أولئك الذين كانوا يقيمون ويعملون في الضاحية الجنوبية وخسروا منازلهم وأعمالهم ومصادر رزقهم. ويقول أحدهم: «لو فينا نرجع عالضاحية كنا رجعنا، لكن إسرائيل ما إلها أمان، والكل خايف من العودة».
كما تؤكد الشهادات أن اللاجئين السوريين مُنعوا سابقًا من دخول المدينة الرياضية بحجة أنها مخصصة للبنانيين فقط، وأنه لا يُسمح لهم أيضًا بالإقامة في المدارس المخصصة للنازحين، ما يعني أنهم اليوم عالقون بلا أي بديل حقيقي للسكن أو الحماية، بعد أن فُرض عليهم مغادرة خيمهم في البيال.
ويروي بعض السكان أن أي خلاف شخصي مع أحد “المسؤولين” المكلّفين بإدارة المنطقة قد يكون كافيًا لدفع عائلة كاملة إلى الطرد، حتى لو لم يكن لديها مكان آخر تذهب إليه. ويؤكد النازحون أن اللبنانيين، رغم سوء الظروف، ما زال لديهم خيار العودة إلى الضاحية أو الجنوب أو مناطق أخرى، بينما لا يملك السوريون والفلسطينيون أي بديل فعلي، ويُطلب منهم ببساطة أن «يدبّروا حالهم».
وتكشف شهادات أخرى حجم القسوة التي تُدار بها العملية. تقول إحدى النساء إنها سألت المسؤولين: «وين بروح؟ شو بعمل بحالي؟ بكب حالي بالبحر؟»، فكان الرد: «إنتِ حرّة». بينما تروي امرأة أخرى أنها قالت لهم: «بحرق حالي أنا وولادي وخيمتي»، فجاءها الجواب: «استرجّي وشوفي شو بصير».
الأخطر أن الأشخاص الذين مُنحوا سلطة إدارة المنطقة، وفق شهادات متقاطعة من النازحين، ينتمون إلى مجموعات محلية باتت تمتلك سلطة فعلية على حياة الناس اليومية، فتقرر من يبقى ومن يُرحّل، وتتحكم بالدخول والخروج، وحتى بمن يمكن استثناؤه من قرارات الإخلاء. وبذلك تحوّلت عملية “إدارة” المخيم إلى شكل من أشكال السيطرة غير الرسمية على النازحين، بعيدًا عن أي رقابة قانونية أو معايير إنسانية واضحة.
وفي النهاية، يبدو أن الدولة التي غابت عن النازحين طوال الشتاء، ولم تحضر إلا بالمصادرات والتوقيفات، تعود اليوم فقط عندما تعارض وجود الخيم مصالح رأس المال والترفيه الليلي في وسط بيروت.
إعداد هيئة تحرير الخط الأمامي






