
حلب | الخط الأمامي | شهادات من الأشرفية والشيخ مقصود
كشف أحد سكان حيي حلب المحاصرين، الأشرفية والشيخ مقصود، ممن عاشوا الحصار بشكل مباشر، عن معطيات خطيرة تتعلق بما جرى خلال عمليات التمشيط التي نفذتها قوات السلطة الترميدورية بعد المعارك التي انتهت بتاريخ 10 كانون ثاني/يناير، مؤكداً أن الاعتقالات كانت العنوان الأبرز لما رافق دخول القوات إلى الحيين.
وبحسب الشهادة، جرى اعتقال أعداد كبيرة من شبّان الحي واقتيادهم إلى جهات مجهولة خلال عمليات التمشيط وتفتيش البيوت، دون الإعلان عن أماكن احتجازهم أو توجيه أي اتهامات واضحة. كما خضع الشبان لتفتيش دقيق للهواتف المحمولة من قبل عناصر مختصة، في إجراء بدا منظماً وممنهجاً.
وأكد المصدر أن أعداد المعتقلين كبيرة جداً، في وقت تعاني فيه سجون حلب أصلاً من الاكتظاظ الشديد، ما يثير مخاوف حقيقية حول مصيرهم، وسط صعوبات كبيرة في تتبع أماكن احتجازهم أو معرفة ما إذا كان قد جرى نقل بعضهم إلى إدلب أو مناطق أخرى.
وأشارت الشهادة إلى وجود تمييز واضح في التعامل خلال عمليات التفتيش والاعتقال، حيث تركزت الاعتقالات بشكل أساسي على الشبان الكُرد، في حين جرى الإفراج عن شبان عرب بعد التحقق من هوياتهم. ووفق ما نُقل، فإن الشخص الذي أدلى بهذه الإفادة تم إنزاله من منزله بعد التفتيش، وعندما تبيّن للعناصر أنه عربي، قيل له: «أنت منا وفينا، ارجع إلى بيتك»، في حين استمر اعتقال وإهانة الشبان الكرد.
في موازاة ذلك، عملت السلطة على استمالة المجتمع الحلبي المحيط عبر توزيع مساعدات غذائية ومواد أساسية، في خطاب يعتمد على تقديم نفسها كقوة «تحمي وتؤمّن الخبز»، وهي سياسة وصفها المصدر بأنها ليست جديدة، وتعيد إلى الأذهان أساليب سابقة جرى اعتمادها في حلب من قبل النظام البائد، حيث استُخدمت المساعدات والمواد الغذائية لكسب التأييد الشعبي.
وبحسب الشهادة، جرى الترويج داخل المدينة لرواية رسمية مفادها أن سبب تعطيل الأعمال وقطع الطرق والحواجز هو «مجموعة مسلحة خارجة عن القانون» داخل الأحياء المحاصَرة، وهي رواية لاقت صدى لدى جزء من المجتمع الحلبي، نظراً لحساسية مسألة تعطيل العمل والمعيشة اليومية، التي تُعد خطاً أحمر بالنسبة لكثير من السكان.
وأكد المصدر أن هذا الخطاب أسهم في تعميق الانقسام المجتمعي، حيث بات يُنظر إلى العرب الموجودين في الأحياء على أنهم «منا وفينا»، فيما جرى تصوير الكُرد كعنصر خطر ومصدر تهديد، ما انعكس تمييزاً في المعاملة بين الطرفين، سواء من حيث الاعتقالات أو توزيع المساعدات.
وخلصت الشهادة إلى أن ما جرى لم يكن مجرد عملية أمنية، بل حمل طابعاً عقابياً واسعاً، مشيراً إلى أن الهدف الفعلي لدخول القوات كان أقرب إلى الإبادة والترهيب، وفق ما شاهده بنفسه، رغم أنه لا يُعد من المعارضين للسلطة. كما حذّر من أن حلب تشهد اليوم شرخاً اجتماعياً متزايداً، وسط حديث متصاعد عن توجه نحو «تهجير ناعم» تدريجي، مشابه لما يجري في مناطق أخرى، عبر فرض معادلة قاسية: إما القبول بالأمر الواقع مقابل المساعدات، أو المواجهة مع آلة عسكرية مدمّرة.
إن الخط الأمامي إذ تضع هذه الوقائع أمام الرأي العام، تحمّل سلطة فلول القاعدة وداعش الحاكمة في دمشق المسؤولية الكاملة عن الجرائم المرتكبة من قصف واعتقالات وتمييز قومي وسياسات تجويع وترهيب. وتوجّه تحية نضالية للمقاومة البطولية لجماهير الشيخ مقصود والأشرفية، التي واجهت آلة القتل والإرهاب والمجازر بالصمود والتنظيم والدفاع المشروع عن الوجود والكرامة. كما يؤكد حزب اليسار الثوري في سوريا أن لا مخرج من هذا الجحيم إلا بتوحيد كفاح جميع المضطهدين، عرباً وكرداً وسائر أطياف الشعب السوري، في معركة واحدة ضد سلطة الميليشيات الترميدورية الطائفية والإرهابية، ومن أجل إسقاط منطق العصا والجزرة وبناء بديل لامركزي تحرري ديمقراطي قائم على العدالة والمساواة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
