
استمرار الحراك الشعبي في سياق الأزمة المتعددة الأبعاد
تشهد سوريا منذ أشهر موجة احتجاجات شعبية متصاعدة في عدة محافظات ومناطق، تعبر عن استمرار الأزمة الهيكلية العامة التي يعاني منها الشعب السوري، رغم الادعاءات الرسمية بتحسن الأوضاع. تأتي هذه الاحتجاجات في سياق أزمة اقتصادية طاحنة، وانهيار لسعر الليرة السورية، وارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية، فضلاً عن استمرار سياسات الإقصاء والتسريح من العمل والتهميش التي تمارسها السلطات وبالأخص ضد مناطق ومعارضين محددين.
فبعد ما يقارب عام على “سقوط النظام”، لم تشهد سوريا أي تحول في العلاقات الاقتصادية-الاجتماعية والسياسية التي كانت قائمة، بل يجري إعادة إنتاج نظام الاستبداد القديم بوجوه جديدة في بعض جوانبه، وتدوير شخصيات قديمة في جوانب أخرى، وتسارع سياسات نيوليبرالية.
تأتي هذه الاحتجاجات تعبيراً عن استمرارية التناقض الأساسي بين الطبقات الكادحة وبين النخب البرجوازية المسيطرة، والتي أعادت إنتاج نفسها تحت مسميات جديدة. فـ”انتصار الثورة المضادة” الذي تحقق بسقوط نظام الأسد لم يؤدِ إلى أدنى تغيير في علاقات الإنتاج وتوزيع الثروة، التي تضع يدها عليها نخبة برجوازية لا سيما النرتبطة بالسلطة الجديدة، بل أعاد إنتاج نفس دورة الاستغلال الطبقي الفظ.
1 السياق التاريخي: من ثورة 2011 إلى “انتصار الثورة المضادة”
شهدت سوريا تحولات كبيرة منذ بداية الثورة السورية في عام 2011. وبينما تركزت الاحتجاجات المبكرة على المطالب الاقتصادية والمعيشية انتقلت سريعا إلى مطالب سياسية وإطاحة بالنظام، ثم انتقلت في الموجات اللاحقة إلى اعادة التركيز على المطالب الاقتصادية والمعيشية، خاصة مع تدهور الوضع المعيشي وانهيار قيمة الليرة السورية.
في ديسمبر 2024، سقط نظام الأسد بعد عملية عسكرية قادتها هيئة تحرير الشام (HTS) بدعم تركي. لكن هذا “الانتصار” لم يحل التناقضات البنيوية والدوافع التي أدت إلى الثورة، بل أعاد إنتاجها بشكل جديد. فبحلول منتصف 2023، كان أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، واستمر هذا الوضع بعد سقوط النظام.
2 الحراك الاحتجاجي خلال شهري آب وأيلول 2025:
جدول يوضح تطور الموجات الاحتجاجية في سوريا منذ 2023:
| الفترة | أبرز المناطق | المطالب الأساسية | الاستجابة الرسمية |
| آب 2023 | السويداء، درعا ، الساحل | إسقاط النظام، تحسين الأوضاع المعيشية | قمع محدود في السويداء، واعتقالات انتقائية في الساحل |
| 2024 | متفرقة | اقتصادية في الغالب | ترهيب واعتقالات انتقائية |
| آب/أيلول 2025 | حلب، دير الزور،درعا،طرطوس، دمشق، السويداء | رواتب المعلمين، حماية الإنتاج المحلي، عودة العمال | تجاهل ومماطلة وقمع |
احتجاجات ضد مشروع “بوليفارد النصر” في حمص (16 آب 2025)
خرج العشرات من سكان حي القرابيص في حمص في احتجاج رافض لمشروع “بوليفارد النصر”، وطالبوا بإلغاء قرار تجميد المعاملات العقارية المتعلقة بالحي. أشار المحتجون إلى أن المشروع قد يترتب عليه إزالة منازل ومحال تجارية، ما يهدد بإحداث ضرر مباشر بسكان المنطقة وأصحاب الأملاك.
احتجاجات أهالي حي السومرية في دمشق (28 آب 2025)
هدد أهالي حي السومرية من أبناء الطائفة العلوية بقطع أوتستراد المزة، احتجاجاً على استمرار عمليات الترحيل القسري من الحي التي رافقتها ممارسات مجحفة شملت:
التنكيل والاعتقالات التعسفية
الاعتداءات الجسدية وضرب النساء
استخدام العصي الكهربائية لإجبار السكان على الخروج
اقتحام المنازل باستخدام السيوف وتمزيق أوراق الملكية
قام فصيل مسلح قادم من منطقة المعضمية بتهجير عائلات من الحي بعد منح مهلة لا تتجاوز 48 ساعة للمغادرة، دون السماح لهم بأخذ أغراضهم الشخصية. طُلب من المدنيين إبراز وثائق ملكية ممهورة بالختم الجديد حصراً كشرط للبقاء في منازلهم.
احتجاجات أهالي زاكية بريف دمشق (29 آب 2025)
تجمّع عدد من المواطنين في بلدة زاكية بريف دمشق، في وقفة احتجاجية، بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على توقيف أبنائهم في سجون الحكومة السورية دون أي محاكمة أو صدور أحكام قضائية. رفع المحتجون أصواتهم رفضاً لهذه التوقيفات، مطالبين الكشف عن مصير أبنائهم والإفراج الفوري عنهم، مؤكدين أن الصمت لم يعد مقبولا تجاه استمرار حالات الاعتقال التعسفي.
وأكد الأهالي أن الاحتجاجات السلمية ستستمر حتى تحقيق مطالبهم، مشددين على ضرورة احترام القانون وحقوق المدنيين في ريف دمشق. هذه الاحتجاجات تأتي في سياق التوترات الأمنية المستمرة في منطقة زاكية التي شهدت تعزيزات عسكرية لقوات النظام السوري تضم عناصر ودبابات ورشاشات ثقيلة تتبع للفرقة الرابعة لأطراف البلدة.
إضراب عمال مرفأ طرطوس (1 أيلول 2025)
تجمّع عشرات العمال صباح اليوم أمام بوابة مرفأ طرطوس، في وقفة احتجاجية على استمرار منعهم من العودة إلى أعمالهم، رغم صدور قرار رسمي يسمح بعودة الموظفين الحاصلين على إجازات مأجورة. أكد المحتجون أنهم يواجهون إيقافاً تعسفياً ممنهجاً، من قبل إدارة المرفأ وبعض الجهات الأمنية.
بحسب مصادر ميدانية، فإن العودة للعمل تتم من خلال عملية انتقاء بناء على الولاء والمحسوبيات، فيما يُمنع العشرات من العمال من ممارسة عملهم. وقد مُنح أكثر من 1500 عامل في المرفأ إجازات مأجورة “شفهية” خلال الأشهر الماضية، ليتم استبدالهم بموظفين جدد.
احتجاجات طلاب السويداء (7 أيلول 2025)
نظم العشرات من طلاب الشهادة الثانوية في محافظة السويداء وقفة احتجاجية أمام مبنى مديرية التربية في المدينة، مطالبين وزارة التربية بـ “حل عاجل” يتيح لهم تقديم امتحاناتهم المؤجلة، بعد أن حُرموا من التقدم لها خلال الدورة الماضية بسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة.
احتجاجات المعلمين في حلب ودير الزور (8 أيلول 2025)
نظم المعلمون والمعلمات في مدينتي حلب ودير الزور وقفات احتجاجية أمام مديريات التربية، احتجاجاً على قطع رواتبهم منذ ثلاثة أشهر. في دير الزور، رددت المعلمات شعارات مثل “مذلة عيشتنا” و “الموت ولا المذلة”، مما يعكس عمق البؤس المعيشي الذي يواجهنه.
وفقاً للمعلومات، فإن نحو 18 ألف معلم في ريف حلب كانوا يتقاضون رواتبهم من المجالس المحلية، قبل أن تقطع عنهم مع سقوط نظام بشار الأسد. بعد سقوط النظام، بدأت الحكومة السورية الجديدة بإجراءات فصل تعسفية للموظفين، مما يعكس استمرار السياسات النيوليبرالية في إدارة القطاع العام.
احتجاجات مزارعي درعا (8 أيلول 2025)
نفذ العشرات من مزارعي محافظة درعا وقفة احتجاجية أمام مبنى المحافظة، تنديداً بسماح السلطات بدخول كميات من الخضروات التركية، على الرغم من صدور قرار رسمي يقضي بوقف استيراد الخضار والفواكه. أكد المزارعون أن هذه الشحنات المستوردة ألحقت أضراراً مباشرة بمواسمهم، وهددت بتكبيدهم خسائر فادحة.
أشار المزارعون إلى أنهم زاروا مراراً مسؤولين في اتحاد الفلاحين بدمشق ووزير الزراعة، وتلقوا وعوداً، إلا أن شيئاً لم يتغير. هذا يعكس استمرار هيمنة البرجوازية المرتبطة بالسلطة الحاكمة على الاقتصاد، حيث يهيمن “أربعة أو خمسة تجار من الشمال” على الاقتصاد، كما ذكر مزارعو درعا.
الوقفات النسائية في شهبا ( 9 أيلول 2025)
تجددت في مدينة شهبا بمحافظة السويداء وقفات احتجاجية نسائية تطالب بالإفراج عن المخطوفين والمختطفات من أبناء المحافظة. هذه الوقفات تأتي في ظل استمرار حوادث الخطف التي شهدتها المنطقة في تموز/يوليو الماضي، وسط دعوات لتكثيف الضغط المجتمعي والرسمي لإنهاء هذه الظاهرة وإنقاذ الضحايا
إذ شهدت محافظة السويداء مؤخراً أحداث عنف طائفي وحملة همجية بقيادة سلطة الجولاني التيرميدورية وأهالي السويداء، أسفرت عن مقتل أكثر من 600 شخص ونزوح نحو 2000 عائلة وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية .
حيث تم توثيق انتهاكات خطيرة خلال هذه الأحداث، تضمنت:
عمليات إعدام ميدانية لمدنيين
سلب ونهب للممتلكات
اعتداءات على الرموز الدينية الدرزية والمسيحية
أعمال إذلال وإهانة للمدنيين
لاحقا خرجت عدة احتجاجات أهمها:
وقفة نسائية في الملعب الروماني بمدينة شهبا نظمتها “صبايا سند” تضامناً مع المختطفات
مظاهرة حاشدة في مدينة شهبا تزامناً مع مظاهرة ساحة الكرامة في مدينة السويداء
مظاهرة رافضة للجنة التحقيق المشكلة من قبل الحكومة الانتقالية
3 الأبعاد الطبقية والاقتصادية:
إن هذه الاحتجاجات ليست مجرد رد فعل على أزمة اقتصادية عابرة، بل هي تعبير عن أزمة هيكلية مزمنة في النموذج الاقتصادي-الاجتماعي السائد في سوريا. فبعد أكثر من عقد ونصف على بداية الثورة، لا يزال 90% من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، فيما تتركز الثروة في يد أقلية برجوازية مرتبطة بالسلطة القديمة سابقا واليوم هي مرتبطة بالسلطة الجديدة.
استمرار النيوليبرالية: تعكس الأزمة الاقتصادية في سوريا نتائج السياسات النيوليبرالية المتوحشة التي تطبقها السلطة الجديدة بنفس حماس النظام السابق. فبدلاً من تلبية احتياجات الشعب، تعمل هذه السياسات على تحميل الأزمة للفقراء وإغناء الأقلية المترفة.
الفساد الهيكلي: تستمر شبكات المحسوبية والفساد في التحكم بالاقتصاد السوري، حيث تهيمن أقلية من الرأسماليين على الاقتصاد. هذا الفساد ليس ظاهرة عابرة بل هو أداة أساسية للحكم، تُستخدم لإبقاء المجتمع تحت السيطرة وإثراء النخبة الحاكمة.
التبعية للخارج: تعمق التبعية للاقتصاد التركي من أزمة الاقتصاد السوري، حيث تستورد السلطات منتجات زراعية تركية رغم وجود منتجات محلية مماثلة، مما يدمر القاعدة الإنتاجية المحلية ويزيد من البطالة والفقر.
جدول يوضح استمرارية التناقضات الطبقية في سوريا بعد سقوط النظام:
| الفئة الاجتماعية | وضعها قبل سقوط النظام | وضعها بعد سقوط النظام | الدور في الاحتجاجات |
| النخبة الطفيلية | مسيطرة على الاقتصاد | أعادت إنتاج هيمنتها تحت مسميات جديدة | معارضة للاحتجاجات |
| الطبقة الوسطى | تآكلت مدخراتها | استمرار التآكل | مشاركة محدودة |
| الطبقة العاملة والكادحون | تحت خط الفقر | استمرار الفقر، ومضاعفته | العمود الفقري للاحتجاجات |
| الفلاحون وصغار المنتجون | يعانون من انهيار القطاع الزراعي | استمرار الأزمة | مشاركون نشطون |
4 تحليل الخلفية البنيوية
من المؤكد إن هذه الاحتجاجات هي تعبير عن استمرارية التناقض البنيوي الذي أدى إلى ثورة 2011، وأن انهيار نظام الأسد اقتصر الى احلال نخبة برجوازية محل نخبة برجوازية أخرى. لذا فإن انتصار “الثورة المضادة” الذي تحقق بسقوط نظام الأسد أعاد إنتاج نفس العلاقات الطبقية الاستغلالية.
4.1 طبيعة الاحتجاجات الحالية
تؤكد هذه الاحتجاجات أن التناقض الأساسي بين الطبقات الكادحة والنخب البرجوازية لم يحل بعد سقوط النظام، بل أعيد إنتاجه كل يوم.
والحال، فإن السلطة الجديدة تعيد إنتاج نموذج الاستبداد القديم بوجوه جديدة، حيث تحولت “هيئة تحرير الشام” من قوة معارضة إلى قوة حاكمة تتبنى نفس السياسات النيوليبرالية و تقمع الاحتجاجات الشعبية.
تبرز هذه الاحتجاجات الطابع الطبقي للأزمة السورية، حيث تتركز الثروة في أيدي قلة بينما تعاني الأغلبية الكادحة من الفقر والبطالة وانعدام الخدمات الأساسية.
4.2 حلول مقترحة
البداية تكون بتنظيم جميع المتضررين من النظام التيرميدوري أنفسهم في نقابات وتنظيمات سياسية، فلا بد أن تكون الحلول جذرية للأزمة السورية، و التي يجب أن تكون جزءاً من برنامج انتقالي يلبي حاجات الطبقات العاملة والشعبية وعموم الكادحين.
تفكيك البنية الاقتصادية-الاجتماعية القديمة وبناء اقتصاد بديل يخدم مصالح الكادحين.
تأميم القطاعات الاستراتيجية وإعادة توزيع الثروة بشكل عادل.
بناء ديمقراطية من الأسفل قائمة على الديمقراطية الديمقراطية المباشرة واللامركزية .
ضمان الحقوق الاجتماعية للعمال والفلاحين والطبقات العاملة والشعبية، بما في ذلك الحق في العمل والتعليم والصحة والسكن اللائق.
5 التحديات والآفاق المستقبلية
تواجه الحركة الاحتجاجية في سوريا عدة تحديات كبيرة، أبرزها:
القمع الأمني: لا تتردد السلطات الجديدة في استخدام القوة المفرطة لقمع الاحتجاجات، كما حدث في محافظتي ريف دمشق وحلب.
استمرار الهيمنة الطبقية: أعادت النخب الطفيلية إنتاج هيمنتها تحت مسميات جديدة، طائفية وعشائرية وشوفينية، وتسود أوهام على دول اقليمية او دولية لتحرر السوريين ما يعيق أي تحول جذري.
الاحتلالات الأجنبية: لا تزال سوريا تحت احتلالات متعددة (أمريكي، تركي، إسرائيلي) تستغل الأزمة السورية لمصالحها الخاصة.
رغم هذه التحديات، لازال هناك أفاقاً للأمل تتجلى في:
استمرار الحراك الشعبي رغم كل الصعوبات، مما يؤكد إصرار الشعب السوري على النضال من أجل حقه في العيش الكريم.
تنامي الوعي الطبقي بين الجماهير، التي أدركت أن مصالحها الحقيقية لا يمكن أن تتحقق تحت النظام الجديد الذي أعاد إنتاج الاستبداد القديم.
خاتمة: نحو تغيير جذري للبنى الاقتصادية-الاجتماعية
إن الموجة الاحتجاجية الحالية في سوريا تؤكد أن التناقضات البنيوية التي أدت إلى ثورة 2011 ما زالت قائمة، بل أعيد إنتاجها، بل ومفاقمتها، تحت سلطة “سوريا الجديدة”.
لذا فإن التحرر الحقيقي للمجتمع السوري لن يتحقق إلا من خلال ثورة جماهيرية من الأسفل، تقودها الطبقة العاملة وحلفائها من الفلاحين والفقراء، لبناء دولة العمال والكادحين التي تكون فيها الديمقراطية المباشرة هي الأساس، ويشارك فيها الكادحون، من خلال مجالسهم العمالية المنتخبة، ولجان الأحياء في أماكن سكنهم في تقرير مصيرهم وإدارة المجتمع بموارده وثرواته.
الخط الأمامي
