
شهدت الساحة السورية في دمشق، بتاريخ 17 نيسان/أبريل -في ذكرى جلاء الاستعمار الفرنسي قبل ثمانين عاماً- تحركاً احتجاجياً تحت شعار “قانون وكرامة”. لم يكن اختيار التاريخ تفصيلاً، بل تذكيراً بأن معركة التحرر لم تُحسم، وأن الاستقلال الذي انتُزع يوماً لا يكتمل دون عدالة وكرامة في حياة الناس. وقد عبّر المشاركون عن مطالب تمسّ جوهر الأزمة: رفض الاعتقال التعسفي، مواجهة الفساد، المطالبة باستقلال القضاء، وتحسين ظروف المعيشة التي تزداد قسوة يوماً بعد يوم.
ورغم أن الأعداد لم تكن كبيرة، إلا أن الدلالة السياسية للاعتصام تجاوزت حجمه بكثير. ما تجلّى بوضوح هو أن قدرة الناس على التجمع والتعبير الجماعي لم تُكسر، وأن الشارع -رغم كل محاولات ضبطه- لا يزال قابلاً للاستعادة. على المستوى الفردي، بدت المشاركة بحد ذاتها فعلاً تحررياً: استعادة للصوت، وللثقة، ولإحساس طال قمعه بأن الجماعة قادرة على أن تقول “نحن هنا”.
في هذا السياق، كان حزب اليسار الثوري في سوريا حاضراً حيث يجب أن يكون: في الشارع، بين الناس. لم يكتفِ بالدعوة، بل ترجم موقفه حضوراً وتنظيماً وانخراطاً مباشراً. تواجد الرفيقات والرفاق في قلب الاعتصام لم يكن تفصيلاً، بل تأكيداً أن السياسة تُقاس بالفعل لا بالبيان، وأن الموقع الطبيعي لليسار هو في طليعة النضال اليومي دفاعاً عن حقوق الناس وكرامتهم. ولهذا، تكتسب تجربة الرفاق في هذا الاعتصام أهميتها بوصفها جزءاً من ممارسة حيّة، لا مجرد موقف معلن.
الشعارات التي رُفعت جاءت على مستوى اللحظة: مطالب حقوقية واضحة تتقاطع مع أفق سياسي أوسع، يعيد ربط مسألة العدالة الاجتماعية بالحرية السياسية. كما حملت “العراضة الشامية” التي أطلقها المشاركون دلالة عميقة، إذ أعادت وصل النضال بالذاكرة الشعبية، مؤكدة أن الاحتجاج ليس جسماً غريباً عن المجتمع، بل امتداد حيّ لتاريخه وثقافته. وفي الوقت نفسه، برزت مواقف واضحة ضد العدو الصهيوني ورافضة لأي محاولات تطبيع، في تأكيد أن القضية لم تغب عن وعي الناس رغم كل الضغوط.
لكن هذا الفعل لم يمر دون محاولة قمعه. فقد بادر شبيحة السلطة إلى الاعتداء على الاعتصام السلمي قبل وصول قوات الأمن، في محاولة لكسر التجمع وترهيب المشاركين. في تلك اللحظة، كان اليساريون في طليعة المواجهة، يدافعون عن حق الناس في البقاء والتعبير، ويؤكدون عملياً أن الدفاع عن الحريات ليس شعاراً، بل ممارسة ميدانية.
لاحقاً، تدخلت قوات الأمن لحماية الاعتصام، في مشهد قد يبدو إيجابياً في ظاهره. لكن هنا تحديداً تتكثف المفارقة: السلطة التي ظهرت بمظهر الحامي هي نفسها التي راكمت شروط الانفجار وأوصلت الشارع إلى هذه المرحلة. لذلك، لا يمكن قراءة هذه اللحظة بمعزل عن سياقها، ولا تحويلها إلى شهادة براءة. فحماية اعتصام في لحظة معينة لا تمحو سجلاً مثقلاً بالانتهاكات، من الساحل إلى السويداء إلى الشيخ مقصود، ولا تعالج جذور الأزمة التي دفعت الناس إلى النزول.
ومن هنا، لا يجب السماح للسلطة باستثمار هذه الصورة إعلامياً لتلميع واقع مأزوم، أو تقديمها كدليل على “تحول” غير موجود. ما جرى ليس منّة، بل استجابة محدودة لضغط متراكم، وأي محاولة لتضخيمه كإنجاز مكتمل ليست سوى التفاف على المطالب الأساسية بدل الاستجابة لها.
في المقابل، لم تتأخر ماكينة التشويه. إذ سارع إعلام السلطة ومروّجوه إلى اتهام الاعتصام بأنه من تنظيم “الفلول”، في استخدام مكرر لتهمة فضفاضة تُفرغ النقاش من مضمونه وتحوله إلى صراع على الهوية بدل الحقوق. هذه الأداة لا تهدف فقط إلى تشويه المشاركين، بل إلى ردع أي محاولة لاحقة عبر رفع كلفة المشاركة سياسياً ومعنوياً. ومع تكرارها، تتحول إلى آلية لإغلاق المجال العام، لا مجرد خطاب دعائي. لكن الرد على ذلك لا يكون بالدفاع الدائم أو الانجرار إلى نفي الاتهامات، بل بتثبيت الفعل نفسه وتوسيعه. الشرعية لا تُستمد من اعتراف السلطة ومطبليها، بل من الاستمرارية والتراكم، من قدرة الناس على فرض حضورهم في الفضاء العام، حتى تفقد هذه الاتهامات معناها أمام واقع لا يمكن إنكاره.
في جوهره، كان هذا الاعتصام محاولة لاسترداد كرامة الشعب السوري. وبين القمع والاحتواء والتشويه، يبرز الدرس الأوضح: أن الشارع، مهما ضاق، لا يزال قادراً على إنتاج لحظات حقيقية من الفعل الجماعي، وأن هذه اللحظات، إذا تراكمت، يمكن أن تتحول إلى مسار. اعتصام “قانون وكرامة” لم يكن حدثاً عابراً، بل إشارة واضحة إلى أن الفعل الجماعي ممكن، وأن معركة الكرامة والحقوق لم تُحسم بعد. وبين من يسعى لقمع هذه اللحظات أو احتوائها، يبقى الرهان الحقيقي على الاستمرار.
إعداد هيئة تحرير الخط الأمامي
