
كيف يمكننا تصوّر العلاقة بين الماركسية وتاريخ الفلسفة؟ ولماذا أولى الماركسيون، المنخرطون عادةً في صراعات سياسية ملموسة، كل هذا الاهتمام بتاريخ الفلسفة؟ وهل تشكّل العودة الراهنة إلى هيغل مدخلًا مُجديًا لفهم الظرف التاريخي-السياسي الراهن والتعامل معه؟
عندما طُلب مني إلقاء كلمة في مؤتمر عُقد في بلباو عام 2024، ضمن جلسة خُصصت لـ “الدفاتر الفلسفية” لفلاديمير إيليتش لينين وكتاب هيغل “علم المنطق”، قررت ألّا أنخرط في شرحٍ نصّيٍّ دقيق، بل أن أوسّع زاوية النظر، فأتناول قراءة لينين لهيغل في سياق أرحب بكثير، وأن أتطرق كذلك إلى العودة الراهنة إلى هيغل لدى بعض الماركسيين المعاصرين. وكان موقفي ليأتي على النقيض من موقف كيفن أندرسون، المتحدث الآخر في هذه الجلسة. غير أنّ شريكي لسنوات طويلة، سام نولان، توفي على نحو مفاجئ، فوجدت نفسي ألقي كلمة في جنازته بدلًا من المشاركة في ذلك المؤتمر. ومع ذلك، ظلّ شعوري قائمًا بوجود حُجّة أودّ طرحها، ولا سيما بعد مشاركتي في مؤتمرات لاحقة واستماعي إلى متحدثين يركّزون على علم المنطق بطريقة أراها إشكالية.
للحصول على منظورٍ أوضح، أرى أن من الأفضل التركيز على علاقة الماركسية بالهيغلية ضمن التاريخ الشامل للفلسفة، ثم الانطلاق من هناك للتفكير في مهام وأولويات الفلسفة الماركسية في الوضع الراهن. ومن هذا المنظور، تبرز أسئلة تتعلق بالتناسب وكذلك بالارتداد (أو الرجوع) فيما يخصّ الهيغلية.
لا يحظى تاريخ الفلسفة اليوم باهتمامٍ كبير. فقد أُغلِقت أقسام الفلسفة في العقود الأخيرة في عدد من الجامعات، بل إن بعض مكتبات الجامعات أقدمت حتى على بيع مجموعاتها الفلسفية. وحيثما ما تزال أقسام الفلسفة قائمة، غالبًا ما تُقدَّم الفلسفة بوصفها مجالًا “لا تاريخيًّا”. فيُعرَض الفلاسفة المختلفون _أفلاطون، وأرسطو، ورينيه ديكارت، وإيمانويل كانط، وهيغل_ منفصلين عن زمانهم وسياقهم. وتُعامَل أفكارهم كوحدات مستقلة، وكأنها شبه منفصلة عن الزمان والمكان، وكأنها نتاج نشاطٍ ذاتيٍّ معزول لا صلة ضرورية له بالتطورات الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية أو العلمية. ويكاد يغيب الإحساس بالجريان والسيرورة والسردية التي تشكّل تاريخ الفلسفة، فضلًا عن غياب إدراك سياقه الاجتماعي-التاريخي العميق.
إنّ المفكّرين التأسيسيين في تاريخ الماركسية -كارل ماركس، وفريدريك إنجلز، ولينين، ونيكولاي بوخارين، وأنطونيو غرامشي، وجورج لوكاش، فضلًا عن كثير من الماركسيين اللاحقين- امتلكوا معرفةً موسوعية بتاريخ الفلسفة، لا بوصفه مجرد مجموعة من المفكّرين والنصوص، بل بوصفه سيرورة: سيرورة معقّدة، ولكنها متماسكة؛ سيرورة متجذّرة في سيرورات أخرى؛ وسيرورة تتطلّب الانخراط فيها والحركة إلى الأمام. لقد أدركوا أن الفلسفة هي قصة كفاح نوعنا البشري لفهم الكون، وأن هذا الفهم يتشكّل داخل شروط اجتماعية-تاريخية متحوّلة. ورأوا في الفلسفة تمثيلًا للوعي الحقبي للعصر، حتى وإن لم يكن ذلك يبدو جليًا دائمًا وسط تجريداتها الأثيرية وحججها المتشابكة. كانوا يشعرون في أعماقهم بمسؤولية التقاط إيقاعات اللحظة التاريخية بكل تعقيدها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والفلسفي، والتعبير عن أرقى أشكال الوعي الحقبي لعصرهم. وحتى عندما كانوا ينخرطون أحيانًا فيما قد يبدو نقاشًا تفصيليًا أو شرحًا نصّيًا دقيقًا، لم يفقدوا قطّ بوصلتهم تجاه الأسئلة الكبرى، ولا تجاه تدفّق التاريخ الذي أنشأها، ولا تجاه دلالاتها بالنسبة إلى زمنهم الخاص.
بوصفـي شخصًا شقّت طريقها عبر تاريخ الفلسفة، ثم انتقلت لاحقًا إلى تدريس تاريخ الفلسفة، كان من المهم بالنسبة إليّ أن أميّز القضايا الأكثر أساسية، وأن أتتبّع الأنماط المتكرّرة والمتطوّرة في الإجابة عنها. فبعد سنوات طويلة من قراءة تأريخات متعددة للفلسفة من زوايا مختلفة -من فريدريك كوبلستون إلى برتراند راسل وصولًا إلى تيودور أويزرمان- ودراسة فلاسفة بعينهم، كان هناك أمران دفعاني بقوة إلى السعي نحو أوسع وأعمق منظور ممكن لتاريخ الفلسفة.
أحد هذين الأمرين كان تحوّلي إلى الماركسية، وهو ما دفعني إلى النظر إلى تاريخ الفلسفة بوصفه جزءًا من تاريخ كلّ شيء، بحيث تنشأ الأفكار في صميم عملية تأمين شروط الوجود المادي، وتطوّر طرائق البحث والاستقصاء، والبُنى الاقتصادية والاجتماعية، والطقوس الثقافية، والمعايير الأخلاقية. وقد جعلني ذلك أعود إلى كل ما كنت أعرفه مسبقًا وأنظر إليه من جديد بطريقة أكثر تكاملًا، وأكثر تجذّرًا في تيار الخبرة الاجتماعية-التاريخية المتدفّقة.
أما الأمر الآخر فكان تدريسي لمقرر «تاريخ الأفكار» لمدة فصل دراسي واحد لطلاب سيكون هذا المقرر بالنسبة إليهم مادّة الفلسفة الوحيدة في مسيرتهم الجامعية. وقد أجبرني ذلك على تحديدٍ بالغ الدقة لماهية الأسئلة الفلسفية الأكثر جوهرية، وما هي الأنماط الأساسية التي تكرّرت في معالجتها، وما هي القوى الأعمق التي شكّلت مسار تطوّر كل ذلك. اعتمدتُ مقاربة بانورامية، اجتزتُ فيها القرون بسرعة، من فلاسفة ما قبل سقراط إلى ما بعد الحداثة خلال عشرة أسابيع، ثم خصّصت الأسبوعين الأخيرين لمساءلة ما جرى استبعاده بقدر ما جرى تضمينه، وطرحتُ أسئلة تتعلق بالطبقة والعرق والجندر والجغرافيا. وعلى امتداد المقرر، وعلى الرغم من التزامي بالسردية الكلاسيكية للـ”كانون الغربي” (الأعمال المعتمدة في التراث الفلسفي الغربي)، حرصتُ قدر الإمكان على وضعها دائمًا في إطار الواقع المادي والسياق الاجتماعي-التاريخي، لا بوصفها تاريخًا داخليًا للأفكار. ولم أشرح نظرية المادية التاريخية صراحة إلا عند الوصول إلى الماركسية، لكنها كانت حاضرة في كل محاضرة. وقدّمتُ تاريخ الفلسفة بوصفه دراما ملحمية لكفاح نوعنا البشري من أجل فهم الكون، وفي الوقت نفسه كفاحًا يجري داخل الشبكة ذاتها من القوى التي شكّلت إقتصاد كل عصر وسياساته وعلومه وتقنياته وثقافته.
اتضح لي أن الأسئلة الفلسفية الأكثر جوهرية هي:
- هل نفسّر العالم الطبيعي بالقوى الموجودة داخل العالم الطبيعي نفسه أم بالقوى الخارجة عنه؟ هل من خلال البحث التجريبي أم من خلال الإسقاطات الخارقة للطبيعة؟ هل بالعلم أم بالآلهة؟ هل بالمادية أم بالمثالية؟
- هل تمنحنا أنشطتنا الإدراكية معرفة موثوقة بعالم يتجاوز ذواتنا؟ ما العلاقة بين الذات والموضوع، بين العقل والمادة، بين المعرفة والوجود؟ هل نختار الواقعية أم البنيوية، التجريبية أم العقلانية، الموضوعية أم التفاعلية؟
- هل نعتقد أنّ هناك نمطًا شاملاً وقابلًا للإدراك فيما نلاحظه في العالم؟ أم أنّ الواقع في نهاية المطاف متعدد وعشوائي ولا يمكن معرفته؟
- ما هي العلاقة بين الفرد والمجتمع؟ ما الذي يدفع التاريخ إلى الأمام؟ هل هي إرادة الله؟ أم قرارات ورغبات الأقوياء؟ أم أنّ التاريخ مجرد سلسلة من الأحداث العشوائية بلا نسق أو سبب؟ أم أنّه صراع على السلطة بين قوى اجتماعية-تاريخية متنافسة؟
تُشكّل كيفية إجابتنا عن هذه الأسئلة طريقة تفكيرنا في كل شيء، وطريقة عيشنا اليومية، وطريقة استجابتنا لكل سؤال، وطريقة تفسيرنا لكل نشرة أخبار، وطريقة تحديد ما يمكننا فعله تجاه العالم، وطريقة تعريفنا لكل مهمة.
منذ أقدم العصور، طُرحت هذه الأسئلة ونوقشت، متذبذبة يمينًا ويسارًا، تُطرح مرة أخرى وتُناقش مرة أخرى، وتتطوّر في نطاقها وتعقيدها بطريقة يمكن من خلالها رسم سردية واسعة لتكرار صيغة (الأطروحة -المعارضة -التركيب) عبر العصور. وقد وصَف لينين في “الدفاتر الفلسفية” تاريخ الفلسفة بأنه «التصاعد اللولبي لتطور الفكر البشري بشكل عام». وقد نشأت أفضل الفلسفات دائمًا من هذا الإحساس بالسيرورة المستمرة، وغالبًا ما كانت تتشكّل كنتيجة صراع بين تصوّرات بديلة، وحتى متناقضة، للأفكار.
لقد وضعت هذه المقاربة للفلسفة الماركسية ضمن كامل تاريخ الفلسفة، وضمن الصراع الشامل للأفكار في ثقافة العالم في سياق كل عصر. كما ميزت هذه المقاربة الماركسية عن غيرها من تفسيرات تاريخ الفلسفة من خلال بيان صلتها بالاقتصاد السياسي، وبالأخص بالتحولات في أسلوب الإنتاج والصراعات بين الطبقات المتنافسة. إن إنتاج المعرفة بالنسبة للماركسية متجذر في إنتاج كل شيء.
لقد أنتجت هذه المقاربة سلسلة من النصوص الجدلية للغاية، التي تناولت بجدية تقريبًا كل التيارات الفكرية الكبرى في زمانها، وأظهرت معرفة دقيقة بالحياة الفكرية للعصر، و بالسياق التاريخي العالمي الذي نشأت منه. وقد رأى المفكّرون العظام في هذا التقليد بذرة الحقيقة في كل فلسفة سابقة، ووضعوا الماركسية ضمن استمرارية الصراع الطويل الذي امتدّ لقرون من أجل فهم الكون.
وقد أقرّوا كذلك بالطابع الجزئي لكل منظور من التيارات المعاصرة التي تنازعت مع الماركسية، وجادلوا بأن الماركسية قد تجاوزت كل رؤية أحادية للعالم، وارتقت بالفلسفة إلى تركيبٍ أعلى لم يُبلَغ من قبل، مقاومةً كل طريقٍ مسدود ينغلق على جانب من الواقع على حساب غيره، سواء كان ذلك في التخصّص الضيّق للعلوم التجريبية أو في إغراءات المفاهيم المطلقة. فالماركسية مقاربة تكاملية ومتجذّرة في الواقع معًا، ومدخل متجدّد لمواجهة المشكلات المركّبة الجديدة في كل عصر جديد. وهي لم تكتفِ بخوض معركة الأفكار، بل نزلت أيضًا إلى الشارع كقوة كفاحية فاعلة، على نحوٍ لم يسبق لأي تقليد فلسفي آخر أن فعله بهذا الاتساع وبهذه الحيوية.
يبرز هنا تركيز قوي على سوسيولوجيا المعرفة. فكل مفهوم هو تكثيف لعملٍ جماعي، ومنتَج لقرونٍ من التاريخ الاجتماعي. وكل نمطٍ من أنماط الإنتاج قد أفرز أنماطًا مميّزة من التفكير. قد تتبّع الماركسيون هذا المسار عبر تطوّر التقسيم الاجتماعي للعمل، الذي أتاح نشوء المثقفين، لكنه في الوقت نفسه جعلهم أكثر فأكثر أحاديّي النظرة، مفتّتين، ومُفقَرين، كلما تعمّق الانفصال بين العمل الذهني والعمل اليدوي، ومع ازدياد ابتعاد الطبقة المتفرّغة لطلب المعرفة عن الطبقة التي تنتج الأساس المادي لوجودها. لقد قسّمت المجتمعات الطبقية مجمل أنشطة البشرية الحيوية، وثبّتتها في شرائح مختلفة من السكان، فلم يكن في مقدورها بلوغ رؤية كلية متكاملة. وحتى داخل الفكر نفسه، أخذت الجوانب المختلفة تنفصل أكثر فأكثر إلى تخصّصات فرعية داخل تخصّصات فرعية، موجَّهة إلى معرفة المزيد عن القليل فحسب، من دون مساءلة الافتراضات الإبستمولوجية التي تنظّم طرائق بحثها.
في المراحل الأولى من تراكم رأس المال، وفي سياق الصراع للتحرّر من قيود الإقطاع، أبدت البرجوازية -بوصفها الطبقة الصاعدة- حاجة أكثر وضوحًا إلى الفلسفة في سعيها إلى الهيمنة. فقد أفرز البعد الفكري من صراعها على السلطة ابستمولوجيات العقلانية والتجريبية، وأنطولوجيات المادية الآلية والمثالية الثنائية أو الأحادية، إضافة إلى الفلسفة السياسية الليبرالية والفردانية. غير أنّ هذه المنظومات جميعها تمزّقت لاحقًا بتناقضاتٍ لم يكن بالإمكان حلّها داخل النظام ذاته الذي أوجدها.
وفي مسار صعودها، إذ كانت البرجوازية تواجه عن يمينها تقاليد قائمة على الإيمان والنسب والأرض، راهنت على العقل والعلم. غير أنّها، ما إن استقرّت في السلطة وواجهت ضغوطًا قادمة من اليسار، حتى مالت إلى نزعات لا عقلانية، ولا واقعية، ومعادية للمادية. ومع تدهور الرأسمالية، أخذ مدى قدرتها المعرفية يميل إلى الانكماش. الثقافة الفكرية الرأسمالية تميل إلى التشتّت في كل الاتجاهات، مطاردةً نسخةً قاصرة من الواقع تلو أخرى، من التفصيلية الرتيبة للوضعية إلى الغرائبية التفكيكية لما بعد الحداثة. أمّا المحاولات الرامية إلى اختراق هذا المأزق، فغالبًا ما تفضي إلى انتقائية رخوة لا تنتج تركيبًا مُرضيًا. وحدها فلسفة تتضمّن نقدًا للرأسمالية قادرة على بلورة رؤية موحّدة. وفي الأثناء، يتواصل استعراض التيارات والمصطلحات المستحدثة: ما بعد الإنسانية، المادية الجديدة، أنطولوجيا موجّهة نحو الأشياء، نظرية شبكة الفاعلين، الكيانات فائقة الضخامة، الشبكات المتداخلة، الجذامير(الريزومات)، التجميعات، الإمكانات الفعلية… وما إلى ذلك.
ومع ذلك، فإنّ المواقع المهيمنة في الحياة الفكرية المعاصرة ليست سوى تجلّيات متعدّدة لوضعيةٍ قاصرة النظر، وأشكالٍ متجدّدة على الدوام من «ما بعد حداثة» مُبهِمة ومضللة. وهي اليوم نادرًا ما تسمّي نفسها حتى «وضعية» أو «ما بعد حداثوية»، لأنها صيغٌ متدهورة من كلٍّ منهما، ولأنها من إنتاج النظام ذاته في طوره الانحطاطي. إنّ هذا النظام منحطّ، لكنه ما يزال مهيمنًا.
على الرغم من أنّ الوضعية وما بعد الحداثة تتقابلان في جوانب كثيرة -فالأولى ضيّقة وتقنية، فيما الثانية سائبة ومُبهِمة ومضللة- إلا أنّ بينهما قواسم مشتركة واسعة. فكلاهما لعبٌ على التعدّد، وتعامل مع السطحيات، ومراوغةٌ للقمم والأعماق. وكلتاهما فلسفتان مناهضتان للنسق. وكلتاهما تتخلّيان عن السرديات الكبرى. وكلتاهما تسدّان الطريق أمام نمط تفكير يكون في آنٍ واحد تجريبيًا وتركيبيًا. وهما معًا فلسفتان متفككتان، من إنتاج نظامٍ متفكك، نظامٍ معنيٍّ بإخفاء طبيعته بوصفه نظامًا.
نشأ ماركس وإنجلز في بيئة فكرية هيمنت عليها الفلسفة الألمانية الكلاسيكية، لا سيما هيغل. وكان ذلك في عصر صعود الرأسمالية، حيث تجلّى الصراع إبستمولوجيّاً بين المواقف العقلانية والتجريبية، وردود الفعل الرومانسية ضد كلاهما. سعى كانط وهيغل وأنماط مختلفة من النيو كانطية والنيو هيغلية إلى تحقيق تركيب فلسفي يجمع بين العناصر المتعارضة للفلسفات السابقة، إلا أنّ هذا التركيب لم يكن ممكنًا ضمن الحدود التي وضعوها لأنفسهم. لقد كان نقطة ذروة في الفلسفة البرجوازية، وفي وعي طبقة حاكمة اعتقدت أنّ فكرتها -إرادتها- هي التي تصنع العالم المتطور، غافلة عن جذورها في المجتمع الطبقي، وفي تقسيم اجتماعي للعمل يُحدث انفصالًا وهميًا للوعي عن الأسس الاجتماعية والطبيعية لوجوده. رأى كريستوفر كودويل أنّ الجدلية الهيغلية تمثل ذروة وعي البرجوازية، لكنها كانت هيكلًا منطقيًا وعظمة تاريخية عالمية مفصولة عن روابطها بالمادة، فتدهورت إلى هراء غامض صوفي. لقد تعلّم ماركس وإنجلز من جهود الفلاسفة السابقين، لكنهما نجحا في كسر القيود التي كانت تكبّل جهودهم، من خلال وضع الفلسفة ضمن أسلوب الإنتاج الذي يشكّلها ويولّد تقسيم العمل والتناقضات التي لم يكن بالإمكان حلّها ضمن حدوده.
لقد كُتبت العديد من الدراسات حول العلاقة بين ماركس وهيغل، وبين لينين وهيغل، وقد كتبتُ أنا نفسي في هذا السياق. وما زالت تُكتب المزيد منها، رغم أنّني لست متأكدةً من مقدار الجديد الذي يمكن إضافته في هذا الجانب. ومع ذلك، هناك ما يمكن قوله أكثر عن العلاقة بين الماركسية والهيغلية، وعن العودة الراهنة إلى هيغل التي استقطبت طاقات عدد من الماركسيين المعاصرين.
أرغب في تناول هذا الموضوع، ورسم خريطة -ولو بإيجاز- عن طيف المواقف، وتحليل الحالة الراهنة للأمر. منذ البداية، ظهرت في تاريخ الماركسية تيارات هيغلية وأخرى مناهضة للهيغلية. على الجانب الهيغلي، نجد لوكاش، وأبرام ديبورين، وإرنست بلوخ، وهربرت ماركوز، وإيفالد إيليينكوف، وكاريل كوسيك، ورايا دوناييفسكايا، وأندرسون، وغيرهم. وعلى الجانب المناهض للهيغلية، نجد إدوارد برنشتاين، ولوتشيو كوليتي، ولويس ألتوسير، وجي. إيه. كوهين، وغيرهم. ومع ذلك، كان هناك أيضًا من لم يُصنّف ضمن أي من الفريقين، مثل بوخارين، وجي. دي. برنال، وكودويل، وآدم شاف، وغيرهم، وأعد نفسي ضمن هذه الفئة.
كان الجدل الفلسفي السوفيتي في عشرينيات القرن الماضي مثيرًا للاهتمام بشكل خاص، لأن كلا الطرفين كان يعترف إلى حدٍّ ما بالجذور الفكرية للماركسية، سواء في تاريخ الفلسفة أو في العلوم التجريبية، وكان الخلاف يدور حول نسبية التركيز على كل منهما. ومع اطلاعي على هذا التاريخ، أصبح واضحًا لي أنّه ينبغي منح كل منهما الوزن المستحق. وقد شكّل هذا بالفعل حلاً لذلك الجدل المحدّد والموقف السائد في الفلسفة السوفيتية، رغم أنّ الوصول إليه تم عبر عملية غير مرضية إلى حدّ كبير، فيما عُرف بـ«الانعطافة الجديدة على الجبهة الفلسفية» عام 1931 ضمن مسار البولشفية الكامل، حيث جرى إغلاق العديد من النقاشات بيروقراطيًا، واعتُمد موقف واحد في كل القضايا على أنه الموقف الماركسي.
ومع ذلك، بغضّ النظر عن كيفية تطوّر هذا الأمر في الاتحاد السوفيتي وفي الشيوعي الدولي، فقد وُجدت أيضًا هذه التوترات في الماركسية بين الانجذاب إلى الجذور الهيغلية للماركسية وبين التركيز الأكبر على تطور المعرفة العلمية. تميل بعض أشكال الماركسية الهيغلية، التي يُطلق عليها غالبًا الماركسية الغربية، إلى رسم خط فاصل بين ماركس وإنجلز، وبين التاريخ والطبيعة، وبين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. وهذه النزعة في الواقع أقرب إلى الكانطية منها إلى الهيغلية، إلا أنّ هناك ميلًا إلى أخذ الكلية من هيغل والازدواجية من كانط، على الرغم من تناقضهما. وقد أدى هذا التيار إلى ترك الطبيعة والعلوم للوضعية، بدل تطوير موقف غير وضعي تجاه العلم. وقد ركّز معظم عملي على تطوير هذا الموقف من العلم، الذي أعتبره التيار الرئيسي في الماركسية منذ ماركس وإنجلز وحتى أحدث إصدارات Monthly Review.
في السنوات الأخيرة، لاحظت في مؤتمرات المادية التاريخية وأماكن أخرى ميلًا لتصنيف أرضية الفلسفة الماركسية المعاصرة إما على أنها ماركسية هيغلية أو ماركسية ألتوسيرية. وقد وجدت هذا الأمر مقلقًا، بل ومنفّراً، لأنني لا أعتبر نفسي من أي من الفريقين. أنا بالتأكيد لست مناهضًا للهيغلية، وفي الواقع أرى أنّ الموقف الألتوسيري يشكل طريقاً مسدوداً في تاريخ الماركسية. فهو رفض للتاريخية، واللجوء إلى مفهوم جاف للعلم بعيد كل البعد عن تيار العلم الفعلي القوي في الماركسية التي أعمل ضمنها، والتي تمتد من ماركس وإنجلز ولينين وبوخارين وبرنال وكودويل وريتشارد ليفينز وريتشارد ليوونتين وغيرهم. وفي الوقت نفسه، لست ماركسيةً هيغلية. وغالبًا ما يكون الأمر مسألة اختلاف في درجة التركيز على جانب دون آخر، لكن أحيانًا يتعدى ذلك ليصبح ميلًا للانزلاق نحو مواقف مثالية سبق تجاوزها بالمادية الديناميكية التكاملية.
أؤكد الدور الذي لعبه هيغل والهيغلية في تاريخ الماركسية، وبشكل خاص في التكوين الفكري لماركس وإنجلز ولينين وغيرهم. فقد مارَس هيغل تأثيرًا عميقًا على ماركس وإنجلز في تطوير فكرهما الخاص، وكذلك في صياغة برامج التيارات الأخرى التي كان عليهما الردّ عليها. في فترة لاحقة، فعل لينين الشيء نفسه بالنسبة لأجندة عصره. ومع ذلك، حتى لو اعترف ماركس بمغازلته لهيغل، فهذا لا يعني أنّه يتعيّن علينا أن نفعل الشيء نفسه. قال لي الفيلسوف الماركسي البولندي “شاف” مرة: «علينا أن نتوقف عن مغازلة هيغل»، وقد وافقته الرأي.
ما هو القيم في هيغل؟ تكمن الفكرة في أنّ «الحقيقة هي الكل»: الكلية، النظام، الوعي التاريخي العالمي، والتطور الجدلي. وقد حملت الماركسية هذه القيم إلى الأمام مع إعادة صياغتها وتجذيرها في الواقع، مبتعدة عن المطلقية والمثالية والغموض الباطني، ومعيدة بناءها في تركيب أكثر تجريبية وتاريخية ومادية.
رغم أنّني أؤكد السعي نحو الكلية، والنظام، والوعي التاريخي العالمي، والتطور الجدلي، إلا أنّني لم أستمد هذه المفاهيم من هيغل -على الأقل ليس مباشرة. فقد حصلت على بعض هذه الأفكار، مثل فكرة الكلية، من الكاثوليكية، وأفكار أخرى من فلاسفة آخرين في تاريخ الفلسفة، ومن معارف وتجارب متنوعة، وفي نهاية المطاف من الماركسية نفسها. وحتى ماركس وإنجلز ولينين لم يستمدوا هذه الأفكار ويجدوا أسبابًا لتأكيدها حصريًا من هيغل. وقد أشار برنال إلى أنّ الماركسية متجذّرة في كامل تاريخ المعرفة، وأنّه ليس من الضروري التركيز كثيرًا على هيغل. وهذا أيضًا موقفي الشخصي.
ما أحاول مقاومته هنا هو العودة الراهنة إلى هيغل عند بعض الماركسيين، وأنا أحاول فهم الدوافع وراء ذلك. لماذا، في ظل التحدي المتمثل في تصوّر القوى المعقدة الفكرية والعلمية والثقافية والسياسية والاقتصادية في عصرنا، يضعون كل هذا التركيز والوقت والطاقة على هيغل، وبشكل خاص على علم المنطق؟ لماذا، في ضوء كل ما تعلمناه عن تاريخية إنتاج المعرفة، يشيرون إلى «الحقيقة المطلقة»؟ هل يقبلون النقد الماركسي للمجردات المجسّدة؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يواصلون الحديث عن الوجود المطلق، والعقل المطلق، والكمية المطلقة كما لو كانت أشكالاً أفلاطونية؟ ولماذا، إذا كانوا يهتمون بتوسيع تأثير الماركسية في تقدم قضية اليسار، ينشرون اقتباسات باطنية من هيغل على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يومي تقريباً؟
بينما كنت أقترب من كتابة ملاحظاتي لفعالية بلباو، أطلقت سلسلة نقاش على فيسبوك لاستكشاف هذا الاتجاه. كتبت: «هذا سؤال صادق. هل يمكن لأحد أن يشرح لي (بطريقة مفهومة بالنسبة لي كفيلسوفة، ولعامل ناشط مثقف ومشارك فكريًا) لماذا هناك تركيز كبير حاليًا على هيغل، وبشكل خاص على علم المنطق لهيغل؟ أجد صعوبة في فهم سبب اعتباره أولوية كبيرة.» وقد أثارت هذه التدوينة قدرًا كبيرًا من التفاعل. جرى تكرار التأكيد على أهمية هيغل لماركس مع إصرار كبير على أنّ “علم المنطق” ضروري لفهم “رأس المال”. وذُكرت أيضًا العديد من الصيغ التي سمعتها مرات عديدة، مثل أنّ الجدلية هي علم جبر الثورة. وقد جاءت معظم الردود على هذا النحو، بينما أشار بعض المعلقين إلى أنّهم لم يجيبوا عن السؤال الذي طرحته. في منتصف النقاش، ردّدت أنني أقدّر جميع الردود المتفكّرة، وأكدت أنّني أقرّ بأهمية هيغل في تاريخ الفلسفة وفي تاريخ الماركسية، لكنني ما زلت أمتلك تساؤلات حول النسبية والأولوية في الوضع الراهن.
أولئك الذين أجابوا على سؤالي بشكل مباشر أشاروا إلى أنّ هذا يشكّل تراجعاً عن صعوبات العمل السياسي الفعلي نحو غموض نظري. أحدهم، من لم يشارك في هذه السلسلة بالذات، يدير قائمة مخصصة للفلسفة الماركسية، وقد اعترف بأنّه يجد الوضع في العالم يائساً تماماً وبدون أمل، ويعتبر النشاط السياسي بلا جدوى. ومع ذلك، يغوص في الانشغال الأرشيفي بالفلسفة الألمانية الكلاسيكية وبالماركسية الهيغلية. وأحد المجيبين على سلسلتي من منغوليا لاحظ: «إذا أردت أن تفهم هيغل، عليك أن تذهب إلى النهاية، وعليك أن تضحي بحالتك العقلية… لن تعود كما كنت، وستتحول إلى الأبد كشخص مستنير مثل نيو في الماتريكس». وقد ذكّرني هذا بأن عشاق هيغل على فيسبوك أيضًا مولعون بالخيال العلمي وشخصيات الأبطال الخارقين.
أحياناً يبدو كما لو أنّ الغوص في “علم المنطق” لهيغل يمنحهم قوى غامضة لتجاوز مآزق العصر. بعضهم أنشأ مجموعة دراسة لـ”علم المنطق” على زووم ونشرها على يوتيوب. شاهدت حلقة واحدة منها، كانت مخصصة بالكامل لـ«الكمية المطلقة». رغم أنّي لا أشك في صدقهم، أجد صعوبة في فهم سبب انحرافهم في هذا الاتجاه عن حيث أعتقد أنّ الفلسفة الماركسية ينبغي أن تتجه، بعيدًا عن مجرد شعوري أنّه خطأ. أنا لا أؤمن بـ«الكمية المطلقة»، بل أرى مفهوم الكمية ناشئًا من تاريخ مادي لبني الإنسان، حيث الحاجة إلى القياس والتعداد. ولا أؤمن بأي شيء مطلق، لأن كل شيء هو ما هو إلا ضمن شبكة العلاقات المعقّدة والمتشابكة مع كل شيء آخر.
رغم أنّ اختلافي مع كثير من الماركسيين الهيغليين يقتصر غالبًا على مسألة التركيز النسبي، إلا أنّ مشكلتي الأكبر مع الماركسية الهيغلية هي أنّها غالبًا تميل كثيرًا نحو الهيغلية وتبتعد عن الماركسية؛ تميل نحو المطلقية المعقّدة وتغفل إنتاج عصرنا المعرفي المعرّض للخطأ لكن المثمر. بعضهم، ورغم ادعائهم المادية، يصرّون على أنّ “علم المنطق” يبيّن كيف تفرّق الفكرة المطلقة نفسها وتحقق ذاتها كواقع ملموس، لا من المادي إلى المثالي، بل من المثالي إلى المادي، بدءًا من الوجود الخالص، وهو فكرة مجردة بلا تحديد، وتنتهي في النهاية إلى كل ناتج يُسمّى الفكرة المطلقة. بالنسبة لي، هذا بالضبط ما يفرّق بين المثالية والمادية: هل ينبثق المثالي من المادي أم العكس؟ وبالنسبة لهذا السؤال الأساسي، فهذان نهجان متعاكسان تمامًا.
يعترف آخرون بأنّهم انحدروا نحو المثالية. في الواقع، يقترحون أن تُغيّر الماركسية مسارها بالكامل على طول تطورنا الفلسفي. فقد أعلن ريتشارد سيمور صراحةً انتقاله من المادية إلى المثالية. وكان في السابق ماركسياً ألتوسيرياً، لكنه وجد صلة جديدة بالفلسفة الألمانية الكلاسيكية بينما كان يجادل صراحةً لصالح المثالية كأساس أسمى للتعامل مع أزمات عصرنا. تستند حججه إلى فرضيات مثل: أنّ الوعي هو واقع أولي لا يمكن تفسيره ماديًا؛ وأن المادية الأحادية في الحقيقة تمثل ازدواجية، لأنها نتاج تاريخي للطرد الميكانيكي للوعي من المادة، وتستبعد العقلانية من العالم المادي. وخلاصة استنتاجه أنّ الماركسية هي المثالية البروليتارية -موقف مفيد فكريًا- ونقطة انطلاق أرقى بكثير للنظر في الأزمة البيئية مقارنة بالمادية.
أنا أرفض كل هذه الفرضيات، وكذلك الاستنتاج الناتج عنها. لقد انتقلت بنفسي من المثالية إلى المادية منذ عقود، ولا أرى سببًا للرجوع إلى الوراء. لقد قيّمت التقاليد الماركسية هذه الحجج لعقود طويلة، ويمكنني استدعاء كل هذه الحجج بسهولة. في زماني، شهدت الماركسية عددًا من “عودات المثالية”، إلى جانب إنكارات للواقعية والمادية والحتمية، بدءًا من التصوف الجديد في اليسار وصولًا إلى ما بعد الحداثية الأكاديمية. أحيانًا يدّعي هذا الاتجاه المثالي الجديد أنّه قد تجاوز الماركسية، وفي أحيان أخرى يقترح نسخة من الماركسية ترى ماركس على أنّه انفصل عن المادية التي اتبعها إنجلز ولينين وبوخارين وبرنال وكل من أسس تفكيره الفلسفي على الطبيعة والعلم. ما يهمني هو لماذا، في هذه الأوقات الصعبة، يلجأ بعض الماركسيين إلى التصورات المثالية، بدل أن يؤكدوا على الأسس المادية التي تمنحنا أرضية أكثر ثباتاً للتعامل مع معضلاتنا.
صحيح أنّ لينين لجأ إلى “علم المنطق” لهيغل في وقت أزمة – مع اندلاع الحرب وانهيار الأممية الثانية. في تلك الفترة، كان يواصل دراساته في تاريخ الفلسفة، ليس هيغل فقط، بل أيضًا النظرية العلمية المعاصرة. وكان تركيزه في “الدفاتر الفلسفية” مختلفًا بعض الشيء عنه في “المادية والنقد التجريبي”، متجهًا نحو شكل أكثر تطوراً وعملياً وسياقياً ونقدياً من الواقعية. في الواقع، أصرّ على أنّ «وعي الإنسان لا يعكس العالم فحسب، بل يخلقه أيضًا»، مع حفاظه على إيمانه بأنّ أفكار البشر لم تُخلق ببساطة عن طريق الفكر نفسه، بل كانت تعكس واقع العالم الخارجي بطريقة معقدة مهما كانت تعقيداتها.
في “المادية والنقد التجريبي”، وجّه لينين هجومه ضد الهجمات على المادية باسم أشكال المثالية الأكثر تطورًا وتعقيدًا؛ أما في “الدفاتر الفلسفية”، فقد درس الجوانب الإيجابية للمثالية والخطر الذي يهدد الدفاع عن المادية عند تجاهل مثل هذه الرؤى. وقد أدرك أنّ «المثالية الذكية أقرب إلى المادية الذكية من المادية الغبية.» لم يعد يصوّرها على أنّها حماقة أو خداع من جانب الحمقى والدجالين، بل اعتبرها تطوراً أحادي الجانب لبحث الإنسان عن الحقيقة. لم تكن بلا أساس، بل كان لها جذور معرفية واجتماعية حقيقية. لم يكن الأمر مسألة عمى أو خداع، بل قصر نظر. ومع ذلك، لم يتحوّل في أي وقت عن أسسه المادية ولم ينزلق إلى المثالية.
في الآونة الأخيرة، تقترب الإشارات إلى «الدفاتر الفلسفية» للينين و«علم المنطق» لهيغل أحياناً من الإيحاء بأنّ فهم الأخير قد يكون المفتاح لحل المعضلات ورفع المآزق في عصرنا. بعض الخطاب المتعلق بهذه النصوص له تأثير غامض ومحيّر. أولئك المهتمون به يبدون وكأنهم نخبة مختارة، بينما يظن آخرون، حتى من المتعلمين، أنّهم أغبياء، لأنهم ببساطة لا يستطيعون فهمه. أريد أن أزيل هذا الغموض عن الخطاب حول هذه النصوص. في الواقع، أريد أن أصبّ الماء البارد على أي عودة إلى هيغل – أو حتى أي عودة إلى ماركس في هذا السياق. أريد أن نقف بثبات في زماننا، وأن نأخذ الماركسية إلى الأمام.
ما الذي سيكسر معضلات عصرنا؟ وما الذي سيزيل المآزق؟ لا يوجد نصّ يمتلك قوى غامضة. هناك، مع ذلك، كامل التراث الفكري للماركسية بكل ارتباطاته مع التقاليد الفكرية الأخرى، ليس فقط تاريخ الفلسفة، بل الدراسة المستمرة للعلوم الطبيعية، والاتجاهات الثقافية، والتيارات الاقتصادية والجيوسياسية في عصرنا.
ما هي مهام الماركسية في الوضع الراهن؟ في بعض المجالات، تكون هذه المهام واضحة. ففي الاقتصاد السياسي، تكمن في رصد التحولات في أشكال نظم الإنتاج والتوزيع والاستهلاك العالمية، واقتراح مسارات بديلة. أما في مجال البيئة، فتتمثل المهام في متابعة التطورات في العلوم والتقنيات البيئية، وتحليلها ضمن فلسفة واقتصاد سياسي متكامل، والإشارة إلى المتطلبات البنيوية. وفي الصحة العامة، تنطبق نفس المهام على الأبحاث الوبائية والسياسات والمؤسسات الحالية، مع توجيه النظر نحو مسارات بديلة.
ما هي، بالتحديد، مهام الفلسفة الماركسية؟ تكمن في استشعار نبض العقليات المعاصرة، وتحليل المشهد الفلسفي والأكاديمي والنظري بشكل عام من حيث الافتراضات الأساسية والأنماط الشاملة، وفعل الشيء نفسه بالنسبة للثقافة الفكرية المعاصرة بشكل عام—على سبيل المثال، في الأدب، والسينما، والدراما التلفزيونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والأخبار السائدة، والأحداث الجارية. وتشمل المهام أيضًا كشف الإيديولوجيات المدفونة التي تشكل برامج الدرجات الأكاديمية، والمنشورات العلمية، والروايات، والمسلسلات التلفزيونية، وسلاسل النقاش على وسائل التواصل الاجتماعي، والنشرات الإخبارية. وعلاوة على ذلك، تكمن المهمة في وضع صراع الأفكار في سياقه ضمن سيناريوهات القوى الاجتماعية والتاريخية المتنافسة، وخصوصًا القوى الطبقية.
يسود الارتباك والدجل والادعاء في الثقافة الفكرية لعصرنا. وفي الثقافة الشعبية، نواجه فيضًا فوضويًا من ثرثرة المشاهير، والخيال العلمي والأبطال الخارقين، وألعاب القتل، وبرامج «تلفزيون الواقع» الفارغة، إلى جانب ضجيج متواصل، وأضواء متوهجة، وحركات استعراضية في الموسيقى الشعبية. كل ذلك يعمل كستار تمويهي يخفي فراغًا هائلًا في المعنى والرؤية.
تشهد أزمنتنا أزمة صحة نفسية حقيقية. هناك كمٌّ هائل من الخطاب حول الصحة النفسية -إلى حدّ الهوس غير الصحي بها- وغالبًا ما يُستدعى هذا الخطاب بوصفه وسيلة للتهرّب من المسؤولية أو لتبرير مزيد من الانغماس لدى من هم أصلاً غارقون في الامتياز. غير أنّ الخطاب السائد لا يقترب فعلياً من جوهر أزمة الصحة النفسية الحقيقية، والمتمثل في الافتقار الجذري إلى المعنى، وفي الفراغ الكامن في صميم الإنتاج الأكاديمي والثقافي، وكذلك في صميم الحياة اليومية نفسها.
لقد تلاشت رؤى العالم القديمة. ففي إيرلندا، على سبيل المثال، كانت الكاثوليكية تهيمن يومًا ما على الخطاب العام وعلى الحياة اليومية، لكنها كادت أن تختفي من المشهد العام. غير أنّ السؤال هو: ما الذي حلّ محلّها؟ لا شيء في ذلك الحيّز، سوى الأنقاض. فالناس إمّا يسبحون في المياه الضحلة أو يغرقون في الأعماق؛ ينتقلون من يوم إلى آخر من دون ما يربط الأيام ببعضها، أو يبحثون عن معنى أعلى في تعويذات عجائبية وشعارات غامضة.
إنّ معظم الناس في معظم الأمكنة، بمن فيهم المثقفون، لم يعملوا يومًا على بلورة رؤى كونية أساسية متماسكة، ولذلك يتخبّطون من دون أسس. وهنا بالضبط يكمن ما تستطيع الماركسية أن تقدّمه: الأسس والمعنى.
لدينا رؤية كونية واضحة، متماسكة، شاملة، وذات مصداقية. ونقدّم طريقة في التفكير تجمع بين الكلّية والتاريخية، وطريقة في معالجة الخبرة تكون تكاملية وتجريبية في آنٍ معاً، وطريقة في التركيب لا تقوم على تَفَتُّحٍ مجرّد لفكرة مُلغَّزة أو مُقدَّسة، بل على تفاعل دائم وديناميكي مع الطبيعة ومع العمل ضمن عملية تاريخية مادية.
نحن بحاجة إلى أن نُبيّن كيف أنّ النظام الذي يُشكّل حياة الناس، أي الرأسمالية، مسؤول عن الظلم الفادح في العالم، وعن التدمير البيئي، وكذلك عن الانحطاط الثقافي والاضطراب النفسي اللذين يطبّعان عصرنا. نحن لا نكتفي بتقديم تحليل يفسّر طبيعة النظام الذي يُنتج أعمق المشكلات وأكثرها جذرية، بل نقدّم أيضًا حلًا يتمثّل في حركة تسعى إلى فضح هذا النظام والعمل على إقامة نظام بديل، هو الاشتراكية. إننا نقدّم المعنى والغاية معاً.
لدينا تراثٌ غنيّ من النصوص، والحركات، والتجارب الوطنية التي سعت إلى ترسيخ هذه الأطروحة وتحويل هذه الرؤية إلى واقع. وعلينا أن نحمل هذا التراث إلى الأمام عبر النصوص، والمحاضرات، والنقاشات، والخيوط الرقمية، وأيّ وسائط أخرى تتاح لنا، لكن ينبغي أن نفعل ذلك من دون الانغماس في كتابة نصوص عن نصوص عن نصوص، كما لو أنّ هناك تاريخاً داخلياً للأفكار يدور حول أفكار عن أفكار عن أفكار. أفهم أنّ هذا هو منطق الأكاديميا، لكنه لا ينبغي أن يكون منطق الماركسيين، حتى وهم يشقّون مساراتهم الأكاديمية، وبالأحرى حين يكتبون في المنابر الماركسية.
هذا ما كتبتهُ بصفتي مُحكِّمةً لإحدى هذه الدوريات:
“يعتمد هذا المقال على عنقود من النصوص أكثر مما يعتمد على العالم الذي تتناوله تلك النصوص. تكاد الإحالة إلى السياق الاجتماعي-التاريخي تكون معدومة. … أسلوب الكتابة منفِّر، وأكاديمي بأسوأ معاني الأكاديمية: مفرط في التجريد، متكلّف، ومبتعد أكثر مما ينبغي عن تدفّق الخبرة الحيّة. أعلم أنّ هذا هو الأسلوب الذي يُدرَّب عليه الأكاديميون، لكن من الممكن تماماً كتابة نصوص رصينة ومُحكمة فلسفياً بأسلوب أكثر تجسيداً وحيوية وجاذبية. النص معلّق في تجريدٍ أثيري؛ وهو بحاجة إلى أن يُعاد تجذيره في الأرض، وأن يُوصَل وصلاً ديناميكيًا وعضويًا بالملموس والواقعي.”
أن يكون هذا القدر من العمى عن السياق التاريخي والأساس المادي حاضراً في دورية تحمل عنوان «المادية التاريخية» أمرٌ إشكاليّ على نحوٍ خاص.
أعتقد أنّ نقطة الانطلاق، ونقطة الوصول، والمرجع الأساسي والدائم يجب أن تكون العالم نفسه وتدفّق الخبرة المعاشة فيه، على أن تأتي النصوص بوصفها مراجع ثانوية لا أكثر. نحن بحاجة إلى أن نكون أوضح، وأحدّ، وأكثر التصاقًا بالأرض. نحتاج إلى أن نذهب أعمق وأوسع في آنٍ معاً. وحده هذا ما يجعلنا ذوي صلة بأزمة المعنى في عصرنا، وجديرين فعلاً بالتقليد العظيم الذي ننتمي إليه ونقف على أرضه.
هيلينا شيهان: فيلسوفة وأستاذة فخرية في جامعة مدينة دبلن، حيث درّست فلسفة العلم، وتاريخ الأفكار، ودراسات الإعلام. كما تشغل منصب أستاذة زائرة في جامعة بكين، حيث تُدرّس الفلسفة الماركسية. وهي مؤلفة لعدد من الكتب، من بينها: موجة (حزب) سيريزا (Monthly Review Press، 2017)، والماركسية وفلسفة العلم (Verso، 2018)، والإبحار في روح العصر (Monthly Review Press، 2019)، وحتى نسقط (Monthly Review Press، 2023)، إضافة إلى العديد من المقالات المنشورة في الدوريات العلمية حول السياسة، والثقافة، والفلسفة، والعلم.
ترجمة عن مقال في مجلة monthly review






