
أُجبرت الولايات المتحدة على القبول بوقف إطلاق النار مع إيران مساء الثلاثاء، وذلك قبل ساعات فقط من تهديد دونالد ترامب بـ«تدمير حضارة بأكملها» خلال ليلة واحدة. كما أعلنت إسرائيل استعدادها للانضمام إلى وقف إطلاق النار المؤقت، شرط إنهاء إيران لحصار مضيق هرمز.
لا يعكس هذا التراجع مجرد خطوة تكتيكية، بل يكشف أزمة أعمق يعيشها المشروع الإمبريالي الأمريكي، ويؤكد أن توازنات القوة الدولية تشهد تحولًا متسارعًا.
أعلنت إيران أنها ستسمح بـ«مرور آمن» عبر مضيق هرمز طوال مدة الهدنة، وقدمت عبر باكستان خطة من عشر نقاط إلى الولايات المتحدة، مؤكدة في الوقت نفسه أن الحرب قد انتهت من جانبها. وتتضمن هذه الخطة مطالب واضحة: وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، إنهاء العمليات العسكرية ضد حلفاء إيران، رفع العقوبات بالكامل، وانسحاب القوات الأمريكية من قواعدها وانتشارها في المنطقة.
اللافت أن ترامب نفسه أقر بأن هذه الخطة تمثل «أساسًا قابلًا للتفاوض»، رغم أن واشنطن وتل أبيب كانتا قبل ذلك بساعات فقط تهددان بشن هجمات واسعة على البنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك محطات الطاقة وشبكات النقل. وقد رافقت هذه التهديدات حملة ترهيب مباشرة، شملت تحذيرات إسرائيلية للمدنيين الإيرانيين، وتصريحات أمريكية تحدثت صراحة عن إمكانية «القضاء على إيران في ليلة واحدة».
تكشف هذه التهديدات الطبيعة الحقيقية للتحالف الأمريكي–الإسرائيلي: مشروع قائم على الإخضاع بالقوة، وليس على أي ادعاء بتحقيق «التحرر» أو «الاستقرار».
جاء التصعيد بعد قصف أمريكي لمواقع عسكرية في جزيرة خرج، وهي عقدة حيوية لصادرات النفط والغاز الإيرانية في الخليج. ومع ذلك، امتنعت واشنطن عن توسيع الهجوم ليشمل تدمير كامل لقدرات التصدير الإيرانية، إدراكًا منها أن مثل هذه الخطوة قد تدفع البلاد نحو الانهيار الشامل، بما يحمله ذلك من فوضى إقليمية يصعب احتواؤها.
في الوقت ذاته، كانت الولايات المتحدة حذرة من استفزاز الصين، التي تعتمد بشكل كبير على النفط الإيراني. ورغم الحصار الذي فرضته طهران على مضيق هرمز، فقد سمحت باستمرار تدفق جزئي للطاقة نحو بكين، في مؤشر على تعقيد الصراع وتشابكه مع التوازنات الدولية الأوسع.
مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد كلفة الحرب سياسيًا واقتصاديًا، وجدت الإدارة الأمريكية نفسها في مأزق متزايد. فالحرب التي كان يُفترض أن تعزز الهيمنة الأمريكية، كشفت حدود هذه الهيمنة، وأظهرت مدى اعتماد واشنطن على حلفائها الإقليميين.
في هذا السياق، برز الدور الإسرائيلي كعامل دفع رئيسي نحو التصعيد. فإسرائيل، التي تطورت خلال العقود الأخيرة إلى قوة إقليمية ذات طموحات إمبريالية خاصة، لم تعد مجرد أداة منفذة للسياسة الأمريكية، بل باتت قادرة على التأثير في مسارها، بل ودفعها نحو خيارات أكثر عدوانية، وعلى رأسها مشروع «تغيير النظام» في إيران.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن العلاقة بين الطرفين قد انقلبت؛ فلا تزال إسرائيل تشكل ركيزة أساسية في بنية الهيمنة الأمريكية في المنطقة، حتى وإن امتلكت هامشًا أوسع للمبادرة والمناورة.
من جهتها، لم تنهَر الدولة الإيرانية تحت الضربات الأولى. فعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي طالت قيادات عسكرية ومنشآت استراتيجية، تمكنت من الحفاظ على تماسكها، والرد عبر استهداف قواعد وبنى تحتية في دول الخليج المتحالفة مع الغرب. والأهم أنها استخدمت موقعها الجيوسياسي للضغط على الاقتصاد العالمي، عبر التأثير المباشر على إمدادات النفط والغاز.
يشير وقف إطلاق النار إلى حدود القوة الأمريكية، لكنه لا يلغي منطق التصعيد الكامن في هذا الصراع. فالحرب لم تكن حادثًا عابرًا، بل تعبيرًا عن أزمة بنيوية في النظام الإمبريالي العالمي، حيث تتراجع الهيمنة الأمريكية دون أن تظهر قوة بديلة قادرة على فرض استقرار جديد.
إن ما نشهده اليوم قد يكون بداية مرحلة انتقالية في غرب آسيا، تتسم بتزايد الصراعات وتفكك التوازنات القديمة. وكما أظهرت تجارب الإمبراطوريات السابقة، فإن تراجع القوة المهيمنة لا يعني بالضرورة انحسار العنف، بل قد يقود إلى تصعيده في محاولة يائسة للحفاظ على النفوذ.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى موقف ثوري واضح يرفض الحرب والإمبريالية، ويدعم نضالات الشعوب في المنطقة ضد كل أشكال الهيمنة والاستغلال، سواء جاءت من القوى العالمية أو من الأنظمة الإقليمية.
إعداد هيئة التحرير






