
تكشف الحرب الامبريالية الأخيرة على إيران، أكثر من أي حدث سابق، ليس فقط طبيعة التوترات الإقليمية، بل الخلل البنيوي في النظام العالمي نفسه. فالتصعيد الجاري لا يمكن فهمه كصراع بين أطراف متكافئة، بل كنتاج لنظام دولي فقد توازنه السابق، تقوم فيه قوة مهيمنة تفتقد تدريجيا من هيمنتها هي الولايات المتحدة، تدّعي إدارة العالم عبر قواعد ومؤسسات، بينما تتجاوزها عند أي اختبار جدي. في هذا السياق، لا تبدو إيران مجرد طرف في نزاع، بل فاعل يختبر حدود هذا النظام ويفضح تناقضاته من الداخل، حتى وإن كانت هي نفسها -إيران- كقوة اقليمية لا تخرج عن منطق الهيمنة.
ما جرى لا يمكن قراءته كحدث معزول، بل كحلقة ضمن مسار طويل من تفكك ما يُسمّى “النظام الدولي”، وانكشاف حدوده الفعلية عندما يتعلق الأمر بالقوة والنفوذ والمصالح التي تشكل دوافع تنافس الدول الامبريالية.
المجتمع الدولي” كإطار انتقائي“
منذ إعلان الولايات المتحدة “الحرب على الإرهاب” عام 2001، بات واضحًا أن القواعد التي يُفترض أنها تنظّم العلاقات الدولية ليست سوى أدوات مرنة تُستخدم حين تخدم القوة المهيمنة، ويتم تجاوزها عندما تعيقها.
في هذا السياق، لا يبدو تجاوز “القانون الدولي” في العدوان الأخير أمرًا استثنائيًا، بل استمرار لنهج طويل يتجلى في:
- تدخلات عسكرية خارج “الأطر القانونية”
- إعادة تعريف مفاهيم السيادة والأمن
- فرض وقائع بالقوة ثم السعي لشرعنتها لاحقًا
أما إسرائيل، فقد ذهبت أبعد من ذلك، إذ تتعامل عمليًا مع نفسها كاستثناء دائم من أي مساءلة، خاصة في سياق حرب الإبادة المستمرة منذ طوفان الأقصى، حيث يتم تبرير كل فعل تحت شعار “الدفاع عن الوجود”، حتى عندما يتحول هذا الدفاع إلى تدمير ممنهج للشعب الفلسطيني.
إيران- تحدٍ من داخل المنظومة
ما يميّز اللحظة الحالية ليس فقط سلوك القوى المهيمنة، بل أيضًا طبيعة التحدي الذي تواجهه.
إيران لا تمثل بديلًا تحرريًا لهذا النظام، ولا تقف خارجه بالكامل، لكنها في الوقت نفسه تعمل كقوة تناقض داخلي تكشف حدوده. هذا التناقض يتجلى في مستويين:
- كقوة إقليمية صاعدة تبني نفوذها عبر شبكات تحالف غير تقليدية وتدخلات مباشرة وغير مباشرة واستخدام أدوات سياسية وعسكرية خارج الأطر الكلاسيكية. وهذا يضعها بوضوح ضمن منطق الهيمنة الإقليمية، لا خارجه.
- كفاعل يضغط على شريان النظام في الوقت ذاته، حيث إن قدرتها على التأثير في مفاصل حساسة -خاصة الطاقة والممرات الحيوية- تعني أنها قادرة على تعطيل آليات النظام العالمي نفسه.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: قوة غير مهيمنة عالميًا، لكنها قادرة على إرباك النظام الذي تهيمن عليه قوى امبريالية كبرى.
هذا المشهد يذكّر جزئيًا بلحظة السبعينات، حين استُخدم النفط كسلاح سياسي، وأدى ذلك إلى واحدة من أعمق أزمات الركود التضخمي. لكن الفرق اليوم أن الترابط الاقتصادي العالمي أصبح أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للانهيار المتسلسل.
اقتصاد هش: سلاسل توريد على حافة الانهيار
النموذج الذي قامت عليه العولمة الرأسمالية “العالم كقرية واحدة” حقق تراكمًا هائلًا للثروة، لكنه فعل ذلك عبر تعقيد سلاسل التوريد إلى حدّ الهشاشة. هذه السلاسل مترابطة بشكل شديد. وتعتمد على استقرار سياسي وجغرافي دقيق، وتتأثر بسرعة بأي اضطراب. ومع تصاعد التوترات، بدأت المؤشرات تظهر، من ارتفاع الأسعار إلى اضطراب الأسواق وتزايد المخاوف من نقص الإمدادات.
فالمشكلة ليست في أزمة بحد ذاتها، بل في طبيعتها: أزمة تنتشر بسرعة وتضرب كافة القطاعات دفعة واحدة، لكنها لا تصيب الجميع بالتساوي، بل تعمّق التفاوتات القائمة. ففيما تحقق قطاعات محددة -كشركات الطاقة الأمريكية- أرباحًا استثنائية، تواجه اقتصادات أخرى اختناقات حادة.
دول شرق آسيا، المعتمدة على استيراد الطاقة وسلاسل التوريد، تبدو من الأكثر تضررًا مع ارتفاع كلفة الإنتاج وتراجع القدرة التنافسية. أما أوروبا، فرغم تأثرها، فتمتلك قاعدة رأسمالية تسمح لها بامتصاص جزء من الصدمة، ولو بثمن تباطؤ النمو.
في المقابل، تقف دول أفريقية عديدة أمام تهديد مباشر للأمن الغذائي، حيث يتحول ارتفاع أسعار الطاقة سريعًا إلى تضخم غذائي حاد، ما يجعل خطر المجاعة واقعيًا.
هكذا تعيد الأزمة توزيع الخسائر والأرباح معًا: يتركز الربح في مراكز الامبريالية.
من سيدفع الثمن؟
إذا استمرت الأمور ضمن نفس المنطق، فإن السيناريو شبه معروف: رأس المال يعيد تموضعه ويحقق أرباحًا جديدة بينما تتحمل الطبقات العاملة الكلفة. تتوسع الفجوات الاجتماعية وتندلع صراعات جديدة على الموارد. ثم تُختزل هذه المرحلة لاحقًا في كتب التاريخ تحت مسمى تقني: “أزمة مضيق هرمز”، أو “حرب النفط”، أو مجرد “أزمة طاقة”.
لكن ما يُمحى من هذه السرديات هو الكلفة البشرية والاجتماعية التي دُفعت: حيوات تُستنزف في الحروب والعمل الهش، مجتمعات تُفكك تحت ضغط الفقر والنزوح، وأجيال تُدفع إلى الهامش دون أي ضمان للاستقرار أو المستقبل. وفي مقابل الأرقام والمؤشرات التي توثق “الأزمة”، تختفي تجارب البشر اليومية- الخسارة، وعدم اليقين، وتآكل شروط العيش -لتتحول المعاناة إلى مجرد هامش في رواية اقتصادية تُكتب بلغة محايدة تخفي علاقات القوة التي أنتجتها.
وفي قلب هذه المعادلة، لا تُوزّع الكلفة بالتساوي داخل المجتمعات نفسها، إذ تدفع الفئات الأكثر تهميشًا الثمن الأكبر، لا بوصفها طرفًا في الصراع، بل كضحاياه الدائمين: من الفلسطينيين في غزة وعموم فلسطين المحتلة، والطبقات الكادحة إلى الأكراد والدروز والعلويين وغيرهم من المجموعات الهشة في سوريا، حيث تتقاطع الحروب مع الهويات المهمشة لتنتج مستويات مضاعفة من العنف والإقصاء.
ما العمل؟ بين الرفض وإعادة الفعل
المشكلة ليست فقط في سياسات دولة بعينها، بل في بنية نظام يعيد إنتاج الأزمات كجزء من آلية عمله.
ضمن هذا الإطار، لا يكفي الاكتفاء بالموقف الأخلاقي أو التنديد السياسي. المطلوب هو إعادة طرح السؤال الحاسم:
من يملك القرار في هذا النظام؟ حتى الآن، الإجابة واضحة: ليس العمال ولا الفقراء، باختصار، ليس من يدفعون الثمن. بل نخبة اقتصادية-سياسية برجوازية تتحكم بمسارات الحرب والسلم معًا.
إعادة التوازن تتطلب أكثر من الرفض النظري: تنظيمًا اجتماعيًا وضغطًا سياسيًا حقيقيًا وأشكالًا من الفعل الجماعي القادر على تعطيل مسارات الحرب. ليس بهدف الفوضى، بل بهدف استعادة السيطرة على مصير يُدار اليوم من خارج المجتمعات نفسها.
ما بعد الانكشاف: أي أفق ممكن؟
في لحظات انكشاف كهذه، لا يعود السؤال عمّا إذا كان النظام العالمي قادرًا على الاستمرار، بل عمّن يمتلك القدرة على تغييره. فالأزمات التي تبدو كاختلالات طارئة ليست سوى تعبير مكثّف عن منطق بنيوي قائم على الهيمنة وإعادة إنتاجها.
وما دامت أدوات الإنتاج والقرار محصورة في يد أقلية، ستبقى الحروب تُدار كامتداد للاقتصاد، وستبقى الطبقة العاملة تدفع كلفتها. وحده كسر هذه المعادلة -بنقل السيطرة إلى من ينتجون فعليًا- يفتح أفقًا مختلفًا، الثورة الاجتماعية، لا كاحتمال نظري، بل كضرورة تاريخية تفرضها حدود النظام نفسه.
إعداد الرفيق مفيد سلامة






مقال ممتاز