
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، تحولت محافظة دير الزور وما يعرف باسم “الجزيرة” السورية، أي الحسكة والرقة، إلى واحدة من أكثر مناطق البلاد تعبيراً عن التناقضات التي عاشتها سوريا خلال العقد ونصف الماضي. ففي هذه المنطقة تداخلت آثار التهميش التاريخي مع انهيار الدولة، وصعود قوى مسلحة متعددة، والصراع على الموارد الطبيعية، لتنتج واقعاً معقداً لا يمكن اختزاله في الصراعات العسكرية أو الانقسامات القومية وحدها.
لفهم ما يجري اليوم في دير الزور والمنطقة الشرقية، لا بد من النظر إلى ما هو أبعد من الأحداث المباشرة. فالاحتجاجات والتوترات التي تشهدها المنطقة ليست مجرد رد فعل على قرارات آنية أو خلافات سياسية مؤقتة، بل هي تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بعلاقة المجتمع بالسلطة، وبكيفية إدارة الثروة والموارد، وبغياب مشاركة السكان الفعلية في تقرير مصير مناطقهم.
قبل عام 2011، كانت الجزيرة السورية تمثل أحد أهم مراكز الإنتاج الزراعي والنفطي في البلاد. غير أن هذه الأهمية الاقتصادية لم تنعكس تنميةً متوازنةً أو خدماتٍ أفضل للسكان. فقد تركزت إدارة الموارد والقرارات الاقتصادية في دمشق، بينما بقيت المنطقة تعاني من ضعف البنية التحتية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، خاصة بعد سنوات الجفاف التي سبقت الثورة. بهذا المعنى، لم تكن الجزيرة مهمشة لأنها فقيرة بالموارد، بل لأنها كانت تنتج الثروة دون أن تمتلك القدرة على التحكم بها أو الاستفادة منها بصورة عادلة.
عندما اندلعت الثورة، وجدت هذه التناقضات طريقها إلى السطح. فالمطالب التي رفعها الناس لم تكن سياسية فقط، بل ارتبطت أيضاً بالكرامة والعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة. لكن العنف الذي واجهت به السلطة الأسدية الاحتجاجات، ثم انزلاق البلاد نحو حرب متعددة الأطراف، أديا إلى تفكك مؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من المنطقة. ومع غياب بديل ديمقراطي ثوري قادر على توحيد المطالب الشعبية وتمثيلها سياسياً واجتماعياً، تحولت الساحة إلى فضاء مفتوح لصراع القوى المسلحة.
بلغ هذا المسار ذروته مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بين عامي 2014 و2017. خلال هذه السنوات، خضعت المنطقة لنظام شديد القسوة حوّل الموارد إلى أدوات تمويل للحرب، وأخضع المجتمع لمنطق السيطرة العسكرية المباشرة. لم يكن التنظيم مجرد سلطة دينية متطرفة، بل حركة رجعية ذات طابع فاشي استندت إلى العنف المطلق وسعت إلى إخضاع المجتمع وتدمير أي مجال مستقل للعمل السياسي أو الاجتماعي. وكان صعوده تعبيراً عن الكارثة التي تنتج عندما ينهار المجال العام ويُترك المجتمع تحت رحمة السلاح والقوة المجردة.
لكن هزيمة تنظيم الدولة لم تعنِ نهاية الأزمة. فمع صعود الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، دخلت المنطقة مرحلة جديدة حملت معها إمكانيات وتناقضات في آن واحد. فمن جهة، فتحت هذه التجربة المجال أمام الاعتراف بدرجات من التعدد القومي والثقافي، ومنحت الكورد، الذين عانوا بدورهم من سياسات التمييز والإقصاء لعقود طويلة، مساحة أوسع للتنظيم والإدارة الذاتية. لكنها من جهة أخرى واجهت حدوداً فرضتها ظروف الحرب والحصار والاعتماد على التوازنات الدولية والإقليمية.
في المجال الاقتصادي، لم يطرأ تحول جذري على بنية الإنتاج والتنمية. بقي النفط المورد الأساسي، واستمرت المنطقة في الاعتماد على اقتصاد هش قائم على إدارة الموارد أكثر من تطويرها. ومع استمرار الفقر وضعف الخدمات والبطالة، بقيت أسئلة التمثيل المحلي وتوزيع الثروة مطروحة بقوة. ولم تكن هذه الأسئلة محصورة بعلاقة العرب بالكورد أو العشائر بالإدارة الذاتية، بل كانت تعبيراً عن مشكلة أوسع تتعلق بحق جميع سكان المنطقة، على اختلاف انتماءاتهم القومية والدينية، في المشاركة الفعلية بإدارة شؤونهم وثرواتهم، وبناء نموذج لسلطة شعبية بديلة ذو صدقية.
خلال هذه المرحلة، عادت العشائر إلى لعب دور بارز في الحياة العامة. لكن النظر إلى هذا الدور باعتباره صراعاً بين العشائر والمشروع الكردي أو بين العرب والكورد يختزل الواقع ويشوّه طبيعته. فالعشائر نفسها ليست كتلة واحدة، كما أن المجتمعات الكردية ليست كتلة واحدة. داخل كل مكوّن توجد انقسامات اجتماعية وطبقية ومصالح مختلفة. ولهذا فإن جوهر التوترات لم يكن في التعدد القومي بحد ذاته، بل في غياب صيغة ديمقراطية عادلة تتيح لجميع المكونات المشاركة المتساوية في صنع القرار والاستفادة من الموارد وإدارة شؤون حياتها بصورة ديمقراطية ومباشرة.
مع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا بعد 2025، وسقوط نظام الأسد وتسليم السلطة لهيئة تحرير الشام (هتش)، عادت المنطقة إلى مواجهة أسئلة قديمة بصيغ جديدة. فالسلطة الحالية تسعى إلى إعادة بسط نفوذ الدولة، بينما يطالب السكان بضمانات تتعلق بالتمثيل والحقوق والخدمات. وفي ظل استمرار الأزمة الاقتصادية، بقي النفط والزراعة في قلب النقاش العام، باعتبارهما المصدر الرئيسي للثروة وميدان الصراع الأساسي حول من يملك القرار ومن يستفيد من العائدات.
من منظور يساري ثوري، لا يمكن اختزال مأساة دير الزور والجزيرة في تنافس القوى السياسية أو العسكرية فقط. فالمشكلة الأعمق تكمن في استمرار نمط من السيطرة يُبقي السكان بعيدين عن إدارة الثروة التي ينتجونها. لقد تبدلت السلطات وتغيرت الرايات خلال خمسة عشر عاماً، لكن السؤال الجوهري بقي مطروحاً: كيف يمكن بناء نظام سياسي واقتصادي واجتماعي يضع الموارد في خدمة المجتمع بدلاً من أن يجعل المجتمع تابعاً لمن يسيطر عليها؟
إن مستقبل الجزيرة ودير الزور لا يمكن أن يُبنى على إعادة إنتاج المركزية القديمة، ولا على تحويل الانتماءات القومية إلى حدود فاصلة بين الشعوب التي عاشت معاً لعقود طويلة. فالمخرج الحقيقي يكمن في بناء عقد اجتماعي ديمقراطي يعترف بحقوق الجميع، ويضمن إدارة عادلة للثروة، ويضع مصالح العمال والفلاحين والكادحين فوق مصالح النخب السياسية والعسكرية المتنافسة.
ففي النهاية، ليست القضية قضية عرب أو كورد، ولا عشائر أو أحزاب قومية، بل قضية مجتمع كامل يبحث عن الحرية والعدالة والسيطرة الديمقراطية على موارده ومصيره. فالشعوب التي عاشت معاً، وعانت التهميش والاستبداد والحرب معاً، لا مصلحة لها في الانقسام خلف مشاريع قومية ضيقة أو سلطات متنافسة على النفوذ. إن الصراع الحقيقي ليس بين مكونات المنطقة، بل بين من يحتكرون السلطة والثروة بأشكال مختلفة، وبين الأغلبية من العمال والفلاحين والكادحين الذين يدفعون ثمن كل حرب وكل أزمة وكل إعادة إنتاج للاستبداد. ومن دون تحقيق هذه الشروط، ستظل الأزمات تتجدد بأشكال مختلفة، حتى وإن تبدلت القوى الحاكمة والشعارات المرفوعة.
إعداد هيئة تحرير الخط الأمامي






