
الخط الأمامي _ الحسكة
رغم الجود الذي قدمته الطبيعة بتسجيل موسم قمح وفير في الحسكة، واقتراب البلاد من تأمين جزء كبير من احتياجاتها الغذائية، يواجه الفلاحون السوريون استغلالاً ممنهجاً وتحديات متزايدة تفرضها آليات التسليم المجحفة للسلطة الحاكمة وتأخرها المتعمد في صرف المستحقات. إن هذه الممارسات تبدّد مكاسب الفلاحين الكادحين، وتكشف بوضوح الوجه النيوليبرالي البشع لسلطة الأمر الواقع في دمشق التي تضع مصالح الرأسماليين والتجار فوق عرق المنتجين الحقيقيين.
تتواصل عمليات تسويق القمح وسط ازدحام كبير ولّدته وفرة الموسم الجيد الذي لم تشهده البلاد منذ سنوات بفضل الهطلات المطرية الغزيرة. وقد بلغت الكميات المسلّمة نحو مليونَين و200 ألف طنّ، منها أكثر من مليون طنّ من محافظة الحسكة وحدها، المعقل التاريخي للزراعة السورية.
إن دخول إنتاج الحسكة في منظومة التسويق الحكومية جاء بموجب اتفاق 29 كانون الثاني الموقّع بين أحمد الشرع (رئيس السلطة الترميدورية) والقائد العام لـ«قسد» مظلوم عبدي. وباتت سوريا قادرة نظرياً على تغطية أكثر من 70% من حاجتها السنوية من القمح. ورغم أن هذا الإنتاج، الذي قد يقترب إجمالياً من مليونَين و700 ألف طن، يمثل فرصة ذهبية لتعافي القطاع الزراعي، إلا أن السلطة الحاكمة تستخدم هذه الأرقام للاستعراض السياسي والتسويق لسياساتها الاقتصادية النيوليبرالية، متجاهلة تماماً الظروف القاسية التي يعاني منها صغار الفلاحين والمنتجين.
للتغطية على فشلها الإداري، قامت السلطة بافتتاح 30 مركزاً حكومياً في الحسكة وألغت مراكز الاستلام السابقة التابعة لـ«الإدارة الذاتية»، لتعود وتلجأ إلى مواقع استلام في العراء بعد امتلاء المستودعات.
لكن الطامة الكبرى تمثلت في فرض آلية تسليم بيروقراطية عبر ما يُسمى “المنصة الإلكترونية”. هذه الآلية ألزمت المزارعين بتخزين محاصيلهم لفترات طويلة انتظاراً لدورهم، ما حمّلهم تكاليف إضافية باهظة للنقل والتخزين، وجعل محاصيلهم عرضة للتلف والسرقة.
يروي المزارع الكادح “عمر العلي” كيف فوجئ بهذه الآلية بعد حصاد أرضه في ريف عامودا، ليُحدد موعد تسليمه بعد العاشر من آب، مما اضطره لتكديس القمح وتحمل نفقات استنزفت جهده، في مشهد يجسد انفصال هذه السلطة الفوقية عن واقع الفلاحين.
لا تتوقف معاناة الفلاحين عند حدود الاستلام؛ بل تمتد إلى جريمة تأخير صرف قيمة الفواتير من قِبَل فروع «المصرف الزراعي»، مع تسريبات عن نية السلطة دفعها على أقساط رغم مرور أكثر من شهر على بدء التسويق. هذا التأخير ليس مجرد “خلل إداري” أو نتيجة “آليات عمل جديدة” كما يدعي مسؤولو المصرف، بل هو انعكاس لسياسات سلطة ترميدورية تعمل على دمج اقتصاد البلاد في الاقتصاد الرأسمالي العالمي بسياسات لا اجتماعية.
يقول الفلاح “أبو لؤي” من ريف تل تمر بحسرة: “للمرّة الأولى خلال 40 عاماً… يتأخر الصرف، مع احتمال التقسيط”. هذا التآكل في القيمة الفعلية للمستحقات يدفع صغار الفلاحين المضطرين لتمويل زراعاتهم الصيفية والشتوية وسداد ديونهم، إلى الارتماء في أحضان التجار الجشعين، وبيع محاصيلهم بأقل من السعر الحكومي. إنها عملية إفقار ممنهجة تنقل الثروة من جيوب الكادحين إلى أرصدة السماسرة والتجار المرتبطين بالسلطة.
إن استعادة القطاع الزراعي السوري لعافيته لا تتم عبر وعود فارغة بإنعاش مشاريع الري على نهرَي الفرات والعاصي في ظل دعم حكومي غائب، بل يتطلب قطيعة جذرية مع السياسات النيوليبرالية. نحن في حزب اليسار الثوري في سوريا نؤكد أن الحل الجذري يكمن في:
- الإصلاح الزراعي الشامل: فرض قوانين تضمن توزيع الأراضي على فقراء الفلاحين، ومنح الأرض للفلاحين الذين لا يملكون أرضاً.
- بناء التعاونيات: تعزيز تشكيل التعاونيات الزراعية لإدارة الموارد بشكل جماعي يحمي الفلاحين من استغلال التجار وتخبط مؤسسات السلطة.
- إعادة توجيه الاقتصاد: بناء اقتصاد موجه لخدمة الغالبية الساحقة من الفقراء والمهجرين، بدلاً من سياسات “اقتصاد السوق الحر” التي تتبناها السلطة الحالية.
إن نضال الفلاحين وعمال الزراعة هو جزء لا يتجزأ من النضال الشامل للطبقات الشعبية السورية ضد سلطة القهر والاستغلال، ومن أجل بناء جمهورية ديمقراطية لامركزية تقوم على العدالة الاجتماعية والمساواة.






