
في الثاني عشر من يونيو عام 1987، اخترقت رصاصة جمجمة مهدي عامل في شارع الجزائر ببيروت. كان حسن حمدان، هذا الفلاح الجنوبي من حاروف النبطية الذي صار أعمق عقل ماركسي عرفه لبنان، يقترب يومها من إكمال مشروعه الفكري الكبير: تفكيك آلية الطائفية لا بوصفها هوية ثقافية موروثة، بل بوصفها علاقة سياسية تُنتجها البرجوازية لإدارة الصراع الطبقي في غياب نقيضه. اليوم، بعد تسعة وثلاثين عاماً من اغتياله، يُوقَّع في واشنطن اتفاق يُجسّد بدقة فاضحة كل ما حذّر منه: دولة طائفية تابعة، تتفاوض مع عدو يحتل أرضها، باسم سيادة لا تملكها أصلاً.
اتفاق الإطار الموقَّع في السادس والعشرين من يونيو بين بيروت وتل أبيب، برعاية أمريكية مباشرة، ليس وثيقة سلام بقدر ما هو محضر استسلام مُقنَّع بلغة القانون الدولي. بنوده الأربعة عشر تكشف بنيتها الحقيقية حين تُقرأ بتمعن: تتعهد الحكومة اللبنانية باستعادة احتكار الدولة للقوة، وتحقيق نزع السلاح الكامل والموثَّق لكل الجماعات المسلحة غير الحكومية، فيما تُقرّ إسرائيل، في البند الخامس، بأن عملياتها العسكرية “نتيجة مباشرة” لتهديدات حزب الله، محمِّلة الضحية مسؤولية احتلالها. هذه ليست معادلة بين طرفين متكافئين يُنهيان نزاعاً، بل وثيقة تُلزم الطرف المحتَل بتفكيك قدرته الدفاعية شرطاً مسبقاً لاسترجاع جزء من أرضه، فيما يحتفظ المحتل بحق تقدير متى يتحقق هذا الشرط ومتى يُجزي صاحبه بالانسحاب.
ولم يترك نتنياهو مجالاً للتأويل. خرج بعد دقائق من التوقيع بفيديو مسجَّل أعلن فيه أن الإنجاز الأهم هو بقاء إسرائيل في “المنطقة الأمنية” جنوب لبنان، وأنها لن تنسحب “ما دام حزب الله لم ينزع سلاحه”. وأضاف، في وضوح يفضح جوهر الصفقة، أن الاتفاق يبعث برسالة لإيران مفادها أنه “لا دور لها في لبنان، لا لها ولا لحزب الله”، فيما تعهَّد وزير دفاعه يسرائيل كاتس بـ”بقاء طويل الأمد” داخل الحزام الأمني، وبأن الانتقال إلى سيطرة الجيش اللبناني لن يبدأ إلا في “منطقتين تجريبيتين” يُحدِّدهما الجيش الإسرائيلي نفسه بناءً على توصيته. هذا الترتيب يُحوّل الجيش اللبناني، عملياً، من قوة سيادة وطنية إلى أداة تنفيذية لخريطة احتلال تُرسَم في تل أبيب لا في بيروت، وهو بالضبط ما يصفه مهدي عامل بنمط الإنتاج الكولونيالي حين يُعاد إنتاجه في أبهى تجلياته: لا احتلال مباشر فحسب، بل احتلال يستخدم مؤسسات الدولة التابعة ذاتها لتنفيذ شروطه.
ولم تنتظر الطائرات الإسرائيلية أن يجفّ حبر التوقيع. بعد يومين فقط، استُهدف محيط النبطية وكفرتبنيت بغارات وُصفت بأنها الأولى من نوعها على هذه المنطقة منذ تثبيت الهدنة الأمريكية الإيرانية، في وقت كان فيه أكثر من 1.6 مليون نازح، 85 بالمئة منهم خارج أي نظام إغاثي منظم، يحاولون تقدير ما إذا كان آمناً العودة إلى قرى مدمَّرة الكهرباء فيها والمياه مقطوعة وجسورها على نهر الليطاني محطَّمة. والنازحة التي قالت لوكالة رويترز ببساطة فلاحية لا تحتاج إلى نظرية: “لا يمكن الوثوق بإسرائيل”، تفهم بحدسها الطبقي المباشر ما يرفض الخطاب الرسمي قوله: أن التوقيع في واشنطن لا يُترجَم أماناً في كفرتبنيت، بل يُترجَم تفويضاً قانونياً جديداً لقصفها تحت بند “البنية التحتية الإرهابية”.
هذا هو بالضبط ما قصده مهدي عامل حين كتب أن الطائفة “ليست كياناً ولا جوهراً، بل علاقة سياسية يُحدِّدها شكل تاريخي معين من حركة الصراع الطبقي، تتحكم فيه البرجوازية بهذا الصراع في غياب نقيضه الطبقي”. فالبرجوازية اللبنانية، الموروثة بزعاماتها الطائفية الإقطاعية عن الانتداب الفرنسي، لم تتشكَّل يوماً طبقة وطنية قادرة على مواجهة المشروع الصهيوني، لأنها تشكَّلت أصلاً في حضن التبعية وعاشت من إعادة إنتاجها جيلاً بعد جيل. ولفهم لماذا توقِّع هذه الدولة على شروط كهذه، يكفي أن نفهم أنها لا تملك مصلحة في غير ذلك: فالمواجهة تعني قطع التبعية، وقطع التبعية يعني نهاية نموذج التراكم الذي تعيش عليه طبقتها الحاكمة. حين يصف رئيس الوزراء نواف سلام بند حصر السلاح بأنه “ليس جديداً” وامتداد لاتفاق الطائف، فهو يُخفي عمداً الفارق الجوهري بين حصر السلاح داخل دولة وطنية متصالحة مع شعبها، وحصره بإملاء عدو يحتل الأرض بالفعل ويُصرّح علناً بنواياه.
غير أن المشهد لا يكتمل دون مساءلة الطرف الآخر من المعادلة الداخلية. فحين يرفض نعيم قاسم الاتفاق ويصفه بـ”المذلة والعار”، داعياً إلى التمسك بمندرجات “مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية” الموقَّعة في سويسرا، فهو يكشف عن عقدة بنيوية لا تقل خطورة عن استسلام الدولة الرسمية: تعليق مصير الجنوب اللبناني، في رؤية القيادة ذاتها، على تفاهمات بين بيروقراطيتين، إيرانية وأمريكية، لا على القوة الذاتية للجماهير الكادحة اللبنانية وقدرتها المستقلة على فرض شروطها. وهنا يكمن التناقض الذي لا يجوز السكوت عنه: حين يُدار قرار المقاومة بمنطق المحاور الإقليمية، فإن الجنوب يتحوَّل من جديد إلى ورقة تتقاذفها قوى لا تخصه، سواء كانت طاولة المفاوضات في واشنطن أو طاولة التفاهم في سويسرا.
وهذا التناقض ليس عيباً عرضياً في خطاب القيادة، بل هو نتاج طبيعة الحزب نفسه بوصفه قوة سياسية عسكرية تستمد جزءاً أساسياً من شرعيتها وتمويلها وعقيدتها القتالية من محور إقليمي بعينه، لا من تنظيم طبقي مستقل ينبع من قلب الطبقات الكادحة اللبنانية ويتحرك بإيقاعها هي. فحين يحذِّر حسن فضل الله من أن “اتفاق الذل والعار” لن يُطبَّق وأن يد المقاومة “ستبقى على الزناد”، فهو يتحدث بلغة الحسم الميداني الصحيحة في جوهرها، لكنه يضع في الوقت ذاته مصير هذا الحسم رهينة لحظة سياسية يُقرِّرها مسار تفاوضي بين طهران وواشنطن قد ينعطف غداً في اتجاه مغاير تماماً، كما انعطف بالفعل أكثر من مرة بين باكستان وسويسرا. والجماهير الجنوبية، حين تعود اليوم إلى قرى مدمَّرة رغم تحذيرات المجالس البلدية من العودة المتسرعة، لا تفعل ذلك انتظاراً لإشارة من بيروقراطية إقليمية، بل لأنها ببساطة لا تملك مكاناً آخر تذهب إليه، ولأن التشبث بالأرض، كما عبَّر عنه نازحون كثيرون استعدوا لنصب الخيام فوق أنقاض بيوتهم، هو فعل طبقي صرف يسبق أي حسابات حزبية أو إقليمية ويتجاوزها.
ولا ينفصل هذا التناقض عن المأزق الأعمق الذي يواجهه أي مشروع مقاومة لا يمتلك أفقاً اقتصادياً واجتماعياً لطبقته العاملة. فحزب يخوض معركة الدفاع عن الأرض دون أن يطرح في الوقت ذاته مشروعاً لإعادة توزيع الثروة وكسر سيطرة المصارف والزعامات الطائفية التي أفقرت لبنان قبل أن تُفقره الحرب، يبقى محكوماً بأن يُختزل دوره في وظيفة عسكرية بحتة، تُستثمر تارة وتُساوَم عليها تارة أخرى، بدل أن يتحوَّل إلى قطب جذب لمشروع تحرري شامل. وهذا بالضبط ما يجعل الطبقات الكادحة الجنوبية، رغم كل تضحياتها، خارج موقع القرار في كل تسوية تُعقد باسمها، سواء وُقِّعت في واشنطن أو أُديرت بتفاهم مع طهران.
ومع ذلك، فإن السلاح الذي يحمله اليوم من يدافع به عن قرى الجنوب يستحق دعماً لا لبس فيه، لأن البديل عنه في هذه اللحظة بالذات ليس سلاماً عادلاً بل احتلالاً بلا أي ثمن يُدفع مقابله. الفلاح العائد إلى ركام بيته في النبطية، والعامل الزراعي الذي هُجِّر ثلاث مرات متتالية، والصياد في صور الذي خسر مرفأه ومصدر رزقه، هؤلاء جميعاً ليسوا “بيئة” سياسية لحزب بعينه، بل طبقات كادحة تحمل ثقل كل حرب ولا تنال إلا أقل المكاسب في كل تسوية. وإسرائيل، حين تقصف، لا تميّز بين شيعي ومسيحي ودرزي وسني، فهي ترى لبنان وحدة جغرافية واحدة قابلة للعقاب، فيما يرفض لبنان الرسمي وحده أن يرى نفسه كذلك. من هذا الموقع الطبقي، لا من موقع الولاء لقيادة بعينها، يقف هذا الموقف إلى جانب استمرار المقاومة الميدانية في وجه الاحتلال، دعماً غير مشروط لحق السلاح في الدفاع عن الأرض، بقدر ما هو حق العامل في الدفاع عن قوته أمام من ينهبها.
لكن هذا الدعم لا يعني تعليق النقد عن القيادة التي تربط هذا السلاح بحسابات محور إقليمي بدل أن تجعله أداة بيد مشروع تحرري طبقي مستقل. فالحزب الشيوعي اللبناني، الذي أنجب مفكراً بحجم مهدي عامل، آثر منذ عقود السير خلف برجوازيات وطنية مزعومة بدل قيادة الطبقات الكادحة، وانتهى، كما كتب عامل نفسه محذِّراً، إلى حزب يرى نفسه “ثانوياً” حين كان يجب أن يكون “محرك التاريخ”. والفراغ الذي خلَّفه هذا الانهزام الفكري لم يملأه مشروع ثوري بديل، بل ملأه إسلام سياسي يمتلك المقاومة الميدانية الحقيقية، لكنه لا يحمل أفقاً للتحرر الطبقي يتجاوز منطق المحاور والبيروقراطيات الإقليمية.
وهنا يجب الحذر من وهمين متقابلين يتبادلان تغذية بعضهما البعض. الوهم الأول هو وهم الدولة الرسمية، الذي يُصوِّر التوقيع على شروط الاحتلال بلغة “استعادة السيادة”، فيما هو في جوهره تسليم لقرار الجنوب لمن يحتله. والوهم الثاني، الأقل فضحاً لكنه لا يقل خطورة، هو وهم أن الارتهان لمحور إقليمي بديل، مهما كانت شعاراته مناهضة للإمبريالية، يُغني عن بناء قوة طبقية مستقلة قادرة على أن تقرر مصيرها بنفسها. فكلا الوهمين يتشاركان جوهراً واحداً: تعليق إرادة الجنوب اللبناني على طرف خارجي، فرقٌ فقط في اسم هذا الطرف ولغته. ومهدي عامل، حين ميَّز بدقة بين التبعية الكولونيالية وبين التحالف الأممي الذي تبنيه طبقة عاملة واعية بمصالحها المستقلة، كان يضع إصبعه بالضبط على هذا الخط الفاصل الذي يغيب اليوم عن أغلب الخطاب السياسي اللبناني، يميناً ويساراً، رسمياً ومقاوِماً على السواء.
والمعادلة التي يفرضها هذا الواقع المرير واضحة: لا حياد ممكناً أمام جيش يحاصر بنت جبيل ويُدمّر الجسور فوق الليطاني، ولا تسليم أعمى لقرار يُدار بمنطق التبعية مهما اختلفت جهة هذه التبعية. الأفق الوحيد الذي يستحق أن يُبنى هو وحدة طبقية شعبية تنطلق من حق الجنوبيين، بصفتهم كادحين لا “بيئة” طائفية، في الدفاع عن أرضهم بالسلاح متى شاءوا، إلى جانب نقد لا يكلّ لكل قيادة، دينية كانت أم طائفية أم بيروقراطية، تُحوِّل هذا الحق إلى ورقة ضغط في صراع لا تملك الجماهير الشعبية فيه قراراً مستقلاً. وحتى تتشكَّل هذه القوة الطبقية المستقلة التي حلم بها مهدي عامل قبل أن تُسكِته الرصاصة، يبقى من يحمل السلاح اليوم في وجه الاحتلال هو خط الدفاع الوحيد الفعلي أمام آلة لا تُخفي نيتها: ألا تتوقف إلا متى استُكمل تجريد هذه الأرض من كل وسيلة دفاع عن نفسها.






