تيار اليسار الثوري في سوريا
المسلم اللامسلم
5/4/2015
مازن السوري
من المعروف ٫ أن معظم الديانات السماوية وغير السماوية قسمت أو جزئت إلى أقسام وطوائف ومذاهب وعقائد مختلفة. وهذا الشيء تم تاريخياً إما سلمياً أو عن طريق الحرب أو بانقلابات دينية أو ما إلى هنالك. ولكن مع مرور الزمن توقفت هذه الانقسامات وأخذت كل فئة طابعاً خاصاً وطقوس معينة وعادات وتقاليد خاصة بها ومعتقدات خاصة بها.
وخمدت براكين الفتن بشكل واسع وعاش وتعايش الكل حياة مستقرة بلا تفرقة إلا فيما ندر. لكن هذا الأمر لا يدوم طويلًا٫ وخلف الهدوء بركان ينفجر عند أول مس يصيبه. يعود هذا إلى تشوه الوعي الفكري أو الديني أو الإنساني ٫ وهيمنة الايديولوجيا السائدة للطبقة السائدة للأسف لدى نسبة مهمة من البشر. والمسؤول عن هذا وذاك غالباً ما يكون مرجعيات دينية متعصبة لأفكار معينة أو أنظمة سياسية ديكتاتورية مستبدة تدعم وتنمي النعرات الطائفية٫ بأفعال لا تصب إلا في مصلحة الطبقة الحاكمة ربما والطائفة التي ينتمي إليها هذا الزعيم أو ممثل هذا النظام. هنا ٫ يستغل رجال دين أو رجال الدين السياسي هذه الثغرة وأي حالة فوضى تعيشها البلاد لإشعال نار الفتنة الدينية أو الطائفية لتحقيق مكاسب سياسية أو إقتصادية معينة التي سرعان ما تتحول لكارثة على الجميع ككل .
كما يحدث في بلدي سوريا٫ حيث قامت الجماهير الشعبية السورية بثورة شعبية ذات مطالب محقة أولها الحرية ومنها العدالة والمساواة. لكن سرعان ما ألصق بها طابع ديني بحت وتمت أسلمتها في أجزاء واسعة من الساحة الثورية. قام النظام بدفع الشباب السوري الثائر إلى حمل السلاح ونجح وقامت بعض الشخصيات الدينية والسياسية المتسلقة على الثورة بالتحريض والتجييش الطائفي العلني٫ كما فعل النظام بالسر والعلن.
وحرف الاثنين الثورة عن مسارها وألصقا بها الطابع الديني الذي أطال عمر الثورة وحولها في بعض الأحيان إلى أزمة ونزعا٫ بل بالأحرى حاولا سحق٫ ذاك الطابع الشعبي الجماهيري. بالنسبة للإسلاميين فأن ما يحصل هو جهاد في سبيل الله لا ثورة من أجل المساواة من أجل الحرية و الكرامة. في حين قام النظام أيضا بتصوير المسألة على أنها طائفية بحتة. بحيث يقوم متطرفون دينيا من طوائف أخرى بالجهاد أيضا في سبيل الله ضد أخرين في المقابل جاؤوا للجهاد في سبيل الله. تحشيد طائفي ٫ وكل طرف يقاتل باسم الله. بينما الضحايا هم مدنيون وأطفال ونساء وشيوخ … مستضعفين على « باب الله ».
وبعض القوى الرجعية ٫ مثل داعش٫ تطرح مشاريع خلافة تمتد لتشمل ٫ من وجهة نظرهم٫ كل العالم . مدمرة الآثار والمتاحف والمعالم والمراجع والأضرحة والأصرحة باسم الله. والمحزن في هذا كله ٫ أن كل الأطراف أو معظم مرجعياتها تفتي وتفعل وتجيش وكأنها ترتفع بفكرها ليس فقط على الأمم والمجتمعات لكن على الإسلام نفسه . وتدعي أن الإسلام حكر على ملة معينة أو طائفة وحيدة مع تكفير بقية الطوائف والملل . نجد هكذا متملقين متأسلمين في معظم الطوائف الإسلامية٫ لكن تتفاوت حدتها ويختلف مستوى التجييش أو الوعي ٫ في كل منها . أليس بالعقل وبالواقع نفرق بين اليهودية والصهيونية ٫ اليهودية شيء والصهيونية شيء آخر. كذلك يجب أن نميز بين الشيعة وإيران٬ والسنة والسعودية٫ والنظام السوري والعلويين٫ والثوار وداعش٫ والثورة الشعبية وقطاع الطرق. سيقول بعض السنة أن الشيعة كلهم مع النظام الإيراني أو مع حزب الله٫ ليرد بعض الشيعة أن السنة إن لم يكونوا داعش فهم من مؤيدي النصرة .وهكذا مواقف خاطئة تماما ٫وحمقاء . فالكثير من السنة يشارك في الحشد الشعبي في العراق ممن يقاتلون إلى جانب الشيعة ما يفوق عدد داعش في العراق وسورية.
وكذلك عدد السنة كبير في المجموعات التي تساند النظام في سورية في ما يسمى باللجان الشعبية والدفاع الوطني. كما ان عدد السنة المنخرطين في الجيش والقوى الأمنية ما يفوق عدد العلويين والشيعة السوريين القادرين على حمل السلاح. لذلك هذا ليس معيارا. فالشروط المادية ٫ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تحدد وعي الناس. لكن هنا علينا ان نشير الى واقعة في مجريات أو السيرورة الثورية هي أن النظام السوري قدر على تجييش وحشد مئات الآلاف من المقاتلين من جميع الطوائف والأديان. بينما ٫ يمكن القول ان المعارضة التي دفعت الى مقدمة المشهد الساحة الثورية فشلت في استقطاب أو كسب تعاطف أي شخص٫ بل ابعدت في كثير من الاحيان٫ أي ناشط من الطوائف غير السنية .
وبقي المعارضون من الأقليات السورية محاصرين مقيدين من نظام يتحكم بحياتهم وشخصيات تسمي نفسها ثورية تحدد صلاحياتهم الثورية ربما على التظاهر أو على صفحات التواصل الاجتماعي أو بمحاولات لتجميع قواهم في أحزاب أو تجمعات سياسية .الفرق بين الطائفيين في «الثورة» والممارسات الطائفية للنظام أن المتأسلمين مارسوا الطائفية بشكل فج وهذا ما أفشلهم٫ والنظام لعبها بإتقان ودهاء٫ وهذا أحد أسرار بقائه.
