
الخط الأمامي _ هيئة التحرير
بعد أكثر من عقد من انقطاع الرحلات الجوية المباشرة بين سوريا وعدد من الدول الأوروبية، بدأت هذه الرحلات بالعودة تدريجياً. ففي تموز/يوليو الماضي وقّعت ألمانيا وسلطة هتش (هيئة تحرير الشام) اتفاقاً للنقل الجوي، تبعته عودة الرحلات المباشرة بين ألمانيا ودمشق. وفي الوقت نفسه، لم تعد مسألة إعادة السوريين/ات وترحيلهم/ن من أوروبا مجرد نقاش سياسي بعيد الاحتمال؛ فقد أصدرت دول الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025 أكثر من 16 ألف قرار عودة بحق سوريين/ات، فيما ارتفع عدد العائدين/ات فعلياً مقارنة بالعام السابق.
بالنسبة إلى الحكومات الحاكمة في أوروبا، فهي مستعدة اليوم للتقارب والاتفاق مع سلطة تاريخها وحاضرها لا يتركان مجال لوصفها بأقل من قوة إرهابية، طالما أن هذا التعاون يصب في مصالح دولها وطبقاتها الحاكمة وحاجاتها السياسية الداخلية. أما السلطة الترميدورية، التي تسعى منذ وصولها إلى دمشق لتثبيت حكمها عن طريق الاعتراف الخارجي، فتجد في هذه الاتفاقات فرصة إضافية لتقديم نفسها شريكاً يمكن للدول الإقليمية والإمبريالية التعامل معه.
لكن خلف المصالح المتبادلة بين الطرفين يغيب السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى ملايين السوريين/ات: إلى أي سوريا سيعود هؤلاء؟
اتفاقات الترحيل على أنقاض مجتمع منهك
لا تكمن المشكلة في عودة السوريين/ات إلى بلدهم بحد ذاتها. من الطبيعي أن يرغب ملايين اللاجئين/ات في العودة إلى المدن والقرى والبيوت التي أُجبروا على مغادرتها. المشكلة تبدأ عندما تتحول العودة من حق يفترض أن تتوفر له شروط الحياة الآمنة والكريمة إلى عملية ترحيل تقررها الحكومات من فوق، بالتعاون مع سلطة لا تستطيع تأمين شروط الحياة لمن يعيشون في البلاد أصلاً.
إلى أي سوريا سيعود اللاجئين/ات و المرحّلين/ات قسراً ..؟؟
فالحكومة التي شكلتها هتش لم تتعامل مع المرحلة التي تلت سقوط نظام الطغمة ل آل الأسد باعتبارها فرصة لإعادة بناء المجتمع على أساس مصالح العمال/ات والكادحين/ات والمفقرين/ات الذين دفعوا ثمن الحرب والاستبداد. ومنذ وصولها إلى دمشق، كطرف منتصر من اطراف الثورة المضادة، اختارت السير في اتجاه اقتصادي نيوليبرالي متوحش، رافقه فصل تعسفي للعاملين/ات في مؤسسات الدولة، ارتبط في العديد من الحالات بالإقصاء على أساس الانتماء الديني أو الإثني أو السياسي، كما عملت على تقليص دور القطاع العام، وفتح واسع للأبواب أمام رأس المال والاستثمارات الخاصة، من دون وجود مشروع جديّ لإعادة تشغيل الاقتصاد المنتج أو توفير العمل والحماية الاجتماعية للجماهير.
فإذا كان الاقتصاد السوري عاجزاً عن تأمين فرص العمل لمن يعيشون داخله، وإذا كانت السلطة نفسها تزيد عدد العاطلين/ات من خلال الفصل والتسريح وسياساتها الاقتصادية، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة وانهيار البنية التحتية وضعف الخدمات، فعلى أي أساس تستقبل أعداداً إضافية من المرحّلين/ات؟
حين يصبح حمل السلاح فرصة عمل
للبطالة في سوريا اليوم نتيجة سياسية أشد خطورة من مجرد انخفاض مستوى المعيشة. فالشاب الذي لا يجد عملاً، والذي لا يستطيع أجره إن وجد عملاً أن يؤمن له الحد الأدنى من الحياة، لا يعيش خيارات غير محدودة. وكلما تراجعت فرص العمل المدني والمنتج، ازدادت أهمية المؤسسات القادرة على تقديم راتب منتظم ومصدر للعيش. وهنا يظهر الجهاز الأمني والعسكري. حيث أن تدمير البدائل الاقتصادية المدنية يوسع قدرة السلطة على استقطاب قطاعات من الشباب إلى مؤسساتها المسلحة. فحين لا يستطيع المصنع أو المدرسة أو المستشفى أو المؤسسة العامة تقديم فرصة عمل، بينما يستطيع الجهاز الأمني تقديم راتب وسلاح ونفوذ، تصبح الحاجة المادية نفسها واحدة من أدوات بناء جهاز السلطة. فالجهاز الأمني الطائفي لا يُبنى بالتحريض الأيديولوجي وحده؛ إنه يحتاج أيضاً إلى قاعدة مادية وإلى أفراد يجدون في الالتحاق به وسيلة للحصول على العمل والدخل والأفضلية.
وهكذا تمتزج النيوليبرالية مع الرجعية والقمع في الشكل المكتمل للترميدور السوري: سلطة تطبق سياسات اقتصادية تزيد التهميش والبطالة، و تعمل على إعادة إنتاج الانقسامات الطائفية والإثنية في المجتمع، بالإضافة الى سعيها إلى توسيع أجهزتها الأمنية والعسكرية بهدف قمع أي صوت معارض لها.
الجهاز الأمني الطائفي لا يُبنى بالتحريض الأيديولوجي وحده؛ إنه يحتاج أيضاً إلى قاعدة مادية
إذا كان هذا هو الوضع بالنسبة إلى الشباب الموجودين في سوريا اليوم، فما الذي سيحدث عندما تضاف إليهم أعداد جديدة من المرحّلين/ات الذين سيعود قسم كبير منهم بلا عمل ولا ممتلكات ولا شبكات اجتماعية قادرة على إعالتهم؟
أي إعادة تأهيل في ظل سلطة المجازر؟
تصبح المسألة أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بترحيل مرتكبي الجرائم ومن ثبت تورطهم في تنظيمات إرهابية. ليس من الضروري إنكار وجود هذه المشكلة أو التقليل منها. لكن الجريمة لا تختفي عندما يوضع مرتكبها على متن طائرة إلى دمشق. إذا ارتكب شخص جريمة فإن مسؤولية الدولة والمؤسسات القضائية لا تقتصر على العقوبة، وإنما تشمل أيضاً المحاكمة وإعادة التأهيل وإعادة الدمج الاجتماعي. أما الترحيل فلا يعالج المشكلة، بل ينقلها جغرافياً من مجتمع يمتلك إمكانات أكبر للمحاسبة وإعادة التأهيل إلى مجتمع يعاني انهيار مؤسساته الاقتصادية والاجتماعية.
والسؤال هنا ليس فقط ما إذا كانت السلطة السورية قادرة على إعادة تأهيل هؤلاء، بل ما إذا كانت مهتمة بذلك أصلاً.
فالسلطة الدموية التي حكمت سوريا خلال العام والنصف الماضيين قدمت جواباً عملياً على علاقتها بالعنف ومرتكبيه. من الساحل إلى السويداء وصولاً إلى الشيخ مقصود، كان الإجرام و الإذلال وانتهاك الكرامة الانسانية دليلاً كافياً على أن العنف ركن أساسي في هيكل السلطة الترميدورية. كما تأتي المسرحيات الهزلية المرافقة لعمليات التحقيق ومحاسبة المتورطين في خطف الفتيات السوريات عموماً والعلويات خصوصاً، كدليل إضافي على العلاقة البنيوية الوثيقة بين الإرهاب والسلطة الحاكمة في دمشق.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كانت السلطة لا تحاسب من يرتكب الجريمة و يحمل السلاح وهو موجود في مناطق سيطرتها ونفوذها، فلماذا يُفترض أنها ستتحول فجأة إلى مؤسسة قادرة على إعادة تأهيل من يحتاجون التأهيل من العائدين/ات قسراً إلى سوريا؟
الإفلات من العقاب وإعادة تدوير العنف
في ظل سلطة تسعى إلى توسيع أجهزتها الأمنية، وفي ظل اقتصاد يدفع أعداداً متزايدة من الشباب نحو الهامش، يمكن أن يصبح بعض الأفراد الذين يحملون تاريخاً من العنف مادة قابلة للاستيعاب داخل هذه الأجهزة نفسها. فالسلطة لم تجعل ممارسة العنف ضد المدنيين/ات مانعاً من البقاء في أجهزتها، بل خلقت أيضاً الشروط التي تسمح بإعادة تدوير العنف بل ومكافأة ممارسيه حين يخدم مصالحها.
من الساحل إلى السويداء وصولاً إلى الشيخ مقصود، كان الإجرام و الإذلال وانتهاك الكرامة الانسانية دليلاً كافياً على أن العنف ركن أساسي في هيكل السلطة الترميدورية
إن استقبال أعداد متزايدة من المرحّلين/ات من دون فرص عمل أو برامج إعادة اندماج، وبينهم أشخاص يحتاجون إلى برامج جدية لإعادة التأهيل، لن يعيد بناء سوريا. بل يعني إضافة مزيد من البطالة والفقر والتهميش إلى مجتمع يعانيها أصلاً، وتوفير مزيد من البشر الذين يمكن لأجهزة السلطة الطائفية والعصابات والجماعات الظلامية المختلفة أن تتنافس على استقطابهم.
هنا تظهر خطورة الاتفاقات التي تُقدَّم بوصفها انتصاراً دبلوماسياً: مجتمع سوري محطم يقع بين حكومات برجوازية تريد تحميله أعباء أزماتها الداخلية، وسلطة ترميدورية تبحث عن الاعتراف والشرعية والموارد اللازمة لتثبيت حكمها، بينما تواصل تعميق الخراب في الداخل.
من أجل قوة اجتماعية ثورية مستقلة
لكن مواجهة هذا الواقع لا تكون بالمطالبة بإغلاق سوريا أمام السوريين/ات، ولا بالنظر إلى المرحّلين/ات والعاطلين/ات بوصفهم خطراً ينبغي الخوف منه. حيث أن المشكلة ليست في عودتهم، بل في فرض العودة إلى بلد لم تُبنَ فيه شروط العودة الكريمة. ليست في العاطلين/ات، بل في النظام الذي ينتج البطالة. وليست في الشباب الباحثين عن مصدر للعيش، بل في السلطة التي تجعل حمل السلاح أحد الطرق القليلة للحصول عليه. لذلك لا يمكن انتظار الحل من القوى الإقليمية والدولية التي تتعامل مع السوريين/ات وفق مصالحها الخاصة، ولا من السلطة الترميدورية ومؤسساتها الأمنية، التي تشكل جزءاً رئيسياً من المشكلة التي يُفترض بها أن تحلها.
البديل يبدأ من التنظيم المستقل للعمال/ات والشباب والكادحين/ات والمضطهدين/ات، ومن النضال من أجل الحق في العمل والأجر والسكن والخدمات والحريات والمساواة؛ أي من أجل حق الجماهير في حياة كريمة ومستقبل أفضل، سواء بقيت في سوريا أو عادت إليها. لكن هذه المعارك لا تستطيع أن تبقى معارك متفرقة ومعزولة. إضراب هنا، واعتصام هناك، ومقاومة للفصل التعسفي في مكان آخر، واحتجاج ضد جريمة طائفية في منطقة أخرى، تحتاج جميعها إلى أن تتصل ببعضها وأن تتحول إلى قوة اجتماعية وسياسية مستقلة، قادرة على كسر الحدود الطائفية والإثنية التي تحاول السلطة والقوى الرجعية حبس الجماهير داخلها.
المطلوب هو بناء قوة اجتماعية ثورية مستقلة، قوة العمال/ات والشباب والكادحين/ات وكل المضطهدين/ات
ففي مواجهة سلطة المجازر، لا يكفي البحث عن جلاد أقل وحشية. وفي مواجهة البطالة والفقر، لا يمكن أن يكون الخيار هو الالتحاق بأجهزة من يصنعون هذا الفقر ويحرسونه. وفي مواجهة الارتهان للخارج، لا يمكن انتظار قوة إقليمية أو دولية إمبريالية لتقرر أي مستقبل يستحقه المجتمع السوري.
المطلوب هو بناء قوة اجتماعية ثورية مستقلة، قوة العمال/ات والشباب والكادحين/ات وكل المضطهدين/ات، قادرة على مواجهة السلطة الترميدورية، وعلى الوقوف في وجه الظلامية والطائفية والعنصرية والفاشية التي تطل برأسها وتهدد الجميع.
هذه القوة وحدها تستطيع انتزاع مستقبل الشباب من أجهزة القمع، وانتزاع المجتمع من سلطة الخوف والطائفية، وفتح الطريق أمام بلاد لا يُجبر فيها الشباب على الاختيار بين البطالة والبندقية، ولا يصبح فيها الإنسان ورقة تتبادلها الحكومات وفق مصالحها، بل يكون فيها تحرير البشر وحياتهم وكرامتهم نقطة البداية لأي مستقبل يستحق النضال من أجله.






