
تشهد أوروبا خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا منذ عملية “طوفان الأقصى” وما تبعها من تصعيد واسع في غزة، تحوّلًا تدريجيًا لكنه متسارع في المزاج الشعبي والثقافي تجاه السياسات الإسرائيلية. هذا التحول لا يظهر فقط في المواقف السياسية الرسمية، بل يتجسد بشكل أوضح في الفضاءات الاجتماعية والثقافية: الجامعات، النقابات، المؤسسات الإعلامية، والهيئات الثقافية. وهو ما يعكس تآكلًا متزايدًا في مستوى “القبول الرمزي” الذي تمتعت به إسرائيل تاريخيًا داخل الفضاء الغربي.
لم تعد القضية الفلسطينية هامشًا في النقاش الأوروبي، بل باتت في قلب جدل أخلاقي وسياسي أوسع حول القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والمعايير المزدوجة، وحدود “الحياد” الغربي نفسه.
اتساع الرفض خارج الدوائر التقليدية
أحد أبرز التحولات أن التعبير عن الرفض لم يعد حكرًا على الأحزاب اليسارية أو الحركات المناهضة للعولمة، بل امتد إلى قطاعات اجتماعية أوسع، خاصة الطلاب والنقابات والهيئات الثقافية.
في إسبانيا، لم يقتصر الموقف على تصريحات رسمية ناقدة، بل شهدت مدن عدة مظاهرات حاشدة، إلى جانب توسع حملات المقاطعة الأكاديمية والثقافية، ومطالب بوقف التعاون مع مؤسسات إسرائيلية في مجالات التعليم والبحث.
وفي أيرلندا، برز موقف سياسي وشعبي أكثر وضوحًا في دعم الحقوق الفلسطينية، انعكس في نقاشات برلمانية، ومواقف بلدية ونقابية تتجه نحو تقليص أو وقف التعاون مع جهات إسرائيلية، في سياق تاريخي حساس تجاه قضايا الاستعمار.
أما في هولندا، فقد قاد الحراك الطلابي داخل الجامعات نقاشات حادة حول استثمارات المؤسسات الأكاديمية في شركات مرتبطة بالبنية العسكرية الإسرائيلية، ما دفع بعض الجامعات إلى مراجعة سياساتها الاستثمارية تحت ضغط مباشر من الطلبة.
وفي بلجيكا، لعبت البلديات والنقابات دورًا متزايدًا في الدفع نحو مواقف نقدية، خصوصًا فيما يتعلق بعقود الشراكة والتعاون الاقتصادي والثقافي مع مؤسسات إسرائيلية.
الثقافة: من الحياد إلى الانقسام
المجال الثقافي، الذي كان يُفترض أنه مساحة “محايدة”، أصبح اليوم أحد أبرز ساحات التعبير السياسي غير المباشر. فقد شهدت أوروبا خلال الفترة الأخيرة سلسلة من المؤشرات الدالة على هذا التحول:
- انسحابات ومقاطعات ثقافية: شهدت مهرجانات سينمائية وفنية في أوروبا وأمريكا الشمالية احتجاجات أو انسحابات فردية وجماعية من فنانين رفضًا لمشاركة مؤسسات أو جهات مرتبطة بإسرائيل، كما في جدل مهرجانات مثل لوكارنو وتورونتو، إضافة إلى حملات ضغط متكررة في مهرجانات كبرى أخرى.
- المقاطعة الأكاديمية والثقافية: توسعت بيانات المقاطعة ضمن حركة BDS/PACBI، حيث وقع آلاف الأكاديميين والفنانين في أوروبا وخارجها على دعوات لوقف التعاون مع مؤسسات إسرائيلية، خصوصًا الجامعات المرتبطة بالبنية الأمنية والعسكرية.
- تحولات الإعلام العام: بدأت مؤسسات إعلامية أوروبية بإعادة توجيه جزء من محتواها لتغطية أوسع وأكثر مباشرة لما يجري في غزة وفلسطين، كما في BBC البريطانية وARD وZDF الألمانيتين. ومن أبرز الأمثلة الرمزية، قرار هيئة الإذاعة والتلفزيون السلوفينية (RTV) استبدال بث اليوروفيجن ببرنامج أسبوعي عن فلسطين بعنوان “أصوات فلسطين”.
هذه التطورات لا تعني إجماعًا أوروبيًا، لكنها تشير إلى تحوّل واضح: فلسطين لم تعد خارج المجال الثقافي، بل أصبحت جزءًا من الصراع على معنى الثقافة نفسها داخل أوروبا.
الجامعات: مركز ديناميكي للاحتجاج
تعد الجامعات الأوروبية اليوم من أكثر الفضاءات حساسية لهذا التحول. في بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، وهولندا، برزت:
- اعتصامات طلابية ممتدة
- مطالب بسحب الاستثمارات من شركات مرتبطة بالاحتلال
- نقاشات حادة حول حرية التعبير وحدود النقد السياسي
وفي عدد من الحالات، اضطرت إدارات جامعية إلى فتح مراجعات لسياسات الاستثمار والبحث تحت ضغط الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، في مشهد يعكس عودة النشاط السياسي إلى الحرم الجامعي الأوروبي.
أزمة المعايير المزدوجة
في خلفية هذا التحول، يتصاعد نقاش أوروبي واسع حول ما يُعرف بـ”المعايير المزدوجة”. فبينما فُرضت عقوبات ثقافية ورياضية واقتصادية صارمة ضد روسيا بعد حرب أوكرانيا، يطرح كثيرون تساؤلات حول غياب إجراءات مماثلة في الحالة الإسرائيلية.
هذا النقاش يعكس أزمة أعمق تتعلق بمصداقية النظام الدولي، وتسييس المعايير الأخلاقية، والتوتر بين الخطاب الحقوقي الأوروبي ومصالحه الجيوسياسية.
من التعاطف إلى إعادة تشكيل الوعي
ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في موجة تعاطف عاطفي، بل هو تحول أعمق في الوعي الأوروبي تجاه الصراعات الدولية. فالقضية الفلسطينية باتت تُطرح كاختبار لمصداقية القيم الغربية نفسها، لا كقضية خارجية بعيدة.
هذا لا يعني وجود موقف أوروبي موحد، بل يشير إلى انقسام متزايد بين سرديات تقليدية لا تزال مهيمنة في بعض المؤسسات، وسرديات نقدية جديدة تتسع داخل المجتمع المدني والثقافي.
القضية الفلسطينية في قلب التحول الأوروبي
إن أوروبا اليوم أمام تحول صامت لكنه عميق: تراجع تدريجي في القدرة على الحفاظ على الصورة التقليدية لإسرائيل كطرف خارج المساءلة الأخلاقية، واتساع في مساحات النقد الشعبي والثقافي لسياساتها. وفي هذا السياق، تعود القضية الفلسطينية إلى مركز الوعي الأوروبي، ليس فقط كقضية سياسية، بل كسؤال مفتوح حول العدالة، الاستعمار، وحدود الخطاب الغربي ذاته.
إعداد هيئة تحرير الخط الأمامي
