
“كلُّ الأشياء تُباع وتُشترى بنفس العملة، إلا الوطن يُباع بالخيانة ويُشترى بالدم”، بهذه الكلمات اختُتمت سيرة الدكتورة والمناضلة التاريخية مها أبو خليل، التي رحلت لتغلق فصلاً من تجربة استثنائية في مسار المقاومة والعمل الوطني
لم تكن أبو خليل مجرد أكاديمية أو ناشطة اجتماعية، بل كانت من الوجوه التي انخرطت مبكرًا في العمل الفدائي، وارتبط اسمها بمحطات بارزة في تاريخ المقاومة الفلسطينية خلال أواخر ستينيات القرن الماضي.
محاولة اختطاف طائرة “العال” في أثينا
ومن أبرز تلك المحطات مشاركتها في محاولة استهداف طائرة تابعة لشركة “العال” الصهيونية في مطار أثينا، برفقة سامي عبود وعصام ضومط، وهي العملية التي انتهت باعتقالها، قبل أن يُفرج عنها لاحقًا ضمن صفقة تبادل، إذ شكّلت تلك التجربة نقطة مفصلية في مسارها السياسي والنضالي آنذاك.

وفي أحد المؤتمرات الصحفية للجبهة الشعبية في الأردن، عبّرت أبو خليل عن موقفها بقولها: “لا يهم إن كنت أخاطر بحياتي”، في تعبير يعكس رؤيتها لدور الفعل النضالي في تلك المرحلة وسياقاته السياسية.
وفي ردّها على أسئلة صحفيين أجانب حول حادثة خطف الطائرة، أوضحت أنّ “الهدف من تلك العمليات لم يكن الإيذاء لذاته، بل يأتي في سياق ردّ الفعل على من يحتل الأرض ويوقع الأذى بالشعب”، مشيرة إلى أنّ الجهود كانت تُبذل – بحسب تعبيرها – لتجنّب إصابة أي مدنيين غير معنيين، وفق الرؤية التي تبنّتها بعض أوساط الحركة الثورية آنذاك.
وبعد الإفراج عنها عام 1970 ضمن صفقة تبادل بين الاحتلال “الإسرائيلي” والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واصلت لاحقًا مسارها بين العمل الفكري والثقافي والنشاط الاجتماعي، لتبقى سيرتها مرتبطة بمرحلة شديدة التعقيد من تاريخ العمل الوطني الفلسطيني، امتزج فيها السياسي بالشخصي، وتداخلت فيها التجربة الفردية مع سياقها التاريخي الأوسع.
أيقونة الثورة وشارة النصر
خلال محاكمتها في اليونان برفقة رفاقها، ظهرت في مشاهد وثّقتها العدسات وهي تدخل قاعة المحكمة بثقة وأناقة لافتة، ما جعلها تتحول إلى رمز بصري في ذاكرة تلك المرحلة، إذ بدت مبتسمة ومرفوعة الرأس رغم ظروف الاعتقال.
كما تداولت منصات فلسطينية مؤخرًا مقطعًا يُظهرها في شبابها وهي ترفع شارة النصر أثناء المحاكمة، في لحظة اعتُبرت جزءًا من الأرشيف المصوّر المرتبط بتاريخ العمل الفدائي آنذاك.

مناضلة لا تهادن: الرحيل الأخير
ببيانات تتجاوز حدود الانتماء الضيق، نعت “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” وغيرها الكثير من المنظمات اليسارية والثورية رفيقة الدرب والمناضلة التاريخية الدكتورة مها أبو خليل؛ ابنة بلدة “القليلة” الجنوبية التي جسّدت نموذجاً للمرأة التي لا تهادن، جامعةً بين رصانة الفكر وجسارة الفعل الفدائي.
لم يكن بقاء مها في مدينة صور تحت وطأة القصف “الإسرائيلي” مجرد صدفة، بل كان قرارًا واعيًا بالصمود؛ إذ رفضت مغادرة المكان رغم شدة العدوان، واختارت البقاء إلى جانب الناس وعلى أرضها.
وفي وقت لاحق، استهدفت غارة جوية المبنى الذي كانت تقيم فيه، لتبقى تحت أنقاضه لمدة يومين قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من انتشالها، فارتقت شهيدة قبل دقائق قليلة من إعلان وقف إطلاق النار في 17 نيسان/أبريل الجاري.
إرث مع الحكيم جورج حبش
رحلت الفدائية مها، لتعود الذاكرة إلى صورتها مع الحكيم جورج حبش ، مؤكدة أنّ الالتزام الوطني لا يشيخ ولا يتراجع مع الزمن.
رحلت “نموذج للمرأة المناضلة التي جمعت بين الالتزام الوطني والعمل التربوي”، فقد عُرفت في شبابها بانخراطها في العمل الفدائي، وفي مراحل لاحقة بمسار فكري وتربوي، بينما بقي موقفها ثابتًا في رفض النزوح، واختيار البقاء على الأرض رغم المخاطر، تعبيرًا عن تمسكها العميق بالانتماء والقضية.
مسيرة فدائية في صلب المشروع الثوري
صرح ناطق رسمي باسم حزب اليسار الثوري في سوريا، تعقيباً على استشهاد المناضلة، بأن الرفيقة مها لم تكن مجرد عابرة في تاريخ النضال، بل كانت ابنة شرعية للمرحلة التي أعقبت هزيمة 1967 ومعركة الكرامة، تلك المرحلة التي شهدت صعود البروليتاريا والشباب والنساء نحو تبني حرب الشعب الطويلة الأمد. لقد انخرطت الشهيدة في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، متأثرةً بنهج الرفيق جورج حبش والرفيق وديع حداد، لتثبت أن المرأة الثورية هي ركن أساسي في العمل الفدائي الميداني وبناء الوعي الجماهيري.
وأكد الناطق أن انطلاق الشهيدة من جنوب لبنان، وتحديداً مدينة صور، يعكس الترابط العضوي بين الجغرافيا والموقف الطبقي والوطني. ففي تلك البيئة التي امتزج فيها الفكر اليساري بالقضية الفلسطينية، صقلت مها وعيها المبكر، رافضةً منطق النزوح والانهزام، ومتمسكةً بخيار البقاء والمواجهة حتى لحظاتها الأخيرة، معتبرة أن الأرض لا تُسترد إلا بالكفاح والتضحية.
وفي قراءة لمسيرتها بعد الاعتقال، أشار الناطق إلى أن الشهيدة حولت النضال من الفعل العسكري المباشر إلى جبهة “الوعي كقوة مادية للهيمنة الثقافية المضادة”، من خلال انخراطها في العمل الأكاديمي والاجتماعي. لقد آمنت بأن الثورة ليست بندقية فحسب، بل هي بناء للإنسان الواعي المنحاز لفقراء شعبه ولمبادئ العدالة والحرية.
“إن استشهاد الرفيقة مها أبو خليل، وهي التي ختمت حياتها بمقولة ‘الوطن لا يُشترى إلا بالدم’، يجدد تأكيدنا في حزب اليسار الثوري على أن طريق التحرر الوطني مرتبط جدلياً بالتحرر الاجتماعي، وأن إرث المناضلين لا يموت، بل يتحول إلى وقود للانتفاضات القادمة التي ستجتث الصهيونية من جذورها.”
وختم الناطق: إننا في حزب اليسار الثوري، إذ نحيي روح الشهيدة ومواقف الرفاق في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، نؤكد أن بوصلتنا ستبقى موجهة نحو فلسطين، ونحو تمكين الجماهير الشعبية من استعادة دورها التاريخي في قيادة الصراع ضد قوى الاستعمار والاستبداد معاً.

برحيل مها أبو خليل، لا تُطوى سيرة فردٍ بقدر ما يُختتم فصلٌ كامل من ذاكرة مرحلةٍ فلسطينية–عربية كانت فيها الفكرة فعلًا، والموقف حياةً يومية تُعاش حتى آخر حدودها. بين الفعل الفدائي والعمل الفكري، بين الجنوب اللبناني ومخيّمات الشتات، تتقدّم سيرتها كمرآة لزمنٍ تشكّلت فيه المعاني الكبرى تحت ضغط النكسة وصعود المقاومة.
وفي الذاكرة التي تُكتب الآن، لا تُستعاد بوصفها حدثًا عابرًا، بل كجزءٍ من سرديةٍ أوسع عن جيلٍ آمن بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع وتُورّث. ومن هنا، يبقى حضورها مفتوحًا على امتداد الفكرة التي آمنت بها: أن الطريق قد يُغلق على الأفراد، لكنه لا ينتهي ما دام هناك من يؤمن به ويكمله
عن موقع الهدف بتصرف
