
المقدمة:
يشهد المشهد السياسي السوري، وخصوصًا بعد سقوط نظام الأسد البائد، تحولاتٍ عميقة تدفع تيار اليسار الثوري إلى وصف السلطة الجديدةبـ”السلطة التيرميدورية”. يستعير هذا التوصيف مفهومًا تاريخيًا من الثورة الفرنسية، تم تطويره نظريًا على يد ليون تروتسكي لتحليل القضاء على الثورة البلشفية في عهد ستالين. يهدف هذا المقال إلى تفكيك المفهوم التيرميدوري نظريًا، وتطبيقه عملياً على سلطة الجولاني، كاشفًا عن جوهرها كردة رجعية مضادة للثورة السورية.
1. الأسس النظرية للتيرميدورية: انتصار البيروقراطية على الجماهير
يستند مفهوم التيرميدورية، إلى التحليل الماركسي للدولة في المرحلة الانتقالية:
الثورة وولادة الدولة الجديدة: تنشأ دولة العمال (أو الثوار) بعد الإطاحة بالنظام القديم، مهمتها قمع مقاومة الطبقات المهزومة وتنظيم الانتقال نحو الاشتراكية (أو تحقيق أهداف الثورة). يُفترض أن تبدأ هذه الدولة “بالزوال” تدريجيًا مع توسع مشاركة الجماهير المباشرة في الإدارة.
الخطر البيروقراطي: تتحول أجهزة الدولة (الحزب، الجيش، البيروقراطية الإدارية) من “خدام للمجتمع” إلى “سادته”. تنفصل هذه الأجهزة اجتماعيًا ونفسيًا عن الجماهير التي افترضت أنها تمثلها.
الانقلاب التيرميدوري: هو لحظة انتصار هذه البيروقراطية المنفصلة. إنه ليس ثورة مضادة كاملة الاركان تعيد النظام القديم (كالرجعية البيضاء في روسيا)، بل هو ردة داخلية تحافظ على الشكل الخارجي للثورة (شعارات، مؤسسات) بينما تقوض جوهرها الطبقي والديمقراطي.
قمع الطليعة الثورية: سحق المعارضة اليسارية/الثورية الأصلية (المقابل السوري: قمع الفصائل الثورية الأخرى والمجموعات المدنية المستقلة).
تحطيم الديمقراطية الداخلية: إلغاء التعددية، وحدة الحزب البوليسية، تحويل التنظيم الثوري إلى جهاز بيروقراطي صارم يخدم القيادة (المقابل: هيمنة هتش وأجهزتها الأمنية، إلغاء المجالس المحلية المستقلة).
خلق امتيازات ولامساواة: ظهور “ارستقراطية جديدة” مرتبطة بالجهاز البيروقراطي والعسكري، تستفيد من موقعها لخلق وتكريس فوارق اجتماعية (المقابل: شبكات المحسوبية والفساد، التمايز الاقتصادي والاجتماعي داخل المناطق الخاضعة لهتش).
سياسة خارجية براغماتية: التخلي عن الأهداف الأممية/الثورية الشاملة لصالح “بناء الاشتراكية في بلد واحد” (أو في الحالة السورية: بناء “إمارة” في سوريا) والتحالف مع قوى إقليمية لضمان البقاء (المقابل: التبعية الكبيرة على تركيا) وتقديم كل التنازلات للامبريالية في سبيل البقاء في السلطة.
تعبئة الجماهير المتعبة: استغلال إرهاق الجماهير من الحرب والثورة وحرمانها، ورغبتها في “الاستقرار” ولو على حساب المبادئ، لتبرير القمع البيروقراطي والتنازلات.
2. السياق السوري: من الثورة إلى التيرميدور المحلي
ثورة آذار 2011: اندلعت كحركة جماهيرية عابرة للطوائف ضد نظام الاستبداد والفساد، تطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. برزت المجالس المحلية وفصائل الثورة المسلحة كأدوات تنظيمية شعبية.
صعود الهيمنة الجهادية وتشظي الثورة: مع تعقيد الصراع وتدخل القوى الإقليمية والدولية، برزت فصائل جهادية ذات أجندات أيديولوجية مغايرة جزئيًا أو كليًا للثورة الشعبية الأصلية. استفادت هيئة تحرير الشام (المتطورة عن جبهة النصرة) من الفوضى والضعف والتمويل الخارجي لفرض هيمنتها على إدلب.
تأسيس “السلطة التيرميدورية” (سلطة الجولاني): يمكن تحليل سلطة هتش/الجولاني عبر عدسة التيرميدورية.
قمع الطليعة الثورية: تصفية أو إخضاع الفصائل المسلحة الأخرى (حركة نور الدين الزنكي، فصائل الجيش الحر السابق)، ملاحقة النشطاء المدنيين والمعارضين، قمع أي صوت مستقل (المجلس المحلي في دارة عزة نموذجًا).
تحطيم الديمقراطية المحلية: حل المجالس المحلية المنتخبة أو إخضاعها، استبدالها بأجهزة بيروقراطية وأمنية تابعة لهتش (هيئة الحكومة “الإنقاذ”، الأمن العام، المحاكم الشرعية المركزية). تحولت “الهيئة” من فصيل مسلح إلى جهاز دولة قمعي.
خلق الامتيازات والبيروقراطية: ظهور طبقة من المسؤولين والعسكريين التابعين لهتش يستفيدون من موقعهم (تحكم بالمعابر، تحصيل ضرائب ومستحقات، تحكم بتوزيع المساعدات). نشوء فوارق اجتماعية واقتصادية بين هذه النخبة الحاكمة وبين السكان المثقلين بالحرب والحصار.
الاعتماد الإقليمي (الدعم التركي_ القطري): تحولت سلطة الجولاني إلى كيان يعتمد بقاءه بشكل شبه كلي على الدعم التركي (العسكري، السياسي، الاقتصادي، اللوجستي). هذا يجعلها خاضعة لأجندة أنقرة البراغماتية، متناقضة مع شعارات “الاستقلال” أو “التحرير” الشاملة، ومماثلة لاعتماد البيروقراطية السوفياتية على “الاشتراكية في بلد واحد” والسلام مع الامبريالية.
استغلال التعب الجماهيري: تسوّق سلطة الجولاني نفسها كضامن “للأمن” و”الاستقرار” النسبي في وجه نظام الأسد وحلفائه. تستغل رغبة السكان المنهكين في الهدوء النسبي لتبرير قمعها وتنازلاتها وعلاقتها بتركيا، متجاوزة المطالب الأصلية للثورة.
3. التيرميدورية السورية: السمات المميزة والتحديات
طابع هجين: تختلف عن النموذج الكلاسيكي (الستاليني) بغياب مشروع دولة مركزية بديلة كليًا (هي أقرب لإمارة محلية) وبالطابع الجهادي السلفي المهيمن أيديولوجيًا، والذي يستخدم الدين لتبرير البنية البيروقراطية والقمعية.
الاعتماد المفرط على الخارج: تجعل التبعية لتركيا وأمريكا والخليج سلطة الجولاني أكثر هشاشة وخضوعًا لأجندات خارجية من البيروقراطية الستالينية التي حكمت دولة كبرى.
الاستمرارية في القمع: تمارس سلطة الجولاني قمعًا ممنهجًا ضد أي معارضة، مستخدمة أجهزة أمنية (الميليشيات الطائفية) ومحاكم غير مستقلة، مماثلة لقمع الستالينية عبر الشرطة السياسية (إن كي في دي).
إفقار معنوي ومادي: تشبه حالة الجماهير في سوريا وصف راكوفسكي لضواحي باريس بعد التيرميدور: التعب، الخيبة، الفقر، فقدان الكوادر الثورية، العزوف عن المشاركة السياسية الفاعلة بسبب القمع والإحباط.
4. الاستنتاج: الجولاني كـ”أول بين التيرميدوريين”
تقدم نظرية التيرميدور إطارًا تحليليًا قويًا لفهم طبيعة سلطة الجولاني في سوريا:
انتصار البيروقراطية: مثل ستالين، انتصر الجولاني وفريقه ليس بسبب تفوقهم الفكري أو الثوري على الثوار الأصليين، بل بسبب قدرة جهازه (العسكري/الأمني/الإداري) على الاستفادة من:
- إرهاق الجماهير ورغبتها في الاستقرار.
- هزائم وتشظي القوى الثورية الأخرى.
- الدعم الإقليمي (التركي والخليجي) الذي وفّر له موارد تفوق منافسيه.
- القمع المنظم ضد المعارضة.
تحويل الثورة إلى سلطة: تحولت “هيئة تحرير الشام” من فصيل مسلح مشارك في الصراع إلى جهاز دولة بيروقراطي قمعي يهدف بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على سلطته وهيمنته داخل مناطق سيطرته، مستخدمًا شعارات الثورة والإسلام غطاءً لممارساته.
الدور الإقليمي: مثل البيروقراطية الستالينية التي تخلت عن الثورة العالمية لصالح “الاشتراكية في بلد واحد”، تخلت سلطة الجولاني عن هدف تحرير سوريا لصالح البقاء على الكرسي تحت الحماية التركية_ القطرية _ الأمريكية، مماهيةً بذلك بين بقاءها وبقاء الكيان المحلي.
الثورة المضادة البيروقراطية: تمثل سلطة الجولاني شكلاً من أشكال الثورة المضادة داخل مسار الثورة السورية. لقد حافظت على بعض مظاهر “الثورية” (المقاومة للنظام في الخطاب، البيئة الإسلامية) بينما قوضت جوهر الثورة الشعبية: التحرر، المشاركة الشعبية، الكرامة، والعدالة الاجتماعية، واستبدلتها بسلطة بيروقراطية-عسكرية قمعية تعيد إنتاج أشكال من الطائفية و الاستغلال واللامساواة تحت مظلة جديدة.
الخاتمة:
يُظهر تطبيق مفهوم التيرميدورية على سلطة الجولاني أنها ليست استمرارًا للثورة السورية، بل تشكل انقلابًا داخليًا (Thermidor) ضدها. إنها سلطة بيروقراطية-عسكرية قمعية، منفصلة عن الجماهير، تعتمد على الدعم الخارجي، وتُخضع المكاسب الثورية المتبقية لهاجس البقاء والهيمنة المحلية. فهم هذه الطبيعة التيرميدورية ليس فقط تحليليًا، بل هو ضروري لأي قوى ثورية تسعى لإعادة تفعيل المشروع التحرري الأصلي في سوريا، والذي يتطلب بالضرورة مواجهة ليس فقط الاحتلالات، بل أيضًا هذه الأشكال من الردة البيروقراطية التي تخنق إرادة التغيير الجذري تحت شعارات زائفة. انتصار الجولاني، مثل انتصار ستالين من قبله، هو انتصار لآلة البيروقراطية والسلطة على روح الجماهير وطموحها الثوري، وهو درس مرير تكرره الثورات عندما تفشل في الحفاظ على ديمقراطيتها وجوهرها التحرري ضد نزعات الهيمنة الداخلية والخارجية.
سمير إسحق
