فصلٌ جديد من فصول الصراع مع الطبقة الناهبة في سورية، تخوضهُ الطبقة العاملة مُحاولةً انتزاع رغيف الخبز من أنياب تلك الطبقة وآلتها القمعية “جهاز الدولة”.
موجة جديدة من حراك ينمو يوماً بعد يوم، ساحة بعد ساحة، مدينة بعد مدينة، ويطوّر معه أدواته في المقاومة الاقتصاديّة والسياسيّة والتنظيم. زادت طبقة الناهبين من معدل النهب من خلال دولتها، ورفعت ما تبقى من الدعم الحكومي الوهميّ عن الماء والكهرباء والخبز والبنزين والمازوت، تبعها مضاعفة أسعار الغاز المنزليّ بعد إعلان جزء من الطبقة العاملة عن دخولهم في إضراب عام، كخطوة هجوميّة أخرى بهدف التركيع بعد التجويع، وفرض سلطة رأس المال والطبقة التي تحتكرهُ.
السؤال التحليليّ المهم: بعد أن كانت شرارة الحراك الحالي هي إمعان الدولة في سياسات التجويع عبر رفع الدعم “الوهمي”- الأدق(زيادة معدل النهب)- عن الكهرباء والماء والمازوت والبنزين والخبز، لماذا كان سلوكها التالي هو رفع الدعم عن الغاز المنزلي بعد يومين من بداية الحراك، تلاه رفع أسعار آخر للمازوت والبنزين ؟ هل النظام بهذا الغباء لتأجيج الحراك بدل التهدئة؟ أم أنّ تناقضاً بنيوياً أعمق داخل الدولة وداخل طبقتها تعجز عن ضبطهِ قد أدّى إلى هذا السلوك غير المتوقع؟
التناقض الأساسي هو بين طرفيّ الصراع تاريخياً( الطبقة العاملة /والطبقة الناهبة ودولتها)، وتكون مهمّة الدولة الرأسمالية حماية حق النهب للطبقة الناهبة ككُل، وتهيئة ظروفه من خلال إجبار الطبقة العاملة على الاستمرار في العمل والإنتاج، ضمن شروط الإنتاج التي تفرضها مصالح الطبقة المهيمنة. إنّ وجود هذا التناقض الأساسيّ بين مصالح الطبقتين، ووجود الدولة الطبقيّة لضبط الصراع لمصلحة الطبقة المهيمنة، ينجم عنه تناقضات داخل كل طبقة. يُرغَم العامل في نظام عبودية الأجر ورأس المال على الدخول في حالة تنافسيّة مع العمال الآخرين، لبيع قوة عمله من خلال المضاربة والرضا بأجر أقلّ ليضمن العيش. ويدخل أصحاب رؤوس الأموال في مضاربات تنافسيّة لضمان مستوى أعلى من الربح عبر (احتكار أعلى لوسائل الإنتاج، ومعدل سرقة أعلى من قوة العمل للعامل)، فيكون دور الدولة البرجوازية هو “تلطيف أو لجم” الصراع الطبقيّ الأساسيّ، وحرف العمال باتجاه تناقضات ثانويّة وصراعات وهميّة تُضعِف الطبقة العاملة، وتُعيق امتلاكها للقوة السياسيّة وأدواتها؛كنقاباتٍ وأحزاب عماليّة، بالإضافة إلى إدارة التناقضات في المصالح داخل الطبقة الناهبة، من خلال ضبط مُعدّل النهب، وتوزيعه العادل على الناهبين وفق منطق اللصوص حول العدالة (حصتك من السرقة تتناسب مع سلطتك داخل الدولة).
لجأت الدولة الطبقيّة في سوريا تاريخياً كي تستطيع تلبية هذه المهمة إلى سياسة العصا والجزرة. الجزرة: خدمات وأجور بالحد الأدنى تكفي العامل للبقاء على قيد الحياة فقط، بغض النظر عن نوعية الحياة، بمعنى شروط الحد الأدنى لأيّ حياة ممكنة، بهدف استمرار عملية الإنتاج وصناعة الثروة.
العصا :الدولة البرجوازية “جهاز القمع الطبقي”، وتكون بيد الطبقة الناهبة، إذ تقوم بقمع وتخويف الطبقة العاملة لضمان استمرار حق اللصوص بسرقة قوة العمل و مراكمة الثروة واحتكارها.
إنّ الطبقة البرجوازية في أي نظام رأسمالي لا تكون متجانسة ومُنسجمة بشكل كامل ، فتناقض المصالح بين مكونات هذه الطبقة، ينبع بشكل أساسي من الطبيعة الأنانيّة للمنطق الرأسمالي القائم على الاحتكار والتنافسيّة و مراكمة الثروة، فلا يوجد نظام رأسمالي دون احتكار وسائل الإنتاج بأيدي الطبقة الناهبة ودون سرقة قوة العمل للطبقة العاملة وهذ لتحقيق شرط مراكمة الثروة وضمان استمرار رأسمالية الدولة، وبالتالي طبقية المجتمع.
تتلخص مهمة الدولة الرأسماليّة بحماية نمط علاقات الإنتاج الرأسمالي (احتكار وسائل إنتاج بأيدي الطبقة الناهبة / سرقة قوة العمل من الطبقة العاملة لمراكمة الثروة)، ولا تستطيع تحقيق هذه المهمة إلا من خلال تلطيف “لجم” الصراع الطبقي وتهيئة شروط النهب.
عندما تعجز الدولة عن تلطيف ” لجم” هذا الصراع، تصبح أيضاً عاجزة عن ضبط معدلات النهب وحصص النهب داخل الطبقة الناهبة ذاتها. هذه التناقضات الداخليّة بين مصالح أطراف الطبقة الحاكمة وعجز الدولة عن ضبطها يُفقِد الدولة ليس دورها الوظيفي بقمع الطبقة العاملة فقط، بل يفقدها القدرة على ضبط التناقضات في المصالح داخل الطبقة الناهبة ذاتها أيضاً، فيكون سلوك الدولة وفق محصلة الصراع بين أطراف التناقض داخل الطبقة الناهبة لا وفق مصلحة الطبقة الناهبة ككل، ما يجعل الدولة تبدو ذات سياسات مُتخبطة وغير منطقية، إلّا أنّ هذا التخبط هو المؤشر الأدق لحجم ونوع التناقض البنيوي بين الأطراف الُمتصارعة داخل الطبقة الناهبة.
يمرّ كل نظام رأسمالي بمراحل الولادة والنمو، ومن ثمّ الاستقرار المؤقت، يليهِ الانحدار والموت. ودورة الحياة هذه مرتبطة بدورة حياة نمط علاقات الإنتاج بشكل أساسي
وإذا ماتت هذه الدولة أيّ بمعنى (العجز الوظيفيّ عن أداء مهمته بتلطيف ولجم الصراع الطبقي الأساسيّ)، تدخل في مرحلة التفكك نتيجة نمو حدّة التناقضات بين مصالح الطبقة الناهبة. غير أنّ هذا التفكك لا يعني بالضرورة السقوط الفوري، إنما الدخول بمرحلة “التعفّن” إلى حين اكتمال عوامل دفنها. تزداد في هذه المرحلة حدّة التناقضات المُستعصية بين الطبقة العاملة و الناهبة، وتكون الأخيرة قد دخلت أيضاً بتناقض مستعصي يقوم بشكل أساسي على التنافسيّة غير المضبوطة لكل طرف من أطراف الطبقة الناهبة، وبالتالي عدم القدرة على تأمين شروط استمرار وجود طبقة الناهبين ككُل. تكون هذه المرحلة الأقسى على الطبقة العاملة، فالدولة الميتة إمّا أن تسقط وتُدفن، أو أنّها ستتفكك من الداخل وتتعفن، فتدفع الطبقة العاملة ضريبة تعفّن الدولة الميتة عبر إمعان الطبقة الناهبة بالنهب غير المضبوط والتنافسيّة على النهب أيضاً. حينها لن يكون لدى الطبقة العاملة خيارٌ للخلاص، إلّا بدفن هذه الدولة الميتة وإسقاط طبقتها قبل أن تتمكّن تلك الطبقة من إنتاج دولة طبقيّة جديدة، ولن يتم إسقاط الطبقة إلا باقتلاعها من الجذر بإسقاط احتكارها للثروة “الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج”كذلك وسيلة استمرار مراكمتها للثروة”سرقة قوة العمل”. إمّا أن نُسرع في دفن الدولة المتعفنة ونُسقط طبقتها، أو سيتسارع موتنا البطيء عبر سياسة التجويع والعصا، بعدَ أن أكلَ الناهبون حتى الجزرة.
كلّ نظام يقوم على الملكيّة الخاصة لوسائل الإنتاج هو نظام رأسمالي من حيث النوع، ولكن لكلّ نظام رأسمالي خصائصه التي تُحدّد أدواته في البقاء وبالتالي أدواتنا من أجل اقتلاعهِ.
انتهجَ نظام الطغمة منذ وصوله للسلطة سياسةَ العصا والجزرة، حاولَ مواجهة انتفاضة 2011 بسياسة تدمير جزءٍ من الطبقة العاملة لإعادة فرض السلطة على من تبقى. كان تدمير جزءٍ من الطبقة العاملة، وسياسة الأرض المحروقة أو المباعة، فضلاً عن تسريع الخصخصة، قد أفقَد النظام وطبقته جزءاً كبيراً من مصادر النهب. ترافق هذا الفقد بإنتاج طبقة برجوازيّات الحرب كنتيجةٍ لمحصلة الصراع داخل الطبقة البرجوازية ذاتها من جهة، ونتيجة لتغير نمط الاستثمار التحول من الاستثمار الريعي إلى الاستثمار بالحرب والمخدرات والارتزاق من جهةٍ ثانية، بعد أن سحقت برجوازيات الحرب بقية الطبقة البرجوازية أو أخرجتها خارج الطبقة.
تحوّل التناقض لاحقاً داخل الطبقة الحاكمة، إلى صراعٍ بين مصالح برجوازيات الحرب ذاتهم، وإلى تناقض في مصالح داعيميهم من الأنظمة الرأسماليّة الدولية. لم يتبقَّ لدى الدولة السوريّة من أي وسائل للجم الصراع الأساسيّ، ولم تستطع لجم الناهبين ومنعهم من اقتسام الجزرة، فتحولت سياستهم بعد أن أكل الناهبون تلك الجزرة _(الحد الأدنى من شروط استمرار الحياة)- إلى سياسة التجويع والعصا للتركيع، معتمدين على اعتقادهم بخوف الطبقة العاملة من محاولة التحرر، والخوف من تكرار سيناريوهات الماضي، وعلى جود احتلالات متصارعة تسعى لبقاء هذه الدولة الميتة بالإضافة إلى عمالة المعارضة المرتهنة (سلطات الثورة المضادة)، وفقد الطبقة العاملة السوريّة للجهاز العصبي الذي يبث فيه الحياة والقدرة على المقاومة، ألا وهو؛ التنظيمات العماليّة. عندما يُدرك العمال بالاختبار اليومي أنّ الصراع الاساسي ليس ذاتياً بين العمال، وأنّ الصراع هو بين طبقة العمال وطبقة اللصوص، تكون قد دخلت الطبقة العاملة في النضال السياسيّ وتتحول أدوات العصيان كالإضراب الاقتصاديّ إلى إضراب سياسيّ لأنها بذلك تدرك حدودها ومصالحها كطبقة، وتلك المعرفة وإدراكها لذاتها وموقعها في عملية الإنتاج تكون بداية تحررها.
تكمن أهميّة الإضراب بأنّه المدرسة الأهمّ التي تتعلم من خلاله الطبقة العاملة كيف تخوض حربها، (ولكنه ليس كل الحرب)، وتدرك من خلاله أيضاً دورها في عملية الإنتاج وطبيعة نمط العلاقات الإنتاجية، كذلك تُدرك سبل التحرر من عبوديّة الأجر ورأس المال، وتتعلّم كيف تخوض نضالها السياسيّ ببعدهِ الطبقيّ الأساسيّ وتحمي ذاتها من أن تكون وقوداً لصراعاتٍ ثانويّة على أساسٍ طائفيّ أو عشائريّ أو قوميّ، وتخوض صراعها الحقيقي القائم على الفرز بين طبقة المنهوبين والناهبين.
في الوقت الذي يتوقف فيه العمال عن العمل، وتتوقف سرقة قوة العمل، ترتعب الطبقة الناهبة ودولتها، وتُدرك أنّ جذورَها تتزعزع في الإضراب الاقتصادي. نصل لجوهر فعله السياسيّ عندما تخوض الطبقة العاملة صراعها كطبقة واحدة لا وفقاً للانقسامات الثانويّة التي أنتجتها الدولة الطبقيّة (لضمان بقاء انقسام العمال وعدم قدرتهم على امتلاك أدوات القوة السياسية).
إنّ صراعنا مع الطبقة الحاكمة هو بهدف رغيف الخبز نعم؛ ولكن هل يوجد صراع في التاريخ إلا وكان حول هذا الرغيف؟ ندرك نحن ويدركون هم أنّ رغيف الخبز لا يمكن الوصول إليه دون وقف سرقة قوة العمل للعمال ودون استرداد السلطة، فاحتكار وسائل الإنتاج والثروة هو سبب قدرتهم على احتكار السلطة، والأداة هي دولتهم الطبقيّة.
نريدُ الخبز لكننا ندرك تماماُ أننا لن نصل إليه دون الخلاص من الاستغلال وسرقة قوة العمل، والعلاقات الاقتصادية الحالية التي تحكمنا، ولا يمكن أن ندمّر “حق” اللصوص بالسرقة دون أن نزع العصا التي يضربوننا بها “دولتهم”. صراعنا مع طبقة الناهبين ومع دولتهم ليس مع النظام السياسيّ فقط ، وصراعنا مع الاستغلال والتجويع هو صراع مع طبقة اللصوص والدولة التي تضمن شروط استمرار النهب. ولعل أهمّ سببين أُجهِضَ من خلالهما الحراك الثوري في ٢٠١١؛ أنّ انخراط الطبقة العاملة بالحراك لم يكن بهويتها الطبقيّة الجامعة، مما سهّل تشتيت الصراع حول الانقسامات الثانويّة لحرفهِ عن الصراع الأساسي الطبقي،ما مكّن مشاريع الثورة المضادة الخارجة من رحم النظام وطبقته، من حرفِ الحراك الثوريّ، فكان على المنهوبين أن يموتوا، وعلى لصوص الثورات التنافس على “سلطة الثورة”.
أمّا السبب الثاني يتعلّق بفقدانِ الحراك للأدوات السياسيّة التي تنظم قوته وتحميه من الاستغلال المضاد، ففي ظلّ غياب الأحزاب الثوريّة والتجمعات العماليّة والنقابات، خاضت الطبقة العاملة صراعها عزلاء ضد الطبقة الناهبة ودولتها، وضد مشاريع الثورة المضادة. إذ لا يمكن للعمال أن يتحرروا دون أن يطوروا خلال الانتفاضة شكلاً من أشكال التنظيم يحمي حراكهم، ويضمن بقاء قيادة هذا الحراك في أيديهم ويُمكنّهم من تنظيم مسارهم نحو الثورة ورسمِ ملامح التغيير الذي يريدونه.
إنّ المظاهرات مُهمّة والإضراب أهم، وهذه أهم الأدوات السياسيّة التي يمتلكها العمال للمقاومة، لكنّها لن تثمر عن تغيير ثوريّ أو إصلاحيّ حتّى، إذا لم نذهب لجوهر المشكلة “استعادة السلطة” سلطة العمال على أنفسهم دونَ وصايةٍ من إصلاحيّين أو إنقلابييّن. نَعم يُمكننا نزع السلطة في منطقةٍ ما من أيدي نظام الطغمة ودولته، ولكن هل هذا يعني أننا انتهينا؟ صراعنا لم يعد كصراع 2011، لم يعد الصراع ضد نظام الأسد فقط، اليوم صراعنا مع طبقة اللصوص (نظام الطغمة، وأنظمة الثورات المضادة المختبئة تحت اسم المعارضة، ومافيات الـ NGOs).
تنمو الانتفاضة الجديدة بشكل متفاوت ومُتسارع وأكثر جذريّة وثوريّة من انتفاضة 2011، وهذا تطور طبيعي للحركة السياسيّة للطبقة العاملة، فعندما يتم قمع انتفاضة تعود لتظهر بشكل أقوى وأكثر جذرية وثورية. لكنّ قوةَ الحراكِ وزخمه لن تُخفف من احتمالات الإجهاض. أَجَل، أدرك جزءٌ كبير من الطبقة العاملة صراعَه الأساسيّ، ولكنّ المعيار النوعيّ الأهمّ هو مستوى التنظيم وتطور أشكال التنظيم على الأرض.
سعى نظام الطغمة إلى شلّ الطبقة العاملة سياسياً لضمان القدرة على استغلالها اقتصادياً، ومنعها من التحرر من سلطة الطبقة الحاكمة وسلطة رأس المال. وكان الشلل من خلال استئصال الجهاز العصبي من جسم الطبقة (التنظيمات العمالية والأحزاب).
كلّما راحَ العمال باتجاه خوض الصراع ببعدهِ الطبقيّ، كلّما ازداد التناقض بين مصالح الطبقة الناهبة وتسارعَ تفككها وتعفنها، وازداد معها التناقض بين مصالح الطبقة العاملة والطبقة الناهبة وتَسارع حسمه، واختفت التناقضات الثانويّة الموجودة داخل الطبقة العاملة.
تدركُ الطبقة العاملة أنّ ما بينها وبين رغيف الخبز، احتلالات خارجيّة، وطبقة أمراء الحرب ودولتهم الطبقيّة “جهاز القمع “، بالإضافة إلى سلطات الأمر الواقع التي أفرزها النظام خلال محاولته إجهاض الحراك الثوري ٢٠١١ عبر الثورة المضادة، وأعدّ مسبقاً الشروط الماديّة لإنتاج هذه الثورة المضادة عبر سياساتهِ الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة منذ وصوله إلى السلطة.
لا جديد لدى النظام، لقد تَلقّى الحراك الأخير كما تلقّى الحراك الذي سبقه. حملات اعتقال للناشطين، تعتيم إعلامي، الإمعان في سياسات التجويع، وفتح جبهات قتال كانت ُمجمّدة وتنتظر إشارةَ اللاعبين الدوليين لتصدح مدافعها فتُخرِس حناجرنا وتغطي على أصوات المنتفضين أو تُخيف من أوشكَ على الانتفاض. للكن نحن من يجب أن يكون لدينا جديدنا كي لا نخسر جولة أخرى في معركتنا ضد الطبقة الناهبة. جديدُنا سيكون التنظيم، سنحمي حراكنا من الضياع ولن يقودنا ناهبون، سنقودُ ذاتنا بذاتنا، وسنرفع شعار التنظيم ثم التنظيم ثم التنظيم.
أدركنا أنّ جوهَر التغيير الثوريّ يكمنُ في التنظيم، وتعلّمنا درسَنا بالطريقة الأقسى بعد أن سرقوا منّا انتفاضة 2011 وما سبقها.
لجان عماليّة في كلّ وحدة عمل (مصنع ، فرن خبز، ورشة ، أرض.. ) لجان أحياء، لجان قرى، ولجان مدن. لا ينقصنا العدد فالطبقات العماليّة والشعبيّة والمنهوبة هي الغالبية الساحقة، لكننا نحتاج إلى قدرٍ أعلى من التنظيم في جسمِ هذه الطبقة. إنّ الوصول إلى رغيف الخبز لا يمكن أن يكون إلّا عبر امتلاك وسائل انتاجه والتحرّر من سلطة سارقيه، ولا يُمكن التحرر من سلطة سارقيه إلا عبر امتلاك سلطة أقوى; كلّ السلطة للطبقة العاملة.
ماذا بعد الإضراب في السويداء؟ الإضراب عن العمل عصيان اقتصاديّ سياسيّ بهدف التحرر من سلطة الطبقة المهيمنة، ولن نتحرر من سلطتهم بإيقاف العمل بل عبر امتلاك وسائل انتاجه، لا يمكن العودة خطوة إلى الوراء، ولكن يُمكن شقّ طريقٍ إلى الأمام والذهاب باتجاه تحرير وسائل الإنتاج من الهياكل الإداريّة للنظام وإدارتها من قبل العاملين فيها، عبر لجان العمال بالتنسيقِ مع لجان تنظيم الإضرابات والمظاهرات.
الطبقة العاملة في الشمال وخارج سورية، انتفاضتكم ضدّ سلطات الثورة المضادة هي التي ستعطي الحراك في الداخل قوته، وستصنع سورية واحدة حرّة وكريمة، فالثورة ليست ثابتاً وفعلاً واحداً باتجاه واحد؛ إنّها سيرورة حيّة وصراعٌ مستمر ومُتغيّر، لأن ثوريّ الأمس هو شبيح اليوم ما لم يكن ثوريّاً وفقَ معطيات اليوم.
الرفيق فرات السياب _ الخط الأمامي
