فهرس المحتويات
اسم الكتاب كاملا: الثورة المغدورة – نقد التجربة الستالينية –
كتبه ليون تروتسكي سنة 1936.
المصدر العربي: الثورة المغدورة (نقد التجربة الستالينية) الطبعة الثالثة 1991 دار الإلتزام للطباعة والنشر بيروت
ترجمة: رفيق سامر
هدف هذا الكتاب
حاول العالم البورجوازي في البدء أن يتجاهل أوجه النجاح الاقتصادي لنظام السوفياتات، وهي الدليل العملي على جدارة الأساليب الاشتراكية بالحياة. ولا يزال العلماء الاقتصاديون الذين يخدمون الرأسمال يحاولون حتى اليوم أن يلزموا صمتا مطبقا أمام سرعة التقدم الصناعي التي لا مثيل لها في التاريخ، أو يكتفون بالتحدث عن “الاستغلال الفاحش” للفلاحين. وهم يضيعون بعملهم هذا فرصة نادرة ليشرحوا لنا لماذا لم يؤد استغلال الفلاحين الفاحش في الصين واليابان والهند مثلا إلى تقدم صناعي متسارع يشبه، ولو قليلا، تقدم الاتحاد السوفياتي.
بيد أن الوقائع تمضي في عملها، ومكتبات البلاد المتحضرة عامرة بمؤلفات عن الاتحاد السوفياتي، وليس في هذا ما يدعو إلى الدهشة: فإن ظواهر كهذه لا تقع دائما. وتحتل الكتابات المدفوعة بالحقد الأعمى وسط هذا الإنتاج مكانة تتضاءل أهمية باستمرار، بينما يزداد جزء كبير جدا من المؤلفات الحديثة تعاطفا إن لم يكن إعجابا. ولا يسعنا أن نهنئ أنفسنا على وفرة المؤلفات المؤيدة للاتحاد السوفياتي كدليل على تحسن سمعة “الدولة المحدثة”. وعلى كل حال إن تجميل الاتحاد السوفياتي خير ألف مرة من تجميل إيطاليا الفاشية. لكن القارئ يبحث دون جدوى بين صفحات هذه الكتب جميعا عن تقدير علمي لما يجري حقا في بلد ثورة أوكتوبر.
إن مؤلفات “أصدقاء الاتحاد السوفياتي” يمكن تصنيفها في ثلاث مجموعات كبرى. فكتبات الصحفيين الهواة ومقالات الوصف والتحقيقات الصحفية “اليسارية” – إلى هذا الحد أو ذاك – تقدم بمجموعها أكبر عدد من الكتب و المقالات. ونجد إلى جانبها مؤلفات “الشيوعية” الإنسانية والغنائية و المسالمة، لكن المتصفة بقدر أكبر من الادعاء. وتحتل المرتبة الثالثة التبسيطات الاقتصادية المكتوبة بروح “الاشتراكية الجامعية” الألمانية القديمة. إن لويس فيشر ودورانتي معروفان كفاية كممثلين للنوع الأول من الكتـَّاب، بينما يمثل باربوس ورومان رولان فئة “الأصدقاء الإنسانيين” أفضل تمثيل: وليس صدفة أن الأول كتب “حياة المسيح” والثاني ألـَّف “حياة غاندي” قبل أن يهتديا إلى ستالين. كما وجدت الاشتراكية المحافظة المتحذلقة في الزوجين ويب الفابيين (1) خير ممثلين لها.
يجمع هذه المجموعات الثلاث المختلفة كل الاختلاف عبادتها للعمل المنجز و ميلها للتصميمات المتفائلة. وكل هؤلاء الكتـَّاب عاجزون عن الثورة ضد الرأسمالية في بلدانهم، لذا فهم مهيأون للاعتماد على ثورة خارجية، تكون فضلا عن ذلك بدأت تهدأ. إن أحدا من هؤلاء الأشخاص أو آبائهم الروحيين لم يتساءل جديا قبل ثورة أوكتوبر أو بعدها بسنوات طويلة عن السبل التي ستسلكها الاشتراكية للبزوغ في هذا العالم. ولذا ليس صعبا عليهم رؤية الاشتراكية في ما يتم في الاتحاد السوفياتي، الأمر الذي يعطيهم مظهر الرجال التقدميين المسايرين لعصرهم، كما يهبهم صلابة معنوية دون أن يُـلزمهم بأي ارتباط. إن مؤلفاتهم التأملية المتفائلة غير الهدامة إطلاقا، التي ترى المساوئ في الأوضاع الماضية وحسب، تطمئن القارئ وتضمن لنفسها رواجا وقبولا. وهكذا تتشكل بهدوء مدرسة عالمية يمكن تسميتها بالمدرسة “البلشفية المخصَّصة للبرجوازية المستنيرة” أو بمعنى أدق مدرسة “الاشتراكية للسواح الراديكاليين”.
إننا لا نفكر بنقد هذا النوع من الكتابات لأنها لا تتيح مجالا جديا للمناقشة، وتنتهي كل القضايا بالنسبة إليها في النقطة التي تبدأ منها في الحقيقة. إن هدف هذا الكتاب إجراء تقدير صحيح لما هو موجود لتفهم ما يجري بشكل أفضل. ولن نقف أمام الماضي إلا بقدر ما يساعدنا ذلك على توقع المستقبل.
إن عرضنا سيكون عرضا ناقدا، لأن الذي ينحني أمام الأمر الواقع ليس أهلا لأن يخطط للمستقبل.
لقد مر التطور الاقتصادي والثقافي في الاتحاد السوفياتي حتى الآن بمراحل عديدة دون أن يصل إلى التوازن الداخلي – لا بل مازال بعيدا عن ذلك. وإذا اعتبرنا أن هدف الاشتراكية هو خلق مجتمع بلا طبقات، مجتمع مبني على التضامن وعلى تلبية كل الرغبات بشكل متناسق، فإنه لا يوجد إلى حد الآن، بهذا المعنى الأساسي، أية اشتراكية في الاتحاد السوفياتي. صحيح أن تناقضات المجتمع السوفييتي تختلف اختلافا عميقا من حيث طبيعتها عن تناقضات الرأسمالية، لكنها ليست أقل عنفا. وهي تظهر في عدم المساواة المادية والثقافية وفي القمع، وفي تشكيل المجموعات السياسية، والصراع بين كتل الحزب. إن النظام البوليسي يكتم الصراع السياسي ويشوه شكله دون أن يقضي عليه. وتؤثر الأفكار المحرَّمة، في كل خطوة تخطوها، على سياسة الدولة، بشكل ينضجها أو يناهضها . لهذا لا يمكن تحليل تطور الاتحاد السوفييتي بشكل منفصل عن الشعارات والأفكار التي يجري تحت لوائها صراع سياسي في البلاد يبدو صامتا إلا انه يتأجج كالبركان. إن التاريخ يختلط هنا بالسياسة الحية.
إن ضيقي الأفق المتحذلقين “اليساريين” يحبون تكرار التوصية باعتماد الحذر في نقد الاتحاد السوفييتي لئلا يصاب بناء الاشتراكية بضرر. و لكننا لا نعتقد أن الدولة السوفييتية هشة لهذه الدرجة. إن أعداءها يعرفون عنها أكثر بكثير من أصدقائها الحقيقيين. ولدى قيادات الدول الإمبريالية معلومات دقيقة عن كل ما يتعلق بأوضاع الاتحاد السوفييتي، و ليست هذه المعلومات مستقاة فقط من التقارير الرسمية المنشورة. فالأعداء قادرون مع الأسف على الإفادة من نقاط ضعف الدولة العمالية، ولكنهم ليس بوسعهم إطلاقا الاستفادة من النقد الموجه إلى اتجاهاتها التي يعتبرونها من ناحيتهم ايجابية.
إن عداء معظم “أصدقاء” الاتحاد السوفياتي الرسميين للنقد يخفي في الحقيقة ضعف تأييدهم للثورة أكثر من ضعف الاتحاد السوفييتي. فلنبعد إذن بهدوء كل هذه التحذيرات والمخاوف. فالحقائق أصدق قرارا من الأوهام، و نحن نريد أن نقدم للعالم وجها واضح المعالم لا قناعا زائفا.
ليون تروتسكي
4 آب / أغسطس 1936
ملاحظة: انتهى هذا الكتاب وأرسل إلى الناشر في الوقت الذي أعلنت فيه محاكمة “الارهابيين” في موسكو، التي لم يرد تحليلها هنا بالتالي. وذلك يجعل من الأهمية بمكان أن نؤكد أن هذا الكتاب يشرح مسبقا محاكمة “الارهابيين” ويظهر زيفها.
الفصل الأول: المكتسبات
المؤشرات الأساسية للتقدم الصناعي
لقد أدى ضعف البرجوازية الروسية إلى تعذر الوصول إلى الأهداف الديمقراطية لروسيا المتخلفة، مثل تصفية الملكية وعبودية الفلاحين، إلا بواسطة ديكتاتورية البروليتاريا. ولكن البروليتاريا لم تستطع الوقوف عند حدود الإصلاحات الديمقراطية بعد وصولها إلى السلطة، على رأس جماهير الفلاحين. واختلطت بذلك الثورة البرجوازية مباشرة مع المرحلة الأولى من الثورة الاشتراكية. وليس هذا محض صدفة. لقد أثبت تاريخ العقود الأخيرة أن البلاد المتخلفة عاجزة في ظروف أفول الرأسمالية عن الوصول إلى مستوى حواضر الرأسمالية العريقة.
إن المحضِّرين الواقعين في طريق مسدود يغلقون الطريق أمام الذين يتحضَّرون. لم تنخرط روسيا في طريق الثورة البروليتارية لأن اقتصادها كان الأنضج للتحول الاشتراكي، بل لأن هذا الاقتصاد غدا عاجزا عن التطور على أسس رأسمالية. وأصبح تشريك وسائل الإنتاج الشرط الضروري لإنقاذ البلاد من الهمجية: هذا هو قانون التطور المركب للبلاد المتخلفة. وهكذا فإن على إمبراطورية القياصرة التي دخلت الثورة الاشتراكية “كأضعف حلقة في السلسلة الرأسمالية” (لينين) أن تحاول بعد 19 سنة من الثورة أن “تلحق وتسبق” أوروبا وأمريكا، أي أن تحل مشاكل الإنتاج والتقنية التي حلتها الرأسمالية المتقدمة منذ زمن بعيد.
هل كان يمكن أن يتم الأمر بشكل آخر ؟ إن إطاحة الطبقات المسيطرة القديمة لم تحل المشكلة بل عملت على كشفها، وما المشكلة سوى: الارتفاع من الهمجية إلى الثقافة. لقد مركزت الثورة ملكية وسائل الإنتاج في يد الدولة، فأعطتها بذلك قدرة على استخدام أساليب اقتصادية جديدة ذات فعالية أكبر بما لا يقاس. إن إعادة البناء السريعة لما دمرته الحرب الإمبريالية والحرب الأهلية، وخلق مشاريع كبرى وصناعات جديدة وفروع صناعية كاملة، لم يكونا ممكنين إلا بفضل توفر القيادة حسب خطة موحدة.
إن التباطؤ البالغ للثورة العالمية التي كان يعتمد زعماء الحزب البلشفي على حدوثها في أجل قريب، سبب للاتحاد السوفييتي مصاعب هائلة، وأظهر في الوقت نفسه موارده الداخلية وإمكانياته الواسعة بشكل خاص. لكن لا يمكن تقدير النتائج التي تم الوصول إليها تقديرا صحيحا، بعظمتها ونواقصها، إلا على مستويات عالمية. إننا نستخدم طريقة التحليل التاريخي والاجتماعي لا طريقة تجميع الإحصائيات. ولكننا سنأخذ رغم ذلك بعض الأرقام الهامة كنقطة انطلاق.
تظهر ضخامة تصنيع الاتحاد السوفييتي، بالمقارنة مع ركود وأفول كل العالم الرأسمالي تقريبا، انطلاقا من المؤشرات الإجمالية التالية: إن الإنتاج الصناعي الألماني لا يبلغ في الوقت الحاضر مستوى عام 1929 إلا بفضل حمى التسلح. على حين لم يزد إنتاج بريطانيا العظمى إلا بمقدار 3 – 4 بالمئة فقط، رغم الحماية الاقتصادية. ونقص إنتاج الولايات المتحدة الصناعي بنسبة تعادل 25 بالمئة كما نقص في فرنسا بنسبة تزيد عن 30 بالمئة. وتحتل اليابان من حيث نجاحاتها، بفضل جنون تسلحها وقرصنتها، المقام الأول بين البلاد الرأسمالية: فقد زاد إنتاجها بنسبة 40 بالمئة. لكن هذا المؤشر الاستثنائي يبدو رغم ذلك متواضعا جدا أمام دينامية تطور الاتحاد السوفييتي الذي تضاعف إنتاجه الصناعي في المدة الزمنية ذاتها ثلاث مرات ونصفا، أي ما يعني زيادة بنسبة 250 بالمئة. كما تضاعف إنتاج الصناعة الثقيلة السوفييتية في السنوات العشر الأخيرة (1925 – 1935) أكثر من عشر مرات. لقد تم في السنة الأولى من الخطة الخمسية الأولى تثمير رأس مال قدره 5,4 مليار روبل، بينما ارتفع الرقم في سنة 1936 إلى 32 مليارا.
أما إذا تركنا الآن التقديرات المالية، نظرا لعدم استقرار الروبل كوحدة ثابتة للقياس، فإن تقديرات أخرى أكثر دقة تفرض نفسها: ففي كانون الأول / ديسمبر 1913 أعطى حوض الدونيتز مليونين و275 ألف طن من الفحم بينما أعطى في كانون الأول / ديسمبر 1935 سبعة ملايين و125 ألف طن. وفي خلال السنوات الثلاث الأخيرة تضاعف إنتاج الحديد الزهر مرتين، كما ارتفع إنتاج الصلب والفولاذ حوالي مرتين ونصف. وإذا قارنا استخراج البترول والفحم الحجري والحديد الخام اليوم مع أرقام ما قبل الحرب نجده قد تضاعف ثلاث مرات إلى ثلاث مرات ونصف. وفي عام 1920، عندما وضعت أول خطة للكهرباء، كان في البلاد 10 محطات محلية قدرتها الإجمالية 253,000 ألف كيلووات، وفي عام 1935 بلغ عدد المحطات 95 محطة محلية قدرتها الإجمالية 4,345,000 كيلووات. وفي عام 1925، كان الاتحاد السوفييتي في المركز الحادي عشر بين دول العالم في إنتاج الطاقة الكهربائية، أما في عام 1935 فلم يكن أمامه سوى الولايات المتحدة وألمانيا. وتقدم الاتحاد السوفييتي في إنتاج الفحم الحجري من المركز العاشر إلى المركز الرابع. وفي إنتاج الفولاذ من المركز السادس إلى الثالث ووصل في إنتاج الجرارات وصناعة السكر إلى المركز الأول.
إن النتائج الواسعة في حقل التصنيع، والبداية المشجعة في ميدان الزراعة، والتوسع العجيب للمدن الصناعية القديمة، وبناء المدن الجديدة، وزيادة عدد العمال السريعة، وارتفاع المستوى الثقافي والحاجات، هي نتائج ثورة أوكتوبر التي تنبأ فلاسفة العالم القديم بأنها ستكون قبرا للحضارة. ولم يعد هناك من داع لمناقشة السادة الاقتصاديين البرجوازيين: لقد أظهرت الاشتراكية حقها في النصر لا على صفحات كتاب “رأس المال” فحسب ولكن في حلبة اقتصادية تشمل سدس مساحة العالم، وليس بلغة الديالكتيك بل بلغة الحديد والاسمنت والكهرباء. ولو انهار الاتحاد السوفياتي يوما من الأيام تحت الضربات الخارجية وبسبب أخطاء قادته (وهذا ما نرجو ألا يحصل أبدا) فستبقى للمستقبل حقيقة ثابتة لا تنكر وهي أن ثورة البروليتاريا، وحدها، مكنت بلدا متأخرا من الحصول على نتائج لا مثيل لها في التاريخ في غضون 20 سنة.
وهكذا تنتهي المناقشة مع الإصلاحيين في الحركة العمالية. فهل يمكن مقارنة تحركاتهم التافهة مع العمل العملاق لشعب دعته الثورة إلى حياة جديدة ؟ لو أن الاشتراكية – الديمقراطية الألمانية استخدمت في عام 1918 السلطة التي أعطاها إياها العمال للقيام بالثورة الاشتراكية لا لإنقاذ الرأسمالية، لما كان صعبا، انطلاقا من المثل الروسي، أن نتصور القدرة الاقتصادية التي لا تقهر التي كانت تتمتع بها اليوم الكتلة الاشتراكية في أوروبا الوسطى والشرقية وجزء كبير من آسيا. إن شعوب العالم ستدفع في حروب جديدة وثورات جديدة ثمن الجرائم التاريخية التي ارتكبها الإصلاحيون.
مقارنة النتائج وتقويمها
إن المعاملات coefficients الدينامية للصناعة السوفييتية لا مثيل لها. ولكنها لن تحسم المسألة اليوم ولا غدا. فالاتحاد السوفياتي يصعد منطلقا من مستوى منخفض بشكل مريع، بينما تنحدر البلاد الرأسمالية من مستوى كبير الارتفاع. وميزان القوى الحالي لا يتحدد بحيوية نمو كلا الخصمين، بل بمقارنة قدرتهما الإجمالية التي تتمثل في المدخرات المادية، وفي التقنية، والثقافة، وبالدرجة الأولى في مردود العمل البشري. وما إن نتطرق للموضوع من هذه الزاوية الإحصائية حتى يتبدل الموقف تبدلا كبيرا لغير صالح الاتحاد السوفياتي.
إن المسألة التي طرحها لينين “من سوف ينتصر ؟” هي مسالة ميزان القوى بين الاتحاد السوفياتي والبروليتاريا الثورية في العالم، من جهة، والقوى الداخلية المعادية والرأسمالية العالمية، من الجهة الأخرى. إن نجاحات الاتحاد السوفييتي الاقتصادية تسمح له بان يتقدم ويتقوى ويتسلح، وإذا اقتضى الأمر أن يتراجع وينتظر، أي باختصار أن يصمد. لكن السؤال “من سوف ينتصر ؟”، مطروحا لا من الزاوية العسكرية فحسب بل وقبل كل شيء من الزاوية الاقتصادية، هذا السؤال ينطرح بحد ذاته على الاتحاد السوفياتي على المستوى العالمي. إن التدخل المسلح خطير. ولكن التدخل ببضائع رخيصة تأتي عقب الجيوش الرأسمالية هو أخطر بما لا يقاس. وقد يؤدي انتصار البروليتاريا في بلد غربي إلى تبديل جذري فوري لميزان القوى، ولكن ما دام الاتحاد السوفييتي معزولا، والبروليتاريا الأوروبية تتراجع متنقلة من فشل إلى فشل، فإن قوة النظام السوفييتي تقاس بمردود العمل الذي يتم التعبير عنه في حقل إنتاج البضائع بأسعار الكلفة والبيع. ويشكل الفرق بين الأسعار الداخلية وأسعار السوق العالمية مؤشرا من أهم مؤشرات ميزان القوى. بيد إنه يحظر على الإحصاء السوفييتي أن يلمس هذا الموضوع من قريب أو من بعيد فالرأسمالية رغم انهيارها وركودها الآسن تحتفظ إلى الآن بتفوق ملحوظ في التقنية والتنظيم وثقافة العمل.
إننا نعرف الحالة المتأخرة تقليديا للزراعة السوفياتية، فهي لم تحصل حتى الآن على نجاح في أي من فروعها يشابه نجاح الصناعة من قريب أو بعيد. لقد قال مولوتوف في نهاية عام 1935 آسفا: “إن مردود زراعة الشمندر عندنا لا يزال شديد التأخر بالنسبة للبلاد الرأسمالية. لقد أعطى الهكتار عام 1934 في الاتحاد السوفياتي 82 كنتالا وأعطى في أوكرانيا عام 1935، خلال موسم استثنائي، 131 كنتالا، بينما بلغ محصول الهكتار في تشيكوسلوفاكيا 250 كنتالا، وفي فرنسا أكثر من 300 كنتالا”. ويمكن تعميم ملاحظة مولوتوف على جميع فروع الزراعة، أكانت زراعات صناعية أو حبوبا أو تربية مواش. إن الزراعة المتناوبة الفنية، واصطفاء البذار، واستخدام الأسمدة والجرارات والأدوات الزراعية المتطورة، وتربية المواشي الأصيلة، تعد في الواقع لثورة كبيرة في الزراعة الاشتراكية. ولكن الثورة في هذا الحقل، وهو واحد من الحقول الأكثر محافظة، تتطلب وقتا طويلا، والهدف اليوم، رغم التجميع هو الاقتراب من النماذج المتقدمة في الغرب الرأسمالي، الذي يمتاز بمزارعه الصغيرة الفردية.
إن النضال لزيادة مردود العمل في الصناعة يتم بوسيلتين: استيعاب التقنية المتقدمة، واستخدام اليد العاملة جيدا. وقد غدا بناء مصانع واسعة حديثة جدا، في سنوات قليلة، أمرا ممكنا باستخدام تقنية الغرب الرأسمالي الراقية من جهة، وبإتباع نظام التخطيط من جهة أخرى. ونحن نشهد في هذا المجال تمثل نجاح الآخرين وتقدمهم. وإن تقدم الصناعة السوفياتية وتجهيز الجيش الأحمر، بالصورة السريعة التي تما بها، يعطينا أفضليات ضخمة في المستقبل، فالاقتصاد غير مضطر لأن يجر وراءه أدوات قديمة كما الحال في فرنسا أو انكلترة، وليس على الجيش أن يستهلك أسلحة قديمة مخزونة. ولكن لهذا التقدم المحموم أيضا جوانبه السلبية: فعناصر الاقتصاد المختلفة لا تنسجم فيما بينها، كتخلف تأهيل الرجال عن مستوى الآلة، وانخفاض إمكانيات الإدارة عن مستوى مهماتها. ويتمثل كل هذا حاليا في إنتاج منخفض النوعية كثير التكاليف.
لقد كتب مدير صناعة البترول: “تستخدم آبارنا الآلات ذاتها المستخدمة في الآبار الأمريكية، ولكن تنظيم عمليات الحفر متخلف عن تنظيمها في أمريكا، كما أن تأهيل الكوادر ضعيف أيضا”. ويمكن تفسير زيادة عدد الحوادث في هذه العمليات “بالإهمال وضعف التأهيل وعدم كفاية المراقبة التقنية”. ويشتكي مولوتوف من “أننا متأخرون جدا في حقل تنظيم ورشات البناء… نحن نخضع فيها للروتين باستخدام الأدوات والآلات بشكل مخز”. و نجد مثل هذه الاعترافات في كل الصحافة السوفياتية، فالتقنية الحديثة أبعد من أن تعطي في الاتحاد السوفياتي النتائج نفسها التي تعطيها في وطنها الرأسمالي.
إن النجاح الإجمالي للصناعة الثقيلة يشمل مكسبا لا يمكن تقديره: لا يمكن التشييد إلا على هذه الأسس. بيد أنه في إنتاج الجزئيات الأكثر دقة يثبت الاقتصاد الحديث كفاءته. وفي هذا الخصوص ما زلنا متأخرين جدا.
لقد تم التوصل بالتأكيد للنتائج الأكثر جدية، لا الكمية وحسب بل النوعية أيضا، في الصناعة الحربية. والجيش والأسطول هما الزبونان الأكثر تأثيرا وتطلبا. ومدراء الخدمات في الجيش بما فيهم فوروشيلوف، لا يكفون مع ذلك عن الشكوى في كتاباتهم وخطبهم المنشورة قائلين “لسنا دائما راضين كليا عن نوعية الإنتاج الذي تقدمونه إلى الجيش الأحمر”. إن المرء يستشف دون عناء القلق الكامن في هذه الكلمات الحذرة.
وقد كتب مدير الصناعة الثقيلة في تقرير رسمي ما يلي: “يجب أن يكون صنع الآليات جيد النوعية، وهذه ليست مع الأسف هي الحال… كما أن الآلة تكلف غاليا عندنا”. وكالعادة يتحاشى واضع التقارير توفير معطيات دقيقة مقارنة بالنسبة للإنتاج العالمي.
إن الجرّار مفخرة الصناعة السوفياتية، ولكن نسبة استخدام الجرارات منخفضة جدا. وخلال التجارب الاقتصادية الأخيرة خضع 81 بالمئة من الجرارات لإصلاحات رئيسية، كما تعطل الكثير منها في عز العمل في الحقول. وتدل بعض الحسابات على أن محطات الآلات والجرارات لا تغطي نفقاتها إلا إذا أمنت محصولا يعادل 20–22 كنتالا من الحبوب في كل هكتار. وبما أن متوسط مردود الهكتار لا يصل حاليا إلى نصف هذا الرقم، فالدولة مضطرة لتغطية عجز يقدر بالمليارات.
إن وضع النقل بالسيارات اشد سوءا. تجتاز سيارة الشحن في أمريكا 60 أو 80 لا بل 100 ألف كيلومتر في السنة، بينما لا تجتاز في الاتحاد السوفياتي سوى 20 ألفا، أي اقل بـ 3 أو 4 مرات. ومن كل مئة سيارة سوفياتية يوجد خمس وخمسون سيارة عاملة على الطرقات، والباقي في التصليح أو في انتظار التصليح. وتوازي تكاليف التصليح ضعفي مجموع كلفة إنتاج آليات جديدة. فلا عجب أن ترى لجنة المراقبة الحكومية أن “النقل بالسيارات يشكل عبئا ثقيلا جدا على تكاليف الإنتاج”.
أما زيادة إمكانية النقل بالسكك الحديدية فيصحبها حسب رأي رئيس مجلس مفوضي الشعب “عدد كبير من الحوادث وخروج القاطرات عن السكة”. والسبب الأساسي لا يتبدل أبدا، وهو نوعية العمل المتدنية الموروثة عن الماضي. ويغدو الصراع من أجل صيانة السكك الحديدية بصورة جيدة نوعا من العمل البطولي، تقدم عنه عاملات تحويل الخطوط الحديدية، اللواتي كوفئن، تقاريرهن إلى الكرملين أمام أعلى ممثلي السلطة. ورغم مكتسبات السنوات الأخيرة يبقى النقل البحري متأخرا عن النقل بالسكك الحديدية. ونجد بشكل دوري في الصحف نبذات “حول عمل النقل البحري المؤسف” وحول نوعية “التصليحات المتدنية بشكل غير معقول داخل الأسطول”… الخ.
إن الوضع في فروع الصناعة الخفيفة أسوأ مما هو عليه في الصناعة الثقيلة. ويمكن أن نصوغ بالنسبة للصناعة السوفياتية قانونا خاصا وهو: إن المنتجات بصورة عامة تزداد سوءا كلما ازداد اقترابها من المستهلك. ففي صناعة النسيج، على حد قول جريدة البرافدا، “إن نسبة العيوب مخزية، والتشكيلة محدودة، وتسود النوعيات السيئة”. وتظهر الشكاوي المتعلقة بسوء نوعية السلع الضرورية بشكل دوري في الصحافة السوفياتية: “تمديدات المياه مشغولة بطريقة سيئة”، “الأثاث قبيح وغير مسمَّر بدقة وسيئ الصنع”، “لا يمكن للمرء أن يحصل على أزرار مقبولة”، كما أن “مؤسسات التغذية العامة تعمل بشكل مؤسف جدا” الخ.
إن وصف نجاحات التصنيع بالمؤشرات الكمية فقط هو كوصف جسم بشري بطوله دون ذكر محيط صدره. ويتطلب التقدير الأصح لدينامية الاقتصاد السوفياتي، بالإضافة إلى ضرورة أخذ النوعية بعين الاعتبار، أن نتذكر دائما أن النجاح السريع المحقق في حقل ما يرافقه تأخر في حقول أخرى. إن إنشاء مصانع كبيرة للسيارات يقابله النقص في شبكة الطرق وإهمالها. وتلاحظ جريدة الازفستيا: “إن إهمال طرقنا لا يطاق، ولا يمكن السير بسرعة أكثر من 10 كم في الساعة على الطريق بالغة الأهمية بين موسكو وياروسلافسكي”. ويؤكد رئيس لجنة الخطة أن البلاد مازالت تحتفظ بتقاليد “عصور انعدام الطرق”.
والاقتصاد البلدي في حالة مشابهة. إن مدنا صناعية جديدة تبنى في وقت قصير، بينما تعاني عشرات المدن القديمة من إهمال شامل. تنمو العواصم والمدن الصناعية وتزداد جمالا، ونرى المسارح والنوادي باهظة التكاليف تقام هنا وهناك، في حين تبقى أزمة السكن خانقة والمساكن مهملة تماما بصورة معتادة. تقول الازفستيا: “إننا نبني أبنية سيئة بأسعار عالية، وتستهلك عموم المساكن ولا تصان، نحن نقوم بقليل من الترميمات وبشكل سيء”.
تشمل هذه التفاوتات كل نواحي الاقتصاد، وهي لا يمكن تجنبها إلى حد ما، لأنه كان وما يزال من الضروري البدء بالقطاعات الأكثر أهمية، لكن تأخر بعض القطاعات يقلل كثيرا من فاعلية عمل البعض الآخر. إذا تصورنا اقتصادا موجها مثاليا يؤمن أفضل النتائج على صعيد الاقتصاد كله، لا تحقيق تطور سريع لبعض الفروع فقط، يكون فيه معامل coefficient النمو الإحصائي أدنى في الفترة الأولى، ولكن الاقتصاد بمجمله والمستهلك يستفيدان منه، وتستفيد منه دينامية الاقتصاد العامة.
إن الإحصائيات الرسمية تجمع أرقام الإنتاج مع إصلاح السيارات لتعطي مجموع الإنتاج الصناعي، وكان أحرى من وجهة نظر الفعالية الاقتصادية اللجوء إلى الطرح بدل الجمع. وتنطبق هذه الملاحظة على صناعات أخرى. لذا ليس للتقديرات العامة بالروبل سوى قيمة نسبية: فنحن لا نعرف ما هو الروبل، ولا ندري دائما ماذا يختبئ خلفه، هل صناعة أم حطام آليات سابق لأوانه.
وإذا كان إنتاج الصناعة الثقيلة الإجمالي المقدر بالروبل الثابت قد زاد ست مرات عما كان عليه قبل الحرب، فإن استخراج البترول والفحم الحجري، وإنتاج الحديد المصهور مقدرا بالأطنان، لم يتضاعفا إلا ثلاث مرات أو ثلاث مرات ونصفا فقط. والسبب الرئيسي لهذا التنافر هو أن الصناعة السوفياتية قد خلقت فروعا جديدة لم تكن معروفة في روسيا القيصرية. إلا أنه يجب البحث عن سبب إضافي للتلاعب المغرض بالإحصائيات. ومن المعلوم أن لكل بيروقراطية حاجة عضوية إلى تمويه الحقيقة.
نصيب كل مواطن
لا يزال المردود الفردي المتوسط للعمل منخفضا جدا في الاتحاد السوفياتي. ويبلغ إنتاج الحديد المصهور والصلب للعامل الواحد في أفضل مصنع لصهر المعادن وحسب اعتراف المدير، ثلث مثيله في الولايات المتحدة. ومقارنة متوسط إنتاج عامل التعدين في البلدين تعطي على الأرجح نسبة واحد إلى خمسة، أو اقل أيضا. إن التأكيد في هذه الأحوال بان أفران صهر الحديد في الاتحاد السوفياتي “أحسن” استخداما من أفران البلاد الرأسمالية، هو تأكيد مجرد من أي معنى. فهدف التقنية الأولى توفير العمل البشري. وفي صناعة الأخشاب والبناء نجد الحالة أكثر سوءا منها في التعدين. ويبلغ متوسط إنتاج عامل المقالع في الولايات المتحدة 5000 طن في السنة، في حين يبلغ 500 طن، أي اقل بـ 10 مرات، في الاتحاد السوفياتي. هذا الفرق الصارخ لا يفسر فقط بنقص التدريب المهني العمالي بل بسوء تنظيم العمل على وجه الخصوص. إن البيروقراطية تحاول دفع العمل بكل قواها ولكنها لا تعرف كيف تستفيد من اليد العاملة.
والزراعة أسوأ نصيبا في هذا الصدد من الصناعة. ويتفق مع مردود العمل المنخفض دخل قومي منخفض، وبالتالي مستوى معيشي متدن للجماهير الشعبية.
عندما يقولون لنا أن إنتاج الاتحاد السوفياتي الصناعي سيحتل عام 1936 المكانة الأولى في أوروبا – وهذا في حد ذاته نجاح كبير – فإنهم لا يتناسون النوعية وسعر الكلفة فحسب، بل يتجاهلون أيضا عدد السكان. والحال أنه يتعذر تحديد تطور البلاد العام، وبالأخص ظروف الجماهير المادية، إلا إذا قسمنا الإنتاج على عدد المستهلكين. فلنحاول القيام بهذه العملية الحسابية البسيطة.
لا يحتاج دور السكك الحديدية في الاقتصاد، والحياة الثقافية، والحرب، إلى برهان. ففي الاتحاد السوفييتي 83000 كيلومتر من السكك، وفي ألمانيا 58000 كم، وفي فرنسا 63000 كم، وفي الولايات المتحدة 417000 كم. وهذا يعني أن نصيب كل 10 آلاف مواطن في ألمانيا 8,5 كم من السكك، وفي فرنسا 15,2 كم، وفي الولايات المتحدة 33,1 كم، وفي الاتحاد السوفياتي 5 كم. هكذا يحتل الاتحاد السوفياتي بالنسبة للسكك الحديدية مركزا متخلفا وسط العالم المتمدن. أما الأسطول التجاري الذي زاد ثلاث مرات في السنوات الخمس الأخيرة فيعادل اليوم أسطول إسبانيا أو الدانمرك. زد على ذلك نقص الطرق: ففي عام 1935 أنتج الاتحاد السوفياتي 0,6 سيارة لكل 1000 مواطن، بينما أنتجت بريطانيا 8 (في عام 1934) وفرنسا 4,5، والولايات المتحدة 23 (كان إنتاجها 36,5 سيارة في عام 1928).
ولا يتفوق الاتحاد السوفياتي في ما يختص بنسبة الخيول على فرنسا أو الولايات المتحدة، رغم تأخر سككه ومواصلته النهرية والبحرية. إن لديه حصانا لكل 10–11 نسمة كما أن خيوله من نوع اقل جودة.
وتبقى المؤشرات المقارنة لغير صالح الاتحاد السوفياتي في الصناعة الثقيلة التي حصلت على اكبر نجاح مع ذلك. إذ بلغ إنتاج الفحم في عام 1935، 0,7 طن لكل مواطن، بينما بلغ في بريطانيا حوالي 5 طن، وفي الولايات المتحدة 3 طن (مقابل 5,4 طن في 1913) وفي ألمانيا حوالي 2 طن. أما إنتاج الصلب في الاتحاد السوفياتي فهو 67 كلغ لكل مواطن، وفي الولايات المتحدة 250 كلغ. والنسب مشابهة في إنتاج الحديد المصهور وصفائح الصلب. وعلى مستوى الطاقة الكهربائية وصل الإنتاج إلى 153 كيلوواط ساعة لكل مواطن سوفياتي عام 1935، بينما وصل في بريطانيا إلى 443 كيلوواط (1934) وفي فرنسا إلى 363، وفي ألمانيا إلى 472.
إن المؤشرات ذاتها أكثر انخفاضا في الصناعة الخفيفة. لقد تم عام 1935 صنع اقل من 50 سم من النسيج الصوفي لكل مواطن وذلك اقل 8 – 10 مرات مما في الولايات المتحدة أو بريطانيا. ولا يحصل على الجوخ سوى المواطنين السوفياتيين المحظوظين. وعلى الجماهير أن تكتفي بالقماش القطني المصنوع بمعدل 16 م لكل مواطن وأن تستخدمه في الألبسة الشتوية كما كان الحال قبل الثورة. وتقدم صناعة الأحذية في الاتحاد السوفياتي 0,5 زوج للمواطن كل عام، وفي ألمانيا أكثر من زوج، وفي فرنسا 1,5 زوج، وفي الولايات المتحدة 3 أزواج، ونحن نتجاهل مؤشر النوعية الذي قد يزيد الفرق حدة. ومن المؤكد أن نسبة من يملكون أكثر من زوج أحذية في البلاد الرأسمالية تزيد عن مثيلتها في الاتحاد السوفياتي. لا يزال يحتل الاتحاد السوفياتي، ومع الأسف، مركزا متقدما من حيث نسبة عدد الحفاة.
وتبقى النسب نفسها أو تزداد سوءا جزئيا بالنسبة للمنتجات الغذائية، رغم التقدم الأكيد الذي تم الوصول إليه في السنوات الأخيرة: يتعذر على الأغلبية الساحقة من المواطنين شراء المعلبات والسجق والجبن، دون أن نتكلم على البسكويت والسكاكر. والحالة سيئة بالنسبة لمنتجات الألبان. ثمة في فرنسا والولايات المتحدة بقرة لكل 5 مواطنين، وفي ألمانيا بقرة لكل 6 مواطنين، وفي الاتحاد السوفياتي بقرة لكل 8 مواطنين. علما أنه لا تعادل بقرتان سوفياتيتان غير واحدة من ناحية إنتاج الحليب. ولا يتقد الاتحاد السوفياتي بصورة ملموسة على البلاد الأوروبية والولايات المتحدة إلا في إنتاج البطاطس والحبوب وخاصة القمح الأسود، هذا إذا نظرنا إلى المردود بالنسبة للفرد. ولكن الخبز الأسود والبطاطس، من حيث كونهما غذاء أساسي للشعب، هما مؤشران تقليديان للفقر !
إن استهلاك الورق من أهم المؤشرات الثقافية. في عام 1935 صنع الاتحاد السوفياتي اقل من 4 كغ ورق للمواطن، بينما صنع في الولايات المتحدة أكثر من 34 كغ (48 كغ في عام 1928) ، وفي ألمانيا أكثر من 47 كغ. وإذا كان يصنع في الولايات المتحدة 12 قلما في السنة لكل مواطن، ففي الاتحاد السوفياتي اقل من 4 أقلام سيئة النوعية لدرجة تجعلها معادلة لقلم أو قلمين على الأكثر.
وتشتكي الصحف دائما من أن نقص الكتب والورق والأقلام يشل العمل المدرسي. وليس من الغريب أن القضاء على الأمية الذي كان مقررا في العيد العاشر للثورة ما زال بعيد المنال.
يمكن أن نسلط الأضواء على هذه المسالة مع استيحاء اعتبارات أعم. إن الدخل القومي للفرد أقل بصورة ملموسة من الدخل في البلدان الغربية، وبما أن الاستثمارات في الإنتاج تستهلك منه 25 – 30 بالمئة أي، جزءا يفوق مثيله في أي بلد آخر، فإن حصة الاستهلاك لجماهير الشعب أقل بكثير منها في البلدان الرأسمالية المتقدمة.
صحيح أنه ليس في الاتحاد السوفياتي طبقات مالكة يقابل بذخها نقص استهلاك الجماهير الشعبية، ولكن قيمة هذه الملاحظة أقل مما يبدو لأول وهلة. فإن عيب النظام الرأسمالي الأساسي لا يمكن في بذخ الطبقات المالكة مهما كان هذا البذخ كريها بحد ذاته، ولكنه ناجم عن رغبة البرجوازية في حماية حقها في البذخ تدفعها إلى التمسك بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فتحكم بذلك على الاقتصاد بالفوضى والتفكك. إن البرجوازية تحتكر بالتأكيد استهلاك المواد الكمالية. لكن الجماهير الكادحة تستهلك المواد الضرورية بكثرة. وسنرى فيما بعد أنه إذا لم يكن في الاتحاد السوفياتي طبقة مالكة بمعنى الكلمة ففيه شريحة حاكمة محظوظة تستأثر بحصة الأسد من الاستهلاك. وما دام نصيب الفرد من المواد الضرورية في الاتحاد السوفياتي اقل من نصيبه في البلاد الرأسمالية المتقدمة، فإن الظروف المادية للجماهير تبقى أقل من مستوى الجماهير في البلاد الرأسمالية.
تقع المسؤولية التاريخية لهذه الحالة على ماضي روسيا الثقيل المظلم وعلى كل ما تركه من بؤس وجهل. ولم يكن هنالك أي مخرج نحو التقدم سوى تقويض الرأسمالية. وما علينا كي نتأكد من هذا سوى أن نلقي نظرة على بلاد البلطيق وبولونيا التي كانت في الماضي أكثر أجزاء الإمبراطورية تطورا والتي لم تخرج حتى الآن من الركود. إن الفضل الدائم للنظام السوفياتي كامن في صراعه القاسي والمجدي غالبا ضد همجية متأصلة منذ قرون. ولكن التقدير الصحيح للنتائج شرط أساسي للتقدم اللاحق.
إن النظام السوفياتي يجتاز تحت أنظارنا مرحلة تحضيرية يقوم خلالها باستيراد واستيعاب واستعارة المكتسبات التقنية والثقافية الغربية. إن المعاملات coefficients النسبية للإنتاج والاستهلاك تدل على أن هذه المرحلة التحضيرية لم تنته بعد؛ كما أنها ستستمر فترة تاريخية كاملة حتى لو افترضنا ركود الرأسمالية التام، وهو افتراض قليل الاحتمال. هذا هو الاستنتاج الأول، شديد الأهمية الذي نصل إليه، والذي سنرجع إليه خلال هذه الدراسة.
الفصل الثاني: النمو الاقتصادي وتعرجات القيادة
“شيوعية الحرب”، و”السياسة الاقتصادية الجديدة” (النيب) ، والسياسة المتبعة تجاه الكولاك
إن الخط البياني لتطور الاقتصاد السوفياتي لا يصعد بصورة منتظمة . ويمكن أن نرى في الـ 18 السنة من تاريخ النظام الجديد عدة مراحل تحددها أزمات حادة. إن لمحة سريعة لتاريخ اقتصاد الاتحاد السوفياتي على ضوء سياسة الحكومة ضرورية جدا لتشخيص المرض وتوقع المستقبل.
لقد استمرت الحرب الأهلية العنيفة ثلاث سنوات بعد الثورة، كانت الحياة الاقتصادية خلالها خاضعة لمتطلبات جبهات القتال. وبالنظر لضآلة الموارد بقيت الحياة الثقافية في المحل الثاني، وقد تميزت بالمدى الجريء للفكر الخلاق وخاصة فكر لينين. ويسمون هذه الفترة فترة “شيوعية الحرب” (1918 – 1921) وهي المماثل البطولي “لاشتراكية الحرب” في البلدان الرأسمالية. اقتصرت الأهداف الاقتصادية لسلطة السوفيات على دعم الصناعة الحربية بنوع خاص والاستفادة من الاحتياطات القليلة الموجودة بغية متابعة القتال وإنقاذ سكان المدن من الجوع. لقد كانت شيوعية الحرب عبارة عن تنظيم الاستهلاك في قلعة محاصرة.
وعلينا أن نعترف هنا أن تطلعاتها كانت في بادئ الأمر أوسع مدى. ولقد أملت حكومة السوفيات وحاولت أن تستخلص من هذا التنظيم اقتصادا موجها في حقل الإنتاج والاستهلاك. بكلام آخر لقد فكرت بالانتقال رويدا رويدا من شيوعية الحرب إلى الشيوعية الحقيقة دون تعديل النظام. ويقول برنامج الحزب البلشفي الذي تم تبنيه في عام 1919: تستمر سلطة السوفيات في حقل التوزيع، دونما تهاون، في الاستعاضة عن التجارة بتوزيع المنتجات توزيعا منظما على الصعيد الوطني حسب المخطط الإجمالي.
لكن الصراع أخذ يزداد باستمرار بسبب العواقب الوخيمة للأعمال العدوانية، ولكن أيضا بسبب انعدام حوافز المصلحة الفردية لدى المنتجين. كانت المدينة تطلب من الريف القمح والمواد الأولية دون أن تقدم له بالمقابل سوى وريقات ملونة تحمل اسم نقود نظرا لعادة قديمة.
وأصبح الموجيك1 يدفن مؤنه، فترسل الحكومة مفارز من العمال المسلحين لمصادرة الحبوب، فيخفض الموجيك بعد ذلك زراعته. أما الإنتاج الصناعي فقد وصل في عام 1921، وهو العام الذي أعقب انتهاء الحرب الأهلية، إلى خمس إنتاج ما قبل الحرب في أحسن الأحوال. وانخفض إنتاج الصلب من 4,2 مليون طن إلى 183000 طن أي اقل بـ 23 مرة. وهبط المحصول الزراعي العام من 801 مليون كنتال إلى 503 ملايين في عام 1922، وكانت مجاعة رهيبة. وتدهور حجم التجارة الخارجية من 2,9 مليار روبل إلى 30 مليونا فقط. وانهارت القوة المنتجة بشكل لم يعرفه التاريخ. وغدت البلاد، والسلطة معها، على حافة الهاوية.
لقد أخضعت الآمال الطوباوية “لشيوعية الحرب” بعد ذلك لنقد قاس للغاية وصحيح من عدة وجوه. ويبقى الخطأ النظري الذي ارتكبه الحزب الحاكم لا مبرر له إطلاقا إذا تجاهلنا أن كل الحسابات كانت تستند آنذاك إلى توقع نصر مقبل للثورة في الغرب. كان يسود الاعتبار أنه من البديهي أن تزود البروليتاريا الألمانية المنتصرة روسيا السوفييتات بالآلات والمنتجات الصناعية وبعمال مؤهلين بشكل جيد وفنيين ومنظمين، تسد قيمتها فيما بعد بأغذية ومواد أولية. ومما لا شك فيه أنه لو نجحت الثورة في ألمانيا (ويرجع فشلها إلى الاشتراكية الديمقراطية على وجه الحصر) لتقدمت اقتصاديات ألمانيا والاتحاد السوفياتي بخطى عملاقة، بحيث أن مصير أوروبا والعالم اليوم كان بدا أكثر إشراقا. بيد أنه يمكن القول بكل تأكيد انه حتى في حال نجاح هذا الاحتمال المتفائل نفسه كان لا بد من نبذ طريقة التوزيع من قبل الدولة والعودة إلى الأساليب التجارية.
ويبرر لينين ضرورة إعادة علاقات السوق بأن في البلاد عدة ملايين من المزارع المنعزلة التي اعتادت أن تحدد علاقتها بالعالم المحيط بها بواسطة التجارة. كانت مهمة حركة البضائع أن تؤمِّن “التحام” الفلاحين بالصناعة المؤممة. وصيغة “الالتحام” النظرية بسيطة جدا: على الصناعة أن تقدم للريف البضائع الضرورية بأسعار تجعل الدولة تعدل عن مصادرة المنتجات الزراعية.
كان تحسين العلاقات الاقتصادية مع الريف مهمة السياسة الاقتصادية الجديدة الأكثر إلحاحا والأكثر عسرا. وقد بينت التجربة بسرعة أن الصناعة نفسها كانت بحاجة، رغم تشريكها، إلى طرائق حساب نقدي monétaire ابتدعتها الرأسمالية من قبل. فالخطة لا تبنى على معطيات الذكاء وحدها. ويبقى قانون العرض والطلب بالنسبة لها القاعدة المادية الضرورية والمصحح المنقذ، وذلك لفترة طويلة. بعد أن أصبحت السوق قانونية، عاودت عملها بمساعدة نظام نقدي أعيد تنظيمه. ومنذ عام 1923 وبفضل الدفعة الأولى الآتية من الريف انتعشت الصناعة وبدر عنها نشاط كثيف. ويكفي الإشارة إلى أن الإنتاج تضاعف في عامي 1922 – 1923 حتى بلغ في عام 1926 مستوى ما قبل الحرب، أي أنه زاد خمس مرات عن مستوى عام 1921. وزادت المحاصيل الزراعية بصورة متوازية ولكن بسرعة أقل.
ومنذ سنة 1923 الحاسمة ازداد اختلاف وجهات النظر التي كانت قد ظهرت سابقا في الحزب الحاكم حول العلاقة بين الصناعة والزراعة. ولم تكن الصناعة قادرة على التقدم في بلاد استنزفت كل مدخراتها إلا باستلاف الحبوب والمواد الأولية من الفلاحين. لكن “استلافات إجبارية” ثقيلة الوطأة كانت تؤدي إلى قتل الحوافز للعمل: فالفلاح الذي لا يؤمن بسعادة المستقبل كان يرد على مصادرة القمح بالامتناع عن الزراعة. أما الاستلافات الضئيلة فتهدد الاقتصاد بالركود لأن الفلاح الذي لا يتلقى مواد صناعية كان يتجه إلى إرضاء متطلباته الفردية بنفسه والعودة بالتالي إلى الأشكال الحرفية القديمة. وبدأت الاختلافات في وجهات النظر في الحزب حول موضوع: ماذا يجب أخذه من الريف للصناعة بغية الوصول إلى توازن ديناميكي. وتعقد الأمر أكثر فأكثر بمواضيع تتعلق بالتركيب الاجتماعي للريف.
وفي ربيع 1923 تكلم ممثل المعارضة اليسارية2 – التي لم تكن قد اتخذت لها هذا الاسم بعد – في مؤتمر الحزب مبينا الفرق بين أسعار الصناعة والزراعة بخط بياني يدعو إلى القلق. وأطلق على هذه الظاهرة آنذاك اسم “المقص” الذي دخل فيما بعد في المصطلحات العالمية. لقد قال آنذاك أنه إذا استمرت الصناعة بالتأخر وافتح المقص باستمرار فسيصبح الانفصال بين الريف والمدينة امرأ لا مفر منه.
وكان الفلاحون يلاحظون بوضوح الفرق بين ثورة البلاشفة الزراعية الديمقراطية وسياستهم المتجهة لإرساء قواعد الاشتراكية. لقد كسب الفلاحون في مصادرة الأملاك الخاصة وأملاك الدولة أكثر من نصف مليار روبل ذهبي في العام الواحد إلا أنهم خسروا هذا المبلغ، بل أكثر منه، بسبب الأسعار المرتفعة للسلع الصناعية التي تنتجها الدولة. وما دامت الموازنة بين الثورتين الديمقراطية والاشتراكية، المجتمعتين في ثورة أوكتوبر، تؤدي بالنتيجة إلى خسارة المزارعين لمئات الملايين من الروبلات سنويا فإن تحالف الطبقتين يبقى أمرا مشكوكا فيه.
إن تقسيم الزراعة الموروث من الماضي تزايد بعد ثورة أوكتوبر، كما ازداد عدد قطع الأرض في السنوات العشر الأخيرة من 16 إلى 25 مليونا، وهو ما زاد في اتجاه معظم الفلاحين إلى إرضاء حاجاتهم الفردية فقط. وكان هذا من أسباب نقص المواد الغذائية.
إن ضعفا في إنتاج السلع يؤدي بدون شك إلى بروز مستغلين. وقد تزايدت مع تقدم الريف الفروقات وسط الجماهير الفلاحية: كان هؤلاء يسيرون على الطريق القديم للتطور السهل. وكان الكولاك يثرون بسرعة أكبر من سرعة التقدم الزراعي. إن سياسة الدولة، التي كانت ترفع شعار: “التحول إلى الريف” تعطي الحظوة للكولاك في الحقيقة. وقد تحمل الفلاحون الفقراء ضرائب أثقل من ضرائب الفلاحين الأغنياء الذين كانوا يحصلون أيضا على معظم سلف الدولة. وأصبح فائض القمح المخزون على وجه الخصوص لدى الفلاحين الأغنياء وسيلة لاستعباد الفقراء، وكان يباع للبرجوازية الصغيرة في المدن بأسعار فاحشة. إن بوخارين الذي كان منظر الجناح الحاكم آنذاك كان يوجه للفلاحين شعاره المشهور: “اثروا !”. وكان من المفترض أن يعني ذلك نظريا تذويب الكولاك بالتدريج عبر التدابير الاشتراكية، لكن الأمر بدا عمليا مغايرا لذلك وأدى إلى إثراء الأقلية على حساب الأكثرية الساحقة.
وغدت الدولة الأسيرة لسياستها مضطرة للتراجع خطوة خطوة أمام البرجوازية الزراعية الصغيرة. فأصبح استخدام اليد العاملة المأجورة في الزراعة وتأجير الأرض بحماية القانون في عام 1925. كما غدا الفلاحون بين قطبين: الرأسمالي الصغير، والأجير المياوم. إن الدولة التي لا تملك بضائع صناعية كافية قد استبعدت من السوق الريفية، فظهر من تحت الأرض وسيط يعمل بين الكولاك والمعلمين الحرفيين الصغار. ولجأت مشاريع الدولة نفسها إلى البحث عن المواد الأولية لدى التجار. لقد شعر الجميع بالمد الرأسمالي الصاعد، كما رأى كل ذي بصيرة أن تغيير أشكال الملكية لا يحل مسالة الاشتراكية بل يطرحها فقط.
وفي عام 1925 عندما كانت سياسة التوجه نحو الكولاك في أوجها بدأ ستالين يعد العدة لإلغاء تأميم الأرض. وحينما سأله أحد الصحفيين السوفيات: “أليس من مصلحة الزراعة إعطاء كل مزارع قطعة الأرض التي يزرعها، وذلك لمدة 10 سنوات ؟”، أجابه: “بل لمدة 40 سنة !”. بناء على مبادرة ستالين الشخصية، قدم مفوض الشعب للزراعة في جمهورية جورجيا، مشروع قانون لإلغاء تأميم الأرض. أما الهدف فكان منح المزارعين الثقة بمستقبلهم. والحالة هذه، كان 60 بالمئة من القمح المعد للتجارة قد أصبح في ربيع 1926 بحوزة 6 بالمئة من المزارعين ! ولم يكن لدى الدولة ما يكفيها من الحبوب للتجارة الخارجية أو حتى لمتطلبات البلاد، فاضطرت كنتيجة لقلة الصادرات إلى الاستغناء عن استيراد المنتجات الصناعية والتخفيض ما أمكن من استيرادها للمواد الأولية والآلات.
إن السياسة المسايرة للكولاك التي كانت تعيق التصنيع وتنزل الضرر بأكثرية الفلاحين، كشفت منذ أعوام 1924 – 1936 عن نتائجها السياسية: فبإعطائها البرجوازية الصغيرة في المدن والريف ثقة خارقة بالنفس، دفعتها إلى السيطرة على عدة سوفياتات محلية. وقوّت البيروقراطية وزادت ثقتها، بنفسها وأخذت تثقل كاهل العمال أكثر فأكثر. وأدت إلى إلغاء كل أشكال الديمقراطية في الحزب وفي المجتمع السوفياتي. وتسببت قوة الكولاك المتزايدة بترويع عضوين مرموقين من الجماعة الحاكمة هما زينوفييف وكامينيف وهما رئيسا السوفييت في أكثر مراكز الحركة العمالية أهمية: ليننغراد وموسكو. ولكن الريف والبيروقراطية كانا مع ستالين. فانتصرت سياسة تشجيع كبار المزارعين وانضم زينوفييف وكامينيف وأنصارهما عام 1926 إلى معارضة 1933 (المسماة بـ “التروتسكية”).
والحقيقة أن الجماعة الحاكمة لم ترفض أبدا من حيث “المبدأ” جماعية الزراعة. ولكنها كانت تؤجلها إلى عدة عقود زمنية أخرى. لقد كتب مفوض الشعب للزراعة ياكوفليف في عام 1927، أنه إذا كان تحويل الريف اشتراكيا لا يتم إلا بالجماعية، فإنه “لن يحصل خلال سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات، بل ربما لن يحصل بمرور سنوات عشر”. وكتب بعد ذلك: “إن الكولخوزات (المزارع الجماعية) والكوميونات كانت وستبقى لمدة طويلة أيضا عبارة عن جزر وسط ملكيات الفلاحين الزراعية الفردية”. وفي الواقع، لم يكن الاستثمار الزراعي الجماعي آنذاك يضم أكثر من 0,8 بالمئة من عائلات المزارعين.
وفي عام 1923 بدأ الصراع واضحا داخل الحزب في سبيل ما يدعى “الخط العام”، ثم أخذ شكلا عنيفا وحادا اعتبارا من 1926. وكتبت المعارضة اليسارية في برنامجها الذي تناول المشاكل الاقتصادية والصناعية كافة تقول: “يجب على الحزب أن يدين بدون شفقة كل المحاولات الرامية إلى إلغاء فكرة تأميم الأرض أو التخفيف من هذه الفكرة التي تشكل قاعدة من قواعد ديكتاتورية البروليتاريا”. وانتصرت موضوعة المعارضة، وتوقفت المحاولات المكشوفة لعرقلة تأميم الأرض. لكن الأمر كان أعمق من ذلك ولم تتمحور المسألة حول شكل ملكية الأرض فقط.
وقد أوضح البرنامج السياسي للمعارضة قائلا: “مقابل الأهمية المتزايدة للمزارع الفردية في الريف ينبغي الرد بنمو الاستثمارات الجماعية الأكثر سرعة. هناك ما يدعو لأن نعطي سنويا، وبصورة منتظمة، مبالغ كبيرة لدعم الفلاحين الفقراء المجمعين في مزارع جماعية”… “لابد للعمل التعاوني بمجمله من أن يتجه نحو قلب الإنتاج الصغير واستبداله بإنتاج جماعي واسع”. لقد أصرت الجماعة الحاكمة على أن تعتبر أي برنامج واسع للتجميع نوعا من الطوبى في المستقبل القريب. هكذا وجدنا إبان الإعداد للمؤتمر الخامس عشر للحزب، الذي كان مخططا ليجري فيه طرد المعارضة كيف انبرى مولوتوف رئيس مجلس مفوضي الشعب فيما بعد مكررا: “لا يمكن أن نترك لأنفسنا العنان ونندفع، ضمن الظروف الحالية، مع أوهام الفلاحين الفقراء الساعية إلى الجماعية الجماهيرية”. لقد حدث ذلك في أواخر عام 1927، وقد كان التكتل الحاكم يجهل آنذاك ما هي السياسة التي سوف يعتمدها فيما بعد بالنسبة للأرياف.
لقد كانت تلك السنوات نفسها (1923 – 1928) هي سنوات صراع التحالف القابض على السلطة (ستالين ومولوتوف وريكوف وتومسكي وبوخارين وزينوفييف وكامينيف) ضد “جماعة التصنيع الكبير” المؤيدة للتخطيط. ولسوف يستغرب مؤرخو المستقبل عندما يكتشفون الحذر الهدام الذي سيطر آنذاك على عقلية الحكومة السوفياتية تجاه كل مبادرة اقتصادية جريئة. وقد تقدم التصنيع بخطوات تجريبية، بناء على دفعات خارجية، وكانت الحسابات تتعرض إلى تعديلات مستمرة خلال العمل، مما سبب زيادة ضخمة في النفقات العامة. وعندما طالبت المعارضة بدءا بعام 1923 بتنظيم خطة خماسية استقبل كلامها بهزء يشبه سخرية البرجوازية الصغيرة الخائفة من “القفز في المجهول”. وفي نيسان 1927 أكد ستالين في اجتماع اللجنة المركزية بأن البدء ببناء المحطة الكهربائية الكبيرة على نهر الدنيبر سيكون مثله بالنسبة لنا كمثل الموجيك الذي يشتري حاكيا بدلا من أن يشتري بقرة. لقد عبرت هذه المقارنة عن موجز لبرنامج كامل. ومن المفيد أن نذكر في هذا المجال بأن كل الصحف البرجوازية العالمية، وبعدها الصحف الاشتراكية، كانت تنشر بكل طيبة خاطر اتهامات الدولة للمعارضة اليسارية بالرومنطيقية الصناعية.
وفي حين كانت المناقشات تحتدم في الحزب، كان الفلاح يرد على نقص السلع الصناعية بإضرابات ازداد عنادها يوما بعد يوم، ويمتنع عن إنزال حبوبه إلى السوق وزيادة إنتاج القمح. هذا وقد كان زعماء الجناح اليميني (ريكوف – تومسكي – بوخارين) يطالبون بإعطاء حرية أكبر للميول الرأسمالية في الريف: كزيادة سعر القمح حتى ولو أدى ذلك إلى الإقلال من سرعة التصنيع. كان الحل الوحيد وفقا لهذه السياسة هو التوجه نحو استيراد بضائع صناعية مقابل المواد الأولية التي يقدمها المزارعون للتصدير. ومعنى ذلك تحقيق عملية “الالتحام” بين الفلاح الغني والرأسمالية العالمية بدلا من “التحام” الاقتصاد الزراعي بالصناعة الاشتراكية، أي ضياع الأهداف التي قامت من أجلها ثورة أوكتوبر.
وفي عام 1926، رد ممثل المعارضة3 في مؤتمر الحزب بقوله: “إن زيادة سرعة التصنيع لاسيما عبر فرض ضرائب أكبر على الكولاك، ستؤدي إلى زيادة البضائع، مما يسمح بخفض الأسعار.. وعلى هذا النحو يستفيد العمال ومعظم الفلاحين. إن استدارتنا نحو الريف لا تعني أن ندير ظهرنا للصناعة، بل أن ندير الصناعة نحو الريف، لأن الريف لا يحتاج إلى تأمل وجه دولة لا تمتلك صناعة”.
وجاءت ردود ستالين مدوية بوجه “خطة المعارضة الخيالية”. وقال إن على الصناعة أن “لا تتقدم كثيرا منفصلة عن الزراعة ومتجاهلة وتيرة التراكم في بلدنا”. وكانت قرارات الحزب تردد الحقائق الأولية ذاتها حول التلاؤم السلبي مع متطلبات الفلاحين الأغنياء. وقرر المؤتمر الخامس عشر للحزب الشيوعي الذي اجتمع في كانون الأول عام 1927، ليلحق “بجماعة التصنيع الكبير” هزيمة ساحقة، أن يحذر من “الخطر الكامن وراء تثمير رساميل كبيرة في البناء الصناعي”. ولم يكن التكتل الحاكم يرغب آنذاك برؤية الأخطار الأخرى.
لقد شهدت السنة الاقتصادية 1927 – 1928 انتهاء الفترة المسماة بفترة إعادة البناء، والتي عملت الصناعة خلالها بأدوات ما قبل الثورة كما عملت الزراعة بوسائلها القديمة. وكان التقدم اللاحق يتطلب بناء صناعيا ضخما. لقد أصبح من المستحيل الحكم خبط عشواء ودونما خطة.
لقد حللت المعارضة احتمالات التصنيع الاشتراكي منذ أعوام 1923 – 1925 فاستنتجت بعد استنفاد الإمكانيات التي تقدمها الآلات الموروثة عن البرجوازية إن الصناعة السوفييتية تستطيع، بالاستناد إلى التراكم الاشتراكي، النمو بسرعة لا يمكن للرأسمالية بلوغها. لقد كان قادة التكتل الحاكم يسخرون علانية من المعاملات coefficients المتراوحة بين 15 و18 بالمئة المصاغة بحذر، كما لو كانت موسيقى خرافية آتية من مستقبل مجهول. وقد كان هذا مضمون النضال ضد “التروتسكية في ذلك الحين”.
إن أول مخطط إجمالي رسمي للخطة الخمسية، جرى وضعه في عام 1927، إنما وضع بروح خسيسة مثيرة للسخرية. كان على زيادة الإنتاج الصناعي وفقا لهذه الخطة أن تتراوح بين 9 و4 بالمئة، تبعا لخط منحن أقل حدة، عاما بع عام. كان على الاستهلاك الفردي ألا يزيد خلال سنوات خمس إلى أكثر من 12 بالمئة. ويبدو الجبن غير المعقول لهذا التصور بمزيد من الوضوح إذا عرفنا أنه كان على ميزانية الدولة في نهاية الخطة الخمسية ألا تتجاوز 16 بالمئة فقط من الدخل القومي، بينما كانت ميزانية روسيا القيصرية، التي لم تفكر طبعا ببناء مجتمع اشتراكي تمتص 18 بالمئة من هذا الدخل ! ربما ليس نافلا أن نضيف بأن واضعي هذه الخطة من مهندسين واقتصاديين تعرضوا بعد عدة سنين إلى المثول أمام المحاكم التي أدانتهم بقسوة متناهية بتهمة التخريب والعمل بوحي قوة عظمى أجنبية. ولو تجرأ المتهمون لأظهروا في المحكمة أن دورهم في وضع الخطة كان متوافقا تماما مع “الخط العام” للمكتب السياسي الذي كان يصدر لهم التعليمات.
إن صراع الاتجاهات قد عبر عن نفسه بلغة الأرقام. لقد أوضح برنامج المعارضة: “إن صياغة مخطط على تلك الدرجة من القماءة والتشاؤم في العيد العاشر لثورة أوكتوبر يعني في الحقيقة العمل ضد الاشتراكية”. وقد قام المكتب السياسي بعد ذلك بسنة بإقرار مشروع جديد لخطة خمسية يكون معدل زيادة الإنتاج السنوية بموجبها 9 بالمئة. إن التطور الفعلي كان يتكشف عن ميل عنيد للاقتراب من معاملات “جماعة التصنيع الكبير”. وعندما تبدلت سياسة الدولة راديكاليا بعد ذلك بسنة، قررت لجنة الخطة مشروعا ثالثا تتفق ديناميكيته بشكل غريب مع التشخيصات الافتراضية التي قدمتها المعارضة في عام 1925.
إن التاريخ الحقيقي لسياسة الاتحاد السوفياتي الاقتصادية مختلف كل الاختلاف عن الأسطورة التي تبتدعها الدولة، ومن المؤسف أن نرى كتـَّابا شرفاء مثل الزوجين ويب لم ينتبهوا لهذا الأمر.
انعطاف مفاجئ:
“الخطة الخمسية في 4 سنوات” و”الجماعية الكاملة”
إن التردد تجاه المزارع الفلاحية الفردية، والحذر تجاه الخطط الكبرى، والدفاع عن تطور بطيء، وازدراء المشكلة الأممية، أمور شكلت بمجموعها نظرية “الاشتراكية في بلد واحد” التي صاغها ستالين لأول مرة في خريف عام 1924 بعد هزيمة البروليتاريا في ألمانيا. وهي تقضي بعدم الاستعجال بعملية التصنيع، وبمسايرة الموجيك، وعدم الاعتماد على الثورة العالمية، وبالامتناع قبل كل شيء عن نقد السلطة البيروقراطية ! وليس انقسام الفلاحين إلى شرائح، ضمن هذا المنظور، إلا من بنات أفكار المعارضة، وعندما قدم المكتب المركزي للإحصاء جداول تولي الكولاك مكانة أكبر مما تتمناه السلطة، عمد ياكوفليف المذكور آنفا إلى إلغاء هذا المكتب. وبينما كان القادة يطلقون التأكيدات المطمئنة حول الخلاص من القحط في إنتاج السلع، و”السير الهادئ للتطور” القادم، والتخزين الأكثر “تكافؤا” للحبوب، الخ، كان الفلاح المترف الذي أصبح أقوي يجر خلفه الفلاح المتوسط ويمتنعان معا عن تقديم القمح للمدن. وفي يناير 1928 وجدت الطبقة العاملة نفسها وجها لوجه أمام مجاعة وشيكة. إن للتاريخ أحيانا ممازحات قاسية، ففي الشهر الذي أطبق فيه الكولاك على رقبة الثورة ألقت الحكومة بممثلي المعارضة اليسارية في السجون أو أرسلتهم إلى سيبيريا لأنهم “ألقوا الهلع” في قلوب المواطنين، عندما حدثوهم عن شبح الكولاك !
وحاولت الحكومة أن تجد تفسيرا لإحجام الفلاحين عن تسليم القمح، فقالت في تفسيرها، إن سبب هذا الإحجام هو عداء الكولاك لنظام الحكم الاشتراكي (ولكن من أين خرج الكولاك ؟)، أي حوافز سياسية عامة. ولكن الفلاح الغني لا يميل لمثل هذه “المثاليات”. فهو يخفي قمحه لأن بيعه غير مريح، ولأن هذا الإحجام عن البيع يزيد من تأثيره بين الفلاحين. إن التدابير القمعية مأخوذة على حدة غير كافية إطلاقا لمواجهة التخريب من جانب الفلاحين الميسورين، وقد كان ينبغي تبديل السياسة المتبعة، إلا أن الحيرة والتردد استمرا وقتا طويلا.
في تموز / يوليو 1928 أعلن ريكوف، الذي كان ما يزال يرئس الحكومة في تلك المرحلة، أن “توسيع المزارع الفردية هو المهمة الأساسية للحزب”. وردد ستالين صدى كلامه قائلا: “هناك أشخاص يظنون أن عهد المزارع الفردية قد ولى ولم يعد ينبغي تشجيعها… ليس لهؤلاء الأشخاص ما يجمعهم مع الخط العام لحزبنا”. وبعد أقل من عام لم يعد الخط العام للحزب متلائما مع هذا الكلام: لقد بزغ فجر الجماعية الكاملة في الأفق.
نتج الاتجاه الجديد عن تدابير تجريبية كالسابق، بعد صراع خفي داخل المجموعة الحاكمة. لقد سبق وقالت المعارضة: “يجمع اليمين والوسط عداؤهما المشترك للمعارضة التي سيؤدي استبعادها إلى تسريع الصراع في ما بينهما حتما”. وهو ما حصل بالفعل. لكن زعماء الكتلة الحاكمة السائرة إلى التفكك رفضوا الاعتراف بأي شكل من الأشكال بان توقع المعارضة هذا قد تحقق كما الحال مع العديد من التوقعات الأخرى. وفي 19 تشرين الأول / أوكتوبر 1928 كان ستالين لا يزال يردد: “لقد آن الأوان لننتهي من الإشاعات حول وجود يمين يبدي نحوه التسامح المكتب السياسي للجنتنا المركزية”. لكن المجموعتين كانتا تتحسَّسان مع ذلك مكاتب الحزب، وعاش الحزم المكموم وسط الإشاعات الغامضة والظنون. وبعد مرور عدة أشهر، إذا بالصحف الرسمية تنشر أن رئيس الحكومة ريكوف “كان يناور مستفيدا من متاعب السلطات السوفييتية”. وأن رئيس الأممية الشيوعية بوخارين كان “خاضعا للتأثيرات الليبرالية – البرجوازية”، وأن تومسكي رئيس المجلس المركزي للنقابات لم يكن سوى نقابي بائس. وكان الثلاثي ريكوف، وبوخارين، وتومسكي أعضاء في المكتب السياسي. إذا كانت السلطة قد استخدمت في صراعها ضد المعارضة اليسارية أسلحة مستعارة من مستودع اليمين، ففي وسع بوخارين أن يتهم ستالين الآن بأنه يستعين في مواجهته لليمين بنتف من برنامج المعارضة المدانة، وهو محق في هذا الاتهام.
مهما يكن فقد تم الانعطاف، وأصبح شعار “اثروا”، ونظرية امتصاص الاشتراكية للكولاك من دون ألم، فكرتين مرفوضتين بحزم وإن بصورة متأخرة، وأصبح التصنيع شعار اليوم. وحل بدلا من القناعة والرضى هلع جارف. وشعار “اللحاق والسبق” الذي رفعه لينين، وكاد أن ينسى أضيف إليه تعبير “في اقصر مدة”. وحل مكان الخطة الخمسية التي تشكل الحد الأدنى، والتي وافق عليها مؤتمر الحزب مبدئيا، خطة جديدة أخذت عناصرها الرئيسية من برنامج المعارضة اليسارية المهزومة بالأمس. وتركزت الأنظار كلها على مشروع السد على نهر الدنيبر الذي شبِّه قبل مدة قصيرة بالحاكي.
وعند ظهور بوادر أولية للنجاح، أعطيت تعليمات جدية لتنفيذ الخطة الخمسية في 4 سنوات. واعتقد التجريبيون المبلبلون أن كل شيء أصبح بمقدورهم، وانقلبت الانتهازية (كما يحصل كثيرا في التاريخ) إلى مغامرة، أي إلى نقيضها. انتقل المكتب السياسي الذي كان مستعدا في 1923 – 1928 للتكيف مع فلسفة بوخارين حول “التقدم بسرعة السلحفاة”، إلى الارتفاع بالنمو السنوي من 20 إلى 30 بالمئة، محاولا أن يجعل من كل نجاح مؤقت قاعدة، ومتجاهلا ارتباط فروع الاقتصاد بعضها بالبعض الأخر. هذا وقد أخذت الأوراق النقدية تستعمل لسد الثغرات المالية في الخطة، فارتفعت الأوراق النقدية المتداولة من 1,7 مليار روبل إلى 5,5 مليار، لتصل في منتصف المرحلة الثانية إلى 8,4 مليار روبل. أما البيروقراطية فلم تتخلص فقط من مراقبة الجماهير التي أثقل التصنيع السريع كاهلها بل أيضا من مراقبة التشرفونييتز4 الأوتوماتيكية. واهتز النظام المالي من جذوره مرة أخرى بعد أن كانت أرسيت قواعده على أسس ثابتة في بدء مرحلة النيب NEP.
إلا أن الخطر الأكبر على النظام والخطة برز في الريف. فقد عرف الشعب فجأة في 15 شباط / فبراير عن طريق افتتاحية في البرافدا أن صورة الريف الحقيقة مختلفة عن الصورة التي رسمته له السلطات حتى الآن، وتشبه إلى حد بعيد الشكل الذي رسمته له المعارضة التي طردها المؤتمر. أما الصحافة التي كانت تنكر بالأمس وجود الكولاك، فقد اكتشفتهم اليوم فجأة بناء على أوامر عليا، لا في الريف فحسب، بل في داخل الحزب نفسه.
وعرف الجميع أن خلايا الحزب كانت غالبا تحت سيطرة الفلاحين الأغنياء الذين يملكون أدوات زراعية متنوعة، ويستخدمون اليد العاملة المأجورة بشكل واسع، ويخفون مئات بل ألاف “البود”5 من الحبوب، ويظهرون فضلا عن ذلك كأعداء الداء للسياسة “التروتسكية”. وقد تسابقت الصحف إلى نشر معلومات مثيرة عن كولاك يشغلون مراكز أمناء عامين في اللجان المحلية ويعملون على إبعاد الفلاحين الفقراء والمياومين عن الحزب. وانقلبت كل المعايير والقيم القديمة رأسا على عقب.
أصبح من الضروري مصادرة خبز الكولاك اليومي لتموين المدن، ولم يكن هذا يتم بدون عنف؛ كما أخذت مصادرة مستودعات الكولاك، والفلاحين المتوسطين، في اللغة الرسمية اسم “تدابير استثنائية”. وهذا يعني وعد الريف بالعودة للسير على الطريق القويم في المستقبل. لكن الريف لم يقتنع بمعسول الكلام، وكان محقا في ذلك. وقتلت المصادرة القسرية لقمح المزارعين الأغنياء الرغبة في زيادة المساحة المزروعة. كما وجد المزارعون الفقراء والأجراء الزراعيون المياومون أنفسهم بلا عمل، وغدت الزراعة والدولة معها في طريق مسدود مرة أخرى. فكان لا بد من تبديل “الخط العام” بأي ثمن.
إن ستالين ومولوتوف اللذين استمرا يمنحان الأفضلية للزراعات الفردية المجزأة، أخذا يؤكدان ضرورة الإسراع بتوسيع مزارع الدولة (السوفخوزات) والمزارع الجماعية للفلاحين (الكولخوزات). لكن لما كان نقص التموين الخطير لا يسمح بإيقاف حملات المصادرة العسكرية التي تشن على الريف، وجد برنامج النهوض بالزراعة الفردية المجزأة نفسه معلقا في الهواء. وكان لا بد من “الانزلاق على منحدر” الجماعية. فتولد عن “التدابير الاستثنائية” المؤقتة المستخدمة لمصادرة القمح برنامج “لتصفية الكولاك كطبقة”. وجاءت التعليمات المتضاربة الأكثر غزارة من أنصبة الخبز لتكشف بما لا يقبل الشك فقدان أي برنامج زراعي لخمس سنوات أو حتى لخمس شهور.
لقد كان على الزراعة الجماعية حسب الخطة التي تم وضعها خلال أزمة التموين أن تشمل في نهاية السنة الخامسة حوالي 20 بالمئة من عائلات الفلاحين. هذا البرنامج الذي تتكشف ضخامته إذا ما عرفنا أن الزراعة الجماعية لم تشمل خلال السنوات العشر المنصرمة سوى 1 بالمئة من عائلات الفلاحين، تم تجاوزه خلال اقل من سنتين ونصف بعد بدء تطبيق الخطة الخمسية.
وفي تشرين الثاني / نوفمبر 1929 انهي ستالين تردده، وأعلن نهاية الزراعة الفردية المجزأة قائلا: “يدخل الفلاحون في الكولخوزات بقرى كاملة وكانتونات واقضية”. أما ياكوفليف الذي قال قبل سنتين أن الكولخوزات ستبقى مدة طويلة “واحات بين أقسام الأرض المجزأة” فقد تلقى بصفته المفوض للزراعة أمر “تصفية الفلاحين الأغنياء كطبقة” ونشر الجماعية الكاملة “في أقصر وقت”. وفي عام 1929 ارتفع عدد العائلات التابعة للكولخوزات من 1,7 بالمئة إلى 3,9 بالمئة، كما بلغت النسبة 23,6 بالمئة في عام 1930، و52,7 بالمئة في عام 1931، و61,5 بالمئة عام 1932.
لم يعد هنالك اليوم من يردد ببلاهة ثرثرة اللليبراليين، التي تقول أن الجماعية بمجملها كانت ثمرة العنف وحده. لقد ثار الفلاحون على سيادتهم خلال نضالهم عبر التاريخ من أجل الأرض، وانتقلوا أحيانا ليستعمروا مناطق عذراء؛ أو انشأوا بدعا دينية حلت للموجيك مشكلة ضيق الأرض بالسماوات الواسعة. وقد أصبحت مسالة تجميع الأرض في مزارع واسعة، منذ إنهاء الإقطاعيات الكبيرة وتوزيع الأرض إلى أقسام صغيرة، قضية حياة أو موت بالنسبة للزراعة والفلاحين والمجتمع بأسره.
لكن هذا الاعتبار التاريخي العام لم يحل المعضلة. ولم تكن الإمكانات الحقيقة للجماعية تتحدد بوضع الفلاحين البائس، ولا بالطاقة الإدارية للحكومة، بل قبل كل شيء بالموارد الإنتاجية المتوفرة، أي بمقدار ما تستطيع الصناعة أن تقدم من أدوات للمزارع الكبيرة. هذه المعطيات المادية كانت عمليا مفقودة. لقد تم تجهيز الكولخوزات بأدوات لا تفيد سوى الأراضي المجزأة. وتحقيق الجماعية بسرعة فائقة في مثل هذه الظروف، مغامرة اقتصادية مجهولة النتائج.
ولم تتمكن الدولة التي فاجأتها حدة هذا الانعطاف الذي قامت به من القيام بتحضير سياسي أولي للواقع الجديد. كانت السلطات المحلية تجهل تماما كما الفلاحون ما يتوجب عليها صنعه. وتوترت أعصاب الفلاحين اثر إشاعات تحدثت عن “مصادرة” المواشي، ولم يكن الأمر بعيدا عن الواقع كما سنرى. لقد تحققت الفكرة التي اتهمت بها المعارضة في الماضي لتشويه آرائها: فقامت البيروقراطية “بنهب الريف”، وأصبحت الجماعية بالنسبة للفلاح مرادفة للمصادرة الكاملة. ولم تشمل الجماعية الخيول والأبقار والخراف والخنازير فقط، بل وصغار أفراخ الدجاج أيضا. وكتب شاهد عيان في الخارج ما يلي: ” كان يؤخذ من الكولاك كل شيء حتى أحذية الأطفال المصنوعة من اللباد”. وقد نتج عن ذلك أن باع الفلاحون مواشيهم بالجملة وبأبخس الأسعار، أو ذبحوها ليستفيدوا من لحمها وجلدها.
وفي يناير 1930، رسم اندرييف عضو اللجنة المركزية في مؤتمر موسكو الصورة التالية للجماعية: فمن جهة، بدا أن حركة التجميع القوية التي عمت البلاد قاطبة “ستجتاح في طريقها كل الحواجز”، ومن جهة أخرى كانت مبادرة الفلاحين، عشية الانضمام إلى الكولخوز، إلى بيع أدواتهم ومواشيهم وبذارهم، بغية الربح، تتم “على نطاق واسع خطير”. ويصف هذان التأكيدان المتناقضان الطابع المرضي للتجميع، هذا التدبير اليائس، وصفا صحيحا، منطلقين من وجهتي نظر متقابلتين. ولقد كتب المراقب الناقد الذي أشرنا إليه ما يلي: “إن التجميع الكامل قد أغرق الاقتصاد في بؤس لا مثيل له منذ زمن بعيد، حتى لكان حربا دامت سنوات ثلاث مرت من هناك”.
لقد أرادت البيروقراطية أن تتجاهل 25 مليون عائلة من الفلاحين منعزلة وأنانية، كانت حتى البارحة، المحرك الوحيد للزراعة رغم ضعفها وهزالها الذي يشبه هزال حصان الموجيك، لتضع محلها بجرة قلم 200 ألف مجلس إدارة لكولخوزات محرومة من الوسائط التقنية والمعارف الزراعية، ولا تتمتع بدعم الفلاحين أنفسهم. ولم تلبث أن ظهرت النتائج المدمرة لهذه المغامرة وقد دام تأثيرها عدة سنوات. لقد كان محصول الحبوب في عام 1930 (835) مليون كنتال، فانخفض في السنتين التاليتين إلى أقل من 700 مليون. ومع أن هذا الفرق لا يبدو كارثة، إلا أنه كان يمثل بالضبط فقدان الكمية اللازمة من القمح لتموين المدن قبل أن تعتاد على حصص التموين لفترات المجاعة. ولم تكن زراعة النباتات الصناعية أحسن حالا، فقد كان إنتاج السكر قبل تطبيق الجماعية 109 ملايين بود، فهبط بعد سنتين، وفي ظل الجماعية الكاملة، إلى 48 مليون بود، بسبب نقص الشمندر، وأصاب الإعصار الأكثر تدميرا حيوانات الريف، فهبط عدد الخيول بنسبة 55 بالمئة، من 34,6 مليون في عام 1929 إلى 15,6 مليون في عام 1934. كما انخفض عدد الأبقار من 30,7 مليون إلى 19,5 مليون، أي بنسبة 40 بالمئة، والخنازير بنسبة 55 بالمئة، والخراف بنسبة 66 بالمئة. ولم تحدد الخسائر بالرجال – الناتجة عن الجوع والبرد والأوبئة وعمليات القمع – بدقة توازي دقة حساب الخسائر على مستوى المواشي، ولكن يمكن تقديرها أيضا بالملايين. ولا تعود مسؤولية هذا على الجماعية، بل على الأساليب العمياء الاعتباطية العنيفة التي رافقت تطبيق الجماعية. ولم تبادر البيروقراطية إلى حسبان حساب أي شيء مسبقا. ولم ينشر قانون تنظيم الكولخوزات، الذي حاول أن يربط منفعة الفلاح الفردية بالنفع العام، إلا بعد أن نهب الريف بشكل وحشي.
وشكلت محاولة الهروب من نتائج سياسة أعوام 1923– 1928 أساس التسرع بتطبيق هذه السياسة الجديدة. وعلى الرغم من ذلك فقد كان بإمكان الجماعية أن تخطو بوتيرة أكثر عقلانية ووفقا لأشكال أكثر اتزانا. فالبيروقراطية الماسكة بزمام السلطة والصناعة قادرة على تنظيمها دون أن تدفع البلاد إلى حافة الهاوية. كما كان من الممكن والضروري أيضا السير بسرعة تتلاءم مع موارد البلاد المادية والمعنوية. لقد كتبت “المعارضة اليسارية” في نشرتها الصادرة في الخارج عام 1930 ما يلي: “يمكن في ظروف داخلية وعالمية ملائمة تحويل حالة الزراعة المادية والتقنية بصورة جذرية وإرساء قواعد للجماعية على صعيد الإنتاج خلال مهلة تتراوح بين 10 و15 سنة. ولكن سلطة السوفيات ستكون أثناء هذه الفترة معرضة للإطاحة عدة مرات”.
ولكم يكن هذا التحذير مبالغا به حيث أن ريح الفناء لم تهب على ثورة أوكتوبر عنيفة كاسحة مثل أيام الجماعية الكاملة. لقد مزق التذمر، والقلق، وعمليات الإرهاب البلاد بأسرها. كما عاد جو الحرب الأهلية إلى الأذهان بفعل فوضى النظام المالي؛ وتضارب أسعار الحد الأقصى التي حددتها الدولة مع الأسعار “المتعارف عليها” وأسعار السوق الحرة؛ والانتقال من ظاهر التجارة بين الدولة والفلاحين إلى ضرائب تتمثل بمقادير من الحبوب واللحوم والألبان؛ والصراع المرير ضد السرقات المتواصلة لممتلكات الكولخوزات وإخفاء هذه السرقات؛ والاستنفار العسكري للحزب ضد محاولات التخريب التي يقوم بها الكولاك بعد تصفيتهم كطبقة؛ والعودة إلى بطاقة التموين وحصص المجاعة؛ وأخيرا تنظيم جوازات السفر الداخلية.
وساءت عملية تموين المصانع بالمواد الأولية من فصل لفصل، وأدت ظروف الحياة القاسية إلى ميوعة اليد العاملة والتقصير في العمل والإهمال وتخريب الآلات، وارتفاع نسبة العيوب في الإنتاج ووقعه في رداءة النوعية. هذا وقد انخفض مردود العمل في عام 1931 بنسبة 11,7 بالمئة. وصرح مولوتوف في عام 1932 تصريحا نقلته الصحافة السوفييتية عن ازدياد الإنتاج الصناعي بمقدار 8,5 بالمئة فقط بدلا من نسبة 36 بالمئة المحددة بالخطة. ثم أعلنت البيروقراطية أنه تم تنفيذ الخطة الخمسية في 4 سنوات و3 أشهر، وهذا دليل على أن استهتارها واحتقارها للرأي العام والإحصاءات ليس لهما حدود. والأهم من ذلك أن الأمر لم يكن يتعلق بالخطة الخمسية، فحسب بل بمصير النظام كله.
لقد صمد النظام رغم كل شيء بفضل جذوره الجماهيرية العميقة وبسبب ظروف خارجية ملائمة. لقد وصلت الحالة بالاتحاد السوفياتي في سنوات الفوضى الاقتصادية والحرب الأهلية في الريف إلى درجة كاملة من الشلل أمام كل عدوان خارجي. وامتد تذمر الفلاحين إلى الجيش، وأفقد انعدام الأمن وغياب الاستقرار البيروقراطية وكادراتها القيادية معنوياتها. ولو وقع في هذه الفترة عدوان في الشرق أو الغرب لكان له نتائج وخيمة حاسمة.
لقد غرق العالم الرأسمالي، لحسن الحظ، خلال السنوات الأولى من الأزمة الصناعية والتجارية في حالة انتظار مبلبلة. ولم يكن هناك من يرغب بالحرب أو يجرؤ عليها. كما أنه لم يكن لدى أعداء الاتحاد السوفياتي صورة واضحة عن مدى خطورة الاضطراب الاجتماعي الذي كان يجتاح البلاد، بفعل الموسيقى الصاخبة للجوقات الرسمية على شرف “الخط العام”.
تبين دراستنا التاريخية، رغم اقتضابها، كيف أن اللوحة المثالية عن سلسلة متعاقبة من النجاحات كانت أمرا بعيدا عن التطور الحقيقي للدولة العمالية. وسيفيدنا الماضي المليء بالأزمات في الكشف عن معلومات تنفع في المستقبل. كما أن دراسة تاريخية لسياسة حكومة السوفيات الاقتصادية وتقلباتها، تبدو لنا ضرورية للقضاء على عبادة الفرد، التي تبحث عن أسباب النجاح الحقيقية أو الكاذبة في صفات الزعماء الخارقة، بدلا من أن تبحث عنها في ظروف الملكية الاشتراكية التي خلقتها الثورة.
تظهر ميزات النظام الاجتماعي الجديد طبعا من خلال أساليب القيادة، لكن هذه الأساليب تعبر كذلك عن الحالة الاقتصادية والثقافية المتأخرة للبلاد وعن محيط البرجوازية الإقليمية حيث تكونت الكادرات الحاكمة.
من عظيم الخطأ أن نستنتج من هذا أن سياسة الحكام السوفيات عامل قليل الأهمية، إذ ليس في العالم حكومة تمسك بين يديها مصائر بلاد ما إلى الحد الذي تبلغه الحكومة السوفياتية. إن نجاح أو فشل أحد الرأسماليين يتوقف إلى حد كبير، وأحيانا بصورة حاسمة، على صفاته الشخصية. أما الحكومة السوفياتية فقد وضعت نفسها بالنسبة للنظام الاقتصادي في الموقع ذاته الذي يحتله الرأسمالي حيال مشروعه. إن مركزة الاقتصاد تجعل من السلطة عاملا كبير الأهمية. لهذا يجب أن لا نحكم على سياسة الحكومة بناء على موازنات مبسطة، أو على أرقام الإحصاء المجردة، بل طبقا لدورها المتمثل في التوقع الواعي والقيادة المخططة، المؤدي إلى انجاز هذه النتائج.
لقد عبَّرت تعرجات سياسة الحكومة عن تناقضات الوضع، كما عن عجز الحكام عن فهم هذه التناقضات بشكل كاف، والتصرف حيالها بتدابير وقائية. إن من الصعب إخضاع أخطاء القادة إلى تقديرات حسابية، ولكن شكل التعرجات يسمح لنا بان نستنتج العبء المالي الإضافي الكبير الذي فرضته هذه الأخطاء على الاقتصاد السوفياتي.
تبقى مسألة غير مفهومة – على الأقل عند الاقتراب العقلاني من التاريخ – وهي كيف ولماذا استطاع التكتل الأكثر افتقارا للأفكار والأكثر أخطاء أن ينتصر على بقية الجماعات، ويركز بين يديه سلطة غير محدودة. إن التحليل اللاحق سيكشف لنا مفتاح هذه المعضلة. وسنرى كيف تدخل الأساليب البيروقراطية للقيادة المطلقة في تعارضات كثيرة مع متطلبات الاقتصاد والثقافة، وما يسببه ذلك من أزمات، وهزات جديدة في تطور الاتحاد السوفياتي.
لكن علينا قبل أن نحلل الدور المزدوج للبيروقراطية “الاشتراكية” أن نرد على السؤال التالي: ما هو إذن، وزن المكتسبات العام ؟ وهل تحققت الاشتراكية حقا ؟ أو على الأقل هل تستطيع النجاحات الاقتصادية والثقافية الحالية، أن تقينا من خطر عودة الرأسمالية، مثلما أن المجتمع البرجوازي وجد نفسه في مرحلة معينة من تطوره محميا بنجاحاته ضد عودة الإقطاع والقنانة ؟
الفصل الثالث: الاشتراكية والدولة
النظام الانتقالي
هل تحققت الاشتراكية حقا في الاتحاد السوفياتي، كما تؤكد السلطات الرسمية ؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فهل تضمن المكتسبات الحالية، على الأقل تحقيق الاشتراكية ضمن الحدود الوطنية وبصورة مستقلة عن أحداث العالم ؟ إن التقدير النقدي للمؤشرات الأساسية للاقتصاد السوفياتي يقدم لنا نقطة انطلاق في البحث عن إجابة صحيحة. إلا أنه ليس بوسعنا الاستغناء عن ملاحظة نظرية تمهيدية.
تعتبر الماركسية التطور التقني دافعا رئيسيا للتقدم، وتبني البرنامج الشيوعي على ديناميكية القوى الإنتاجية. على افتراض أن تكتسح كارثة كونية كوكبنا في مستقبل قريب أو بعيد، يلزمنا عند ذلك أن نتخلى عن منظور الشيوعية كما عن أشياء كثيرة أخرى. فإذا استبعدنا هذا الخطر الذي يبقى إلى الآن مجرد احتمال، فليس هنالك من سبب علمي قادر على وضع حدود مسبقة لإمكانياتنا التقنية والصناعية والثقافية. إن الماركسية متفائلة جدا بإمكانات التقدم، وهذا في حد ذاته كاف للوقوف بصلابة بوجه المعتقدات الدينية.
إن القاعدة المادية للشيوعية تكمن في تطور قدرة الإنسان الاقتصادية، بحيث يتوقف العمل الإنتاجي عن أن يكون عبئا ومشقة، فلا يعود بحاجة لأي مهماز، ولا يعود التوزيع بحاجة لإشراف أخر غير إشراف التربية، والعادة، والرأي العام (كما هي الحالة اليوم وسط أية عائلة ميسورة أو نزل “محترم”). وعلى المرء أن يتمتع بقسط كبير من الحماقة ليعتبر مثل هذا الأمل المتواضع أملا طوبويا.
لقد أوجدت الرأسمالية الظروف والقوى الملائمة للقيام بثورة اشتراكية: وهي التقنية والعلم والبروليتاريا. ولا يستطيع المجتمع الشيوعي مع ذلك أن يعقب المجتمع البرجوازي مباشرة، فالإرث المادي والثقافي غير كاف لهذا الانتقال. ولا تستطيع الدولة العمالية في بداية نشوئها أن تفسح المجال لكل فرد أن يعمل “حسب قدرته”، أي بقدر ما يطيق ويحلو له. كما أنها عاجزة عن مكافأة كل فرد “حسب حاجاته” بشكل مستقل عن العمل الذي يقدمه. إن الرغبة في زيادة القوى الإنتاجية تجبرها على اللجوء إلى نظام الأجر العادي، وهذا يعني توزيع الثروات حسب نوع العمل الفردي ومقداره.
لقد سمى ماركس هذه المرحلة الأولى في المجتمع الجديد “الطور الأدنى من الشيوعية” ليميزها عن المرحلة الأرقى التي يختفي فيها انعدام المساواة في ﺁن مع آخر شبح للفاقة. وتقول العقيدة الرسمية السوفياتية حاليا: “إننا لم نبلغ حتى الآن الشيوعية الكاملة بالطبع ولكننا حققنا الاشتراكية، أي الطور الأدنى من الشيوعية”. وهي تشير في تزكيتها لهذه الأطروحة إلى هيمنة احتكارات الدولة داخل الصناعة، الكولخوزات في الحقل الزراعي، والمشاريع المدوّلة والتعاونيات على مستوى التجارة. ويبدو للوهلة الأولى أن ثمة توافقا كليا مع مخطط ماركس الأولي، وبالتالي الافتراضي. وتدل النظرة الأولى على توافق هذا الوضع، مع فرضيات ماركس. ولكن الماركسية لا تنظر إلى الموضوع من وجهة نظر أشكال الملكية وحسب، بصورة مستقلة عن مردود العمل. لقد عنى ماركس “بالطور الأول من الشيوعية” تلك المرحلة التي يتفوق فيها التطور الاقتصادي منذ البداية على الرأسمالية المتقدمة. هذه الطريقة في طرح المسالة غير خاطئة نظريا، لأن الشيوعية منظور إليها على المستوى العالمي تشكل، حتى في مرحلتها الأولية وبداية انطلاقها، درجة أعلى بالنسبة إلى المجتمع البرجوازي. لقد توقع ماركس أن يبدأ الفرنسيون الثورة الاشتراكية ويواصلها الألمان، بينما يكون الانجليز قد أنجزوها. وكان الروس في نظره واقفين بعيدا، في المؤخرة. ولكن الحقيقة جاءت مغايرة لهذه التوقعات. لذا فإن أي محاولة للتطبيق الآلي للمفهوم التاريخي الشامل الذي كوّنه ماركس على الحالة الخاصة للاتحاد السوفياتي في المرحلة الحاضرة من تطوره، تعني الوقوع في الحال في تناقضات شائكة.
لم تكن روسيا أقوى حلقات الرأسمالية بل أضعفها. ولا يتجاوز الاتحاد السوفييتي حاليا مستوى الاقتصاد العالمي، وهو لا يفعل أكثر من اللحاق بمستوى البلاد الرأسمالية. وقد أطلق ماركس تسمية “الطور الأدنى من الشيوعية” على المجتمع الذي يتشكل على قاعدة تشريك قوى الإنتاج في البلدان الرأسمالية الأكثر تقدما في عصره، إلا أن هذه التسمية لا تنطبق على الاتحاد السوفياتي الذي لا يزال إلى اليوم أفقر بكثير من البلاد الرأسمالية، في حقول التقنية والثروات والثقافة. ومن الأدق إذن أن لا نعتبر النظام السوفييتي الحالي، الغارق في تناقضاته الكثيرة، نظاما اشتراكيا، ذلك أنه نظام انتقالي بين الرأسمالية والاشتراكية أو ممهد للاشتراكية.
إن هذا الاهتمام باختيار المصطلح الصحيح لا ينطوي على أية حذلقة. إن قوة الأنظمة واستقرارها يتحددان في النهاية بالمردود النسبي للعمل. إن اقتصادا مشرَّكا يقوم بتخطي الرأسمالية من الناحية التقنية سوف يشهد بالتأكيد تطورا اشتراكيا أليا إلى هذا الحد أو ذاك، وهو ما لا يمكن للأسف أن نقوله بصدد الاقتصاد السوفييتي، بأي شكل من الأشكال.
إن معظم المدافعين السطحيين عن الاتحاد السوفييتي في وضعه الحالي يميلون إلى التفكير على وجه التقريب وفقا للنحو التالي: حتى لو اعترفنا أن النظام السوفييتي الحالي لم يبلغ الاشتراكية بعد فسوف يؤدي التطور اللاحق لقوى الإنتاج، على الأسس الحالية، إلى الانتصار الكامل للاشتراكية، عاجلا أو أجلا. إن المسالة هي مسالة وقت فقط، فلماذا كل هذا الضجيج ؟ مهما كانت هذه الطريقة في التفكير سليمة، إلا أنها في منتهى السطحية في الواقع، فليس الزمن عاملا ثانويا عندما يتعلق الأمر بسيرورة تاريخية. والخلط بين الحاضر والمستقبل في السياسة أخطر بكثير من مثل هذا الخطأ في قواعد اللغة. وليس التقدم كما يتصوره بعض التطوريين السطحيين من أمثال ويب عبارة عن تراكم مخطط و”تحسين” دائب لما هو موجود، إنه عبارة عن عمليات انتقال من الكمية إلى النوعية، وأزمات، وقفزات إلى الأمام، وتراجعات. وبما أن الاتحاد السوفياتي لم يدخل بعد في المرحلة الأولى للاشتراكية التي هي نظام متوازن للإنتاج والاستهلاك، فإن تقدمه مليء بالتناقضات. وتخلق التناقضات الاقتصادية صراعات اجتماعية تحتدم وفقا لمنطقها الخاص بها دون أن تنتظر تطور القوى الإنتاجية. ولقد شاهدنا ذلك في مسالة الكولاك الذين لم يوافقوا على أن “تستوعبهم” الاشتراكية، وتطلب سحقهم ثورة إضافية لم يكن البيروقراطيون ومفكروهم يتوقعونها. فهل ستقبل البيروقراطية التي تتركز السلطة بين يديها أن تذوب داخل الاشتراكية ؟ هناك شك في ذلك، ومن الاستهتار أن نثق بكلامها. إذن كيف سيتجه تطور ديناميكية التناقضات الاقتصادية والصراعات الاجتماعية في المجتمع السوفياتي خلال السنوات الثلاث أو الخمس أو العشر المقبلة ؟ ليس هنالك حتى الآن أي جواب نهائي ولا جدال فيه على هذا السؤال. وتتعلق النتيجة بصراع القوى الحية في المجتمع على الصعيدين الوطني والعالمي. وتفرض علينا كل مرحلة جديدة ضرورة إجراء تحليل ملموس للاتجاهات والعلاقات الحقيقية، في ترابطها وتداخلها المتواصل. وستظهر لنا أهمية هذا التحليل عند بحث مسألة الدولة السوفياتية.
البرنامج والواقع
يعتبر لينين بعد ماركس وانجلس أول ملمح مميز للثورة من حيث تصادر أملاك المستغلين، في كونها تلغي ضرورة وجود جهاز بيروقراطي يسيطر على المجتمع، وتلغي قبل كل شيء ضرورة الشرطة والجيش الدائم. ولقد كتب عام 1917 قبل للاستيلاء على السلطة بشهرين أو ثلاثة: “يردد النفعيون أن البروليتاريا بحاجة إلى دولة، ولكنهم يتناسون بأن البروليتاريا ليست بحاجة إلا لدولة زائلة، أي أنها تبدأ فور وجودها بالزوال ولا يمكنها عدم الزوال” (الدولة والثورة) وقد وجه نقده آنذاك إلى الاشتراكيين الإصلاحيين كالمناشفة الروس والفابيين الانجليز… الخ.
ويرتد النقد اليوم بقوة مضاعفة ضد عبدة الأصنام السوفيات وعبادتهم للدولة البيروقراطية التي لا تنوي إطلاقا أن” تزول”، وسط الصراعات العنيفة، وتكون مهمتها “إخمادها” أو “تعديلها” أو “تسويتها” فتقوم بهذه المهمة دائما لمصلحة ذوي الامتيازات والمالكين والبيروقراطيين أنفسهم. ويرسخ الجهاز البيروقراطي أقدامه ويحسِّن وضعه من خلال كل الثورات البرجوازية مهما كانت نسبة الديمقراطية فيها. لقد كتب لينين: “الموظفون والجيش الدائم “طفيليات” تعيش على جسم المجتمع البرجوازي، إنهم طفيليات ناجمة عن التناقضات الداخلية التي تمزق هذا المجتمع، وتسد قبل كل شيء مسام جلده…”.
وقد اهتم لينين منذ عام 1918، أي منذ أن أصبح على الحزب أن يعتبر الاستيلاء على السلطة مشكلة عملية، بإلغاء هذه “الطفيليات”. فشرح في كتابه (الدولة والثورة) كيف تقوم البروليتاريا بعد ضرب الطبقات المستغلة بتحطيم الآلة البيروقراطية القديمة وتشكيل جهازها الخاص من العمال والمستخدمين، واتخاذ “تدابير تحدث عنها وحللها بكل تفصيل ماركس وانجلز”، لمنعهم من الانحراف نحو البيروقراطية. وهذه التدابير هي التالية: “1- إمكانية انتخاب أفرادها وإعفائهم في كل وقت، 2- منح أفرادها أجرا لا يزيد عن أجر العامل، 3- الانتقال المباشر إلى وضع يصبح فيه الجميع “بيروقراطيين” مؤقتين يقومون بمهام الإشراف والرقابة، بحيث لا يعود بوسع أحدهم أن يتبقرط”. ويرى لينين أن عملا كهذا لا يتطلب عشرات السنين، إنه الخطوة الأولى المطلوبة: “ويمكننا بل يجب علينا أن نبدأ من هنا عندما نقوم بثورة البروليتاريا”.
وبعد سنة ونصف من الاستيلاء على السلطة ظهرت وجهات النظر الجريئة نفسها حول دولة ديكتاتورية البروليتاريا في برنامج الحزب البلشفي، وخاصة في الفقرات المتعلقة بالجيش، مثل: دولة قوية لكن بدون ماندرينات6. قوة عسكرية دون “ساموراي”7 ! ليست البيروقراطية العسكرية والمدنية نتيجة للحاجات الدفاعية ولكنها تنجم عن انتقال انقسام المجتمع لطبقات إلى تنظيم الدفاع. ليس الجيش سوى صورة للعلاقات الاجتماعية. والكفاح ضد الخطر الخارجي يتطلب في الدولة العمالية تنظيما عسكريا وتقنيا متخصصا لا يكون في أي حال من الأحوال مصدرا لمنح امتيازات للضباط. إن البرنامج البلشفي يصر على استبدال الجيش الدائم بالشعب المسلح.
إن نظام ديكتاتورية البروليتاريا يتوقف هكذا عن أن يكون نظاما “لدولة” بالمعنى القديم للكلمة، أي لجهاز معد لإبقاء أغلبية الشعب منقادة طائعة. في حين تنتقل الأسلحة والقوة المادية مباشرة إلى تنظيمات العمال كالسوفياتات، ويبدأ جهاز الدولة البيروقراطي بالزوال منذ بداية ديكتاتورية البروليتاريا. هذه هي بنود البرنامج الذي لم يصدر حتى اليوم ما يلغيه. ولكن الغريب في الأمر أنه يبدو الآن كصوت صادر من داخل قبر.
ومهما أعطي لطبيعة الدولة السوفياتية من تفسيرات، فهنالك شيء أكيد هو: أنها لا تزال بعد حكم دام عشرين سنة أبعد ما تكون عن “الزوال”، لا بل هي لم تبدأ حتى “بالزوال”. والأسوأ من ذلك أنها أصبحت على العكس جهاز ضغط وإكراه لا مثيل له في التاريخ. وبدل أن تختفي البيروقراطية أصبحت قوة جامحة تسيطر على الجماهير. ولم يحل الشعب المسلح محل الجيش، بل أصبح الأخير في حد ذاته منطلقا لظهور طائفة من الضباط ذوي الامتيازات الذين ظهر في أعلى هرمهم ماريشالات، وبات الشعب الذي كان عليه أن “يمارس ديكتاتوريته المسلحة” محروما حتى من امتلاك السلاح الأبيض في الاتحاد السوفياتي. وليس هنالك تناقض اغرب من تناقض صورة الدولة العمالية التي فكر بها ماركس وانجلز ولينين مع صورة الدولة التي يرأسها اليوم ستالين. إن زعماء الاتحاد السوفياتي الحاليين وممثليهم الإيديولوجيين يقومون بطبع مؤلفات لينين (بعد مراقبتها وحذف بعض أجزائها) ولكنهم لا يتساءلون عن أسباب هذا الفرق الواضح بين البرنامج والحقيقة. فلنقم بدلا عنهم بهذا العمل.
الطبيعة المزدوجة للدولة السوفياتية
إن ديكتاتورية البروليتاريا جسر بين المجتمعين البرجوازي والاشتراكي. وهي في حقيقة جوهرها ديكتاتورية مؤقتة. وللدولة التي تطبق هذه الديكتاتورية مهمة متفرعة، لكنها أساسية جدا، هي تحضير زوالها بنفسها. وتبين درجة تنفيذ هذه المهمة “المتفرعة” مقدار النجاح في تحقيق الفكرة الأساسية: بناء مجتمع دون طبقات ودون تناقضات مادية. إن البيروقراطية والانسجام الاجتماعي أمران متناسبان عكسيا.
لقد كتب انجلز في محاجته المشهورة لدوهرينغ: “في الحين الذي ستختفي فيه مع السيطرة الطبقية والصراع لتأمين الوجود الفردي بسبب الفوضى الحالية للإنتاج، الصدامات والإسرافات الناجمة عن هذا الصراع، فلن يعود هنالك ما يستوجب القمع، ولن تجد الدولة بعد ذلك ضرورة لوجود قوة قمع خاصة”. ولكن غير المستنيرين مؤمنون بخلود الدرك. وسيسيطر الدرك في الواقع على الإنسان ما دام الإنسان بعيدا عن السيطرة الكافية على الطبيعة. ولكي تزول الدولة ينبغي أن تزول “السيطرة الطبقية والصراع من أجل الوجود الفردي”. ويجمع انجلز هذين الشرطين في شرط واحد: إن عشرات السنين لا تدخل في الحسبان في منظور تتابع الأنظمة الاجتماعية. ولكن الأجيال التي تحمل عبء الثورة تنظر للأمور بمنظور آخر. صحيح أن صراع الجميع ضد الجميع يولد من الفوضى الرأسمالية، ولكن المشكلة تتجسد في أن تشريك وسائل الإنتاج لا يلغي بصورة آلية “الصراع لتأمين الوجود الفردي”، وهذا هو جوهر المسالة !
ولو نشأت حتى في أمريكا اشتراكية على أكثر قواعد الرأسمالية تقدما لما استطاعت إعطاء كل فرد ما يريد، ولوجدت نفسها بالتالي مضطرة لدفع الجميع لإنتاج أكبر كمية ممكنة، آخذة بذلك مهمة “الدافع المحرض” ومستخدمة أساليب تعويض العمل التي ابتدعتها الرأسمالية، بعد تعديلها وتلطيفها. ولقد كتب ماركس بهذا الصدد في 1875 “إن الحق البرجوازي أمر لا يمكن تلافيه في المرحلة الأولى للمجتمع الشيوعي بالشكل الذي يتخذه وهو يولد من الرأسمالية بعد آلام وضع طويلة؛ ولا يمكن للحق أن يعلو أبدا على النظام الاقتصادي أو على التطور الثقافي المحكوم بهذا النظام.
ولقد شرح لينين هذه السطور الهامة مضيفا إليها: “يتطلب الحق البرجوازي، لتوزيع مواد الاستهلاك، وجود الدولة البرجوازية، لأن الحق بلا معنى إذا لم يكن هنالك جهاز ضغط يفرض قوانينه. ويبدو أن الحق البرجوازي سيعيش فترة من الوقت داخل الشيوعية، كما ستتابع الدولة البرجوازية وجودها بدون برجوازية !”.
ولهذا الاستنتاج الهام، الذي يجهله المنظرون الرسميون الحاليون، أهمية حاسمة لفهم طبيعة الدولة السوفياتية الحالية، أو التقرب ما أمكن من ذلك. إن الدولة التي تحمل على عاتقها مهمة التحويل الاشتراكي للمجتمع، ثم تجد نفسها مضطرة للدفاع عبر الإكراه عن عدم المساواة، أي عن امتيازات الأقلية، تبقى دولة “برجوازية” إلى حد ما، حتى ولو كانت بدون “برجوازية”. ولا تستتبع هذه الكلمات مدحا أو ذما، إنها مجرد تسمية الأشياء بأسمائها.
ينبغي لمقاييس التوزيع البرجوازية التي تعمل على تعجيل زيادة القوى المادية أن تخدم أهدافا اشتراكية. إلا أن الدولة تكتسب فورا طبيعة مزدوجة: اشتراكية بمقدار ما تدافع عن الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، وبرجوازية بمقدار ما يجري توزيع المنافع فيها وفقا لمقاييس رأسمالية للقيمة مع ما ينجم عن ذلك من نتائج. ولا شك أن مثل هذا التعريف المتناقض سيثير هلع الدوغمائيين والسكولاستيكيين فما علينا إلا أن نعبِّر لهم عن أسفنا.
ويتحدد الوجه الأخير للدولة العمالية بتعديل العلاقة بين ميولها البرجوازية والاشتراكية. ويتمثل انتصار الأخيرة في إلغاء الدرك إلغاء نهائيا، أي ذوبان الدولة في مجتمع يدير نفسه ذاتيا. وهذا يكفي لإظهار الأهمية الكبيرة لمشكلة البيروقراطية السوفياتية، كواقع وعلامة مرض.
وإذ يعطي لينين لفكرة ماركس شكلا مبالغا فيه، مدفوعا بتكوينه الفكري، يكشف مصدر المتاعب المقبلة بما فيها متاعبه الشخصية، رغم أنه لم يجد الوقت الكافي ليدفع تحليله إلى أقصى مداه. وقد ظهرت “الدولة البرجوازية بدون برجوازية” عاجزة عن التوافق مع ديمقراطية سوفياتية حقيقية. كما ظهر ازدواج وظائف الدولة في تركيبها. ودلت التجربة على ما لم تتوقعه النظرية بوضوح كاف: إذا كانت “دولة العمال المسلحين” تنسجم كليا مع أهدافها عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الملكية الاشتراكية ضد الثورة المضادة، فإن الأمر مختلف عندما يتعلق الأمر بتحقيق المساواة في دائرة الاستهلاك. إن المحرومين من الملكية لا يميلون لخلق الامتيازات والدفاع عنها، ولا يمكن للأكثرية أن تهتم بامتيازات الأقلية. وتضطر الدولة العمالية من أجل الدفاع عن “الحق البرجوازي” إلى إنشاء جهاز ذي شكل “برجوازي”، وهذا يعني العودة إلى الدرك بلباس جديد.
وهكذا نخطو الخطوة الأولى نحو فهم طبيعة التناقض العميق بين البرنامج البلشفي والحقيقة السوفياتية. إن الدولة حين تمضي في الظلم بدلا من أن تزول، وينقلب وكلاء طبقة البروليتاريا إلى بيروقراطيين، وتعلو البيروقراطية فوق المجتمع الجديد، فليس ذلك ناتجا عن أسباب ثانوية، كالترسبات النفسية القديمة الخ.. ولكنه آت من الرغبة الملحة لتشكيل أقلية متميزة ودعمها طالما بقي تحقيق المساواة الحقيقية متعذرا.
إن الميول البيروقراطية التي تخمد حركة البروليتاريا تظهر في كل مكان عقب الثورة البروليتارية . ومن الواضح أنه كلما كان المجتمع الناجم عن الثورة فقيرا كلما ظهر هذا “القانون” بوضوح أكثر، وأصبحت البيروقراطية أكثر عنفا، وشكلت خطرا على التقدم الاشتراكي – وليست “بقايا” الطبقات الحاكمة الماضية هي التي تمنع الدولة السوفياتية من الزوال ومن تحرير نفسها من البيروقراطية الطفيلية، كما تقول العقيدة البوليسية الستالينية، ولكن هنالك عوامل أقوى بكثير كالفقر المادي ونقص الثقافة العامة وسيطرة “الحق البرجوازي” الناجم عن ذلك في الحقل الذي يهم كل إنسان بالصورة الأكثر مباشرة والأكثر حيوية: حقل الحفاظ على الذات.
الدرك و”الفاقة المشرّكة”
كتب ماركس الشاب قبل إصدار البيان الشيوعي بسنتين: “يشكل تطور قوى الإنتاج عمليا الشرط الأول الضروري كليا (للشيوعية). لأنه بدون هذا الشرط سيتم تشريك الفاقة، وسوف تدفع الفاقة إلى بدء النضال من جديد من أجل الحصول على الضروريات، وبالتالي إلى إحياء الركام القديم…”.
ولكن ماركس لم يشرح هذه الفكرة في أي مكان آخر، وهو ما ليس صدفة: ذلك أنه لم يكن يتوقع انتصار الثورة في بلد متأخر. ولم يتوقع لينين عندها أيضا، لأنه لم يكن ينتظر انعزال الدولة السوفياتية طويلا. ولما لم تكن الفقرة التي أتينا على ذكرها عند ماركس سوى افتراض مجرد، واستنتاج معكوس، فهي تعطينا المفتاح النظري الوحيد للتصدي لصعوبات النظام السوفياتي الملموسة وبلاياه.
إذا وقفنا على الأرض التاريخية للبؤس الذي فاقمه دمار الحربين الامبريالية والأهلية لرأينا أن “النضال من أجل تأمين الوجود الفردي”، بلغ في بعض الأحيان شراسة لا مثيل لها، بدل أن يختفي غداة الإجهاز على البرجوازية، وبدل الخفوت في السنوات اللاحقة: هل يجب أن نذكر أن حالات أكل لحوم البشر وقعت مرتين في بعض مناطق البلاد.
إن المسافة التي تفصل روسيا عن الغرب لم تكن لتقاس حقا قبل الآن. وعلى الاتحاد السوفياتي أن يعيش عشرات السنين في أفضل الظروف، أي في جو خال من الهزات الداخلية والكوارث الخارجية كي يستطيع هضم كل المكتسبات الاقتصادية والثقافية التي كانت ثمرة قرون طوال، بالنسبة لأطفال الحضارة الرأسمالية الأولين. إن تطبيق الأساليب الاشتراكية لحل مشكلات مجتمع ما قبل الاشتراكية يشكل في الوقت الحاضر جوهر العمل الاقتصادي والثقافي في الاتحاد السوفياتي.
صحيح أن الاتحاد السوفياتي تجاوز بقواه الإنتاجية اليوم أكثر البلاد تقدما أيام ماركس. إلا أنه يتعلق الأمر، خلال المنافسة التاريخية بين النظامين، بمستويات نسبية، أكثر بكثير مما بمستويات مطلقة: إن الاقتصاد السوفياتي يقف في مواجهة رأسمالية هتلر وبالدوين وروزفلت لا أمام رأسمالية بسمارك وبالمرستون وأبراهام لنكولن. ومتطلبات الإنسان نفسها تختلف جذريا مع تطور التقنية في العالم. فمعاصرو ماركس كانوا يجهلون السيارة والراديو والطائرة، والحال أنه لا يمكن تصور المجتمع الاشتراكي في وقتنا الحاضر إذا لم تستخدم فيه كل هذه الوسائل استخداما حرا.
إن المرحلة التي دعاها ماركس “الطور الأدنى من الشيوعية” تبدأ من مستوى قاربته الرأسمالية الأكثر تقدما. والحال أن البرنامج الحقيقي للخطط الخمسية المقبلة للجمهوريات الاشتراكية تتضمن فكرة “اللحاق بأوروبا وأمريكا”. والواقع أن خلق شبكة طرق معبدة واوتوسترادات تمتد على طول المسافات الشاسعة في الاتحاد السوفياتي يتطلب وقتا وإمكانيات تفوق الإمكانيات اللازمة لشراء مصانع سيارات جاهزة من أمريكا والتدريب على أساليبها التقنية. فكم سنة يلزمنا لنؤمِّن لكل مواطن سوفياتي إمكانية استخدام السيارة في كل الاتجاهات دون أن يلاقي صعوبة التموين بالمحروقات ؟ لقد كانت الخيالة والمشاة في المجتمعات الهمجية الغابرة تشكل طبقتين متميزتين، والسيارة تقسم المجتمع كحصان الركوب. وما دامت سيارة الفورد المتواضعة امتيازا تتمتع به الأقلية فإن كل علاقات وعادات المجتمع البرجوازي تبقى قائمة. وتبقى الدولة معها حارسا لعدم المساواة.
إن لينين الذي انطلق حصرا من النظرية الماركسية المتعلقة بديكتاتورية البروليتاريا عند تأليفه كتابه الرئيسي (الدولة والثورة) وخلال وضع برنامج الحزب، لم يستطع أن يستخرج من النظرية كل الاحتمالات المتعلقة بصفات الدولة، تلك الاحتمالات التي فرضتها العزلة الخانقة للبلاد وتخلفها. إن برنامج الحزب الذي فسر بروز البيروقراطية بالجهل الإداري للجماهير وبالصعوبات الناجمة عن الحرب، أوصى بتدابير سياسية بحتة لتجاوز “التشويهات البيروقراطية”، من مثل انتخاب كل المسؤولين وإعفائهم في أي وقت، وإلغاء الامتيازات المادية، ومراقبة فعالة تقوم بها الجماهير. كان ثمة اعتقاد أن هذا السبيل سيجعل من الموظف عاملا فنيا بسيطا، ومؤقتا، بعد أن كان رئيسا، فيما تختفي بذلك الدولة شيئا فشيئا، دونما ضجيج. ويمكن تفسير هذا التجاهل للصعوبات المقبلة بان البرنامج كان كله مبنيا ودون تحفظ على منظور عالمي، إذ تقول سطوره الأولى: “لقد حققت ثورة أوكتوبر في روسيا ديكتاتورية البروليتاريا… إن عصر الثورة البروليتارية الشيوعية العالمية قد بدأ”. ولم يكن واضعو هذه الوثيقة يهدفون إلى تطبيق “الاشتراكية في بلد واحد”، كما أن هذه الفكرة لم تخطر أصلا على بال احد أو على بال ستالين نفسه. ولم يفكر أحد منهم بالصفات التي ستأخذها الدولة السوفياتية إذا ما اضطرت لأن تقوم لوحدها خلال 20 عاما بتنفيذ المهمات الاقتصادية والثقافية التي نفذتها الرأسمالية المتقدمة منذ أمد بعيد.
ولم يؤد المد الثوري لما بعد الحرب إلى انتصار الاشتراكية في أوروبا، فقد قامت الاشتراكية الديمقراطية بإنقاذ البرجوازية، كما أن الفترة التي بدأت للينين ورفاقه “هدنة” قصيرة غدت مرحلة تاريخية كاملة. أما النتائج المباشرة لهذه “الصعوبة” التاريخية الفريدة غير المتوقعة فكانت ماثلة في البناء الاجتماعي المتناقض داخل الاتحاد السوفياتي، وفي طابع الدولة السوفياتية الممعن في البيروقراطية. هذه الصعوبات ذاتها أوصلت البلدان الرأسمالية في الفترة ذاتها إلى الفاشية أو الرجعية الممهدة للفاشية.
إذا كانت المحاولة الأولية لخلق دولة خالية من البيروقراطية، قد أدت إلى الاصطدام قبل كل شيء بجهل الجماهير بموضوع الإدارة الذاتية، وبنقص العمال الفنيين المؤمنين بالاشتراكية… الخ، فقد ظهرت بعد ذلك متاعب أخرى. إن حصر مهام الدولة “بالإحصاء والمراقبة” مع تخفيف عمليات الإكراه، بلا انقطاع طبقا للبرنامج المطروح، كان يفترض نوعا من الرخاء. ولكن هذا الشرط الضروري لم يتوفر، والنجدة لم تأت من الغرب. وبدت سلطات السوفيات الديمقراطية غير محتملة، عندما يتعلق الأمر بمحاباة الجماعات ذات الامتيازات الضرورية جدا للدفاع والصناعة والتقنية والعلم. وتشكلت فئة مغلقة caste من اختصاصيي التوزيع، وتقوّت بفعل عملية لا علاقة لها بالاشتراكية، تقوم على الأخذ من عشرة أشخاص لإعطاء شخص واحد.
كيف ولماذا لم تؤد النجاحات الاقتصادية الكبيرة الأخيرة إلى تخفيض حدة المساواة، بل زادتها وأنعشت البيروقراطية التي غدت نظام حكم بعد أن كانت مجرد “تشويه” ؟ قبل أن نحاول الرد على هذا السؤال، لنسمع الزعماء المخولين أكثر من غيرهم أن يتحدثوا باسم البيروقراطية السوفياتية، وما يقولون عن نظامهم.
“انتصار الاشتراكية الكامل” و”تثبيت الديكتاتورية”
لقد أعلن عن انتصار الاشتراكية الكامل في الاتحاد السوفياتي عدة مرات. وكان الإعلان قاطعا تماما، بعد “تصفية الكولاك كطبقة”. وفي 30 كانون الثاني / يناير 1931، كتبت البرافدا وهي تشرح خطابا كتبه ستالين: “سوف تصفي الخطة الخمسية الثانية البقايا الأخيرة للعناصر الرأسمالية في اقتصادنا”. كان على الدولة من وجهة النظر هذه أن تختفي دون عودة ضمن المهلة ذاتها لأنها ستجد نفسها دونما عمل بعد تصفية البقايا الأخيرة للرأسمالية. ويتعرض برنامج الحزب البلشفي لهذا الموضوع بالشكل التالي: “تعترف السلطات السوفياتية على رؤوس الأشهاد بالطابع الطبقي المحتوم لكل دولة، ما لم يختفي كليا تقسيم المجتمع إلى طبقات، وتختفي معه كل سلطة حكومية”. ولكن ما إن حاول بعض المنظرين الموسكوفيين غير الحذرين أن يستنتجوا من تصفية “البقايا الأخيرة للرأسمالية” – التي يعترفون بأنها حقيقة واقعة – زوال الدولة، حتى أعلنت البيروقراطية أن نظريتهم “مضادة للثورة”.
هل كان الشطط النظري للبيروقراطية في الفرضية الأساسية، أم في الاستنتاج ؟ إنه هنا وهناك. لقد ردت المعارضة على التصريحات الأولى عن “الانتصار الكامل” بأنه لا يمكننا الاكتفاء برؤية الأشكال القانونية الاجتماعية للعلاقات، المتناقضة عامة وغير الناضجة في مجال الزراعة، متجاهلين المعيار الأساسي، ألا وهو المستوى الذي بلغه مردود العمل: إن للأشكال القانونية نفسها محتوى اجتماعيا يتبدل بعمق، حسب درجة تطور التقنية: “ولا يمكن أن يعلو القانون أبدا على النظام الاقتصادي، أو على التطور الثقافي للمجتمع الذي يتحكم به هذا النظام” (ماركس). إن الأشكال السوفياتية للملكية المبنية على المكتسبات الأكثر حداثة للتقنية الأمريكية، والشاملة كل فروع الاقتصاد، كان بمقدورها أن تصل الآن إلى الطور الأول للاشتراكية. ولكن هذه الأشكال السوفياتية لا تدل في حالة انخفاض مردود العمل إلا على نظام انتقالي لم يعرف مصيره التاريخي بعد.
لقد كتبنا في آذار / مارس 1932: “أليس من المخيف أن تكون البلاد لا تخرج من أزمات نقص البضائع ؟ والتموين يتعثر في كل لحظة ولا يحصل الأطفال على الحليب، في حين يعلن العرّافون الرسميون “إن البلاد قد دخلت في طور الاشتراكية”. فهل هناك إساءة اكبر من هذه للاشتراكية ؟”. لقد رد كارل راديك، الدعائي المعروف في الأوساط السوفياتية الحاكمة، على هذا الاعتراض في أيار / مايو 1932 على صفحات عدد خاص من بيرليز تاغبلات الألمانية، متوجها للاتحاد السوفياتي بالكلمات التالية، التي تستحق أن تحفظ للأجيال المقبلة: “إن اللبن إنتاج البقرة، لا إنتاج الاشتراكية. وعلى المرء أن يخلط حقا فكرة الاشتراكية مع صورة البلاد التي تسيل فيها أنهار من لبن حتى يخطئ الفهم، فلا يرى أنه يمكن لبلد أن يتطور إلى درجة أعلى دون أن ترتفع مؤقتا الحالة المادية للجماهير الشعبية بشكل واضح”. ومن الجدير بالذكر أن هذه السطور قد كتبت عندما كانت البلاد فريسة مجاعة هائلة.
كان ردنا على ذلك هو أن الاشتراكية هي نظام الإنتاج المخطط، بغية إرضاء حاجات الإنسان، فإذا لم تحقق ذلك لم تعد تستحق اسمها. فإذا كانت ملكية البقرة جماعية، وكان عددها قليلا أو أثداؤها ضامرة، فإن نقص اللبن سيتسبب ببروز المتاعب بين المدينة والريف، وبين الكولخوزات والمزارعين المستقلين، ووسط مختلف شرائح البروليتاريا، وبين البيروقراطية ومجموع الشغيلة. إن تطبيق الاشتراكية على البقر هو الذي دفع الفلاحين إلى ذبحها بالجملة. كما أن المتاعب الاجتماعية الناجمة عن الفقر قادرة بدورها على إعادة “الفوضى الماضية”.
ففي مقررات 20 آب / أغسطس 1935 أكد المؤتمر السابع للأممية الشيوعية “إن النصر الحاسم للاشتراكية وتثبيت أركان دولة ديكتاتورية البروليتاريا من الجوانب كافة، هما في الاتحاد السوفياتي من نتائج النجاح في الصناعات المؤممة، وتصفية العناصر الرأسمالية، وطبقة الكولاك”. إن شهادة الأممية الشيوعية، رغم ظاهرها الجازم، تبدو متناقضة بكل عمق: فإذا كانت الاشتراكية قد انتصرت “بشكل نهائي وحاسم”، لا كمبدأ، ولكن كتنظيم اجتماعي حي، فإن الـ “تثبيت” الجديد لأركان الدكتاتورية هراء واضح. أما إذا كان تثبيت الدكتاتورية، يستجيب على العكس للحاجات الحقيقية للنظام، فهذا يعني أننا لا نزال بعيدين عن انتصار الاشتراكية. على كل سياسي واقعي، لا الماركسي وحسب، أن يعي بان ضرورة “تثبيت” الدكتاتورية، أي تثبيت الإكراه الحكومي، لا تعني انتصار انسجام اجتماعي بلا طبقات، بل زيادة الصراعات الاجتماعية الناجمة عن نقص وسائل المعيشة، التي هي في الأصل نتيجة لانخفاض مردود العمل.
لقد حدد لينين الاشتراكية بالكلمات التالية: “سلطة المجالس وكهربة البلاد”. إن هذا التعريف المختصر الذي أطلق لكي يتلاءم مع متطلبات الدعاية قد افترض على كل حال نقطة للانطلاق، هي المستوى الرأسمالي للكهربة على الأقل. ولكن الفرد في الاتحاد السوفياتي يستهلك الآن ثلث ما يستهلكه الفرد من الطاقة الكهربائية في البلاد الرأسمالية المتقدمة. فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن السوفياتات قد تركت مكانها في غضون ذلك ليحل بدلا منها جهاز بيروقراطي مستقل عن الجماهير، فإنه لم يعد أمام الأممية الشيوعية إلا أن تعلن أن الاشتراكية هي “سلطة البيروقراطية زائد ثلث الكهربة الرأسمالية”. وهذا التعريف بدقة التصوير الشمسي، إلا أن الاشتراكية لا تحتل فيه إلا مكانا ضيقا.
وفي تشرين الثاني / نوفمبر 1935 تحدث ستالين أمام الستاخانوفيين8 ثم أعلن في نهاية خطابه “لماذا يمكن للاشتراكية أن تنتصر، لا بل يجب عليها ذلك، ولماذا سوف تنتصر بالضرورة على النظام الرأسمالي ؟ لأنها قادرة على إعطاء مردود أعلى للعمل وعليها أن تفعل ذلك”. ولقد دحض في كلامه بصورة عارضة قرارات الأممية الشيوعية المتخذة قبل ثلاثة أشهر، كما دحض تصريحاته المتكررة بهذا الصدد. فتكلم ستالين هذه المرة على “النصر” بصيغة المستقبل: إن الاشتراكية ستنتصر على النظام الرأسمالي، عندما تتجاوزه في مردود العمل. وهكذا نرى أن استخدام أزمنة الفعل لا يتبدل وحده مع الظروف. فالمقاييس الاجتماعية تتطور أيضا، لذا يصعب على المواطن السوفياتي أن يتابع “الخط العام”.
وفي أول آذار/ مارس، تحدث ستالين مع السيد روي هوفارد، وأضفى على النظام السوفياتي تعريفا جديدا: “يمكن وصف التنظيم الاجتماعي الذي أوجدناه بأنه سوفياتي واشتراكي. إنه لم ينجز بعد كلية، ولكنه في جذوره تنظيم اشتراكي للمجتمع”. ويحتوي هذا التعريف الغامض بصورة مقصودة على تناقضات تعادل ما فيه من كلمات. لقد وصف فيه التنظيم الاجتماعي بأنه “سوفياتي اشتراكي” ولكن السوفياتات عبارة عن شكل للدولة بينما الاشتراكية نظام اجتماعي، وهذان التعبيران غير متماثلين أبدا، لا بل هما متعاكسان من وجهة النظر التي تشغلنا.
إن على السوفياتات أن تختفي كلما اقترب التنظيم الاجتماعي من الاشتراكية، تماما كما نزيل الصقالة عندما ننتهي من بناء المنزل. ويستطرد ستالين بقوله مصححا: إن بناء الاشتراكية “لم ينته تماما بعد” فماذا يقصد بعبارة “تماما بعد” ؟ وهل يبلغ النقص 5 بالمئة أم 75 بالمئة ؟ انه لا يذكر ذلك كما يمتنع عن أن يقول لنا ماذا يجب علينا أن نفهم بـ “جذور” التنظيم الاشتراكي للمجتمع ؟ هل يقصد بذلك أشكال الملكية أم التقنية ؟ إن عدم وضوح هذا التعريف يعني تراجعا بالنسبة لتأكيدات 1931 – 1935. إن عليه أن يخطو خطوة أخرى إلى الأمام في هذا السبيل حتى يعترف بعدها، بأن جذر كل تنظيم اجتماعي كامن في القوى المنتجة، وأن الجذر السوفياتي ما يزال ضعيفا جدا بالنسبة للجذع الاشتراكي للنبتة الاشتراكية وللسعادة البشرية التي تتوجها.
الفصل الرابع: النضال لاجل مردود العمل
الخطة والمال
لقد حاولنا أن نمتحن النظام السوفياتي من زاوية الدولة، ويمكن أن نفعل الشيء ذاته من زاوية تداول النقد. فلقضيتي الدولة والمال مظاهر متعددة مشتركة لأنه يمكن حصرهما في النهاية بقضية القضايا أي مسالة مردود العمل. إن ضغط الدولة والضغط المالي يعودان إلى الإرث المنحدر من المجتمع المقسم إلى طبقات، ذلك المجتمع الذي لا يستطيع تحديد العلاقات بين الأفراد إلا بواسطة أصنام دينية أو علمانية وبوضع تلك الأصنام تحت حماية الدولة التي تضع سكّينا ضخمة بين أسنانها. أما في المجتمع الشيوعي فتكون الدولة والمال قد اختفيا. ينبغي أن يبدأ زوالهما التدريجي في النظام الاشتراكي. ولا يمكن التحدث عن انتصار حقيق للاشتراكية إلا في اللحظة التاريخية التي تصبح فيها الدولة نصف دولة، ويفقد المال قدرته السحرية. أي عندما تتخلص الاشتراكية من الأصنام الرأسمالية وتبدأ بإرساء علاقات أوضح وأكثر حرية وكرامة بين الناس.
إن مطالب “إلغاء المال” و”إلغاء العمل المأجور” أو “زوال” الدولة والأسرة التي تميز الحركة الفوضوية ليست نافعة إلا كنموذج للفكر الميكانيكي. إن “إلغاء” المال لا يتم بجرة قلم، والأمر كذلك بالنسبة للدولة والأسرة. إن على كل منها أن يستنفذ مهمته التاريخية ثم يفقد معناه ويزول . إن صنمية المال لن تتلقى الضربة إلا إذا تزايدت الثروة الاجتماعية بشكل يحرر الأفراد من بخلهم في ما يخص دقائق العمل الإضافية ومن قلقهم المخجل حيال كمية طعامهم. وعندما يفقد المال قدرته على منح السعادة، أو تلويث الإنسان، فإنه يتحول إلى وسيلة حسابية صالحة للإحصاء والخطة، ثم نستغني بعد ذلك عن هذه الوريقات. فلنترك هذه المهمة لأحفادنا الذين سيكونون أكثر ذكاء منا.
إن تأميم وسائل الإنتاج والتسليف، وسيطرة المجمعات أو الدولة على التجارة الداخلية، واحتكار التجارة الخارجية، وجماعية الزراعة، وقوانين الإرث، تمنع تكديس المال وتعيق عملية تحويله إلى رأسمال خاص (ربوي وتجاري وصناعي). إن الثورة البروليتارية لم تلغ وظيفة المال الاستغلالية هذه منذ بداية انتصارها، ولكنها نقلتها تحت شكل آخر إلى الدولة التي غدت تاجرا وصاحب بنك وصناعيا شاملا. فضلا عن ذلك، تم الاحتفاظ بالوظائف الأكثر بدائية التي يتولاها المال، من حيث هو مقياس للقيمة ووسيلة تداول ودفع، وهي تكتسب ميدان عمل أوسع من ذلك الذي كان أمامها أيام النظام الرأسمالي. لقد بيَّن التخطيط الإداري قوته وكشف في الوقت نفسه حدود هذه القوة.
إن مخططا اقتصاديا مسبقا في دولة متخلفة تعدادها 170 مليونا تشكو من تناقضات عميقة بين الريف والمدينة لا يشكل عقيدة ثابتة لا تتبدل، ولكنه عبارة عن فرضية عمل ينبغي التثبت من مدى صحتها وتعديلها أثناء التنفيذ. ويمكننا هنا أن نضع قانونا بهذا الصدد: كلما كان التوجيه الإداري “صارما” كلما أصبحت الحالة أشد مضايقة بالنسبة للقيادة الاقتصادية. إن علينا أن نستخدم رافعتين لتنظيم المخطط وتكييفه: رافعة سياسية ناجمة عن الاشتراك الحقيقي للجماهير ذات المصلحة الفعلية في الإدارة، ولا يتم هذا بدون ديمقراطية سوفياتية: ورافعة مالية تنبثق من التثبت الفعلي من صحة الحسابات المسبقة بواسطة معادل عام، الأمر الذي يبدو مستحيلا دون نظام مالي ثابت. بدل أن يكون انتهى دور المال في الاقتصاد السوفياتي، ينبغي أن يتم تطويره تطويرا عميقا. ولا تتطلب المرحلة الانتقالية بين الرأسمالية والاشتراكية، منظورا إليها بمجملها، الحد من حركة التجارة بل زيادتها إلى أقصى مدى. إن فروع الصناعة جميعها تتطور وتنمو، وتنشا فروع جديدة باستمرار. وعلى جميع هذه الفروع أن تحدد أوضاعها من حيث الكم والنوع. كما أن تصفية الاقتصاد الريفي الذي ينتج للاستهلاك المحلي، وتصفية الأسرة المغلقة، تعنيان إدخال كل طاقة العمل، (التي كانت تستهلك سابقا داخل حدود المزرعة أو بين جدران البيت) في التداول الاجتماعي، ومذذاك في التداول النقدي. لأول مرة في التاريخ يصبح ممكنا تبادل كل المنتجات والخدمات بعضهما مقابل البعض الأخر.
ومن جهة ثانية فإن أي تصور لبناء اشتراكي ناجح يتطلب منا أن ندمج داخل المخطط المصلحة الشخصية المباشرة وأنانية المنتج والمستهلك، وهي عوامل لا تتجلى بشكل مفيد إلا إذا كانت تستحوذ على هذه الوسيلة المألوفة والأكيدة والمرنة التي يمثلها المال. إن زيادة مردود العمل وتحسين نوعية الإنتاج مستحيلان دون وحدة قياسية تدخل بحرية في جميع مسام الاقتصاد كالوحدة النقدية الثابتة. ومن هنا يظهر أن العملة الحقيقية الوحيدة في الاقتصاد الانتقالي، كما في النظام الرأسمالي هي العملة المعتمدة على الذهب. وكل عملة أخرى عملة بديلة. صحيح أن الدولة السوفياتية تمتلك بين أيديها السلع وأجهزة الإصدار المالي، ومع هذا فإن ذلك لا يبدل من الأمر شيئا، لأن العمليات الإدارية المتعلقة بالأسعار المحددة للبضائع لا تخلق وحدة نقدية ثابتة، ولا تحل مكانها في التجارة الداخلية أو الخارجية.
إن نظام الاتحاد السوفياتي المالي المحروم من قاعدته الذهبية نظام منغلق مثل أنظمة العديد من الدول الرأسمالية. والروبل عملة غير معترف بها في التجارة العالمية. وإذا كان الاتحاد السوفياتي قادرا أكثر من ألمانيا وايطاليا على تحمل مساوئ هذا النظام، فهذا عائد جزئيا إلى تركيز التجارة الخارجية بيد الدولة، وغزارة الثروات الطبيعية في البلاد على وجه الخصوص. تلك الثروات هي وحدها التي تسمح له بألا يختنق وسط كماشة الاكتفاء الذاتي. ولكن المهمة التاريخية لا تكمن في عدم الاختناق فحسب، بل في خلق اقتصاد قوي، وعقلاني يؤمِّن أفضل استخدام للوقت وبالتالي أعلى مستوى ثقافي، وذلك في مواجهة المنجزات الكبرى للسوق العالمية.
إن الاقتصاد السوفياتي هو بالضبط ذلك الذي فيما يجتاز ثورات تقنية دائمة، وتجارب ضخمة، يحتاج أكثر ما يحتاج إلى تدقيق متواصل بواسطة معيار ثابت للقيمة . مما لا شك فيه من الناحية النظرية أنه لو كان لدى الاتحاد السوفياتي روبل ذهبي لأصبحت نتيجة الخطط الخمسية أفضل بكثير مما هي عليه اليوم، ولكننا لا نستطيع أن نحكم على ما هو غير موجود. كما لا يجب أن نجعل من الفقر فضيلة فذلك يقودنا إلى خسائر وأخطاء اقتصادية جديدة.
التضخم المالي الاشتراكي
في حين نجد أن تاريخ النظام النقدي السوفياتي هو تاريخ الصعوبات الاقتصادية، والنجاحات والفشل، نجد في الوقت ذاته أنه تاريخ تعرجات الفكر البيروقراطي أيضا.
وقد ارتبطت إعادة العمل بالروبل في 1922 – 1924 التي تلازمت مع الانتقال إلى سياسة “النيب” ارتباطا وثيقا بانتعاش “قواعد الحق البرجوازي” في حقل توزيع المواد الاستهلاكية. لقد كان “التشرفونييتز” موضة اهتمام الحكومة عندما كانت متجهة نحو المزارع. ثم فـُتحت سدود التضخم المالي خلال المرحلة الأول من الخطة الخمسية. فبلغ مجموع النقد المتداول في بداية عام 1925 مبلغ 0,7 مليار روبل، وارتفع في بداية عام 1928 إلى 1,7 مليار وهذا ما يعادل النقد الورقي المتبادل أيام الإمبراطورية قبل الحرب، ولكن بدون قاعدة ذهبية طبعا. ثم قفز خط التضخم المالي من سنة إلى أخرى قفزات محمومة: 2 – 2,8– 4,3 – 5,5 – 8,4 مليار ! ولقد تم التوصل إلى الرقم الأخير 8,4 مليار روبل في بداية عام 1933. وهنا بدأت سنوات التفكير والتراجع 6,69 – 7,7 – 7,9 مليار روبل في عام 1935.
وفي تشرين الثاني / نوفمبر 1935 هبطت قيمة روبل 1924 الذي يعادل رسميا 13 فرنكا إلى 3 فرنكات، مسجلة انخفاضا في السعر يزيد عن 4 مرات، وهذا ما يعادل قيمة الفرنك الفرنسي بعد الحرب. إن التسعيرتين، القديمة والجديدة، اصطلاحيتان قبل كل شيء ولا تصل القيمة الشرائية للروبل، مقارنة بالأسعار العالمية، إلى أكثر من 1,5 فرنك على الأرجح. ويدل هبوط القيمة على الانزلاق الحاد الذي انزلقته العملة السوفياتية حتى عام 1934.
لقد وعد ستالين في ذروة نزعته الاقتصادية المغامرة بان يرسل السياسة الاقتصادية الجديدة، أي علاقات السوق، إلى “الشيطان”. وتكلمت الصحافة، مثلما تكلمت في عام 1918، على إحلال “التوزيع الاشتراكي المباشر” وبطاقات التموين إحلالا نهائيا مكان البيع والشراء. تم إنكار التضخم المالي بصورة جازمة. وجرى اعتباره ظاهرة غريبة عن النظام السوفياتي. وفي كانون الثاني / يناير 1933 قال ستالين ما يلي: “إن ثبات العملة السوفياتية تؤمِّـنه كمية البضائع الكبيرة التي تملكها الدولة وتطرحها في السوق بأسعار محدودة”. ولم يُحلل هذا القول المأثور أو يعلق عليه رغم غموضه، ومع هذا فقد أصبح هذا القول القانون الرئيسي للنظرية النقدية السوفياتية، أي لنفي التضخم. ولم تعد “التشرفونييتز” معادلا عاما بل غدت ظلا عاما لكمية “ضخمة” من البضائع، وهو ما سمح لها بأن تمتد وتتضاءل ككل ظل. وإذا كان لهذه العقيدة المعزّية من معنى، فهو التالي: لقد فقدت النقود السوفياتية صفتها كنقود، ولم تعد مقياسا للقيمة، فـ “الأسعار الثابتة” تحددها الحكومة. ولم تعد “التشرنوفييتز” سوى العلامة الاصطلاحية للاقتصاد المخطط، أو بطاقة توزيع عامة. باختصار لقد انتصرت الاشتراكية “نهائيا ودون عودة”.
وظهرت الأفكار الأكثر طوباوية لشيوعية الحرب على قاعدة اقتصادية جديدة أرقي بقليل ولكنها غير كافية لزوال المال. وكانت الأوساط الحاكمة تعتقد أن التضخم المالي أمر لا يخشى خطره في اقتصاد مخطط، وهذا يعني أن ثقب الماء لا يشكل خطرا على المركب ما دام لدينا بوصلة. والحقيقة أن التضخم المالي إذ يؤدي إلى تضخم التسليف يُحل قيما كاذبة مكان القيم الحقيقة ويفترس الاقتصاد المخطط من الداخل.
وقد أدى التضخم المالي إلى فرض عبء ضريبي ثقيل جدا على عاتق الجماهير الكادحة، بينما بقيت منافعه بالنسبة للاشتراكية غير أكيدة إطلاقا.
لقد تابع الجهاز الإنتاجي نموه المتسارع، ولكن التأثير الاقتصادي للمشاريع الضخمة الحديثة تم تقديره وفقا لمعايير إحصائية لا وفقا لمعايير الاقتصاد. إن البيروقراطية، إذ تتحكم بالروبل، أي تزوده اعتباطا بقدرات شرائية متنوعة وسط شتى شرائح السكان، حرمت نفسها من وسيلة لا غنى عنها لقياس أوجه نجاحها وفشلها بشكل موضوعي. وقد أدى غياب المحاسبة الدقيقة، المقنـَّع على الورق بتركيبات “الروبل الاصطلاحي”، إلى ضياع الحافز الفردي وإنتاج أسوأ البضائع مع مردود عمل ضعيف.
وأخذ الخلل خطيرا منذ المرحلة الأولى للخطة الخمسية. ففي تموز / يوليو 1931 وضع ستالين شروطه الستة المعروفة، الهادفة إلى تخفيض سعر التكلفة. هذه “الشروط” (أجر متلائم مع مردود العمل الفردي، حساب سعر التكلفة… الخ) لم تحتو أي جديد: ذلك أن “قواعد الحق البرجوازي” تعود إلى بداية السياسة الاقتصادية الجديدة، وقد جرى تطويرها في المؤتمر الثاني عشر للحزب في بداية عام 1923. إن ستالين لم يتعثر بها إلا في عام 1931، تحت ضغط الفعالية المتضائلة للاستثمارات الصناعية. لم يظهر في الصحافة السوفياتية خلال السنتين اللاحقتين مقال واحد لم يتحدث عن قدرة هذه “الشروط” على إنقاذ الموقف. والحال أنه لما كان التضخم متواصلا، لم يكن بالإمكان معالجة الأمراض التي يولدها، كما لم تعط التدابير القمعية المتخذة ضد المخربين أية نتيجة.
يبدو اليوم غير قابل للتصديق تقريبا أن تكون البيروقراطية التي شهرت الحرب على “الغفلية” و”نزعة المساواة” في العمل، أي على العمل المتوسط لقاء اجر “متوسط” ومتساو للجميع، قد أرسلت “إلى الشيطان” في الوقت ذاته النيب (السياسة الاقتصادية الجديدة) ، أو تقدير السلع بصورة نقدية بما فيها قوة العمل. لقد كانت تثبت “القواعد البرجوازية” بيد فيما تدمر الأداة المفيدة الوحيدة باليد الأخرى. وقد أدى استبدال التجارة “بالمخازن المغلقة”، وفوضى الأسعار، إلى اختفاء كل صلة بين العمل الفردي والأجر الفردي، وانعدمت الحوافز الفردية عند العمال.
بقيت التعليمات الأكثر صرامة المتعلقة بالحسابات الاقتصادية، ونوعية المنتجات، وأسعار التكلفة، ومردود العملة في الفضاء. ولكن هذا لم يمنع المسؤولين من تفسير الفشل بعدم التنفيذ المتعمد لشروط ستالين الستة، وأصبح التعرض ولو من بعيد لموضوع التضخم المالي جريمة نكراء. كانت السلطات تبدي حسن النية ذاته عن طريق اتهام معلمي المدارس بإهمال قواعد علم الصحة مع حرمانهم في الوقت نفسه من إمكانية التذكير بنقص الصابون.
لقد كان مصير “التشرفونييتز” في طليعة المسائل التي بحثت خلال الصراع بين أجنحة الحزب البلشفي، ففي عام 1927 طالبت المعارضة بـ “تثبيت الوحدة النقدية تثبيتا مطلقا”. وبقي هذا المطلب مطروحا خلال السنوات التالية. وفي عام 1932 كتبت صحيفة المعارضة في الخارج عن ضرورة “إيقاف التضخم المالي بيد من حديد، وتأمين وحدة نقدية ثابتة” حتى ولو كان ذلك على حساب تخفيض جريء لتثميرات رؤوس الأموال…”. بدا كما لو أن “جماعة التصنيع الكبير” تبادلوا الأدوار مع دعاة “سرعة السلحفاة”. وردت المعارضة على التبجح بإرسال السوق “إلى الشيطان” ناصحة لجنة الخطة بأن تضع نصب أعينها أن “التضخم المالي هو سفلس الاقتصاد المخطط”.
أما في الزراعة فلم تكن نتائج التضخم المالي أقل خطرا. فعندما كانت السياسة تجاه الفلاحين تحابي الكولاك ساد اعتقاد بأن تحول الزراعة الاشتراكي على قواعد السياسة الاقتصادية الجديدة سيتم خلال عشرات السنين، بواسطة التعاونيات التي كان عليها أن تستوعب ميادين التخزين، والبيع، والتسليف، واحدة بعد الأخرى لتحقق في النهاية اشتراكية الإنتاج طبقا لما كان يسمى آنذاك “مخطط لينين التعاوني”. ولقد أخذ التنفيذ بعد ذلك كما نعلم طريقا آخر مختلفا كل الاختلاف ومتعارضا مع هذا المخطط، وهو طريق المصادرة بالقوة، والجماعية الكاملة. ولم يعد هنالك أثر لموضوع التشريك التدريجي لمختلف الوظائف الاقتصادية كلما سمحت الموارد المادية والثقافية بذلك. وبرزت الجماعية كما لو كانت تود تحقيق الشيوعية في الزراعة فورا. وكان من نتائج ذلك إبادة أكثر من نصف المواشي واستشراء اللامبالاة التامة بين الكولخوزيين إزاء الملكية الاشتراكية أو إزاء مردود عملهم الفردي. ونفذت الحكومة بعد ذلك تراجعا غير منتظم، وتملك الفلاحون من جديد دجاجا وخنازير وخرفانا وأبقارا، كما تلقوا قطع ارض قرب مساكنهم وبدأ فيلم الجماعية يدور بالاتجاه المعاكس.
ويعتبر إحياء هذه المشاريع الخاصة تنازلا من الحكومة أمام رغبات الفلاحين الفردية، ولكن الكولخوزات بقيت، لهذا يبدو تراجع الدولة للوهلة الأولى ثانويا، وهو في الحقيقة تراجع غير خطير. وإذا ما استثنينا ارستقراطيي الكولخوزات9 لوجدنا أن الحاجة الضرورية للفلاح مغطاة اليوم بشكل عام بواسطة عمله “لحسابه” أكثر مما بواسطة عمله المشترك في الكولخوز. وقد يبلغ مكسبه من أرضه الخاصة، لاسيما إذا ما نفذ زراعة فنية، أو زرع المواد أو ربى الماشية، ضعفي أو ثلاثة أضعاف أجره من المشروع الجماعي. وتكشف هذه الحقيقة التي تؤيدها الصحافة السوفياتية التبديد البشع لقوة عمل عشرات الملايين من الرجال والنساء في زراعات قميئة، ومردود العمل الضعيف جدا في الكولخوزات.
ولرفع مستوى الزراعة الجماعية الكبيرة كان من الضروري مخاطبة الفلاح بلغة يفهمها، أي هجر أسلوب الضرائب العينية والعودة إلى التجارة وفتح السوق من جديد. وهذا يعني أن نطلب من الشيطان إعادة السياسة الاقتصادية الجديدة التي أرسلت قبل الأوان. وهكذا أصبح الانتقال إلى قاعدة نقدية ثابتة نسبيا شرطا ضروريا لتطور الزراعة اللاحق.
رد اعتبار الروبل
نحن نعرف أن البومة العاقلة لا تطير إلا تحت جنح الظلام. ونظرية المال في النظام “الاشتراكي” لا تأخذ كل معناها إلا في ظلمة أوهام التضخم المالي. لقد استطاع بعض الأساتذة المطيعين أن يبنوا على أقوال ستالين نظرية كاملة يتم تحديد السعر السوفياتي بموجبها من قبل الخطة أو عن طريق توجيهات وذلك بعكس سعر السوق. لم يكن ذلك مقولة اقتصادية بل مقولة إدارية معدة لتخدم بصورة أفضل توزيع الدخل القومي لمصلحة الاشتراكية. ولقد نسي هؤلاء الأساتذة أن يشرحوا لنا كيف يمكن “توجيه” الأسعار دون معرفة سعر التكلفة الحقيقي، وكيف يمكن حساب هذا السعر إذا كانت كل الأسعار تعبر عن إرادة بيروقراطية بدلا من التعبير عن كمية العمل الضروري اجتماعيا لإنتاج السلع ؟ والحقيقة أن الحكومة كانت تملك من أجل توزيع جديد للدخل القومي روافع بقوة الضرائب والموازنة ونظام التسليف. ففي ميزانية المصروفات لعام 1936 خصص أكثر من 37,6 مليار روبل لمختلف فروع الاقتصاد، علاوة على مليارات أخرى تذهب في اتجاهها بصورة غير مباشرة. كما أن ميكانيكيي الميزانية والتسليف كافون لتوزيع الدخل القومي توزيعا مخططا. أما الأسعار فإنها تخدم قضية الاشتراكية بشكل أفضل بقدر ما تعبر عن العلاقات الاقتصادية الحالية بشكل أصدق.
ولقد أثبتت التجربة ذلك. ولم يأخذ السعر “الاتجاهي” في الحياة الشكل المؤثر الذي وصفه العلماء في كتبهم. لقد كان هنالك أسعار مختلفة لسلعة واحدة فعشعشت بين فروقها بكل سهولة جميع أنواع المضاربات والمحسوبية والتطفل والمساوئ الأخرى التي ارتدت شكل القاعدة لا الاستثناء. أما التشرفونييتز التي كان عليها أن تصبح الظل الملازم للأسعار الثابتة فلم تعد سوى ظل نفسها.
وأصبح من الضروري تغيير الاتجاه بصورة مفاجئة هذه المرة بسبب النجاح الاقتصادي. وبدأ عام 1935 بإلغاء بطاقة الخبز، ثم ألغيت بطاقات المواد الأخرى في تشرين الأول / أوكتوبر. ثم اختفت بطاقات التموين بالحاجيات الضرورية في كانون الثاني / يناير 1936. وعادت العلاقات الاقتصادية للدولة مع العمال الصناعيين والزراعيين إلى لغة النقود. وغدا الروبل وسيلة الشعب للتأثير على الخطة الاقتصادية، بدءا بنوعية المواد الاستهلاكية وكميتها. ولم يكن أمام الاقتصاد السوفياتي أي سبيل عقلاني آخر ممكن.
وأعلن رئيس لجنة الخطة في كانون الأول / ديسمبر 1935 ما يلي:”يجب إعادة النظر في النظام الحالي للعلاقات المتبادلة بين البنوك والاقتصاد. كما أن على البنوك تطبيق نظام المراقبة بواسطة الروبل”. وهكذا ماتت خرافات الخطة الإدارية وأوهام السعر الإداري. وإذا كان اقتراب الاشتراكية يعني في عالم المال اقتراب الروبل من بطاقة التوزيع فإن إصلاحات عام 1935 ينبغي اعتبارها إذاك ابتعادا عن الاشتراكية، إلا أن هذا التقدير خاطئ كليا. إن طرد الروبل للبطاقة ليس سوى التخلي عن وهم الاعتراف الصريح بضرورة خلق القواعد الأساسية للاشتراكية بواسطة العودة إلى أساليب التوزيع البرجوازية.
وفي كانون الثاني / يناير 1935 أعلن مفوض الشعب للمالية في اجتماع اللجنة التنفيذية المركزية للسوفياتات: “إن الروبل السوفياتي ثابت أكثر من أية عملة في العالم”. وليس هذا القول مجرد ثرثرة فارغة، فميزانية الاتحاد السوفياتي تدل على أن زيادة مستوى الدخل أكثر من زيادة الاستهلاك كما أن ميزان التجارة الخارجية كان ايجابيا، ولقد تجاوز احتياطي الذهب في مصرف الدولة اليوم مليار روبل؛ وازداد استخراج الذهب من المناجم بسرعة، فالاتحاد السوفياتي يحاول الوصول بهذه الصناعة إلى المركز الأول في العالم عام 1936. وزادت حركة البضائع بشكل ملحوظ منذ إعادة السوق، وتوقف التضخم المالي تقريبا منذ عام 1934. إن العناصر اللازمة لثبات الروبل موجودة، ولكن وضع تصريح مفوض الشعب للشؤون المالية موضع التنفيذ يستلزم إفراطا في التفاؤل. وإذا كانت قوة الروبل اليوناني نتاجا للتقدم الاقتصادي العام، فإن الإنتاج بسعر تكلفة زائد يمثل بالنسبة إليه عقب أخيل. ولن يكون الروبل أثبت وحدة نقدية في العالم إلا إذا تجاوز مردود العمل السوفياتي المستوى العالمي لمردود العمل، أي عندما يتحتم على الروبل أن يزول.
ولا يزال الروبل عاجزا ادعاء التكافؤ من وجهة النظر التقنية، فمع احتياطي ذهبي يبلغ المليار تتداول البلاد ثمانية مليارات من الروبلات الورقية، فالتغطية لا تزيد إذن عن 12,5 بالمئة. وذهب بنك الدولة الآن احتياطي لحالة الحرب أكثر منه قاعدة للنظام النقدي. لا شك أن العودة إلى القياس الذهبي، من أجل إعطاء الخطط الاقتصادية المزيد من الدقة وتبسيط العلاقات مع الخارج، ليست مستبعدة نظريا في مرحلة من التطور أكثر تقدما. يمكن للنظام النقدي أن يستعيد مرة أخرى ألق الذهب الصافي، وذلك قبل أن يسلم أنفاسه. إلا أن هذه المشكلة لا تنطرح في كل الأحوال على جدول أعمال الغد القريب.
إن من المتعذر طرح موضوع التعادل بين النقد المتداول والتغطية الذهبية في المستقبل القريب، ولكن بمقدار ما تجتهد الحكومة، فيما تكوّن احتياطيا ذهبيا، في زيادة نسبة التغطية، حتى ولو كان ذلك نظريا، وبمقدار ما يجري الحد من عمليات الإصدار لأسباب موضوعية مستقلة عن إرادة البيروقراطية، يمكن أن يتوصل الروبل السوفياتي إلى ثبات نسبي. وهكذا ستجني البلاد فوائد جمة. إن النظام النقدي إذ يتخلى عن التضخم بحزم من الآن وصاعدا، سوف يساهم بالتأكيد في تضميد العديد من الجروح العميقة الناجمة فيما يخص الجهاز الاقتصادي عن النزعة الذاتية البيروقراطية في السنوات السابقة، حتى ولو حرم هذا النظام من منافع التعادل مع الذهب.
الحركة الاستاخانوفية
يقول ماركس: “إن توفير الوقت هو الاقتصاد كله”، أي صراع الإنسان ضد الطبيعة في كل مراحل الحضارة. فإذا أعادنا التاريخ إلى قاعدته الأساسية وجدنا أنه تتابع لعمليات توفير وقت العمل. ولا تبرر الاشتراكية نفسها بإلغاء الاستغلال فقط، إن عليها أن توفر وقت المجتمع أكثر مما يفعل النظام الرأسمالي. فإن لم يتوفر هذا الشرط أصبح إلغاء الاستغلال مجرد حلقة درامية لا مستقبل لها. لقد أثبتت أول تجربة تاريخية الإمكانيات الكبيرة الكامنة في الأساليب الاشتراكية، ولكن الاقتصاد السوفياتي لم يتعلم بعد كيف يستفيد من الوقت الذي يعتبر أثمن مادة أولية في الحضارة. وإلى الآن لم يعط استيراد التقنية التي تعد الوسيلة الرئيسية لتوفير الوقت، لم يعط في الاتحاد السوفياتي النتائج التي تعطيها التقنية هذه في البلاد الرأسمالية. فالاشتراكية لم تنتصر بعد في هذا المجال الحضاري الحاسم. لقد برهنت أنها قادرة على الانتصار وأن عليها أن تنتصر ولكنها لم تصل حتى الآن إلى ذلك، وكل التأكيدات المعاكسة عبارة عن ثمرة من ثمار الجهل أو الشعوذة.
ففي كانون الثاني / يناير 1936 أعلن مولوتوف (المتحرر أحيانا من الشكليات الجامدة أكثر من غيره من القادة السوفيات) ، أمام المجلس التنفيذي: “إن معدل مستوى مردود العمل عندنا منخفض بشكل كبير عما هو عليه في أمريكا وأوروبا”. وكان عليه أن يحدد بدقة فرق المستويات وأن يذكر أن مستوانا اقل بـ 3 مرات وأحيانا عشر مرات من مستوى أوروبا وأمريكا، الأمر الذي يجعل سعر التكلفة عندنا أكبر بكثير. ولقد اعترف مولوتوف في الخطاب ذاته: “لا يزال مستوى ثقافة عمالنا أقل من مستوى ثقافة عمال عدة بلدان رأسمالية”. وكان عليه أن يضيف أن أحوالهم المادية أسوأ أيضا. إن كلامه الواضح واعترافه العرضي يمحوان بكل شدة التبجحات التي صدرت عن عدد كبير من الشخصيات الرسمية وأحاديث “الأصدقاء” الأجانب التي تتصف بالنفاق والمداهنة !
إن النضال من اجل زيادة مردود العمل، مقرونا بهمّ الدفاع، يشكل المحتوى الجوهري لنشاط الحكومة السوفياتية. ولقد أخذ هذا الصراع خلال مختلف مراحل تطور الاتحاد السوفياتي أشكالا مختلفة. وكانت طرائق “فيالق الصدمة” المستخدمة خلال تنفيذ الخطة الخمسية الأولى وفي بداية الخطة الخمسية الثانية تعتمد على التحريض، والمثل الفردي، والضغط الإداري، وكل أنواع التشجيع والامتيازات المقدمة للمجموعات. واصطدمت محاولات تنظيم العمل بالقطعة على أساس “الشروط الستة” الموضوعة عام 1931 بعملة وهمية وبتنوع الأسعار. وجاء نظام التوزيع الحكومي للمنتجات ليحل محل التفاضل المرن للأجور “”مكافآت” تدل على الاعتباطية البيروقراطية. وأدخل السعي وراء الامتيازات إلى صفوف عمال الصدمة عددا كبيرا من الشاطرين المتمتعين بأنواع من الحماية. ووجد النظام نفسه في النهاية متناقضا مع أهدافه. ثم سمح إلغاء بطاقات التموين، وبداية ثبات الروبل، وتوحيد الأسعار باستخدام نموذج العمل بالقطعة أو بالالتزام. وقد جاءت حركة استاخانوف على هذا الأساس لتحل مكان فيالق الصدمة.
وما إن اخذ الروبل أهمية أكثر واقعية حتى بدا العمال أكثر اهتماما بآلاتهم وصاروا يهتمون باستخدام وقتهم أفضل. أصبحت حركة استاخانوف عبارة عن تكثيف العمل لا بل إطالة يومه: حيث أن الاستاخانوفيين ينظمون ورشاتهم وآلاتهم ويجهزون المواد الأولية اللازمة، ويعطي رؤساء الورش تعليماتهم لفرق العمل خارج أوقات العمل. وهكذا لم يبق من يوم العمل سبع ساعات سوى الاسم أغلب الأحيان.
لم يخترع الإداريون السوفيات بالحقيقة سر العمل بالقطعة، هذا النظام المتصف بمنتهى الاستغلال دونما إجبار ظاهر، والذي اعتبره ماركس “وسيلة متلائمة كل التلاؤم مع عالم الإنتاج الرأسمالي”. ولقد تلقى العمال هذه البدعة بحذر لا بل بعداء واضح، وكان انتظار موقف آخر منهم أمرا غير طبيعي. إننا لا نستطيع إنكار مساهمة اشتراكيين متحمسين حقيقيين في حركة استاخانوف، ولكن يصعب علينا أن نقول كم تغلـَّب هؤلاء الاشتراكيين على الوصوليين والمشعوذين. إن جمهور العمال يقدّر أجور العمل الجديدة حين يكون الدفع أسخي وهو مضطر عادة لملاحظة تضاؤل قيمة الأجر.
مع أن عودة الحكومة السوفياتية إلى العمل بالقطعة بعد “انتصار الاشتراكية النهائي بلا ردة” يمكن أن تبدو للوهلة الأولى كتراجع، إلا أن علينا أن نكرر هنا ما قيل عن رد الاعتبار للروبل: إن الأمر لا يتعلق بالتخلي عن الاشتراكية ولكنه يتعلق بهجر الأوهام الزائفة. إن شكل الأجور أكثر توافقا مع الموارد الحقيقة للبلاد: “لا يمكن أن يعلو الحق أبدا على النظام الاقتصادي…”.
ولكن الأوساط الحاكمة في الاتحاد السوفياتي لم تعد قادرة على التخلص من التمويه الاجتماعي. ولقد أعلن رئيس لجنة الخطة مجلاروك أثناء دورة المجلس التنفيذي عام 1936 ما يلي: “لقد أصبح الروبل عبارة عن الوسيلة الوحيدة الحقيقية لتحقيق المبدأ الاشتراكي ( !) لأجر العمل”، وإذا كان كل شيء في النظام الملكي القديم ملكيا حتى المراحيض العامة فلا يجب أن نستنتج أن كل شيء أصبح اشتراكيا بالقوة لمجرد وجوده داخل الدولة العمالية. إن الروبل هو “الوسيلة الوحيدة والحقيقية” لتحقيق المبدأ الرأسمالي لأجر العمل حتى ولو كان ذلك مع استخدام أشكال اشتراكية للملكية، وهذا تناقض واضح. وليبرر مجلاروك الأسطورة الجديدة للعمل “الاشتراكي” بالقطعة أضاف قائلا: “إن مبدأ الاشتراكية الأساسي كامن في أن يعمل كل فرد حسب قدرته ويأخذ أجرا حسب عمله”. ولكم يستوطي هؤلاء السادة حائط النظرية ! إذ عندما يحدد الركض وراء الروبل إيقاع العمل فإن الأفراد لا يعملون حسب “قدرتهم” أي حسب حالة عضلاتهم وأعصابهم، بل يستنزفون أنفسهم. ولا يمكن اعتبار هذا الأسلوب صحيحا إلا في حالة الضرورة القصوى، أما اعتبارها “المبدأ الأساسي للاشتراكية” فدوس بالأقدام للمثل الأعلى لثقافة حديثة أسمى، بغية إلقائها في وحل الرأسمالية المعهود.
ويسير ستالين خطوة جديدة على هذا الطريق عندما يقدم حركة استاخانوف على أنها حركة تهيئ “الظروف الملائمة لانتقال الاشتراكية للشيوعية”. ويرى القارئ هنا ضرورة تحديد علمي للمفاهيم المستخدمة في الاتحاد السوفياتي تحقيقا لأهداف ذات منفعة إدارية. تتطلب الاشتراكية، أي الطور الأدنى من الشيوعية، بدون شك، القيام بمراقبة حازمة للعمل والاستهلاك، إلا أنها تفترض في كل حال أساليب مراقبة أكثر إنسانية من الأساليب التي اخترعتها العبقرية الرأسمالية المستغلة. إن في الاتحاد السوفياتي جهازا بشريا متخلفا تدرب بقسوة على استخدام التقنية المستعارة من الرأسمالية، ويستخدم في السباق للوصول إلى معدلات العمل الأوروبية والأمريكية طرقا كلاسيكية للاستغلال كالأجر بالقطعة.
ولكن الأسلوب عتيق وقاس لدرجة لا تقبلها حتى النقابات الإصلاحية في البلاد البرجوازية. والقول بان عمال الاتحاد السوفياتي يعملون “لحساب الخاص”، قول غير دقيق ومحق إلا من وجهة النظر التاريخية، شريطة أن لا تخنقهم بيروقراطية قوية. وعلى كل حال فإن ملكية الدولة لوسائل الإنتاج لا تحيل روث الحيوانات ذهبا، ولا تحيط بهالة قدسية نظام الرق الذي ينهك القوة الإنتاجية الرئيسية: الإنسان. أما تحضير “الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية”، فلا يجب أن يبدأ بالعمل بالقطعة بل بإلغاء هذا العمل لأنه إرث جاءنا من أيام الهمجية الغابرة.
إن رسم صورة كاملة لنتائج حركة استاخانوف أمر سابق لأوانه. ولكننا نستطيع أن نحدد خصائص هذه الحركة التي تسحب نفسها على النظام بمجمله. الحقيقة أن لبعض النتائج التي حصل عليها بعض العمال أهمية كبرى لأنها تدل على إمكانيات خاصة بالاشتراكية على وجه الحصر. لكن بين نجاح هذه النتائج الجزئي وامتدادها إلى الاقتصاد بأكمله طريقا طويلا. ضمن التداخل الوثيق لسيرورات الإنتاج، لا يمكن للمردود العالي وغير المنقطع للعمل أن يكون ثمرة الجهود الفردية على وجه الحصر. فزيادة المردود المتوسط مستحيلة دون إعادة تنظيم الإنتاج في المصنع، وإعادة النظر في العلاقات بين المشاريع. ورفع المعلومات التقنية لملايين العمال أصعب بكثير من دفع مئات العمال المهرة إلى العمل.
ولقد سمعنا الرؤساء أنفسهم يشتكون من ثقافة العمال السوفياتيين المحدودة، وليس هذا سوى جزء من الحقيقة. إن العامل الروسي ذكي ماهر ولديه إمكانيات كبيرة، وإن جماعة مؤلفة من مئات العمال الروس قادرة خلال بضعة أشهر، لا بل بضعة أسابيع، إن وُضعت في ظروف الإنتاج الأمريكي، أن تسير على قدم المساواة مع جماعة مماثلة من العمال الأمريكيين. إن المتاعب تأتي من التنظيم العام للعمل، والجهاز الإداري السوفياتي متخلف عموما أمام مهام الإنتاج الحديثة أكثر من العمال.
باستخدام التقنية الحديثة، يؤدي الأجر بالقطعة حتما إلى رفع المستوى المتدني كثيرا حاليا لمردود العمل. ولكن خلق الشروط الضرورية لذلك يتطلب من الإدارة، ابتداء من رؤساء الورشات ووصولا إلى المسؤولين في الكرملين، مهارة أرفع بكثير. وحركة استاخانوف لا تؤمِّن هذا الشرط إلا في أضيق الحدود. وتحاول البيروقراطية القفز من فوق الصعوبات التي لا تستطيع مجابهتها. وبما أن الأجر بالقطعة لم يحقق المعجزة المنتظرة فقد جاء الضغط الإداري ليساعده: جوائز مالية ودعاية من جهة، وعقوبات من جهة أخرى.
ورافق بداية الحركة عملية قمع كبيرة ضد الفنيين والمهندسين والعمال، المتهمين بالمقاومة والتخريب أو بقتل الاستاخانوفيين في بعض الحالات. وتدل قسوة هذه التدابير على قوة المعارضة السياسية. وربط المسؤولون هذا “التخريب” بالمعارضة السياسية، والحقيقة أن الأسباب كانت تقنية واقتصادية وثقافية، يعود قسم كبير منها إلى البيروقراطية نفسها. وتحطمت حركة “التخريب” بسرعة. وخاف المنتقدون، واعتصم العقلاء بالصمت، وتقاطرت البرقيات معلنة عن نجاحات لا مثيل لها. والحقيقة أنه عندما يتعلق الأمر بروّاد متفوقين معزولين تقوم الإدارة المحلية بناء على التعليمات بتسهيل العمل لهم بكل بساطة حتى ولو ضحت بمصلحة العمال الآخرين في المنجم والورشة. وما إن يدخل العمال في الحركة الاستاخانوفية بالمئات والآلاف حتى تسقط الإدارة في ضياع كامل. فلما كانت عاجزة عن الضبط السريع لنظام الإنتاج، تضطر إلى معاملة اليد العاملة والآلات بقسوة، كمن يحاول دفع عجلات الساعة المسننة بمسمار بغية تسريع حركتها. إن نتائج “الأيام” وعشرات الأيام الاستاخانوفية هي إدخال الفوضى الكاملة في حياة كثير من المشاريع. وهذا ما يفسر لنا الظاهرة الغريبة للوهلة الأولى المتمثلة في انخفاض المردود العام للمشروع مع ازدياد عدد الاستاخانوفيين.
لقد انتهت الفترة “الحماسية” لهذه الحركة وعاد النشاط اليومي من جديد. إن علينا أن نتعلم من ذلك، وعلى من يعلـِّمون غيرهم أن يتعلموا هم على وجه الخصوص الكثير من الأشياء، إلا أنهم أقل الناس رغبة في العلم. والورشة التي تؤخر وتشل الورش الأخرى في الاقتصاد السوفياتي هي البيروقراطية.
الفصل الخامس: الترميدور السوفييتي
لماذا انتصر ستالين ؟
يستنتج من يود كتابة تاريخ الاتحاد السوفياتي أن سياسة البيروقراطية الحاكمة كانت تقف مواقف متناقضة في المسائل الكبيرة، وقامت بسلسلة من التعرجات. وتبرير هذه التعرجات أو تفسيرها “بتغير الظروف” أمر غير مقبول. إن الحكم يتطلب حسن التوقع، والتكتل الستاليني لم يتوقع أبدا النتائج الحتمية للتطور التي أنهكته مرارا. لقد رد بارتكاسات إدارية، واضعا بعد فوات الأوان النظرية التي تحكم انعطافاته، دون الاهتمام بما كان يعلـِّمه البارحة. إن الوقائع والوثائق الدامغة سوف تجبر كذلك المؤرخ على الاستنتاج أن المعارضة اليسارية قدمت تحليلا أصح مئات المرات عن التطورات الجارية في البلاد، وتوقعت بشكل أفضل بكثير مجراها اللاحق.
ويبدو هذا التأكيد للوهلة الأولى متناقضا مع الحقيقة الماثلة في انتصار أقل أجنحة الحزب قدرة على التوقع، وانتقال أكثر الأجنحة فطنة من فشل إلى آخر. هذا الاعتراض الذي يتبادر إلى الذهن غير مقنع إلا بالنسبة لمن يطبق الفكر العقلاني على السياسة فلا يرى فيها سوى جدل منطقي أو لعبة شطرنج. والحال أن الصراع السياسي هو في الحقيقة صراع مصالح وقوى لا صراع حجج. ولا يمكن تجاهل ميزات الزعماء في نتيجة المعركة، ولكنها ليست العامل الوحيد أو الحاسم، فكل من المعسكرات المعادية يتطلب زعماء على صورته ومثاله.
لقد حملت ثورة فبراير إلى الحكم كيرنسكي وتسيريتيلي وليس ذلك لأنهما “أذكى” أو “أحذق” من الجماعة القيصرية الحاكمة، بل لتمثيلهما مؤقتا على الأقل الجماهير الثائرة ضد النظام القديم. وإذا كان تمكن كيرنسكي من دفع لينين إلى العمل السري، وألقي بزعماء بلاشفة آخرين في السجون، فلم يكن ذلك بفضل صفاته الشخصية وتفوقه عليهم بل لأن غالبية العمال والجنود كانت ما تزال تسير آنذاك خلف البرجوازية الوطنية الصغيرة. لقد كانت “ميزة” كيرنسكي في أنه لم يكن يرى أبعد مما تراه الأغلبية. ثم انتصر البلاشفة على الديمقراطية البرجوازية الصغيرة لا بفضل عظمة زعمائهم بل بفضل تجميع القوى تمكنت البروليتاريا خلاله من جر الفلاحين المتذمرين وراءها إبان المعركة ضد البرجوازية.
ويظهر تسلسل مراحل الثورة الفرنسية الكبرى في صعودها وانحدارها أن قوة “الزعماء والأبطال” كانت تتجسد في انسجامهم مع طبيعة الطبقات والشرائح الاجتماعية التي تدعمهم، حيث سمح هذا التوافق وحده لكل منهم أن يطبع بشخصيته مرحلة تاريخية معينة. وفي تسلسل وصول ميرابو وبريسو وروبسبيير وباراس وبونابرت إلى السلطة شرعية موضوعية أقوى من المميزات الشخصية لهؤلاء الأشخاص التاريخيين أنفسهم. إننا نعرف أن الثورات تثير بعدها ردود فعل وثورات مضادة تسلب الوطن الكثير من مكاسبه، ولكنها لا تنجح في إعادته إلى نقطة انطلاقه الأولى. كما أننا نعرف أن الرواد الأوائل والمعلمين والزعماء الذين كانوا على رأس الجماهير في المراحل الأولى هم ضحايا أول موجة رد فعل بينما نرى كيف يتقدم إلى الصف الأول رجال من الصف الثاني متحدين مع من كانوا في العشية أعداء الثورة. وتخفي المبارزات الدرامية للأدوار الكبيرة الأولى على المسرح السياسي انزلاقات في العلاقات بين الطبقات وتبدلات عميقة في نفسية الجماهير التي كانت بالأمس ثائرة.
ردا على عدد كبير من الرفاق كانوا يتساءلون باستغراب عما حل بنشاط الحزب البلشفي والطبقة العاملة وببداهتهما الثورية وكبريائهما الشعبي، تلك الصفات التي حل محلها ما نراه اليوم من دناءة وجبن وتردد ووصولية، استرجع راكوفسكي تقلبات الثورة الفرنسية التي قامت في القرن الثامن عشر وذكر كيف خرج بابوف من سجن لابيي فتساءل مندهشا عما حل بالشعب البطل في ضواحي باريس ؟ إن الثورة مفترس كبير للطاقات الفردية والجماعية. والأعصاب تتعب فيها ويتراخى الضمير وتنفلّ الطباع. وتجري الحوادث بسرعة بحيث يعجز تدفق القوى الجديدة عن تعويض الخسائر. لقد تأثرت ضواحي باريس بالمجاعة، والبطالة، وخسارة الكادرات الثورية، وإبعاد الجماهير عن المراكز الحساسة، بحيث أصيبت بفقر دم معنوي ومادي لدرجة أنها احتاجت إلى أكثر من 30 سنة حتى تقف على قدميها من جديد.
أما التأكيد البديهي من جانب الصحافة السوفياتية الذي يرى أن قوانين الثورة البرجوازية “لا تنطبق” على الثورة البروليتارية فلا أساس علمي لها. إن الطابع البروليتاري لثورة أوكتوبر نتج عن الوضع العالمي وعن توازن القوى في الداخل. إلا أن الطبقات بالذات تشكلت في روسيا في أحضان الهمجية القيصرية والرأسمالية المتخلفة دون أن تكون معدة لمتطلبات الثورة الاشتراكية. لا بل إن العكس هو الصحيح. فلأن البروليتاريا الروسية، المتخلفة في العديد من النواحي، حققت في أشهر قليلة قفزة لا مثيل لها في التاريخ، من ملكية نصف إقطاعية إلى الديكتاتورية الاشتراكية، كان لا بد أن تنشط الرجعية حتما في صفوف البروليتاريا نفسها. وتزايد ذلك خلال الحروب التي تلت، وغذته الظروف الخارجية والحوادث بلا انقطاع. لقد جاء التدخل الأجنبي عقب التدخل، ولم تقدم البلاد الغربية المساعدة المباشرة، وانتظرت البلاد السعادة فحل مكانها البؤس أمدا طويلا. وتوفـِّي كبار ممثلي الطبقة العاملة في الحرب الأهلية، وانفصل الباقون عن الجماهير نظرا لارتفاع مستواهم المادي بضع درجات. وبعد فترة توتر كبير للقوى والآمال والأوهام جاءت فترة طويلة من التعب والانهيار وخيبة الأمل. وانحسر “الكبرياء الشعبي” ليتلوه مد من الأصولية والجبانة. وحمل المد والجزر إلى السلطة شريحة جديدة من القادة.
لقد لعب تسريح الجيش الأحمر المؤلف من خمسة ملايين رجل دورا كبيرا في تشكيل البيروقراطية، إذ احتل القادة المنتصرون مراكز هامة في السوفياتات المحلية والإنتاج والتعليم، وحملوا معهم إلى كل مكان النظام الذي حقق لهم النصر في الحرب الأهلية، ووجدت الجماهير نفسها في كل مكان مبعدة شيئا فشيئا عن الاشتراك الفعلي في السلطة.
وجاء رد الفعل في أوساط البروليتاريا لينعش الآمال والثقة بشكل غير اعتيادي لدى البرجوازية الصغيرة في المدن والريف التي دعتها السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب)، إلى حياة جديدة، فتزايدت هكذا جرأتها، وأصبحت البيروقراطية التي تشكلت بالأساس لخدمة البروليتاريا حكما بين الطبقات، فتحررت بذلك شهرا بعد آخر من كل رقابة. وأثر الوضع العالمي بشدة ضمن الاتجاه ذاته. وكانت البيروقراطية السوفياتية تكسب ثقة إضافية كلما تلقت الطبقة العاملة العالمية هزائم قاسية جديدة. ليست العلاقة بين هاتين الحقيقتين علاقة تسلسل زمني وحسب، بل هي علاقة سببية ومتبادلة: لقد ساهمت الإدارة البيروقراطية للحركة في الهزائم، وجاءت الهزائم لتقوي البيروقراطية. إن فشل الثورة البلغارية، وتقهقر العمال الألمان المذل في عام 1923، وفشل محاولة للثورة في استونيا عام 1924، والتصفية المنافقة للإضراب العام في انجلترا، وتصرف الشيوعيين المخزي خلال انقلاب بيلسودسكي في بولونيا عام 1926، والهزيمة المنكرة للثورة الصينية في عام 1927، والهزائم الأكثر خطرا التي تلت ذلك في ألمانيا والنمسا، تلك هي الكوارث التاريخية التي دمرت ثقة الجماهير بالثورة العالمية وسمحت للبيروقراطية السوفياتية بأن تتألق باستمرار كمنارة تحدد طريق الخلاص.
والكاتب مضطر الآن للرجوع إلى مؤلفاته السابقة التي حاول أن يبرز فيها الدور المشؤوم الذي لعبه في الحركة الثورية للبلدان جميعا قادة الكرملين المحافظون، وذلك لتحديد أسباب الهزائم التي لحقت بالبروليتاريا العالمية إبان السنوات الثلاث عشرة الأخيرة. والمهم هنا هو أن الهزائم التي منيت بها الثورة في أوروبا وآسيا في حين كانت تضعف موقف الاتحاد السوفياتي عالميا كانت تثبـِّت في الوقت نفسه دعائم البيروقراطية السوفياتية. ويبرز في هذا النطاق هذا التسلسل التاريخي تاريخان مهمان: ففي النصف الثاني من عام 1923 تركز انتباه العمال السوفيات بشغف على ألمانيا حيث كان يبدو أن البروليتاريا تمد يدها نحو السلطة. لقد جاء التراجع المريع للحزب الشيوعي الألماني يثير لدى الجماهير العمالية في الاتحاد السوفياتي خيبة أمل مريرة، وقد أعلنت البيروقراطية السوفياتية آنذاك الحرب فورا ضد “الثورة الدائمة” وكبدت المعارضة اليسارية هزيمتها القاسية الأولى. وفي عامي 1926–1927 تجددت الآمال في نفوس الشعب السوفياتي واتجهت الأنظار هذه المرة نحو الشرق، حيث كانت تدور أحداث الثورة الصينية. واستعادت المعارضة اليسارية قواها بعد الفشل وكسبت مناضلين جددا. إلا أنه لم تأت نهاية عام 1927 حتى كان الجلاد تشان كاي شك ينسف الثورة الصينية بعد أن سلمه قادة الأممية الشيوعية مصائر العمال والفلاحين الصينيين. ومرت موجة خيبة أمل باردة فوق جماهير الاتحاد السوفياتي. وقامت معركة محمومة في الصحف والاجتماعات قررت البيروقراطية بعدها القيام بعمليات تنكيل واسعة النطاق بين صفوف المعارضة (1928).
لقد تجمع عشرات الألوف من المناضلين الثوريين تحت علم البلاشفة–اللينينيين، ونظر العمال إلى المعارضة بود أكيد، ولكنه ود سلبي لاعتقاد الجميع بعدم جدوى الصراع لتغيير الوضع. والحالة هذه، كانت البيروقراطية تؤكد ما يلي: “إن المعارضة تستعد لتلقي بنا في أتون حرب ثورية لمصلحة الثورة العالمية. لقد شاهدنا من التقلبات ما فيه الكفاية ! وعلينا أن نرتاح قليلا، لنبني المجتمع الاشتراكي في بلادنا فثقوا بنا نحن رؤساءكم !”. وجمعت الدعوة للراحة كتلة الموظفين مع كتلة العسكريين ووجدت بلا شك بعض الصدى بين العمال المتعبين، وفي صفوف جماهير الفلاحين على وجه الخصوص. وتساءل البعض: أفلا تقوم المعارضة بتضحية مصالح الاتحاد السوفياتي على مذبح ‘الثورة الدائمة’ ؟ في الواقع إن مصالح الاتحاد السوفياتي الحيوية هي التي كانت في خطر، إذ سببت سياسة الأممية الشيوعية الخاطئة خلال 10 سنوات انتصار هتلر في ألمانيا وهذا يعني خطرا محدقا لنشوب الحرب في الغرب. كما أدت السياسة الخاطئة إلى تقوية الإمبريالية اليابانية واقتراب الخطر في الشرق. وليس هذا غريبا ففترات المد الرجعي تتصف غالبا بالجبانة الفكرية.
ووجدت المعارضة نفسها منعزلة، فاستغلت البيروقراطية الفرصة لتطرق الحديد حاميا، وتستفيد من ضياع وسلبية العمال ومسلطة الجهلاء منهم على الواعين، متعمدة دائما على الكولاك، وعموما على البرجوازيين الصغار وقد نجحت البيروقراطية في الانتصار خلال سنوات على الطليعة الثورية العمالية.
ومن الخطأ أن نعتقد أن ستالين الذي كانت تجهله الجماهير ظهر فجأة من خلف الكواليس مسلحا بمخطط استراتيجي جاهز. كلا، لقد اختارته البيروقراطية قبل أن يرى طريقه. كان يقدم لها كل الضمانات المطلوبة: هيبة بلشفي قديم، وشخصية صلبة، وأفقا ضيقا، وصلة لا تنقطع مع المكاتب التي تشكل مصدر تأثيره الوحيد. وفوجئ ستالين في بادئ الأمر بنجاحه. لقد حصل على التأييد المطلق لشريحة جديدة من الحكم تريد التخلص من المبادئ القديمة ومراقبة الجماهير، وتحتاج إلى حكم مضمون في قضاياها الداخلية. إن ستالين، الذي كان وجها من الصف الثاني في الثورة وفي نظر الجماهير، بدا قائدا بلا منازع للبيروقراطية التيرميدورية والأول بين التيرميدوريين10.
وظهر بعد ذلك أن للشريحة الحاكمة الجديدة آراءها ومشاعرها ومصالحها. وأغلب البيروقراطيين من الجيل الحاضر كانوا خلال ثورة أوكتوبر في الخندق الأخر. (ونكتفي لإثبات ذلك بالتكلم على الديبلوماسيين السوفيات مثل السادة ترويانوفسكي – مايسكي – بوتامكين – سوريتس – خينتشوك – وآخرين) – أو كانوا في أفضل الحالات خارج الصراع. أما البيروقراطيون الحاليون الذين كانوا أيام أوكتوبر مع البلاشفة فأغلبهم ممن لعبوا دورا صغيرا غير هام. وإذا نظرنا إلى البيروقراطيين الشباب لوجدنا أنهم تتلمذوا على يدي البيروقراطيين القدامى الذين اختاروهم بأنفسهم، أو أنهم يمتون إليهم بصلات القرابة. ولم يكن هؤلاء الرجال ليصنعوا ثورة أوكتوبر، ولكنهم وجدوا أنفسهم في أفضل المواقع لاستغلالها.
وأثرت العوامل الشخصية حتما في تسلسل هذه الفصول التاريخية. ولا شك أن مرض لينين ووفاته سرّعا الخاتمة. ولو عاش لينين مدة أطول لكان تقدم البيروقراطية أبطأ وخاصة في السنوات الأولى. إلا أن كروبسكايا قالت عام 1926 لأنصار المعارضة اليسارية: “لو كان لينين اليوم حيا لكان حتما في السجن”.
لقد كانت توقعات لينين ومخاوفه ما تزال حية في ذاكرتها، ولم تكن لديها أوهام حول قدرته على مواجهة الرياح والتيارات المعاكسة للتاريخ.
إن البيروقراطية لم تنتصر على المعارضة اليسارية فحسب، ولكنها انتصرت على الحزب البلشفي، وعلى برنامج لينين الذي كان يرى الخطر الرئيسي في انقلاب أجهزة الدولة “من خدام للمجتمع إلى سادته”. لقد انتصرت على كل أعدائها (المعارضة، حزب لينين) ، لا بالحجج والأفكار، بل بسحقهم تحت وزنها الاجتماعي. ولقد وجدت المقطورة الخلفية المرصصة نفسها أثقل وزنا من رأس الثورة. هذه هي تفسيرات التيرميدور السوفياتي.
انحطاط الحزب البلشفي
لقد أعد الحزب البلشفي انتصار ثورة أوكتوبر وفاز به. بنى الدولة السوفياتية على هيكل متين. أما انحطاط الحزب فكان سببا لتبقرط الدولة ونتيجة له. يهمنا هنا أن نبين باختصار كيف تم ذلك.
يتصف النظام الداخلي للحزب البلشفي بالمركزية الديمقراطية، وليس في اتحاد هاتين الموضوعتين، أي تناقض. لقد كان الحزب يحدد أبعاده بدقة، ولكنه يعتبر أن كل من يتجاوز الحدود إلى داخله يملك الحق في توجيه سياسته، وكان النقاش الفكري وحرية النقد يشكلان محتوى ديمقراطية الحزب. أما العقيدة الحالية، التي تدعم إمكانية توافق البلشفية مع وجود الأجنحة، فهي تخالف الوقائع. وتاريخ البلشفية في الحقيقة، عبارة عن صراع الأجنحة. وكيف يمكن لتنظيم ثوري حقيقي يهدف إلى قلب نظام العالم، ويجمع تحت لوائه الرافضين والثائرين، والمقاتلين الشجعان، أن يعيش وينمو هادئا، دون نزاعات فكرية، أو تجمعات، أو أجنحة مؤقتة ؟ لقد نجحت قيادة الحزب غالبا، بالنظر لبعد رؤيتها، في تخفيف الصراعات التكتلية واختصارها، ولكنها لم تفعل أكثر من ذلك. كانت اللجنة المركزية تستند إلى هذه القاعدة الفوارة وتستمد منها الجرأة في التنظيم واتخاذ القرار، وأعطتها نظرتها الصائبة في كل المراحل الحرجة سلطة كبيرة شكلت رأس مال معنويا ثمينا للمركزة.
إن نظام الحزب البلشفي، قبل الاستيلاء على السلطة، متعارض كليا مع نظام الأممية الشيوعية الحالية، “برؤسائها” المعينين بصورة متسلسلة، وانعطافاتها المنفذة حسب الطلب، ومكاتبها البعيدة عن الخضوع للمراقبة، واحتقارها للقاعدة، وخضوعها للكرملين. ولو تجرأ أحد الأشخاص في السنوات الأولى التي تلت الاستيلاء على السلطة، حين بدأ الصدأ البيروقراطي يغطي الحزب، ورسم صورة الحزب بالشكل الذي وصل إليه بعد 10–15 سنة، لاعتبره ستالين وأي بلشفي آخر متخرصا حقيرا.
كان اهتمام لينين ومعاونيه منصبا دائما على حفظ صفوف الحزب البلشفي من أخطاء السلطة. إلا أن الاتصال الوثيق بين الحزب والدولة واندماجه بأجهزتها في بعض الأحيان سبب منذ السنوات الأولى أضرارا أكيدة لحرية النظام الداخلي للحزب ومرانته. وتضاءلت الديمقراطية مع تزايد الصعوبات. وقد أراد الحزب في البدء أن يحافظ على حرية الصراعات السياسية في إطار السوفياتات. إلا أن الحرب الأهلية وجهت لهذه الرغبة ضربة صارمة، فألغيت أحزاب المعارضة الواحد بعد الأخر. ورأى زعماء البلاشفة في هذه التدابير المتعارضة مع فكرة الديمقراطية السوفياتية ضرورة من الضرورات المؤقتة اللازمة للدفاع، لا قرارات مبدئية.
وأدت زيادة عدد أعضاء الحزب الحاكم السريعة، في مواجهة جدة المهمات واتساعها، إلى بروز اختلافات فكرية لا يمكن تلافيها. ومارست تيارات المعارضة ضغوطها على عمل الحزب الشرعي الوحيد بأساليب مختلفة، وسببت زيادة في حدة الصراع بين الأجنحة. وأخذ الصراع في نهاية الحرب الأهلية شكلا عنيفا، لدرجة كادت تهز السلطة كلها. وفي آذار / مارس 1921 عندما قامت انتفاضة كرونشتادت التي تجاوب معها عدد لا باس به من البلاشفة، اضطر المؤتمر العاشر للحزب إلى إلغاء الأجنحة، وهذا يعني سحب نظام الدولة السياسي على الحياة الداخلية للحزب الحاكم. وكان إلغاء الأجنحة مجرد تدبير استثنائي ينتظر إلغاءه عند أول تحسن جدي للموقف، وبدت اللجنة المركزية حذرة جدا في تنفيذ هذا القانون الجديد حتى لا تصاب الحياة الداخلية للحزب بالاختناق.
ولكن القيادة البيروقراطية وجدت التدبير الاستثنائي، الذي اعتبر في البدء ضريبة ينبغي دفعها تحت ضغط ظروف قاسية، ملائما لذوقها، فهي بدأت تنظر إلى حياة الحزب الداخلية من زاوية راحة الحكام وحسب. وفي عام 1922، بعد أن تحسنت صحة لينين مؤقتا، ارتعب من تزايد خطر البيروقراطية، وجهز هجوما على جناح ستالين الذي امسك جيدا بدفة جهاز الحزب، قبيل استيلائه على جهاز الدولة. ولكن مرض لينين وموته، لم يسمحا له بامتحان قواه في مواجهة قوى الردة.
وتركزت جهود ستالين، منذ ذلك التاريخ على تحرير جهاز الحزب من مراقبة الأعضاء، وسايره في ذلك زينوفييف وكامينيف. وفي الصراع من أجل تامين “استقرار” اللجنة المركزية، كان ستالين أكثر مثابرة وحزما من حلفائه. لم يكن عليه أن يشيح بوجهه عن المشكلات الأممية التي لم يهتم بها في يوم من الأيام. وكانت الذهنية البرجوازية الصغيرة للشريحة الجديدة الحاكمة متلائمة مع ذهنيته، فهو يؤمن بأن بناء الاشتراكية عمل قومي وإداري، ويعتبر الأممية الشيوعية شرا لا بد منه، عليه الاستفادة منه قدر الإمكان لأغراض تتصل بالسياسة الخارجية، ولم يقم أي وزن للحزب إلا كقاعدة منقادة للدواوين.
لقد صيغت إلى جانب نظرية “الاشتراكية في بلد واحد” نظرية أخرى لحساب البيروقراطية، تعتبر اللجنة المركزية كل شيء بالنسبة للبلاشفة، بينما الحزب لا شيء. وقد حظيت النظرية الثانية بنجاح أكثر من الأولى. وما إن توفي لينين حتى بدأت البيروقراطية حملة تجميع أعضاء تحت اسم “دورة لينين”، وفتحت أبواب الحزب المحروسة جيدا حتى ذلك الحين على مصراعيها، ودخل منها العمال والمستخدمون والموظفون بأعداد كبيرة. وكان الهدف السياسي من وراء ذلك ذوبان الطلائع الثورية داخل كتل بشرية محرومة من التجربة ومعدومة الشخصية، لكن معتادة بالمقابل على إطاعة الرؤساء. ونجح المخطط. فبتحرر البيروقراطية من مراقبة الطليعة البروليتارية، وجهت “دورة لينين” طعنة قاتلة لحزب لينين. وحصلت الدواوين على الاستقلال الذي تريده، وحلت المركزية البيروقراطية محل المركزية الديمقراطية. أجريت تعديلات جذرية كبيرة على أجهزة الحزب، وأصبحت الطاعة العمياء أحسن ميزة يتمتع بها البلشفي. وباسم الصراع ضد المعارضة استبدل الثوريون بموظفين محترفين ودخل تاريخ الحزب البلشفي في مرحلة انحدار سريع.
بقي المعنى السياسي لهذا الصراع غامضا على الكثيرين نظرا لأن زعماء الاتجاهات الثلاثة اليمين والوسط واليسار كانوا ينتمون لهيئة أركان واحدة هي قيادة الكرملين التي تشكل المكتب السياسي، وكان أصحاب الأفكار السطحية يعتقدون أن هناك صراعا شخصيا وسباقا على “خلافة” لينين؛ والحقيقة أن الديكتاتورية الحديدية كانت تخفي الصراعات الاجتماعية في البداية فلا تبدو إلا من خلال أجهزة الحزب الحاكم. إن كثيرا من التيرميدوريين ظهروا في الماضي من الحزب اليعقوبي الذي بدأ بونابرت حياته عضوا فيه. بين اليعاقبة القدامى بالذات وجد القنصل الأول، وإمبراطور فرنسا فيما بعد، أخلص خدامه. فالأيام تتغير واليعاقبة يتبدلون، بما فيهم يعاقبة القرن العشرين.
لم يبق اليوم من المكتب السياسي الذي كان في عهد لينين سوى ستالين. لقد حكم على زينوفييف وكامنيف أقرب مساعدي لينين خلال فترة الهجرة الطويلة بالسجن عشر سنوات لجريمة لم يرتكباها. وعزل ريكوف وبوخارين وتومسكي عن السلطة ونالوا وظائف صغيرة مكافأة لهم على سلبيتهم واستسلامهم. وكاتب هذه السطور مطرود من البلاد. وأرملة لينين، كروبسكايا، محاطة بالشكوك لأنها لم تعرف كيف تتلاءم مع التيرميدوريين رغم محاولاتها بهذا الصدد. أما أعضاء المكتب السياسي الحاليين، فقد احتلوا في تاريخ الحزب البلشفي مراكز ثانوية، ولو تنبأ أي امرئ بصعودهم في السنوات الأولى للثورة لكانت نبوءته موضع دهشتهم واستغرابهم هم بالذات. وأصبحت القاعدة أن المكتب السياسي دائما على حق ولا يمكن لإنسان أن يكون محقا في عدائه له. إلا أن المكتب السياسي لا يمكن أن يكون على حق في مواجهة ستالين، الذي لكونه لا يخطئ لا يمكن أن يكون على حق ضد نفسه. لقد كانت المطالبة بعودة الحزب إلى الديمقراطية أكثر مطالب مختلف تجمعات المعارضة إلحاحا في الماضي واقلها أملا. لقد اشترط برنامج المعارضة اليسارية في عام 1927 إضافة مادة إلى قانون العقوبات تقضي “باعتبار الاضطهاد المباشر أو غير المباشر لأحد العمال، بسبب انتقاداته، جريمة خطيرة ضد أمن الدولة..” وها نحن نجد اليوم في قانون العقوبات مادة تطبق ضد المعارضة. ولم يبق من ديمقراطية الحزب سوى ذكريات باهتة في مخيلة الجيل القديم. وزالت مع ديمقراطية الحزب ديمقراطية السوفياتات والنقابات والتعاونيات والتنظيمات الرياضية والثقافية. وسيطر نظام السكرتيريين في كل مكان وعلى كل إنسان. وأخذ النظام شكل الحكم المطلق قبل أن يسود في ألمانيا بعدة سنوات. لقد كتب راكوفسكي في عام 1928: “استطاعت الجماعة الحاكمة أن تغدو اوليغارشية لا تتزحزح ولا يمكن قلبها، وأن تحل محل الطبقة والحزب، وذلك بفضل أساليب تحطم المعنويات وتقلب الشيوعيين المفكرين إلى آلات، وتقتل الإرادة والشخصية والكرامة الإنسانية”. لقد حقق الانحطاط المشار إليه تقدما خطيرا منذ أن كتبت هذه السطور الناقمة، وأصبح البوليس السياسي عاملا حاسما في حياة الحزب الداخلية. وإذا كان استطاع مولوتوف في آذار / مارس 1936 أن يهنئ نفسه أمام أحد الصحفيين الفرنسيين، بأن الحزب الحاكم لم يعد يعرف الصراع الداخلي، فهذا عائد إلى أن الخلافات في وجهات النظر أصبحت تسوّى ميكانيكيا بتدخل البوليس السياسي. إن الحزب البلشفي قد مات ولا يمكن لأية قوة أن تعيد له الحياة. ومع تزايد الانحراف السياسي للحزب تفاقم الفساد في بيروقراطية لا تخضع لأية مراقبة. ودخلت كلمة “سوفبور” أي برجوازي سوفياتي في أحاديث العمال للدلالة على امتيازات الموظفين الكبار. ووجدت التطلعات البرجوازية في ظل السياسة الاقتصادية الجديدة مجالا أفضل. لقد حذر لينين أعضاء المؤتمر الحادي عشر للحزب في آذار / مارس 1923 من فساد الأوساط الحاكمة. ويعرف التاريخ أمثلة عديدة تبنـَّى المنتصر فيها حضارة المهزوم، عندما تكون هذه الحضارة أسمى من حضارته. إن ثقافة البرجوازية والبيروقراطية الروسيتين كانت تافهة بلا ريب، ولكن ثقافة الشرائع الحاكمة الجديدة لا تزال دونها مستوى. “إن 4600 شيوعي مسؤول يديرون جهاز الحكومة في موسكو، فمن هو الراعي، ومن هي الراعية ؟ إنني أشك في أن الشيوعيين هم الحكام الحقيقيون…” ، ولم تتح الفرصة للينين كي يتكلم بعد ذلك في مؤتمر الحزب، ولكن كل أفكاره خلال الأشهر الأخيرة من حياته كانت منصبة على ضرورة حماية وتسليح العمال ضد الضغط والاعتباط والفساد البيروقراطي، مع أنه لم يقيض له أن يلاحظ سوى بعض معالم الخطر الأولى.
حينما وجد كريستيان راكوفسكي نفسه في المنفى، بعد أن كان رئيس لجنة مفوضي الشعب الأوكراني، ثم سفير السوفيات في لندن وباريس، أرسل عام 1928 إلى أحد أصدقائه دراسة قصيرة عن البيروقراطية استعرنا منها بعض الأسطر أعلاه، لأنها أحسن ما كتب إلى الآن بهذا الصدد. كتب راكوفسكي: “كان هدف زعامة الحزب، برأي لينين وبرأينا جميعا، صيانة الحزب والطبقة العاملة من التأثير السيئ الذي تحمله الامتيازات والمكاسب والحظوات التي تتمتع بها السلطة، وحمايتهما من الاقتراب من بقايا طبقة النبلاء القديمة، والبرجوازية الصغيرة البائدة، وتأثير السياسة الاقتصادية الجديدة الضار، وإغراءات العادات البرجوازية وإيديولوجيتها. يجب أن نجهر بكل صراحة ووضوح أن مكاتب الحزب لم تستطع تنفيذ هذه المهمة، وأنها أثبتت عجزها التام عن القيام بدورها المضاعف في الحماية والتثقيف. وهكذا أعلنت إفلاسها وخانت مهمتها وواجبها…”.
صحيح أن راكوفسكي أنكر انتقاداته بعد ذلك تحت تأثير القمع البيروقراطي. مثلما اضطر غاليليه وهو في السبعين من عمره إلى إنكار كروية الأرض تحت ضغط محاكم التفتيش المقدسة دون أن يمنع ذلك الأرض من الدوران. نحن لا نؤمن بإنكار راكوفسكي لما كتبه وهو في الستين من عمره، خاصة وأنه كان يهاجم بلا هوادة عمليات النكران المشابهة. ولكن انتقاده السياسي وجد في الوقائع العملية قاعدة أصلب من صلابة كاتبه الذاتية.
إن عملية الاستيلاء على السلطة لا تغير موقف البروليتاريا تجاه الطبقات الأخرى فقط، ولكنها تغير كذلك في الوقت نفسه تركيب البروليتاريا الداخلي وتصبح ممارسة السلطة مقصورة على مجموعة اجتماعية معينة تحاول دائبة حل “قضيتها” الاجتماعية الخاصة بها، بمقدار ما ترى جسامة مهمتها. لقد كتب راكوفسكي: “إن نظرنا إلى الدولة العمالية التي لا يُسمح فيها لأعضاء الحزب الحاكم بالقيام بتراكم رأسمالي وجدنا أن التمايز يكون في بادئ الأمر وظيفيا ثم يصبح اجتماعيا، وأنا لا أقول تمايزا طبقيا بل اجتماعيا”. ويشرح راكوفسكي فكرته: “إن الحالة الاجتماعية للشيوعي الذي يملك سيارة ومنزلا جميلا ويتمتع بعطلات منتظمة ويتلقى أعلى مرتب يحدده الحزب تختلف عن حالة الشيوعي الذي يعمل في المناجم ويكسب حوالي 50–60 روبلا في الشهر”.
وفيما يحدد أسباب انحطاط اليعاقبة بعد الاستيلاء على السلطة بالثراء وتموينات الدولة… الخ، يذكر ملاحظة طريفة لبابوف عن الدور الذي تلعبه في هذا المجال نساء الطبقة الارستقراطية اللواتي كن يثرن الكثير من اهتمام اليعاقبة ويهتف بابوف متعجبا: “ماذا تفعلون أيها العاميُّون الجبناء ؟ إنهن يقبلنكم اليوم وسيذبحنكم غدا”. وتعطي إحصائيات زوجات المسؤولين في الاتحاد السوفياتي صورة مشابهة. ولقد حدد الصحفي السوفياتي المشهور سوسنوفسكي دور “السيارة–الحريم” في تشكيل البيروقراطية. صحيح أن سوسنوفسكي قد أعلن ندمه وعاد من سيبيريا، إلا أن عادات البيروقراطية لم تتبدل بل على العكس، يدل اعتذار سوسنوفسكي على مدى التقدم الذي أحرزه الانهيار الأخلاقي. وتحوي مقالات سوسنوفسكي القديمة التي كانت تنتقل في الماضي من شخص إلى آخر على شكل وريقات منسوخة بخط اليد، على فقرات حية من حياة الحكام الجدد تدل على أية درجة تشرّب المنتصرون عادات المهزومين. وحتى لا نعود إلى السنوات القديمة – ما دام سوسنوفسكي قد استبدل سوطه نهائيا بقيثارة عام 1934 – لنكتف الآن بأمثلة قريبة مأخوذة من الصحافة السوفياتية، ولنختر الأشياء العادية المعروفة رسميا من قبل الرأي العام، متغاضين عن “التجاوزات” المثيرة.
يتباهى مدير شيوعي معروف في مصنع من مصانع موسكو على صفحات البرافدا بالتطور الثقافي في مصنعه فيقول: “لقد اتصل بي عامل الهاتف سائلا: “هل تسمحون لي بإيقاف الفرن أم أن عليّ أن أنتظر” فرددت عليه: “انتظر لحظة…”. إن عامل الهاتف يخاطبه بصيغة الجمع بكل احترام وهو يرد عليه بصيغة المفرد، هذا الحوار المخجل والمستحيل في بلد رأسمالي متمدن، ينقله المدير بلا غضاضة كأنه حديث عادي ! فلا تعترض هيئة التحرير ولا يحتج القراء، فقد اعتادوا على ذلك. ولا نعجبن نحن ففي جلسات الكرملين الرسمية يخاطب مفوضو الشعب و”الرؤساء” بصيغة المفرد مرؤوسيهم من مدراء مصانع ورؤساء كولخوزات ومراقبين وعمال مدعوين لاستلام الأوسمة. علما بأن أحد الشعارات الثورية الأكثر شعبية في النظام القديم كان يتطلب إلغاء مخاطبة الرؤساء للمرؤوسين بصيغة المفرد 11.
وتثبت أحاديث المسؤولين في الكرملين المتعالية مع “الشعب” أنه رغم ثورة أوكتوبر وتأميم وسائل الإنتاج، والتجميع، وتصفية الكولاك كطبقة، فإن العلاقات بين الناس في قمة الهرم السوفياتي بعيدة عن الارتفاع إلى مستوى الاشتراكية، ولم تصل في كثير من النواحي إلى مستوى الرأسمالية المتمدنة. لقد مشى الكثيرون خطوة كبيرة إلى الوراء في هذا الحقل الهام خلال السنوات الأخيرة، ولا شك أن سبب العودة إلى البربرية الروسية القديمة يقع على التيرميدور السوفياتي الذي أعطى البيروقراطية محدودة الثقافة حرية كاملة، معفية من الرقابة، وأمر الجماهير بالصمت والطاعة.
نحن لا نفكر بمقارنة مفهومي الديكتاتورية والديمقراطية لنزن صفاتهما المتقابلة بموازين العقل الصرف، فكل شيء نسبي في هذا العالم الذي لا دائم فيه سوى التبدل: لقد كانت ديكتاتورية الحزب البلشفي أقوى دوافع التقدم في التاريخ. ولكننا نذكر هنا قول الشاعر: يصبح العقل جنونا، والمعروف كدرا. لقد أدى إلغاء الأحزاب المعارضة إلى إلغاء الأجنحة في الحزب، وأدى إلغاء الأجنحة إلى تعطيل التفكير إلا بالشكل الذي يريده الرئيس المعصوم من الخطأ. وأدت وحدة الحزب البوليسية إلى الحصانة البيروقراطية التي غدت بدورها سبب كل أشكال الانحلال والفساد.
الأسباب الاجتماعية للتيرميدور
لقد عرّفنا التيرميدور السوفياتي كانتصار للبيروقراطية على الجماهير وحاولنا أن نبين الظروف التاريخية لهذا النصر. لا شك أن قسما من الطليعة الثورية العمالية ذاب في أجهزة الدولة وفقد اندفاعه شيئا فشيئا، وتدمر القسم الثاني في الحرب الأهلية، ثم جاءت عمليات التطهير لتزيل القسم الثالث. أما الجماهير التي إصابتها خيبة الأمل فكانت تنظر إلى ما يجري في الأوساط الحاكمة بلامبالاة. ولكل هذه الأسباب على أهميتها لا تكفي لأن تشرح لنا كيف نجحت البيروقراطية في الارتفاع فوق المجتمع وأمسكت بيدها مصيره لمدة طويلة: إن إرادتها وحدها غير كافية ولا بد أن هنالك أسبابا اجتماعية أعمق أدت إلى تشكيل شريحة حاكمة جديدة.
والواقع أن تعب الجماهير وتحلل الكادرات في القرن الثامن عشر أديا إلى انتصار التيرميدوريين على اليعاقبة، إلا أن سيرورة عضوية وتاريخية أعمق كانت في ظل هذه الظاهرات، الثانوية في الواقع. ودلت الدراسة التحليلية التاريخية العميقة لهذا الموضوع بعد ذلك أن قاعدة اليعاقبة كانت مستندة إلى الشرائح السفلى من البرجوازية الصغرى المندفعة مع الموجة الجارفة. فكان من الطبيعي أن تؤدي ثورة القرن الثامن عشر المتجاوبة مع تطور قوى الإنتاج إلى دفع البرجوازية الكبيرة إلى السلطة. ولم تكن حركة التيرميدوريين سوى حلقة من هذا التطور الحتمي. فأية ضرورة اجتماعية تختفي إذن خلف التيرميدور السوفياتي ؟
لقد حاولنا في فصل سابق إعطاء تفسير تمهيدي للأسباب التي أدت إلى انتصار الدرك. فلنتابع هنا تحليل شروط التحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية، والدور الذي تلعبه الدولة في هذا التحول. ولنقارن مرة أخرى التوقع النظري مع الحقيقة. كتب لينين في عام 1917 متحدثا عن المرحلة التي تتبع الاستيلاء على السلطة: “إن من الضروري حتى الآن الضغط على البرجوازية، ولكن جهاز الضغط هو غالبية الشعب لا أقليته كما كانت الحالة حتى الآن… بهذا المعنى، تبدأ الدولة بالزوال” فكيف يتم زوالها ؟ إنه يتم قبل كل شيء باستبدال “الجهاز الخاص الذي تملكه الأقلية ذات الامتيازات” (موظفون ذوو امتيازات، قيادة الجيش الدائم) بأغلبية قادرة على “القيام” بنفسها بوظائف الضغط. ثم كتب لينين بعد ذلك نظرية لا تقبل النقد لبداهتها: “كلما أصبحت وظائف السلطة وظائف للشعب كله كلما تضاءلت ضرورة هذه السلطة”. إن إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج يلغي المهمة الأساسية للدولة التي شكـّلها التاريخ، وهي الدفاع عن امتيازات الملكية في يد الأقلية ضد الأغلبية العظمى.
ويبدأ زوال الدولة حسب رأي لينين غداة نزع ملكية نازعي الملكية، أي قبل أن يبدأ النظام الجديد وظائفه الاقتصادية والثقافية. وكل نجاح في تنفيذ هذه المهمات يعني مرحلة جديدة من ذوبان الدولة في المجتمع الاشتراكي. وهنا يمكن صياغة النظرية الاجتماعية التالية: يتناسب إكراه الجماهير في الدولة العمالية طردا مع حجم القوى التي تحاول الاستغلال أو العودة إلى الرأسمالية، كما يتناسب عكسا مع التضامن الاجتماعي والإخلاص المشترك للنظام الجديد. أما البيروقراطية، أي “الموظفون ذوو الامتيازات وقيادة الجيش الدائم”، فإنها تقوم بنوع من الإكراه لا تستطيع الجماهير ممارسته أو لا تريد ذلك، وهو يمارس بصورة أو بأخرى رغما عنها، وضدها.
فلو استطاعت السوفياتات الديمقراطية أن تحافظ حتى اليوم على قوتها واستقلالها في الوقت الذي تستمر فيه مجبرة على اللجوء إلى الإكراه بالنسبة ذاتها التي كانت واردة في السنوات الأولى، لأقلقنا ذلك جديا. فكم يجب أن يكون قلقنا الآن بعد أن تركت السوفياتات المسرح نهائيا وسلمت وظائفها الإكراهية لستالين وياجودا12 وشركائهما ! وأية وظائف إكراهية هي هذه ! لنتساءل الآن وقبل أن نبدأ عن السبب الاجتماعي الكامن وراء حيوية الدولة العنيدة هذه و”إضفاء الطابع البوليسي” عليها. فلهذا السؤال أهمية كبرى لأن الإجابة عليه ستدفعنا إما إلى تبديل أفكارنا التقليدية حول المجتمع الاشتراكي أو إلى نبذ كافة التقديرات الرسمية حول الاتحاد السوفياتي. لنقرأ في عدد حديث لصحيفة من صحف موسكو الصفة المحددة للنظام السوفياتي الحالي، تلك الصفة التي يرددها الجميع يوما بعد يوم ويحفظها التلاميذ عن ظهر قلب: “إن طبقات الرأسماليين والملاك الفلاحين الأغنياء الطفيلية قد انتهت إلى الأبد في الاتحاد السوفياتي، وانتهى معها إلى الأبد استغلال الإنسان للإنسان، وأصبح الاقتصاد الوطني بمجموعه اشتراكيا. وتقوم حركة استاخانوف المتعاظمة بتحضير الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية” ( البرافدا 4 نيسان / أبريل 1936). وتردد الصحافة العالمية للأممية الشيوعية القول نفسه. ولكن مادام الاستغلال قد انتهى “إلى الأبد” وما دمت البلاد سائرة فعلا على طريق الشيوعية أي المرحلة العليا، فإنه لا يبقى على المجتمع إلا أن يتخلص من وثاق الدولة الثقيل. ولكننا نرى بدلا من ذلك تناقضا غريبا مؤداه أن الدولة السوفياتية تأخذ شكلا بيروقراطيا وكليانيا.
ويمكننا أن نلاحظ التناقض نفسه عند دراسة مصير الحزب. وتتلخص المسالة تقريبا كما يلي: لماذا كنا نستطيع بين عامي 1917 – 1921 أن نناقش داخل الحزب أخطر المواضيع السياسية دونما خوف، رغم أن الطبقات الحاكمة القديمة كانت ما تزال تقاوم بقوة السلاح بدعم من الامبرياليين في العالم أجمع، ورغم وجود كولاك مسلحين يخربون دفاع وتموين البلاد. فلماذا لا يمكن الآن بعد انتهاء التدخل المسلح، وهزيمة الطبقات المستغلة، ونجاح التصنيع والقيام بالتجميع على صعيد أغلبية الفلاحين العظمى، قبول أصغر نقد موجه للمسؤولين الذين لا يمكن زحزحتهم ؟ ولماذا يبعد كل بلشفي يطالب حسب قواعد الحزب بعقد المؤتمر ؟ إن كل مواطن يعبـِّر بصوت مسموع عن شكوكه بعصمة ستالين من الخطأ يعامل كأنه إرهابي متآمر. فمن أين تولدت هذه القوة المخيفة البشعة التي يتخذها القمع والجهاز البوليسي ؟
ليست النظرية سندا ماليا يمكن دفعه في كل لحظة، إنها شيء قبل للتبدل، فإذا ما ظهر خطؤها وجبت مراجعتها وسد ثغراتها. فلنكشف الآن القوى الاجتماعية الحقيقة التي سببت ظهور التناقض بين الواقع السوفياتي والماركسية المألوفة. فلا يمكن على كل حال السير في الظلام مع ترديد الجمل الطقسية التي قد تنفع في زيادة هيبة الرؤساء ولكنها تصفع الحقيقة الحية. ولنر ذلك فورا بفضل مثل مقنع. أعلن رئيس مجلس مفوضي الشعب في كانون الثاني / يناير 1936 أمام اللجنة التنفيذية: “إن الاقتصاد الوطني غدا اشتراكيا (تصفيق). وفي هذا الصدد حللنا مسالة تصفية الطبقات (تصفيق)”. إن الماضي يثقلنا حتى الآن “بعناصر معادية حقا”، وهي بقايا الطبقات المسيطرة سابقا. ويمكن أن نجد بين عمال الكولخوزات وموظفي الدولة، وأحيانا بين العمال “متلاعبين صغارا” و”مبددين لأموال الدولة والكولخوزات”، و”مروجي شائعات ضد السوفيات”.. الخ. من هنا تأتي ضرورة تصليب الديكتاتورية. لقد كان المجلس يتطلع إلى اليوم الذي “ستغفو” فيه الدولة، إلا أن عليها اليوم أن تزداد صحوا. إن تصريحات رئيس الدولة السوفياتية مطمئنة تماما لولا أنها تحمل في طياتها تناقضا واضحا. إنه يقول أن الاشتراكية قد انتصرت نهائيا في البلاد، وتم “في هذا الصدد” إلغاء الطبقات، (ومادامت الطبقات ملغاة في هذا الصدد فيه ملغاة في كل صدد). لا شك أن الانسجام الاجتماعي مضطرب هنا وهناك بفضل بقايا الماضي الكامنة تحت الرماد، ولكننا لا نصدّق أن أشخاصا مبعثرين محرومين من السلطة والملكية يحلمون بعودة الرأسمالية، يستطيعون مع “المتلاعبين الصغار” تقويض مجتمع بلا طبقات. إن كل شيء يبدو على أحسن صورة فلماذا إذن هذه الديكتاتورية البيروقراطية الحديدية ؟
إننا نعتقد أن الحالمين الرجعيين يختفون شيئا فشيئا، والسوفياتات الديمقراطية قادرة على ضرب “المتلاعبين الصغار” و”مروجي الشائعات”. لقد رد لينين في 1917 على المنظرين البرجوازيين والإصلاحيين للدولة البيروقراطية قائلا: “نحن لسنا بطوباويين. إننا لا ننكر وجود تجاوزات يرتكبها بعض الأفراد، كما لا ننكر ضرورة قمع هذه التجاوزات. ولكن الأمر لا يتطلب جهاز قمع خاص. فالشعب المسلح يكفي وحده، كما تكفي الجماهير المتمدنة للفصل بين المتشاجرين أو لحماية امرأة من الشتائم”. وتبدو هذه الكلمات وكأنها جاءت لدحض اعتبارات أحد خلفاء لينين في قيادة الدولة. ويدرّس لينين في مدارس الاتحاد السوفياتي ولكنه لا يدرَّس كما يبدو في مجلس مفوضي الشعب. لأنه لو تم ذلك لما استخدم مولوتوف دون تفكير حججا حاربها لينين سابقا، وهذا تناقض واضح بين المؤسس والخلفاء ! في حين لينين يعتقد بإمكانية تصفية طبقات المستغلين دون الحاجة إلى جهاز بيروقراطي، لا يجد مولوتوف من مبرر بعد تصفية الطبقات، لخنق كل مبادرة شعبية في طريق الآلة البيروقراطية، إلا التعلل بوجود بقايا الطبقات التي تم تصفيتها !
ولكن من الصعب أخذ هذه “البقايا” حجة طويلة الأمد، لأن تصريحات ممثلي البيروقراطية المسؤولين تؤكد ذوبان الأعداء الطبقيين القدماء بنجاح داخل المجتمع السوفياتي. لقد قال بوستيشيف، أحد أمناء سر اللجنة المركزية، في نيسان / أبريل 1936 في مؤتمر الشبيبة الشيوعية: “إن عددا من المخربين قد تابوا صادقين… وعادوا إلى صفوف الشعب السوفياتي…” وبما أن التجميع قد نجح “فلا يجب أن يتحمل أولاد الكولاك وزر آباءهم”، وليس هذا كل شيء، “فالكولاك أنفسهم لم يعودوا يؤمنون بإمكانية قيامهم باستغلال القرية من جديد”. وليس بلا سبب أن تكون بدأت الحكومة بإلغاء القيود القانونية الناجمة عن الأسباب الاجتماعية ! ولكن إذا كانت تأكيدات بوستيشيف، التي أيدها مولوتوف تعني شيئا، فهي تعني أن البيروقراطية غدت مفارقة تاريخية شوهاء، ولم يعد لإكراه الدولة أي مبرر على الأرض السوفياتية. إلا أن مولوتوف وبوستيشيف لا يقبلان مع ذلك بهذا الاستنتاج المنطقي، بل يفضلان الاحتفاظ بالسلطة حتى ولو أدى ذلك إلى تناقض مع نفسيهما.
والحقيقة أن إلغاء الدولة حاليا غير ممكن، أي أن المجتمع السوفياتي الحالي لا يستطيع أن يتخلى عن الدولة، وإلى حد ما عن البيروقراطية. وليس ذلك ناجما عن بقايا الماضي التافهة بل عن التطلعات القوية الحالية. إن تبرير وجود الدولة السوفياتية، التي تشكل جهاز إكراه، يكمن في واقع أن المرحلة الانتقالية الحالية لا تزال مليئة بتناقضات اجتماعية خطيرة في مجال الاستهلاك تهدد بالظهور كل حين في حقل الإنتاج. وهكذا يتعذر علينا أن نقول أن انتصار الاشتراكية نهائي أو أكيد. وتعتمد السلطة البيروقراطية على قلة المواد الاستهلاكية والصراع ضد الجميع الناجم عن ذلك. حين توجد كمية كافية من البضائع في المخازن يمكن للمشترين أن يأتوا كل وقت للشراء، أما عندما يكون عدد البضائع قليلا فإنهم يضطرون للوقوف في رتل الانتظار الطويل. وما إن يصبح الرتل طويلا حتى يغدو وجود الشرطي ضروريا للمحافظة على النظام. هذه هي نقطة انطلاقة البيروقراطية السوفياتية. إنها “تعرف” لمن تعطي وعمن تمنع.
ينبغي لتحسين الوضع المادي والثقافي أن يخفف للوهلة الأولى من ضرورة الامتيازات، ويضيق مجال “الحق البرجوازي”، ويسحب البساط بالتالي من تحت إقدام البيروقراطية، حامية تلك الحقوق. إلا أن ما تم حتى الآن كان عكس ذلك. لأن تزايد القوة الإنتاجية يترافق حتى الآن مع التضخم الحاد لكل أشكال اللامساواة والامتيازات البيروقراطية. وليس هذا، هو الآخر، من غير سبب. لقد كان النظام السوفياتي في مرحلته الأولى يتصف أكثر بكثير بالمساواة ويشكو من البيروقراطية أقل بكثير مما هي الحال اليوم. ولكن مساواته كانت مساواة في البؤس العام، حيث كانت موارد البلاد قليلة إلى درجة لا تسمح بفصل الجماهير عن الأوساط ذات الامتيازات، مهما تكن ضئيلة. وأصبحت فكرة الرواتب “المتساوية” التي تلغي الحوافز الفردية حاجزا أمام تطور قوى الإنتاج. وكان على الاقتصاد السوفياتي أن يخرج قليلا عن فقره حتى يصبح تكديس تلك المواد الدسمة التي تدعى الامتيازات ممكنا. إن حالة الإنتاج الحاضرة عاجزة إلى الآن عن تأمين الضروريات للجميع، ولكنها تسمح الآن بإعطاء امتيازات كبيرة للأقلية وبجعل عدم المساواة مهمازا للأكثرية. هذا هو السبب الأول الذي من أجله دعَّم تزايد الإنتاج الملامح البرجوازية، لا الاشتراكية، للدولة.
وليس هذا السبب الوحيد، فإلى جانب العامل الاقتصادي، الذي يتطلب في المرحلة الحاضرة العودة إلى الأساليب الرأسمالية في أجور العمل، هنالك العامل السياسي الذي تجسده البيروقراطية نفسها، لأن البيروقراطية تخلق الامتيازات بطبيعتها وتدافع عنها. إنها تظهر في البداية كالجهاز البرجوازي للطبقة العاملة. في حين ترتب امتيازات الأقلية وتدافع عنها، تقتطع بالطبع الأفضل من الحصص، حيث لا يمكن لموزع المكاسب أن ينسى نفسه. وهكذا يخلق من حاجة المجتمع عضو يتجاوز بكثير وظيفته الاجتماعية الضرورية، فيصبح عاملا مستقلا، وفي الوقت ذاته مصدرا لأخطار كبيرة على كل التنظيم الاجتماعي.
وهكذا يبدو لنا التيرميدور السوفياتي بوضوح. إن الفقر والجهل لدى الجماهير يتجسد يتجسدان من جديد ويتخذان الأشكال المهدِّدة لرئيس مسلح بعصى قوية. أما البيروقراطية التي كانت مبتذلة في الماضي فقد انقلبت من خادمة المجتمع إلى سيدته، وابتعدت اجتماعيا ونفسيا عن الجماهير لدرجة لا تستطيع معها قبول أية مراقبة على أعمالها ومداخيلها.
إن خوف البيروقراطية الصوفي في بادئ الأمر من “المضاربين الصغار وضعاف الذمة، ومروجي الإشاعات” يجد هنا تفسيره الطبيعي. إن الاقتصاد السوفياتي الذي ما يزال عاجزا عن إرضاء المتطلبات الأساسية للجماهير يولـِّد في كل حين ميولا إلى المضاربة والغش. كما أن امتيازات الارستقراطية الجديدة تدفع الجماهير إلى الإصغاء لكل “الإشاعات المضادة للسوفياتات” والموجهة إلى السلطات الاعتباطية والجشعة. فليس الأمر إذن أمر أشباح من الماضي، وبقايا لم يعد لها وجود وهو لا يتعلق بثلج العام الماضي، بل بميول جديدة وجادة، ومتجددة باستمرار، إلى مراكمة الثروات الفردية. إن أول دفق من الرخاء، مهما يكن متواضعا، قوّى هذه الميول النابذة centrifuges بدل أن يضعفها. ووجد غير المتميزين أنفسهم وقد تنامت لديهم الرغبة الصامتة في دفع شجع الأعيان الجدد إلى الاعتدال. وغدا الصراع الاجتماعي خطيرا من جديد. هذه هي مصادر قدرة البيروقراطية، وهي في الوقت نفسه منبع الأخطار التي تهدد هذه القدرة.
الفصل السادس: تنامي اللامساواة والتضادات الاجتماعية
فاقة – بذخ – مضاربات
بعد البدء “بالتوزيع الاشتراكي” وجدت سلطة السوفيات نفسها في عام 1921 مضطرة لإعادة السوق. إن النقص الكبير في الموارد خلال الخطة الخمسية الأولى أدى من جديد إلى التوزيع بواسطة الدولة أو العودة إلى تجربة “شيوعية الحرب” على نطاق أوسع. ثم تبين أن هذه القاعدة غير كافية أيضا. وفي عام 1935 ترك نظام التوزيع المخطط مكانه من جديد للتجارة. ولقد ظهر مرتين أن الطرق الحيوية لتوزيع المنتجات تتوقف على مستوى التقنية والموارد المادية أكثر مما على أشكال الملكية.
إن زيادة مردود العمل الناتجة بالأخص عن استخدام الأجر بالقطعة تسمح بزيادة كمية البضائع وتؤدي إلى انخفاض الأسعار، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة رفاهية الجماهير. وليس هذا أكثر من وجه للمشكلة أمكنت ملاحظته في النظام القديم خلال الازدهار الاقتصادي. ينبغي النظر إلى الظواهر والسيرورات الاجتماعية انطلاقا من علاقاتها بعضها بالبعض الآخر والتداخل في ما بينها. إن زيادة مردود العمل الناتجة خصوصا عن حركة البضائع تعني أيضا زيادة عدم المساواة، ويتجاوز ازدياد رفاهية الطبقات الحاكمة ازدياد رفاهية الجماهير بشكل واضح. وفيما تثري الدولة يبدأ المجتمع بالتمايز.
ويقسم المجتمع السوفياتي منذ الآن، من حيث ظروف حياته اليومية، إلى أقلية متميزة آمنة على غدها وأغلبية تعيش في الفاقة، ويسبب هذا الوضع تباينا واضحا بين القطبين المتعارضين. إن المنتجات المخصصة لاستهلاك الجماهير غالية السعر سيئة النوع، وكلما ابتعدنا عن المركز غدا من الصعب إيجادها. وفي مثل هذه الظروف تصبح السرقة والمضاربات وباء كان في الماضي مكملا للتوزيع المخطط فأصبح اليوم مصححا للتجارة السوفياتية.
ويكتب “أصدقاء” الاتحاد السوفياتي رأيهم عادة وعيونهم مغمضة وأذانهم مسدودة، لذا يصعب الاعتماد عليهم. أما الأعداء فيروجون إشاعات أحيانا. فلنسال البيروقراطية نفسها. إنها ليست عدوة نفسها لذا فان الاتهامات التي توجهها لنفسها وتعللها دائما بحاجات ملحة وعملية تستحق التصديق أكثر من تبجحاتها المعهودة الجوفاء. نحن نعرف أنه قد تم تجاوز المخطط الصناعي لعام 1935. ولكن مخطط بناء المساكن لم ينفذ إلا بمعدل 55,7 بالمئة. إن بناء المساكن العمالية هو الأكثر بطئا، والأكثر رداءة وإهمالا. ويعيش فلاحوا الكولخوزات في الأكواخ كما في الماضي مع أبقارهم وحشراتهم. بينما يشتكي الأعيان السوفياتيون المحترمون من فقدان “غرف الخدم” في المساكن المبنية لهم.
ويعبر كل نظام عن نفسه بآثاره وفن مبانيه، ويتصف العصر السوفياتي الحاضر ببناء القصور ومساكن السوفياتات المنتشرة بأعداد كبيرة والتي تشكل معابد حقيقة للبيروقراطية (مكلفة أحيانا عشرات الملايين) ، ومسارح مبنية بتكاليف باهظة، ومساكن للجيش الأحمر هي أشبه بنواد معدة غالبا للضباط، ومترو أنيق لمن يستطع الدفع، بينما يعاني بناء المساكن العمالية من التأخر بصورة مريعة، وباستمرار، حتى ولو كانت من نوع الثكنات.
هنالك انجازات على صعيد السكك الحديدية. ولكن المواطن السوفياتي البسيط لم يستفد من ذلك كثيرا. وتدل تقارير الكثير من المسؤولين على “قذارة العربات والمحلات المفتوحة للعموم” و”النقص الشنيع في خدمة المسافرين” و”عمليات السرقة والاحتيال في بيع تذاكر السفر وإخفاء الأمكنة الخالية لبيعها في السوق السوداء، والبقشيش، وسرقة الأمتعة أثناء الطريق”. إن هذه الأمور “إهانة للنقل الاشتراكي” ! ويعتبرها النقل الرأسمالي جرائم ضد الحق العام. وتثبت شكايات المديرين بما لا يقبل الشك أن نقص وسائل المواصلات للشعب والنقص المدقع في الوسائط المعطاة للنقل، وانعزال مدراء السكك الحديدية ككل المدراء عن المواطن العادي. أما البيروقراطية فتعرف كيف تؤمِّن لنفسها الخدمة في البر والبحر والجو. والدليل على ذلك عدد عربات الصالون والقطارات الخاصة والمراكب الموضوعة تحت تصرفها والتي يتم استبدالها باستمرار بسيارات وطائرات أكثر راحة.
ولقد تكلم جدانوف ممثل اللجنة المركزية في ليننغراد على نجاح الصناعة السوفياتية فصفق له المستمعون منتفعون مباشرة لدى وعده إياهم بأنه “لن يحضر أعضاؤنا الفعالون إلى الجمعيات في العام القادم في سيارات الفورد المتواضعة بل بسيارات ليموزين”. وهكذا نلاحظ أنه بقدر ما تتجه التقنية السوفياتية نحو الإنسان فإنها تحاول قبل كل شيء تلبية الرغبات المتزايدة للأقلية ذات الامتيازات . وحافلات الترام إن وجدت فهي مزدحمة كما كانت في الماضي ! !
لقد تباهى ميكويان، مفوض الشعب للصناعة الغذائية، قائلا: إن السكاكر سيئة النوع تزول يوما يعد يوم ويحل مكانها أنواع أفضل. وإن “نساءنا” تتطلب عطورا أفضل. وهذا يعني حصرا أن العودة إلى السوق جعلت الصناعة تتلاءم مع مستهلكين أفضل. هذا هو قانون السوق حيث يبرز تأثير نساء الشخصيات الكبيرة التي تحتل المراكز العالية. ولكننا نعرف في الوقت ذاته أنه في عام 1935 كانت السكاكر مفقودة في 68 تعاونية من أصل 95 تعاونية في أوكرانيا. ولا تتم تلبية الطلب من الحلويات إلا بنسبة 15 بالمئة وبأنواع سيئة جدا. وتشتكي الازفستيا من “أن المصانع لا تأخذ مطالب المستهلكين بعين الاعتبار” عندما يكون الأمر متعلقا طبعا بمستهلك يعرف كيف يدافع عن نفسه.
ويطرح الأكاديمي باخ الموضوع من ناحية الكيمياء العضوية فيقول: “إن خبزنا من نوعية سيئة أحيانا”. والعمال والعاملات الذين لا يعرفون سر التخمر هم من رأيه أيضا، ولكنهم عاجزون عن إعطاء رأيهم كالأكاديمي المحترم إلى الصحف.
ويروّج اتحاد صناعة الملابس الجاهزة في موسكو دعاية لملابس مصنوعة من أقمشة حريرية مصممة في بيت الأزياء. بينما يقف العمال في المحافظات، لا بل المراكز الصناعية الكبرى أرتالا طويلة للحصول على قميص قطني رخيص، لأن هنالك نقصا كما كان في الماضي. ويدل التاريخ على أن تأمين الضروريات لأكبر عدد من الناس أصعب بكثير من تامين الكماليات للقلة منهم.
ويعدد ميكويان منجزاته مستدركا “إن صناعة المارغرين حديثة”. صحيح أنه لم يكن في النظام القديم مارغرين، ولكن لا نستنتج من ذلك أن الوضع تفاقم: فالزبدة لم يكن يراها الشعب آنذاك أكثر مما يراها اليوم، إلا أن ظهور مادة بديلة يعني على كل حال وجود طبقتين من المستهلكين في الاتحاد السوفياتي: تفضل إحداهما الزبدة بينما تحاول الثانية الاكتفاء بالمارغرين. ويعلن ميكويان ” نحن نلبي طلب الدخان الثقيل ماخوركا”، ناسيا أن يضيف أنه لا أوروبا ولا أمريكا تستخدمان دخانا بهذه النوعية السيئة.
إن أكثر مظاهر اللامساواة وضوحا – إن لم نقل إثارة – فتح مخازن في موسكو وفي مدن أخرى مهمة تبيع بضائع ممتازة وتحمل اسما أجنبيا معبرا جدا “لوكس” (ليوكس) ، بينما تدل الشكاوي الدائمة من السرقات في مخازن البقالة في موسكو والمحافظات على أن ليس هنالك منتجات كافية إلا للأقلية، وأن الجميع يودون مع ذلك الحصول على الغذاء…
إن العاملة التي لديها طفل مرتبطة بالنظام الاجتماعي، ومقياس “الاستهلاك” لديها – كما يقول بازدراء كبار الشخصيات، الحريصون جدا على استهلاكهم الخاص بهم – هو الذي يقرر في نهاية المطاف. وفي الصراع بين البيروقراطية والعاملة، نضع أنفسنا مع ماركس ولينين إلى جانب العاملة ضد البيروقراطي الذي يبالغ في النتائج المستحصل عليها ويخفي التعارضات ويكتم مشاعر العاملة.
وإذا سلمنا أن المارغرين والتبغ الثقيل ضروريان اليوم بشكل قاهر، فلا يجب في هذه الحالة أن نمتدح أنفسنا ونزخرف الحقيقة. إن سيارات ليموزين “للفعالين” وعطورا ممتازة “لنسائنا” ومارغرين للعمال، ومخازن دولوكس للمحظوظين، وصورة أطعمة شهية معروضة في الواجهات للشعب، هذه الاشتراكية لا يمكن أن تمثل في أعين الجماهير سوى رأسمالية مقلوبة. وليس هذا مبالغة، فعلى ارض “البؤس المشرَّك” يهدد الصراع من أجل الضروريات بعودة “كل الركام القديم” وهو يعيد له الحياة جزئيا مع كل خطوة.
وتختلف السوق الحالية عن سوق السياسة الاقتصادية الجديدة في 1921 – 1928 من حيث عليها أن تتطور دون وسيط ودون تجارة خاصة، واضعة منظمات الدولة والتعاونيات والكولخوزات والمواطن وجها لوجه. ولكن هذا من ناحية المبدأ فقط. إن الزيادة السريعة لتجارة المفرَّق (دولة وتعاونيات) ستصل بها إلى 100 مليار روبل في عام 1936، وتجارة الكولخوزات التي تبلغ 16 مليارا في 1935 ستزيد كثيرا هذه السنة. ويصعب علينا أن نقول أي مكان يحتله الوسطاء غير القانونيين في هذا الرقم وإلى جانبه، ولكنه مكان لا بأس به على كل حال. كما الحال مع المزارعين، نلاحظ أن الكولخوزات وبعض أعضاء الكولخوزات ميالون إلى الاستعانة بالوسطاء. ويسير الحرفيون والتعاونيون والصناعات المحلية التي تتعامل مع الفلاحين على الطريق نفسها. ويتكشف فجأة بين آن وآخر أن تجارة اللحوم والزبدة والبيض في منطقة كبيرة قد سقطت في أيدي “تجار فاقدي الذمة”.
أما المواد الأكثر ضرورة كالملح وعيدان الكبريت والدقيق والبترول فتشح طوال أسابيع وأشهر في التعاونيات القروية التي تهيمن عليها البيروقراطية رغم توفرها بكميات كبيرة في مستودعات الدولة. ومن الواضح أن الفلاحين يحصلون عليها من مكان آخر. وتتكلم الصحافة السوفياتية على من يبيعون بالمفرَّق بصورة غير مشروعة كما لو كان الأمر عاديا.
إن الوجوه الأخرى للمبادرة والتراكم الفرديين تلعب بشكل واضح دورا أقل أهمية. إن الحوذيين الذين يملكون مركبة أجرة والحرفيين المستقلين، تماما كما المزارع المستقل، تعترضهم صعوبات جمة. وفي موسكو عدد كبير من دكاكين التصليح يملكها أفراد وتتعامى العيون عنها لأنها تسد ثغرات كبيرة. وهناك عدد أكبر بكثير ممن يعملون تحت اللافتات المزيفة لجمعيات وتعاونيات أو يتغطون بالكولخوزات. وتعمل مصلحة الأبحاث الجنائية كما لو كانت مهتمة بكشف الثغرات في جدار الاقتصاد فتوقف بين آونة وأخرى في موسكو نساء فقيرات جائعات يبعن قبعات أو قمصانا قطنية مصنوعة بأيديهن، بتهمة المضاربة.
لقد قال ستالين في خريف عام 1935: “إن قاعدة المضاربة قد تدمرت في بلادنا، وما وجود بعض التجار الغشاشين سوى نتيجة نقص اليقظة الطبقية لدى العمال وليبرالية بعض السلطات السوفياتية تجاه المضاربين”، وهذا هو التفكير البيروقراطي المثالي ! إذا كانت القاعدة الاقتصادية للمضاربات قد دمرت فليس هناك ضرورة لليقظة. ولو كانت الدولة مثلا قادرة على أن تقدم عددا كافيا من القبعات، أية حاجة تبقى حينذاك لتوقيف البائعات البائسات في الشوارع. وعلى كل حال فإن سجنهن غير ضروري، حتى في الوضع الحالي.
وليست أنواع المبادرة الفردية التي ذكرناها مخيفة في حد ذاتها سواء من ناحية الحجم أو الكمية. إننا لا نخاف أن يهاجم بعض سائقي العربات أو بائعات القبعات ومصلحي الساعات وبائعي البيض بالمفرّق سور ملكية الدولة المنيع ! إلا أن المسالة لا يمكن حلها بواسطة النسب الحسابية وحسب. إن ظهور عدد كبير ومتنوع من المضاربين والمتلاعبين على مختلف أشكالهم من أول تساهل إداري، على شكل بقع حمَّى فوق جسم مريض، يدل على الضغط الدائم للميول البرجوازية الصغيرة. إن درجة ضرر جرائم التلاعب هذه التي تلحق بالمستقبل الاشتراكي تحددها القدرة العامة على المقاومة المتوفرة لدى الجهاز الاقتصادي والسياسي في البلاد.
إن الحالة الفكرية والسلوك عند العمال وشغيلة الكولخوزات، أي عند 90 بالمائة تقريبا من السكان تحددهما قبل كل شيء تعديلات أجورهم الفعلية. إلا أنه ليس للعلاقة بين دخلهم ودخل الشرائح الاجتماعية الأكثر حصولا على امتيازات أهمية أدنى. ويظهر قانون النسبية مباشرة في حقل الاستهلاك ! إن التعبير عن العلاقات الاجتماعية جميعها بالحسابات المالية يكشف حصة مختلف الشرائح الاجتماعية من الدخل القومي. فإذا ما رضخنا للضرورة التاريخية للامساواة وبقائها أيضا وقتا طويلا نسبيا، فإن حدود هذه اللامساواة وفائدتها الاجتماعية في كل حالة ملموسة ما تزال مطروحة. وسينقلب الصراع على الحصص من الدخل القومي حتما إلى صراع سياسي. وهنا لنا سؤال: هل النظام الحالي اشتراكي أم لا ؟ إن سفسطات البيروقراطية عاجزة عن إعطاء الجواب الحاسم الذي لن يقدمه سوى موقف الجماهير، أي العمال وفلاحي الكولخوزات.
يجب أن تكون المعطيات المتعلقة بالأجر الحقيقي هدفا لدراسة دقيقة خاصة في دولة عمالية، كما يجب أن تكون إحصائيات الدخل المتعلقة بفئات السكان واضحة في متناول الجميع، ولكن هذا المجال الذي يهم مصالح العمال الحيوية يغطيه ضباب داكن. وتشكل ميزانية عائلة عمالية سوفياتية رقما غامضا أكثر غموضا منه في أي بلد رأسمالي. ونحن نحاول دون جدوى رسم منحني الأجور الحقيقية لكل درجات العمال خلال الخطة الخمسية الثانية نظرا لصمت الدولة والمسؤولين بهذا الصدد وعرضهم لأرقام موجزة بلا مدلول.
ولقد صرح نيكيدزه مفوض الشعب للصناعة الثقيلة أن المردود الشهري المتوسط للعامل قد زاد 3,2 مرات في 10 سنوات ما بين 1925– 1935 بينما زاد متوسط الأجر 4,5 مرات. فكم يلتهم الأخصائيون والعمال ذوو الأجور العالية من هذا الرقم الأخير الذي يبدو رائعا ؟ وما هي القيمة الفعلية لهذا الأجر – وهذا أمر هام – ؟ إننا عاجزون عن معرفة أي شيء من محتوى هذا التقرير أو من تعليقات الصحف عليه. لقد قال كوساريف سكرتير الشبيبة الشيوعية في مؤتمر الشبيبة في نيسان / أبريل 1936 ما يلي: “لقد زاد أجر الشباب بمقدار 340 بالمائة اعتبارا من كانون الثاني / يناير 1931 حتى كانون الأول / ديسمبر 1936″، ولكن هذا التبجح لم يثر التصفيق المنتظر حتى في صفوف الشباب الذين كانوا كالمحاضر نفسه يعرفون أن الانتقال السريع إلى أسعار السوق زاد من خطورة وضع أغلبية العمال.
وفي عام 1935 كان الأجر المتوسط الناتج من جمع أجور كافة العاملين من مدير التروست إلى الكنـَّاسة حوالي 23000 روبل، وسيصل في عام 1936 إلى حوالي 2500 روبل، وهذا يعني بالسعر الأسمى للصرف 7500 فرنك، تعادل قوتها الشرائية 3500 – 4000 فرنك فرنسي. ويبدو هذا الرقم المتواضع أصغر حجما إذا عرفنا أن زيادة الأجور في عام 1936 ليست سوى تعويض جزئي عن إلغاء جوائز الامتياز ومجانية بعض الخدمات. والمهم في كل هذا أن الأجر 2500 روبل سنويا أي 208 روبل شهريا ليس سوى متوسط أي وهم حسابي معد ليخفي حقيقة اللامساواة القاسية في أجور العمل.
ومما لا جدال فيه أن وضع الشريحة العليا من العمال، وخصوصا ما يسمى بالاستاخانوفيين، قد تحسن بشكل واضح خلال السنة الماضية. وتذكر الصحف كم بذلة وحذاء وحاكيا ودراجة وعلبة مأكولات محفوظة اشترى العمال الذين يحلمون الأوسمة. وهي تكشف بالمناسبة ذاتها كم هذه الأشياء بعيدة عن متناول العامل العادي. ويقول ستالين عن الأسباب التي ولدت حركة استاخانوف: “إننا نعيش بشكل أفضل وأكثر مرحا، وعندما يعيش المرء بشكل أكثر مرحا، فإن العمل يسير بصورة أفضل”. ويوجد في هذا الكلام المتفائل، الذي اختص به المسؤولون والمتعلق بالعمل بالقطعة، جزء من الحقيقة: إن تشكيل أرستقراطية عمالية لم يصبح ممكنا إلا بفضل النجاحات الاقتصادية السابقة. ودوافع الاستاخانوفيين ليست في “المرح” بل في الرغبة بكسب أكبر. ولقد عدل مولوتوف تأكيدات ستالين بهذا الصدد قائلا: “لقد اندفع الاستاخانوفيون لتقديم مردود عمل كبير بسبب رغبتهم البسيطة بزيادة دخلهم”. وفي الحقيقة تشكلت فئة كاملة من العمال خلال بضعة أشهر أطلق عليها اسم “جماعة الألف” لأن دخلهم كان يزيد عن 1000 روبل شهريا. وهنالك من يكسب أكثر من 2000 روبل، بينما غالبا ما يكسب العامل من الفئة الأدنى اقل من مائة روبل.
إن ضخامة الاختلاف في الأجور تولـِّد لوحدها اختلافا كافيا بين العامل “المرموق” والعامل “العادي”، ولكن البيروقراطية لا تكتفي بهذا. فالاستاخانوفيون مغمورون بالامتيازات، إنهم يأخذون مساكن جديدة، وتتم في بيوتهم إصلاحات عديدة، ويستفيدون من الإجازات الإضافية في بيوت الراحة والاستجمام، ويذهب المعلمون والأطباء إلى بيوتهم عند الحاجة بلا أجر، ويدخلون دور السينما مجانا، كما يحلقون شعورهم في محلات الحلاقة مجانا أو دون انتظار دورهم. وتبدو بعض هذه الامتيازات كأنها مخصصة لجرح وإيذاء العامل المتوسط. إن سبب المراعاة المفرطة من جانب السلطات عائد إلى الوصولية، وفي الوقت ذاته لسوء النية: يستنح القادة المحليون الفرصة بشره لأجل الخروج من عزلتهم، وذلك عن طريق إعطاء امتيازات للأرستقراطية العمالية. والنتيجة أن يتجاوز أجر الاستاخانوفيين أجور العمال العاديين بـ 20 إلى 30 مرة. وأجور المختصين المحظوظين تكفي غالبا لدفع أجر 80 إلى 100 أجير. وهكذا لحق الاتحاد السوفياتي البلاد الرأسمالية وسبقها في مجال اللامساواة بالأجور.
إن أفضل الاستاخانوفيين، الذين يعملون حقيقة بدوافع اشتراكية، لا يغتبطون بالامتيازات بل يستاؤون منها. ونحن نفهمهم: إن التمتع الفردي بمختلف الخيرات في جو من البؤس الشامل يحيطهم بحلقة من العداء والحسد، ويسمم حياتهم. وهذه العلاقات بين العمال أبعد عن الأخلاق الاشتراكية من العلاقات الموجودة في مصنع رأسمالي بين عمال يجمعهم النضال المشترك بوجه الاستغلال.
والحقيقة أن حياة العامل المختص اليومية صعبة، لاسيما في المحافظات. فبالإضافة إلى أنه تم التضحية أكثر فأكثر بيوم العمل المؤلف من سبع ساعات على مذبح زيادة مردود العمل، هنالك ساعات كثيرة يلتهمها الكفاحي الإضافي لتأمين الحياة. وهنالك دلالة خاصة على الرخاء مفادها أن أفضل العمال في السوفخوزات وسائقي الجرارات والآلات الذين يشكلون حاليا أرستقراطية واضحة يملكون أبقارا وخنازير. لقد هجرت إذن النظرية القائلة بأن اشتراكية بدون لبن أفضل من لبن بدون اشتراكية. ويجري الاعتراف حاليا بأن عمال مشاريع الدولة الزراعية، حيث تتوفر الأبقار والخنازير، مضطرون كي يؤمِّـنوا حياتهم لتربية بعض الحيوانات الخاصة. وهنالك تصريح يدعو إلى الدهشة يقول أن 96 ألف عامل من خاركوف يملكون حدائق خاصة لزراعة الخضار. كما أن المدن الأخرى مدعوة لتقليد خاركوف. فأي تبذير خطير للقوى البشرية يعنيه امتلاك “بقرة خاصة وحديقة خاصة” ؟ وأي عبء يتحمله العامل وزوجته وأولاده بالعودة إلى عمل القرون الوسطى بالمجرفة والسماد والتراب ؟
إن اغلب العمال لا يملكون طبعا بقرة أو حديقة، وينقصهم غالبا سقف يؤويهم. ويبلغ أجر العامل اليدوي 1200 – 1500 روبل سنويا وقد ينقص عن ذلك، وهذا يعني بالنسبة للأسعار السوفياتية منتهى البؤس. أما حالة الإسكان التي تدل بوضوح على الحالة المادية والفكرية فسيئة ولا تحتمل أحيانا. فأغلب العمال يتكدسون في مساكن جماعية أسوأ من الثكنات. هل الأمر يتعلق بتبرير إخفاقات في الإنتاج وتقصيرات في العمل وسوء في نوعية البضائع ؟ إن الإدارة تقدم عبر صحفييها أوصافا من هذا النوع لظروف سكن العمال: “العمال ينامون على الأرض، ذلك أن أخشاب الأسرِّة مليئة بالبق، الكراسي محطمة، وليس هنالك أقداح للشرب…”. “تسكن عائلتان في غرفة واحدة سقفها مثقوب، وعندما تمطر يجمع الماء في دلاء”. “المراحيض في حالة لا يمكن وصفها”. ويمكن أن نذكر إلى ما لا نهاية تفاصيل كهذه، صالحة لوصف الوضع في البلاد بأسرها. ولقد كتب مدير صناعة البترول أن ظروف الحياة القاسية أدت إلى “أن يبلغ التميع في ملاك العمل نسبة كبيرة جدا… ويتم إيقاف استغلال الكثير من الآبار بسبب نقص اليد العاملة”. وفي بعض المناطق النائية المهملة لا يقبل بالعمل سوى العمال المفصولين من أعمالهم لأسباب انضباطية. وهكذا يتشكل في قاع البروليتاريا شريحة من البؤساء المحرومين من كل الحقوق هم المنبوذون السوفيات، ويضطر فرع هام من الصناعة كصناعة البترول إلى استخدامهم.
ولقد نجحت البيروقراطية، بفعل اللامساواة الصارخة في نظام الأجور التي تزيدها تفاقما الامتيازات الاعتباطية، في خلق صراعات مريرة داخل البروليتاريا. وترسم تقارير الصحف الصادرة حديثا لوحة حرب أهلية صغيرة. فقد كتبت صحيفة النقابات مثلا: “يشكل تخريب الآلات الأسلوب المفضل ( !) للصراع ضد حركة الاستاخانوف”. ويذكر “الصراع الطبقي” في كل خطوة. في هذا “الصراع الطبقي” يقف العمال في جهة والنقابات في جهة أخرى، ويطالب ستالين علنا “بالضرب على رؤوس المقاومين”. ويهدد أعضاء آخرون من اللجنة المركزية “الأعداء الذين لا يخجلون” بالفناء التام. وتظهر تجربة حركة استاخانوف أية هوة تفصل بين السلطة والبروليتاريا، وكيف تطبق البيروقراطية بكل مثابرة قاعدة “فرّق تسد” ! ولتمويه العمل بالقطعة وتجميله في نظر العامل يطلقون عليه اسم “التنافس الاشتراكي”. إن هذه الكلمات في حد ذاتها تدعو إلى السخرية.
إن التنافس الذي تغوص جذوره في البيولوجيا هو في النظام الشيوعي أفضل محرك للحضارة، شريطة أن يكون منزها عن فكرة الكسب، والحسد، والامتيازات. ولكن في المرحلة السابقة لذلك، والتي تعتبر بحد ذاتها مرحلة تحضيرية، ينبغي أن يتم توطيد المجتمع الاشتراكي، لا بأساليب الرأسمالية المتأخرة المذلة التي تطبقها الدولة السوفياتية، بل بوسائل تليق بالرجل المتحرر وبعيدا قبل كل شيء عن هراوة البيروقراطيين، لأن هذه الهراوة هي أبشع ما في التركة التي ورثنها من الماضي. إن من الضروري تحطيمها وحرقها علنا حتى يصبح الحديث عن الاشتراكية ممكنا دون أن تحمر الجباه من الخجل.
تناقضات اجتماعية في القرية الجماعية
إذا كانت التروستات الصناعية منشآت اشتراكية، من حيث المبدأ، فلا يمكن أن نقول الشيء ذاته عن الكولخوزات، التي لا تعتمد على ملكية الدولة بل على ملكيات جماعية. إنها أفضل بكثير من الزراعة الفردية المجزأة، فهل ستقود إلى الاشتراكية ؟ إن الأمر يتعلق بسلسلة من الظروف، بعضها داخلي، والبعض الآخر خارجي يتعلق بالنظام السوفياتي بمجمله. أما البعض الآخر، وهو ليس قليلا، فيتعلق بالوضع العالمي.
إن الصراع بين الفلاحين والدولة لم ينته بعد، والتنظيم الحالي للزراعة، الذي ما يزال بعيدا عن الاستقرار، ليس غير مساومة لإرضاء الطرفين بعد حرب أهلية طاحنة. إن 90 بالمئة من العائلات خضعت للتجميع، وحقول الكولخوزات قد أعطت 44 بالمئة من الإنتاج الزراعي؛ وإذا ما تغاضينا عن بعض الكولخوزات المزيفة التي تخفي ورائها مصالح خاصة لوجدنا أن الزراعة المجزأة قد هُزمت بنسبة 9 أعشار، ولكن الصراع الحقيقي للقوى والميول في القرى يتجاوز التعارض البسيط بين المزارعين المنفردين والكولخوزات.
ولتهدئة الريف اضطرت الدولة إلى تقديم تنازلات كبيرة أمام الميول الفردية وروح الملكية لدى أبناء الريف، بدءا بإعطاء الأرض للكولخوزات بصورة دائمة، أي بتصفية تأميم الأرض. فهل هذا مجرد وهم قانوني ؟ قد يصبح هذا الوهم تبعا لميزان القوى حقيقة ويشكل في المستقبل القريب حاجزا منيعا أمام الاقتصاد المخطط. والأهم من ذلك بكثير اضطرار الدولة للسماح بإعادة الحياة لمشاريع الفلاحين الفردية على قطع ارض صغيرة مع أبقارهم وخنازيرهم وخرفانهم وطيورهم.. الخ.. ويقابل هذه الإساءة إلى عملية التشريك وهذا الحد من عملية التجميع موافقة من الفلاح على العمل بسلام، وإن بدون حماس كبير حاليا، داخل الكولخوزات التي تتيح له القيام بواجباته تجاه الدولة، والحصول على بعض المكاسب. ولهذه العلاقات الجديدة أشكال غامضة لدرجة يصعب معها تحديدها بالأرقام حتى ولو كانت الإحصائيات السوفياتية أكثر صدقا. إلا أن هنالك أسبابا عديدة تدعونا إلى الاعتقاد بأن الفلاح الصغير يفضل ملكيته الصغيرة الفردية على الكولخوز. وهذا يعني أن صراعا يشكل كل الحياة الريفية بين الميول الفردية والجماعية، وأن نتيجة هذا الصراع لم يتم حسمها بعد. فإلى أي اتجاه يميل الفلاحون ؟ حتى هم لا يعرفون.
في نهاية عام 1935، قال مفوض الشعب للزراعة: “لقد اصطدمنا حتى الفترة الأخيرة مع الكولاك الذين قاوموا تنفيذ خطة تخزين الحبوب”. وهذا يعني أن اغلب الكولخوزيين ظلوا يعتبرون “حتى الفترة الأخيرة” عملية تسليم القمح للدولة عملية خاسرة، ويميلون إلى التجارة الخاصة. وتدل القوانين الصارمة التي وضعت لتحمي مصالح الكولخوزات من أعضاء الكولخوزات أنفسهم على الأمر نفسه، ولكن من زاوية أخرى. وهنالك ظاهرة صارخة هي أن الدولة تؤمِّن على ممتلكات الكولخوزات بـ 20 مليار روبل بينما تؤمن على الممتلكات الفردية لأعضاء الكولخوزات بـ 21 مليارا.
وإذا كان هذا لا يعني أن الفلاحين أغنى من الكولخوزات إلا انه يدل على أن الفلاحين يؤمنون على ممتلكاتهم الفردية باعتناء يفوق اعتناءهم بالممتلكات العامة.
وتربية الحيوانات مهمة في هذا الصدد. ففي حين استمر عدد الخيول في الانخفاض حتى عام 1935، ولم يرتفع قليلا إلا في هذه السنة بفضل تدابير خاصة اتخذتها الدولة، ارتفع عدد الحيوانات القرنية باستمرار، حيث بلغت الزيادة في السنة الماضية 4 ملايين رأس. إن خطة زيادة الخيول لم تنفذ، في السنة الملائمة 1935، إلا بنسبة 94 بالمئة بينما تم تجاوز خطة زيادة الحيوانات القرنية. وهذا يرجع إلى أن الخيول تدخل في ملكية الكولخوزات بينما الأبقار ملكية فردية لأغلب الفلاحين. وهنا علينا أن نضيف أن زيادة الخيول في البراري، حيث يسمح لفلاحي الكولخوزات بامتلاك خيول خاصة، أسرع من نسبة زيادتها في الكولخوزات التي تتفوق في هذا المجال على السوفخوزات. ومن الخطأ أن نستنتج هنا أن المزارع الصغيرة الفردية أفضل من المزارع الجماعية. ولكن الانتقال من الأولى إلى الثانية، أي الانتقال من الهمجية إلى الحضارة يسبب عددا من المشاكل لا يمكن حلها بالتدابير الإدارية وحدها.
“لا يمكن أن يعلو الحق أبدا على النظام الاقتصادي أو على التطور الثقافي للمجتمع الناجم عن هذا النظام..” إن تأجير الأرض الممنوع قانونا ينفذ عمليا على نطاق واسع، وبأسوأ أشكاله، أي بالأجر المدفوع على شكل عمل. وتؤجر بعض الكولخوزات الأراضي إلى كولخوزات أخرى، كما تؤجرها أحيانا إلى الأفراد أو إلى بعض أعضائها النشطين أنفسهم. والسوفخوزات تؤجر الأرض رغم كونها “مشاريع اشتراكية”. والأدهى من ذلك أن سوفخوزات البوليس السياسي تتصرف التصرف نفسه… وتحت إشراف المؤسسة العليا الحامية للقانون، نرى مدراء سوفخوزات يفرضون على الفلاحين المستأجرين شروطا مستعارة من عقود القنانة القديمة التي كان السادة يفرضونها على الفلاحين. وهنالك حالات يتم فيها استغلال الفلاحين من قبل بيروقراطيين لا يعملون كموظفي دولة بل كسادة للأرض شبه رسميين.
إننا لا نريد المبالغة في أهمية هذه التصرفات البشعة التي لا يمكن البحث عنها في الإحصائيات، ولكننا لا نستطيع تجاهل مدلولها الكبير. إنها تؤكد بلا جدال قوة الميول البرجوازية في هذا النوع المتأخر من الاقتصاد الذي يهم أغلبية المواطنين، ويزيد تأثير السوق على الميول الفردية، كما يضخم خطر التباين الاجتماعي في الريف رغم البنية الجديدة للملكية.
ارتفع الدخل المتوسط للأسرة في الكولخوزات في عام 1935 إلى حوالي 4000 روبل. ولكن المعدلات لدى الفلاح غزارة أكثر من المعدلات لدى العمال. لقد قيل في الكرملين أن صيادي الأسماك الجماعيين ربحوا في عام 1935 ضعف ما ربحوه في عام 1934، فقد ربح الصياد الواحد مبلغ 1919 روبلا. فالتهبت الأكف بالتصفيق مما يدل على أن هذا الرقم اكبر بكثير من متوسط الدخل لأغلبية العاملين في الكولخوزات. هناك كولخوزات من جهة أخرى زاد الدخل فيها إلى معدل 30000 روبل لكل أسرة دون حساب الدخل العيني والمالي للاستثمارات الفردية، ولا الدخل العيني لعمليات الاستثمار الجماعي بمجموعه: إن دخل مزارع كبير في كولخوزات من هذا النوع يزيد 10 – 15 مرة عن اجر عامل “متوسط” أو صغير في الكولخوزات.
ولا يتحدد سلم الدخل بالاجتهاد في العمل وبالمهارات. فظروف استغلال الكولخوزات وقطع الأرض الشخصية متباينة تماما، وفقا للطقس، والأرض، ونوع الزراعة، والوضع بالنسبة للمدن والمراكز الصناعية. إن التعارض بين المدن والريف لم يختف خلال فترات الخطط الخمسية، بل زاد بسبب التضخم المحموم الذي لحق بالمدن والمناطق الصناعية الجديدة. وتؤدي هذه التناقضات الأساسية في المجتمع السوفياتي إلى تناقضات بين الكولخوزات، وفي قلبها تماما بسبب الريع المتغير.
والسلطة البيروقراطية غير المحدودة سبب هام من أسباب التباين. إنها تملك رافعات كالأجور والتسليف والأسعار والضرائب. وتتوقف الأرباح الكبيرة لبعض مزارع القطن الجماعية في آسيا الوسطى على العلاقات بين الأسعار التي تحددها الدولة أكثر مما على عمل الفلاحين. إن استغلال بعض شرائح المواطنين للبعض الآخر لم ينته ولكنه أصبح مقنـَّعا. إن الكولخوزات الأولى “الغنية”، وهي بعشرات الألوف، حصلت على رفاهيتها على حساب بقية الكولخوزات والعمال. إن تامين الرفاهية لكل الكولخوزات يحتاج لجهد أكبر ومدة أطول من منح امتيازات للأقلية على حساب الأغلبية.
لقد وجدت المعارضة اليسارية في عام 1927 أن “دخل الكولاك قد زاد عن دخل العامل بصورة محسوسة” وهذا الوضع يستمر اليوم بشكل آخر: فدخل الأقلية المتميزة في الكولخوزات قد ازداد أكثر بكثير من دخل غالبية جماهير الكولخوزات والمراكز العمالية. وتباين الظروف الحياتية اليوم أكبر من التباين عشية تصفية الكولاك.
ويظهر التباين وسط الكولخوزات في حقل الاستهلاك الفردي وفي الاقتصاد الخاص بالأسرة، حيث غدت وسائل الإنتاج الرئيسية اشتراكية. وقد أصبح للتباين بين الكولخوزات نتائج عميقة الأثر، حيث تستطيع الكولخوزات الغنية استخدام السماد والآلات بشكل أوسع فتثري بسرعة أكبر. وقد تستأجر الكولخوزات الغنية اليد العاملة من الكولخوزات الفقيرة، في حين تغلق السلطات عينها عن الأمر. والواقع أن منح مساحات غير متساوية من الأرض للكولخوزات بصورة نهائية يساعد إلى أقصى الحدود على حصول التباين في المستقبل، وبالتالي على تشكيل “كولخوزات برجوازية”، أو كما تسمى الآن “الكولخوزات مالكة الملايين”.
وتستطيع الدولة بلا شك التدخل كمعدِّل لهذا التباين الاجتماعي. ولكن في أي اتجاه وبأي مقدار ؟ إن ضرب الكولخوزات الغنية يعني فتح معركة جديدة مع أكثر العناصر “تقدمية” في الريف؛ تلك العناصر التي تشعر بعد فترة الإرهاق والألم برغم كبيرة في “حياة هنيئة”. هذا وإن الدولة نفسها تغدو أقل فأقل قدرة على ممارسة رقابة اشتراكية. إنها تبحث في الزراعة والصناعة عن دعم وصداقة الأقوياء المنتفعين من النجاح و”استاخانوفيي الحقول” و”الكولخوزات مالكة الملايين”. وبعد أن بدأت بالتفكير في قوى الإنتاج تنتهي حتما بالتفكير في نفسها.
وفي حقل الزراعة، حيث يرتبط الاستهلاك بالإنتاج ارتباطا وثيقا، خلقت البيروقراطية أساسا للتطفل البيروقراطي الذي يصيب المسؤولين في الكولخوزات. أما “الهدايا” التي يحملها عمال الكولخوزات إلى القادة في الاجتماعات الاحتفالية في الكرملين فتمثل بشكل رمزي الإتاوة غير الرمزية أبدا التي يقدمونها إلى السلطات المحلية.
وهكذا نجد في حقل الزراعة، أكثر مما في الصناعة، أن مستوى الإنتاج المنخفض يدخل في صراع مع الأشكال الاشتراكية وحتى التعاونية والكولخوزية للملكية. وتقوم البيروقراطية الناجمة عن هذا التناقض بزيادة حدته بدورها.
الوجه الاجتماعي للأوساط الحاكمة
تهاجم الأدبيات السوفياتية “البيروقراطية” عادة وتعتبرها شكلا سيئا للتفكير أو العمل. (هذه الإدانات يوجهها الرؤساء دائما للمرؤوسين، وهي بالنسبة للرؤساء وسيلة للدفاع عن أنفسهم). ولكننا لا نجد في أي مكان دراسة مخصصة للبيروقراطية كشريحة حاكمة، وحجمها وبنيتها، ولحمها ودمها، وامتيازاتها وشهواتها، ومقدار ما تمتصه من الدخل القومي. ومع ذلك فهذه الوجوه من البيروقراطية موجودة. ولكن إخفاءها وجهها الاجتماعي بكل انتباه يدل على وعيها الخاص “كطبقة” حاكمة لا ينقصها حتى الآن سوى ضمانة حقها في السلطة.
ومن المستحيل إعطاء أرقام دقيقة عن البيروقراطية السوفياتية، وهذا ناجم عن سببين، أولهما صعوبة القول أين تنتهي الأداة الإدارية في بلد الدولة فيه سيد مطلق وحيد، وثانيهما السكوت المطبق للإحصائيين والاقتصاديين والصحفيين السوفيات حول هذا الموضوع، ويقلدهم في هذا السكوت “أصدقاء الاتحاد السوفياتي”. ولنذكر هنا أن الزوجين ويب لم يعتبرا أبدا في كتابهما المؤلف من 1200 صفحة أن البيروقراطية السوفياتية فئة اجتماعية. وليس هذا غريبا، لقد كانا يكتبان في الحقيقة بوحي منها.
كانت المكاتب المركزية للدولة في أول تشرين الثاني / نوفمبر 1933 حسب الأرقام الرسمية تتألف من 55000 رجل ينتمون إلى الجماعة الحاكمة، ولكن هذا الرقم قد تضاعف بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وهو لا يشمل الجيش أو الأسطول أو البوليس السياسي أو إدارة التعاونيات وما يسمى الشركات ( طيران، كيمياء) وأخرى غيرها. ولكل جمهورية إضافة إلى ذلك جهازها الحكومي الخاص. وبالتوازي مع هيئات أركان الدولة والنقابات والتعاونيات والمؤسسات الأخرى، ثمة في الأخير هينة أركان الحزب كلية القدرة، التي تمتزج جزئيا بتلك الهيئات. ولا نبالغ أبدا إذا اعتبرنا عدد أفراد الوسط الحاكم للاتحاد السوفياتي والجمهوريات المتواجدة فيه بـ 400 ألف رجل، وقد يبلغ اليوم اصف مليون. وليس هؤلاء مجرد موظفين. إنهم موظفون كبار، “رؤساء” يشكلون13 فئة مغلقة حاكمة بكل معنى الكلمة، مقسمة بالطبع بشكل تسلسلي وبحواجز كبيرة.
ويدعم هذه الشريحة الاجتماعية العليا هرم إداري ضخم متعدد الوجوه واسع القاعدة. ويبلغ تعداد أفراد اللجان التنفيذية لسوفياتات المدن والمناطق والأقسام، مضافا إليها الأجهزة الموازية الخاصة بالحزب والنقابات والشبيبة الشيوعية والنقل والجيش والأسطول والأمن العام حوالي مليوني شخص، علاوة على رؤساء سوفياتات 600 ألف قرية ودسكرة.
كانت إدارة المنشآت الصناعية عام 1933 بين أيدي 17 ألف مدير ومدير مساعد. وكان عدد الأشخاص الإداريين والفنيين في المصانع والمناجم بما فيهم الكادرات الأدنى حتى درجة مراقب حوالي 250 ألف شخص (منهم 54 ألف أخصائي لا يقومون بوظائف إدارية بكل معنى الكلمة). يضاف إلى ذلك أعضاء الحزب والنقابات والمشاريع المدارة عبر الثلاثي إدارة – حزب – نقابة. ولا نبالغ إذا قدرنا عدد إداريي المؤسسات الأهم بنصف مليون شخص. ثم علينا أن نضيف إلى ذلك أشخاص المؤسسات التابعة للجمهوريات القومية والسوفياتات المحلية.
وتدل الإحصائيات الرسمية لعام 1933 على أن هنالك أكثر من 860 ألف مدير وأخصائي في الاقتصاد السوفياتي بأكمله، منهم 480 ألفا في الصناعة وأكثر من 100 ألف في النقل و93 ألف في الزراعة و25 ألف في التجارة. وتشمل هذه الأرقام الأخصائيين الذين لا يقومون بوظائف إدارية ولكنها لا تشمل أشخاص التعاونيات والكولخوزات. ولقد تزايدت هذه الأرقام بسرعة في السنوات الأخيرة.
أما عدد الرؤساء والمنظـِّمين الشيوعيين لـ 250 ألف كولخوز فقد بلغ مليون شخص، وقد يكون أكثر من ذلك بكثير. فإذا ما شملنا مدراء السوفخوزات ومحطات الآليات والجرارات وجدنا أن الجهاز القيادي في الزراعة الاشتراكية يتجاوز المليون كثيرا.
في عام 1935 كانت الدولة تملك 113 ألف مؤسسة تجارية، والتعاونيات 200 ألف مؤسسة، وليس مدراء الأولى والثانية وكلاء بل موظفون تابعون لاحتكارات الدولة. وتشتكي الصحافة السوفياتية نفسها ما بين آونة وأخرى “من أن التعاونيين قد كفوا عن اعتبار فلاحي الكولخوزات موكليهم”. كما لو أن آلية التعاون تختلف نوعيا عن آلية النقابات والسوفياتات والحزب !
أما الشريحة الاجتماعية التي لا تقدم عملا إنتاجيا مباشرا، وتقود وتدير وتوزع العقوبات والمكافآت (ونحن لا نشمل المدرسين) فإن عددها يتراوح بين خمسة وستة ملايين شخص، وليس هذا الرقم دقيقا تماما. إنه عبارة عن نتيجة تقديرات أولية تدل على أن “الخط العام” غير متجرد إطلاقا.
تتراوح نسبة الشيوعيين في مختلف مستويات الوظائف الإدارية المتسلسلة من الأسفل إلى الأعلى بين 20 و90 بالمئة، ويشكل الشيوعيون والشبيبة الشيوعية في الكتلة البيروقراطية 1,5 –2 مليون شخص. ولقد نقص هذا الرقم الآن بعد عمليات التطهير المتواصلة. هذا هو هيكل السلطة العام. ويشكل الرجال ذاتهم هيكل الحزب والشبيبة الشيوعية. ولم يعد الحزب البلشفي السابق هو طليعة البروليتاريا بل التنظيم السياسي للبيروقراطية. إن مجموع أعضاء الحزب والشبيبة يقدمون الأعضاء الفعالين أو بمعنى آخر احتياطي البيروقراطية. ويلعب الأفراد الفعالون غير الحزبيين الدور ذاته أيضا.
ومن المحتمل أن تساوي الأرستقراطية العمالية والكولخوزية عدد أفراد البيروقراطية، أي 5 – 6 مليون شخص (الاستاخانوفيون والمواطنون الفعالون غير الحزبيين، والرجال الموثوقون، والأقارب، والأصحاب النفعيون). وتصل هاتان الشريحتان الاجتماعيتان المتداخلتان مع عائلتيهما إلى حوالي 20 – 25 مليون شخص. ولقد قدرنا العائلات بأرقام قليلة آخذين بعين الاعتبار أن الزوج والزوجة، وأولادهما أحيانا، يشكلون غالبا جزءا من الجهاز البيروقراطي. زد على ذلك أن نساء الأوساط الحاكمة قادرات على تحديد نسلهن بسهولة أكثر من العاملات والفلاحات، ولا يتأثرن بالحملة الحالية التي تقوم بها البيروقراطية ضد عمليات الإجهاض. وهكذا فإن 12 – 15 بالمئة من الشعب يشكلون القاعدة الاجتماعية الحقيقة للوسط الحاكم المطلق.
وفي الوقت الذي لا تجد فيه أغلبية الشعب غرفة للفرد أو تغذية كافية أو ألبسة لائقة، يعمل ملايين البيروقراطيين كبارا وصغارا على استخدام السلطة لتأمين رفاهيتهم الخاصة قبل كل شيء آخر. ومن هنا تنبع أنانية هذه الشريحة الاجتماعية وتماسكها الشديد وخوفها من نقمة الجماهير، وإصرارها على قمع كل نقد، وعبادتها المخاتلة “للزعيم” الذي يدافع عن امتيازات السادة الجدد وسلطاتهم.
والبيروقراطية نفسها أقل تجانسا من العمال والفلاحين. فثمة هوة بين رئيس سوفييت القرية والشخصية الكبرى في الكرملين. وللموظفين الصغار على اختلاف درجاتهم مستوى معاشي بدائي جدا يقل عن مستوى العامل المختص في الغرب. ولكن كل شيء نسبي: فمستوى حياة الناس من حوله أقل من مستواه بكثير. إن وضع مدير الكولخوز والمنظم الشيوعي والتعاوني في القاعدة، والموظف الأعلى قليلا، لا يتوقف أبدا على إرادة “الناخبين”. كما يمكن لكل رئيس أن يضحي بأي موظف بغية امتصاص بعض النقمة، كما يمكن لكل موظف أن يرتفع حين تسنح الفرصة إلى درجة أعلى. وكلهم متصلون ببعضهم – حتى أول صدمة جدية – بمسؤولية جماعية أمام الكرملين.
وتتضمن الأوساط الحاكمة، من حيث ظروف معيشتها، مختلف الدرجات، من البرجوازية الريفية الصغيرة إلى البرجوازية المدينية الكبيرة. وتتوافق مع الظروف المادية عادات ومصالح وأساليب في التفكير. ولا تختلف نفسية رؤساء النقابات السوفياتية اليوم عن نفسية أمثال سيترين وجوهو وغرين14.
إن تقاليدهم وتعابيرهم مختلفة، ولكن مواقفهم تشترك بالتعالي الدائم على الجماهير، والمهارة الوقحة في المناورات الصغيرة، وبروح المحافظة وضيق الأفق والرغبة الأنانية بتأمين السلامة الشخصية، واحترام أكثر أنواع الثقافة البرجوازية ضحالة. ولا يختلف الجنرالات والعقداء إلا قليلا عن ضباط بقية الجيوش العالمية، ولكنهم يحاولون التشبه بهم ما أمكن. أما الديبلوماسيون السوفيات فإذا لم يكونوا استعادوا “الفراك”15 ، فقد استعادوا طريقة تفكير زملاءهم الغربيين. ويعمل الصحفيون السوفيات كل حسب طريقته ولكنهم يخدعون قراءهم مثل صحفيي البلاد الأخرى.
من الصعب إعطاء تقديرات عددية عن البيروقراطية، ولكن من الأصعب تقدير دخلها. لقد احتجت المعارضة منذ عام 1927 لأن “الجهاز الإداري المتضخم والمتمتع بامتيازات عديدة يستهلك جزئا كبيرا من فائض القيمة”. وحدد برنامج المعارضة أن الجهاز التجاري وحده “يستهلك جزءا كبيرا من الدخل القومي يزيد عن 10/1 الإنتاج العام”. عندها أخذت السلطات احتياطاتها لتجعل من المستحيل أعداد حسابات مماثلة، الأمر الذي زاد المصروفات العامة بدلا من أن يقللها.
وليس الوضع في الشؤون الأخرى أفضل من وضع التجارة. وكتب راكوفسكي عام 1930 أن صراعا مؤقتا بين بيروقراطيي الحزب والنقابات كشف للشعب أن المكاتب استهلكت 80 مليون روبل من أصل ميزانية نقابية تعادل 400 مليون روبل. هذا فيما يتعلق بالميزانية الرسمية. إذ تتلقى البيروقراطية النقابية من البيروقراطية الصناعية منحا مالية ومساكن ووسائل مواصلات… الخ. وقد تساءل راكوفسكي “كم تكلف صيانة مكاتب الحزب والتعاونيات والكولخوزات والسوفخوزات والصناعة والإدارة بكل تشعباتها ؟ وأجاب بما يلي: “حتى المعلومات الاحتمالية تنقصنا في هذا الصدد”.
ولفقدان المراقبة نتيجة حتمية هي المبالغات والمصروفات الزائدة. ففي 29 أيلول / سبتمبر 1935 تساءلت الحكومة للمرة الثانية عن سر سوء العمل في التعاونيات ولاحظت تحت توقيع ستالين ومولوتوف وجود “سرقات، وعمليات تبذير كبيرة، وأعمال مصابة بالعجز في كثير من التعاونيات الريفية”. وفي كانون الثاني / يناير 1936 اشتكى مفوض الشعب للمالية في دورة اللجنة التنفيذية من أن السلطات التنفيذية المحلية تقوم باستخدام موارد الدولة بشكل تعسفي، ولم يسكت مفوض الشعب عن الأجهزة المركزية إلا لأنه عضو فيها.
إننا لا نملك معطيات تدلنا على قيمة ما تأخذه البيروقراطية من الدخل القومي. لا لأنها تخفي دخلها القانوني فحسب ولا لأنها إذ تحاذي التجاوزات باستمرار، وتقع فيها غالبا تستحوذ على مداخيل غير مشروعة ضخمة، بل لأن التقدم الاجتماعي بمجموعه، كتنظيم المدن وتأمين الرفاهية والثقافة، يتم أساسا، إن لم يكن حصرا لمصلحة الأوساط الحاكمة. ويمكن القول عن البيروقراطية كمستهلكة ما قيل في الماضي عن البرجوازية. إنها لا تبالغ في استهلاك المواد الأساسية، ولكنها تحتكر كل مكاسب الحضارة القديمة والحديثة. مبدئيا على الأقل، هذه المكاسب هي في متناول كل المواطنين، أو على الأقل سكان المدن. والحقيقة أن الشعب لا يستفيد منها إلا استثنائيا، بينما تحصل البيروقراطية منها على ما تريد، وعندما تريد، كما لو أنها من ممتلكاتها الخاصة. فإذا ما أضفنا إلى الأجور كل الامتيازات المادية والمكاسب الإضافية شبه القانونية، وحصة البيروقراطية من الحفلات ومدن الراحة والمستشفيات وأماكن النقاهة والراحة والمتاحف والنوادي والمنشآت الرياضية لوجدنا أن 15 – 20 بالمئة يتمتعون بالقدر من الخيرات الذي يتمتع به 80 إلى 85 بالمائة من المواطنين.
إن على “أصدقاء” الاتحاد السوفياتي الذين سيحتجون على هذه الأرقام أن يعطونا أرقاما أكثر دقة. فليستحصلوا من البيروقراطية على نشر مداخيل ومصاريف المجتمع السوفياتي؛ إننا سنتمسك برأينا حتى يتم ذلك. إن توزيع خيرات الأرض في الاتحاد السوفياتي أكثر ديمقراطية بكثير مما كان عليه أيام النظام الروسي القديم، لا بل في أكثر البلاد الغربية ديمقراطية، ولكن ليس فيه من الاشتراكية إلى الآن شيء تقريبا.
الفصل السابع: الاسرة – الشبيبة – الثقافة
التيرميدور في العائلة
لقد برّت ثورة أوكتوبر بوعودها المتعلقة بالمرأة. ولم تكتف السلطة الجديدة بمنح المرأة حقوق الرجل القانونية والسياسية ذاتها، بل بذلت كل ما بوسعها، وأكثر من أي نظام آخر، لتفتح أمامها الطريق لكل المجالات الاقتصادية والثقافية. ولكن أقوى الثورات عاجزة، تماما مثل البرلمان البريطاني “كلي القدرة”، عن جعل المرأة كائنا مشابها للرجل. أو بمعنى آخر عاجزة عن أن توزع بينها وبين رفيقها متاعب الحمل والولادة والرضاعة وتربية الأطفال. لقد حاولت الثورة بكل شجاعة تدمير “البيت العائلي” اﻵمن. تلك المؤسسة القديمة الرتيبة الخانقة التي حكم على نساء الطبقات الكادحة فيها بالأشغال الشاقة منذ الطفولة حتى الموت. وكان الثوريون يؤمنون بضرورة استبدال الأسرة من حيث هي مؤسسة صغيرة مغلقة بنظام مكتمل للخدمات الاجتماعية: مراكز أمومة، حضانات، حدائق للأطفال، مطاعم، أماكن لتنظيف الثياب، مستوصفات، مستشفيات، مراكز للنقاهة، منظمات رياضية، سينما، مسارح… الخ. وقيام المجتمع الاشتراكي بكل مهام الأسرة الاقتصادية، بغية ربط الجيل كله بفكرة المشاركة والتعاون المتبادل، يؤدي إلى تحرير المرأة، وبالتالي إلى تحرير الزوجين تحريرا حقيقيا من النير الدهري. وطالما بقي هذا الأمر بعيدا عن التنفيذ، فإن أغلبية الأسر السوفياتية، البالغ عددها 40 مليون أسرة، ستبقى بين براثن عادات القرون الوسطى، والعبودية، وهيستيريا النساء، والإهانات اليومية للأطفال، ووساوس هذه وتلك. وليس هنالك أي أمل في هذا المجال. هذا هو السبب في أن التعديلات المتعاقبة لوضع الأسرة في الاتحاد السوفياتي هي تلك التي تحدد بالشكل الأفضل طبيعة المجتمع السوفياتي الحقيقية وتطور شرائحه الحاكمة.
لم ينجح الهجوم على الأسرة القديمة. وليس هذا بسبب انعدام النية الحسنة أو لصلابة فكرة الأسرة في أعماق الضمير، فالعاملات والفلاحات المتقدمات وقفن موقف الحذر من الدولة ودور حضانتها وحدائق أطفالها ومختلف مؤسساتها لمدة قليلة ثم بدأن يقدرن المكاسب الكبيرة للتربية الجماعية، وتشريك اقتصاد الأسرة. ولكن المجتمع بدا في واقع الأمر بغاية الفقر والجهل، ولم تكن موارد الدولة الحقيقية تتلاءم مع الخطة أو مع نوايا الحزب الشيوعي. لذا فإن من الصعب إلغاء الأسرة ويستحسن الاكتفاء باستبدالها. إن تحرير المرأة الحقيقي مستحيل على أرض “البؤس الاشتراكي”. لقد أكدت التجربة هذه الحقيقة التي تكلم ماركس عنها قبل 80 سنة.
كان العمال في سنوات المجاعة يتغذون – مع أسرهم في بعض الأحيان – في مطاعم المصانع أو المؤسسات المماثلة. وفسر الأمر بصورة رسمية كبداية للتقاليد الاشتراكية. ولسنا بحاجة الآن للتوقف عند خصائص المراحل المختلفة – شيوعية الحرب، السياسة الاقتصادية الجديدة، الخطة الخمسية الأولى – فالواقع أنه منذ إلغاء بطاقة الخبز في عام 1935 بدأ العمال ذوو الأجور الحسنة بالعودة إلى مائدة الطعام العائلية. ومن الخطأ أن نرى في هذا حكما على النظام الاشتراكي الذي لم يكن قد جُرب بعد. ولكن العمال وزوجاتهم كوّنوا انطباعا قاسيا عن “التغذية الاجتماعية” التي نظمتها البيروقراطية، كما كوّنوا الانطباع والفكرة ذاتيهما عن أماكن التنظيف الاشتراكية حيث تـُسرق الثياب وتـُحرق بدلا من أن تـُنظف. فهل نعود إلى البيت ؟ إن العودة إلى المطبخ والتنظيف المنزلي التي يمتدحها بعض الخطباء والصحفيين السوفيات بحرج تعني عودة المرأة إلى القدور وأوعية التنظيف، أي إلى العبودية القديمة. ومما يشك فيه أن تقتنع ربة البيت بعد ذلك بتصريحات الأممية الشيوعية عن “انتصار الاشتراكية الكامل والنهائي في الاتحاد السوفياتي” !
أما بالنسبة للأسرة الريفية المرتبطة بالاقتصاد المنزلي والزراعة فهي محافظة أكثر من الأسرة المدينية بكثير. وعموما، نلاحظ أن الكومونات الزراعية قليلة العدد هي وحدها التي أرست لديها في البدء التغذية الجماعية والحضانات. لقد قالوا إن على الجماعية أن تؤدي إلى تغيير جذري في الأسرة: فبدؤوا بمصادرة أبقار الفلاح، ودجاجه أيضا. ومع ذلك لم تنخفض نسبة التصريحات والإعلانات حول السير المظفـَّر للتغذية الاجتماعية في الريف. وعندما بدأ التراجع ظهرت الحقيقة من طيات ضباب الخداع. إن الكولخوزات لا تؤمِّن للمزارع عادة سوى القمح لبيته والعلف لحيواناته، أما اللحوم ومنتجات الألبان والخضار فيأتي أغلبها من إنتاج أعضاء الكولخوز الفردي. وما دامت أهم عناصر التغذية ناتجة عن الجهد الفردي فمن الصعب التحدث عن التغذية الجماعية. وهكذا تعطي أجزاء الأرض الصغيرة قاعدة جديدة للأسرة وتحمِّل المرأة عبئا مضاعفا.
في عام 1933 كان عدد الأماكن الدائمة في دور الحضانة 600 ألف، كما كان هنالك حوالي 4 ملايين مكان موسمي تستخدم خلال فترة العمل الزراعي. وفي عام 1935 كان هنالك خمسة ملايين وستمائة ألف سرير في الحضانات بينما بقيت الأماكن الدائمة قليلة كالسابق. وعلى أية حال فإن دور الحضانات الموجودة حتى في موسكو وليننغراد والمراكز الكبيرة لا تؤمِّن أبسط المتطلبات. وتقول صحيفة سوفياتية كبيرة: “يجد الأطفال أنفسهم في دور الحضانة في وضع أسوأ من وضعهم البيتي. وما هذه الدور سوى ملاجئ سيئة”. ومن الطبيعي أن لا يرسل العمال الميسورون أولادهم إليها. ولكن جماهير العاملين لا يجدون هذه “الملاجئ السيئة” كافية، ولقد قررت السلطة التنفيذية مؤخرا أن تعهد بالأطفال المشردين والأيتام إلى الأسر التي ترغب بذلك. وهذا اعتراف من البيروقراطية بعجزها عن القيام بوظيفة اشتراكية هامة. ولقد زاد عدد الأطفال المقبولين في حدائق الأطفال خلال السنوات الخمس الأخيرة 1930– 1935 من 370 ألفا إلى 1,181 مليون. ويبدو رقم 1930 متواضعا، ولكن رقم 1935 رغم كبره لا يكفي إطلاقا متطلبات الأسر السوفياتية. وتدل الدراسة الدقيقة على أن معظم حدائق الأطفال وأفضلها محجوزة لأسر الموظفين والفنيين والاستاخانوفيين الخ..
وصرح المجلس التنفيذي منذ فترة قريبة “عن بطء تنفيذ عملية وضع حد لواقع الأطفال المشردين أو غير الخاضعين لمراقبة كافية”، فماذا يخفي هذا القول ؟ إننا نعرف مصادفة، ومن المقالات الصغيرة في زوايا الصحف أن “أكثر من ألف طفل يعيشون في موسكو داخل المنزل بالذات، في ظروف سيئة جدا”. وأن بيوت الأطفال في العاصمة تحوي 1500 مراهق لا يعرفون ما هو مصيرهم وينتظرون العودة إلى الشارع. وأن 7500 أسرة حوكمت في موسكو وليننغراد خلال خريف 1935 لأنها تركت أطفالها دون مراقبة. فما فائدة هذه الحكومة ؟ وكم من آلاف العائلات استطاعت التهرب منها ؟ وما هو عدد الأطفال “الذين يعيشون في البيوت في ظروف سيئة جدا” ولم تذكرهم الإحصائيات ؟ وبمَ تختلف الظروف “السيئة جدا” عن الظروف السيئة فقط ؟ هنالك أسئلة كثيرة تحتاج إلى جواب. إن الطفولة المشردة، الظاهرة والمستترة، وباء يبلغ نسبا خطيرة بفعل الأزمة الاجتماعية التي تفتت الأسرة بسرعة تجعل المؤسسات الجديدة عاجزة عن الحلول مكانها.
ويعرف القارئ من خلال المقالات الصحفية ذاتها في المناسبات، ومن خلال الوقائع القضائية أن الدعارة، وهي آخر درجات انحطاط المرأة لصالح الرجل القادر على الدفع، تعبث فسادا في الاتحاد السوفياتي. ولقد نشرت الازفستيا في الخريف الماضي فجأة أنه “تم توقيف حوالي 1000 امرأة يبعن في شوارع موسكو أجسادهن بصورة سرية”، ومنهن 177 عاملة، 92 مستخدمة، 5 طالبات.. الخ. فما الذي ألقى بهن إلى الرصيف ؟ إن الذي ألقى بهن على رصيف الشارع هو: نقص الدخل، والحاجة، وضرورة “الحصول على دخل إضافي يكفي لشراء أحذية وثياب”. ولقد حاولنا دون جدوى معرفة الحجم التقريبي لهذا المرض الاجتماعي، فالبيروقراطية تطلب من مصلحة الإحصاء أن تلتزم بالصمت. ولكن هذا الصمت الإجباري دلالة على أن “طبقة” العاهرات كبيرة العدد. وليس الأمر استمرارا للماضي لأن العاهرات هنا شابات يافعات. ولا يوجد من يستطيع اتهام النظام السوفياتي واعتباره سبب هذا الجرح القديم قدم الحضارة. ولكن من غير المغتفر أن نتكلم على انتصار الاشتراكية ما دامت الدعارة موجودة. وتؤكد الصحف ضمن الحدود المرسومة لها لبحث هذا الموضوع الحساس أن الدعارة في تناقص مستمر. وقد يكون هذا صحيحا بالمقارنة مع سنوات المجاعة والانحلال (1931 – 1933) ولكن العودة إلى العلاقات المبنية على المال تؤدي بصورة حتمية إلى تنامي الدعارة وانتشار الطفولة المشردة. فحيث يوجد أفراد متميزون يوجد أناس منبوذون !
إن ازدياد عدد الأطفال المشردين يدل بما لا يقبل الجدل على وضع الأم المأساوي. حتى البرافدا المتفائلة تجد نفسها مضطرة للاعتراف بمرارة “إن ولادة طفل بالنسبة لكثير من النساء تشكل خطرا جديا”. ولهذا منحت السلطة الثورية المرأة حق الإجهاض، وهو أحد حقوقها المدنية والسياسية والثقافية الأساسية طالما استمر البؤس والاضطهاد العائلي، رغم ما يقوله الخصيان والعوانس من الجنسين. ولكن هذا الحق البائس يصبح بسبب اللامساواة الاجتماعية امتيازا. إن المعلومات القليلة التي تقدمها الصحافة حول ممارسة الإجهاض مؤثرة: إن احد المستشفيات الريفية في الاورال استقبل في عام 1935 “195 امرأة مشوهة من جراء عمليات إجهاض قامت بها نساء دجَّالات غير مختصات” منهن 33 عاملة، و28 مستخدمة و65 فلاحة كولخوزية و28 ربة منزل الخ. ولا تختلف هذه المنطقة عن غيرها إلا بأن المعلومات الخاصة بها قد انتشرت، فكم امرأة تشوه بعمليات إجهاض سيئة في الاتحاد السوفياتي كله ؟
وعندما شعرت الدولة بعجزها عن تقديم العناية الطبية اللازمة والمنشآت الصحية للمرأة المضطرة للإجهاض غيرت اتجاهها فجأة وسارت في طريق منع الإجهاض، هكذا تجعل البيروقراطية من الفقر فضيلة، كما في الكثير من الحالات. ويبرر سوليتز، أحد أعضاء المحكمة السوفياتية العليا والمختص بمواضيع الزواج، حظر الإجهاض قريبا، قائلا إنه لما كان المجتمع الاشتراكي لا يعرف البطالة… الخ لا يمكن منح المرأة حق نبذ “مسرات الأمومة”. وما هذه سوى فلسفة كاهن رعية في متناوله عصا الدركي. لقد قرأنا مؤخرا في صحيفة الحزب المركزية أن ولادة طفل بالنسبة لكثير من النساء – والأفضل أن نقول غالبية النساء – تشكل “تهديدا”.
كما سمعنا مرجعا سوفياتيا عليا يتحدث عن “عدم تنفيذ القرار بوضع حد لحالة الأطفال المشردين”. وهذا يعني زيادة التشرد عند الأطفال. وها نحن نرى قاضيا كبيرا يعلن ضرورة فرض العقوبة اللازمة على عملية الإجهاض في بلاد “الحياة السعيدة” تماما كما الحال في البلاد الرأسمالية حيث التعاسة. وإننا لنرى مسبقا أن العاملات والفلاحات والخادمات اللواتي يصعب عليهن إخفاء خطيئتهن هن اللواتي سوف يقعن بين أيدي السجانين، سواء أكان ذلك في الاتحاد السوفياتي أم في الغرب. أما “نساؤنا” اللواتي يطلبن عطورا ممتازة وأدوات زينة أخرى، فإنهن قادرات على تنفيذ كل ما يرغبن به على مرأى من عدالة متساهلة. ويضيف سوليتز: “نحن بحاجة إلى رجال”، متجاهلا وجود الأطفال المشردين. ولو لم تضع البيروقراطية على أفواه العاملات ختم الصمت لأجبنه قائلات: “إذن فلتنجبوا أنتم الأطفال !” لقد نسي هؤلاء السادة أن على الاشتراكية أن تلغي الأسباب التي تدفع المرأة إلى الإجهاض لا أن تدفع الشرطي ليتدخل بكل قحة في الحياة الخاصة للمرأة فارضا عليها “سعادة الأمومة”.
ولقد تعرض مشروع قانون الإجهاض لمناقشة عامة. وقد اضطرت مصفاة الصحافة السوفياتية الضيقة للسماح بتسرب عدد من الشكوى المريرة والاحتجاجات المكتومة. ثم انتهت المناقشة بسرعة كما بدأت. وقد جعلت السلطات في 27 حزيران / يونيو 1936 من المشروع السافل قانونا مثلث السفالة. وأبدى كثير من المحامين العاملين في كنف البيروقراطية تبرّمهم منه. وكتب لويس فيشر أن القانون الجديد هو مجرد سوء فهم مؤسف. والحقيقة أن هذا القانون الموجه ضد المرأة والذي يرسي بالنسبة للسيدات المحترمات نظام استثناءات هو أحد النتائج الطبيعية للردة التيرميدورية16.
إن رد الاعتبار الاحتفالي للأسرة الذي ترافق مع رد اعتبار الروبل – يا للصدفة الإلهية ! – يعود إلى فقر الدولة ماديا وثقافيا. بدل أن يقول قادة النظام: “كنا فقراء وجهلاء لدرجة منعتنا من تأمين علاقات اشتراكية بين الناس، إلا أن أولادنا وأحفادنا سيفعلون ذلك”، يقومون بترميم بناء الأسرة المحطم. ويفرضون عبر التهديد بالعقوبات القاسية عقيدة الأسرة التي تشكل القاعدة المقدسة للاشتراكية المظفرة، ومن الصعوبة بمكان قياس عمق هذا التراجع !
ويجرف التطور الجديد كل ما أمامه، الأديب ورجل القانون، والقاضي والميليشيا، والصحيفة والتعليم. وعندما كتب شيوعي شاب شريف وسليم النية لصحيفته: “يستحسن أن تجدوا حلا لهذه المعضلة: كيف تستطيع المرأة أن تهرب من كماشة الأسرة ؟” تلقى ردا قاسيا فصمت. إن كتاب ألف باء الشيوعية17 اعتبر إغراقا في اليسارية. بينما تنتعش الأفكار المسبقة الفجة والسخيفة للطبقات الوسطى الجاهلة لتأخذ صفة الأخلاق الجديدة. وماذا يجري في حياة الأصقاع النائية اليومية لبلاد مترامية الأطراف ؟ إن الصحافة لا تكشف عمق الردة التيرميدورية داخل الأسرة إلا بمقدار بالغ الضآلة.
وتتنامى رغبة الوعاظ النبيلة مع ازدياد الرذائل، وتكتسب الوصية السابعة18 شعبية كبيرة في الأوساط الحاكمة، وليس على الأخلاقيين السوفيات إلا أن يغيروا قليلا في تركيب الجمل. لقد بدأت حملة ضد الطلاق السهل كثير الوقوع. ويبشر الفكر الخلاق للمشرعين بتدبير “اشتراكي” يتضمن دفع رسوم تسجيل الطلاق، وزيادة هذه الرسوم عند التكرار. إننا لم نخطئ عندما قلنا إن الأسرة تتجد في الوقت الذي يستعيد فيه الروبل دوره، ونحن نأمل أن لا تكون الرسوم عائقا أمام أفراد الوسط الحاكم. إن من يملكون شققا جيدة وسيارات ووسائل رفاهية أخرى ينظمون شؤونهم الخاصة دون دعاية نافلة، وبالتالي من غير تسجيل. وليس للدعارة وجه مخز أليم إلا في قاع المجتمع السوفياتي. أما في قمة هذا المجتمع حيث تتحد السلطة مع الرفاهية فإنها تأخذ مظهرا أنيقا على شكل خدمات صغيرة متبادلة، لا بل مظهر “العائلة الاشتراكية”. وقد سبق وعرّفنا سوسنوفسكي على أهمية عامل “السيارة – الحريم” وراء انحطاط القادة.
إن “لأصدقاء” الاتحاد السوفياتي العاطفيين والأكاديميين عيونا لا يرون بها. إن قانون تنظيم الزواج الذي قدمته ثورة أوكتوبر، فكان في حينه مصدر فخر، قد عدّلته وشوّهته استعارات كبيرة من الكنز القانوني للبلاد البرجوازية. وكما لو كان هناك إصرار على جمع السخافة مع الخيانة، تجري الآن استعادة الحجج التي استخدمت في الماضي للدفاع عن حريتي الإجهاض والطلاق غير المشروطتين – “تحرير المرأة” “الدفاع عن الحقوق الشخصية” “حماية الأمومة” – وذلك للحد من هاتين الحريتين أو حظرهما معا.
ويأخذ التراجع شكل نفاق مقزز، ويتجاوز في أبعاده حجم الضرورة الاقتصادية القاسية. وتضاف إلى الذرائع الموضوعية للعودة للقواعد البرجوازية، من مثل دفع نفقة غذائية للطفل، المصلحة الاجتماعية للأوساط الحاكمة في تعميق الحق البرجوازي. وما المبرر القاهر للعبادة الحالية للأسرة سوى حاجة البيروقراطية لإيجاد تسلسل صلب للعلاقات الاجتماعية ولخلق شبيبة تتولى ضبطها 40 مليون أسرة تعمل كنقاط استناد للسلطة والحكم. وطالما كان يؤمل إيلاء الدولة مهمة تربية الأجيال الجديدة، عملت السلطة على فصل الأطفال عن عائلاتهم لتحصينهم ضد التقاليد القديمة، بدل الاهتمام بدعم سلطة البالغين، ولاسيما الوالد والوالدة. وخلال الخطة الخمسية الأولى كانت المدارس ومنظمات الشبيبة الشيوعية تدعو الأطفال لكشف الأب السكير أو الأم المتديِّـنة، وإحراجهما وتخجيلهما ومحاولة “إعادة تربيتهما”. الأمر الذي أدى إلى هز قواعد السلطة العائلية. لقد جرى تبديل جذري في هذا الحقل الذي لا يخلو من الأهمية. أعيد العمل بالوصية الخامسة19، إضافة للوصية السابعة، دون التطرق مرحليا إلى السلطة الإلهية. إلا أن المدارس الفرنسية تستغني هي الأخرى عن هذا الأمر، ولكن ذلك لا يمنعها من بث الروتين وروح المحافظة.
إن الاهتمام بسلطة الأهل قد استتبع تغييرا في السياسة المتبعة حيال الدين. وكان نكران الله ومساعديه ومعجزاته من أخطر عوامل التجزئة التي استخدمتها السلطة الثورية لتفريق الآباء عن الأبناء. إلا أن النضال ضد الكنيسة الذي قاده رجال من أمثال ياروسلافسكي تجاهل تطور الثقافة، والدعاية الجدية، والتربية العلمية، فانتهى في أغلب الأحيان إلى ترهات وتنكيدات. ثم انتهى الهجوم على السماوات مثلما انتهى الهجوم على العائلة، وأمرت البيروقراطية، الراغبة بتحسين سمعتها، الشباب الملحد بترك السلاح والبدء بالمطالعة. ولم يكن ذلك سوى البداية. إن نظاما من الحياد الساخر يتبلور تدريجيا بالنسبة للدين. هذه هي المرحلة الأولى، وليس من الصعب توقع المرحلتين التاليتين إذا تعلق سير الأمور بالسلطات الحاكمة فقط.
إن التضادات الاجتماعية تضاعف على الدوام وفي كل مكان من نفاق الآراء السائدة: وهذا هو تقريبا القانون التاريخي لتطور الأفكار مترجما بلغة حسابية. وتعني الاشتراكية الحقة علاقات متجردة بين الناس، وصداقة بدون حسد ودسائس، وحبا دون حسابات دنيئة. وتعلن السلطات الرسمية أن هذه القواعد المثالية قد تحققت، وذلك بشدة تتناسب مع شدة احتجاج الحقيقة على مثل هذه التأكيدات. ويقول برنامج الشبيبة الشيوعية السوفياتية الجديد المعلن في نيسان / أبريل 1936: “تخلق اليوم أسرة جديدة، تهتم الدولة السوفياتية بتفتحها، وذلك على أرض المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة”. وأضاف معلق رسمي قائلا: “لا يدفع شبيبتنا لاختيار الرفيق أو الرفيقة سوى الحب. ولا مكان للزواج البرجوازي المبني على المصلحة في جيلنا الصاعد”. (البرافدا 4 نيسان / أبريل 1936). ويتمتع هذا القول بصحة كبيرة إذا نظرنا إلى وسط العمال والعاملات الشباب. ولكن زواج المصلحة قليل الانتشار أيضا في أوساط عمال البلاد الرأسمالية. ويختلف الأمر بالمقابل في الشرائح السوفياتية العليا والمتوسطة، إذ تلحق التجمعات الاجتماعية الجديدة العلاقات الشخصية بدائرة قراراتها بصورة آلية. وتزدهر المساوئ الناجمة عن السلطة والمال في حقل العلاقات الجنسية وسط البيروقراطية السوفياتية كما لو كان هدفها اللحاق بالبرجوازية الغربية في هذا المجال.
لقد بعث حيا “زواج المصلحة”، بالتناقض المطلق مع تأكيد البرافدا الذي اشرنا إليه أعلاه. والصحافة السوفياتية تؤكد كلامنا سواء أكان ذلك بدافع الضرورة أو بفعل ميل عارض إلى الصراحة. وتكتسب الوظيفة والأجر والعمل وعدد الأشرطة على الأكمام أهمية تزداد مع الأيام، لأن مسائل الأحذية والفرو والمسكن والحمام والسيارة – حلم الأحلام – مرتبطة بها. ويجمع الصراع على الغرف ويفرق عددا لا بأس به من الأزواج في موسكو كل عام. ولمسألة أولياء الأمور أهمية خاصة. فمن المفيد أن يكون والد الزوجة ضابطا أو شيوعيا متنفذا، أو أن تكون أمها شقيقة شخصية كبيرة. فمن يستغرب هذا، وهل يمكن أن يكون الأمر غير ذلك ؟
إن انهيار الأسرة وتحطمها بسبب التطلعات الجديدة للزوج، بعد أن يغدو عضوا في الحزب أو عضوا فعالا في نقابة من النقابات أو ضابطا أو مديرا فيما زوجته مسحوقة تحت أعباء الأسرة لا تستطيع رفع مستواها، عبارة عن فصل درامي في كتاب المجتمع السوفياتي. وتحدد مأساة المرأة المتأخرة المهجورة طريق جيلين من البيروقراطية السوفياتية. ويمكن ملاحظة الحالة نفسها اليوم في الجيل الجديد. وإننا لنجد أكثر أشكال القسوة والقحة شدة في المستويات البيروقراطية العليا، حيث يعتبر محدثو النعمة الجهلاء، وهم يشكلون نسبة مرتفعة، أن كل شيء مسموح لهم. وستكشف الذاكرة والوثائق يوما من الأيام الجرائم الحقيقية المرتكبة ضد الزوجات القديمات والنساء بصورة عامة على يد وعاظ الأخلاق العائلية ودعاة “سعادة الأمومة” الإجبارية، التي يعتبرها القانون غير قابلة للانتهاك.
كلا، إن المرأة السوفياتية لم تتحرر حتى الآن. وتقدم المساواة لنساء الشرائح العليا التي تعيش من العمل البيروقراطي والتقني والتعليمي والفكري على وجه العموم، فوائد تفوق ما تقدمه للعاملات والفلاحات على وجه الخصوص. وما دام المجتمع عاجزا عن القيام بأعباء الأسرة المادية فإن الأم غير قادرة على ممارسة وظيفة اجتماعية إلا إذا كانت تملك رقيقا أبيض كالمرضعة والخادمة والطباخة… الخ. ويبني 5 بالمئة – 10 بالمئة من عائلات الاتحاد السوفياتي رفاهيتهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حساب عمل الخدم. ومعرفة عدد الخدم الصحيح في الاتحاد السوفياتي مفيدة لمعرفة حقيقة وضع المرأة من وجهة النظر الاشتراكية، أكثر من كل القوانين السوفياتية مهما كانت تقدمية. ولكن الإحصائيات تخفي الخدم تحت باب العاملات أو “وظائف أخرى” !
ويختلف وضع ربة الأسرة الشيوعية المحترمة التي تستخدم خادمة، وهاتفا لطلب ما تبغيه من المخازن، وسيارة لتنقلاتها، اختلافا كليا عن وضع العاملة التي تجري من حانوت إلى آخر وتطبخ عشاءها وتجلب أطفالها من حديقة الأطفال، عندما يتوفر لهم في حديقة الأطفال مكان. ولا يمكن لأي شعار اشتراكي أن يخفي هذه المفارقة الاجتماعية التي لا تقل عن تلك الموجودة في البلاد الغربية بين السيدة البرجوازية والمرأة العاملة.
ولا تحتاج الأسرة الاشتراكية الحقيقية، التي حررها المجتمع من المتاعب اليومية الثقيلة والمهينة، إلى أي تنظيم. ولا تبدو لها فكرة القوانين حول الطلاق والإجهاض أفضل من ذكرياتها عن بيوت الدعارة أو التضحيات البشرية. ولقد خطت تشريعات أوكتوبر خطوة جريئة في صالح هذه الأسرة. ولكن التأخر الاقتصادي والثقافي للبلاد خلق ردة قاسية. وتتراجع قوانين التيرميدوريين نحو الأشكال البرجوازية مخفية تراجعها بجمل كاذبة حول قداسة الأسرة “الجديدة”. وتختفي مظاهر الميوعة هنا تحت ستار من الاحترام الكاذب.
ويستغرب المراقبون الصادقون لوضع الأطفال، على وجه الخصوص، التناقض بين المبادئ السامية والحقيقة المحزنة. إن مجرد استخدام العقوبات الجزائية القاسية ضد تشريد الأطفال يدعونا إلى التفكير بأن القوانين الاشتراكية الموضوعة لصالح المرأة والطفل ليست سوى نفاق بحت. أما المراقبون من النوع المعاكس فهم مبهورون بحجم الخطة التي أخذت شكل قوانين وأجهزة إدارية وبشهامتها. ولدى مرأى الأمهات والعاهرات والأطفال المشردين البائسين يقول هؤلاء المتفائلون أن تزايد الثروة المادية سيحوّّل القوانين الاشتراكية شيئا فشيئا إلى حقيقة. وليس من السهل معرفة أي هذين النوعين من التفكير أكثر خطا وأشد ضررا. وعلى المرء أن يكون مصابا بالعمى التاريخي لكي لا يرى اتساع الخطة الاشتراكية وجسارتها، وأهمية المراحل الأولى من تنفيذها وسعة الآفاق المفتوحة أمامها. إلا أنه ليس بالإمكان كذلك إلا أن نغتاظ من التفاؤل السلبي، اللامبالي في الواقع، الذي نجده لدى من يغمضون أعينهم عن تنامي التناقضات الاجتماعية، ويعزون النفس بآفاق مستقبل يطرحون ترك مفاتيحه للبيروقراطية. كما لو أن المساواة بين الرجل والمرأة لم تصبح عند البيروقراطية مساواة في إنكار كل حق ! وكما لو أن البيروقراطية عاجزة عن صنع نير جديد بدلا من الحرية !
ويعلمنا التاريخ كثيرا حول عبودية المرأة للرجل وعبوديتهما معا للمستغِل، ويذكر لنا الكثير عن جهد الشغيلة الذين دفعوا دماءهم ليحطموا هذا النير فلم يصلوا في الحقيقة إلا إلى تغيير القيود. ثم يصمت التاريخ ولا يذكر في النهاية شيئا آخر. فكيف يمكن تحرير الطفل والمرأة والرجل حقا ؟ إن الأمثلة الايجابية في هذا الصدد ناقصة. فكل التجارب الماضية سلبية، وتفرض على الشغيلة قبل كل شيء ضرورة الحذر من الأوصياء ذوي الامتيازات الذين لا يخضعون للمراقبة.
النضال ضد الشبيبة
يجد كل حزب ثوري دعمه الأساسي لأول وهلة في جيل الطبقة الصاعدة الجديد. ويمكن التعبير عن الشيخوخة السياسية بفقدان المقدرة على جذب الشبيبة. والأحزاب الديمقراطية البرجوازية التي تبعد نفسها عن المسرح السياسي مضطرة لتسليم الشباب للثورة أو الفاشية. عندما كانت البلشفية محظورة كان أفرادها من العمال الشباب بينما كان المنشفيك يستمدون قوتهم من أوساط العمال العالية والمسنة إلى حد بعيد. وكانوا يتباهون بذلك وينظرون إلى البلاشفة من عل. ولقد أظهرت تطورات الأحداث خطاهم، ففي اللحظة الحاسمة جرّت الشبيبة الرجال الناضجين وحتى المسنين.
وأعطى الانقلاب الثوري للجيل السوفياتي الجديد دفعة إلى الأمام وانتزعه مرة واحدة من التقاليد المحافظة وكشف أول أسرار الجدلية القائل بأنه ليس هنالك على الأرض شيء أبدي وأن المجتمع مكون من مواد قابلة للتشكل. وتظهر تجربة عصرنا غباء نظرية الأجناس التي لا تتبدل ! فالاتحاد السوفياتي بوتقة هائلة تذوب فيها صفات عشرات القوميات وتتوارى منها فكرة الروح السلافية كما حثالة المعادن.
ولكن الدفع الذي تلقاه الجيل الجديد لم يجد حتى الآن مخرجا في مشروع تاريخي ملائم. والشبيبة في الحقيقة فعّالة جدا في الحقل الاقتصادي. ففي الاتحاد السوفياتي 7 ملايين عامل تنقص أعمارهم عن 23 سنة، ويعمل 3,14 ملايين منهم في الصناعة و700 ألف في الورشات. ويشكل العمال الشباب في المصانع الجديدة العملاقة حوالي نصف اليد العاملة. وفي الكولخوزات اليوم 1,2 مليون شاب شيوعي. وهناك مئات الآلاف من الشيوعيين الشباب الذين ذهبوا في السنوات الأخيرة للعمل في الورشات ومناجم الفحم والغابات ومناجم الذهب في القطب الشمالي أو سخالين أو على شواطئ نهر آمور حيث تبنى مدينة جديدة هي كومسومولسك (مدينة الشبيبة الشيوعية). ويقدم الجيل الجديد عمال الصدمة، والعمال المهرة، والاستاخانوفيين ورؤساء العمال وصغار الإداريين. وهم يدرسون بهمة واجتهاد في أغلب الأحيان، ويشاركون في حقل الرياضة بشكل فعال وخاصة الرياضة الخطرة كالقفز بالمظلات أو رياضات القتال كالرمي، ويذهب المندفعون منهم مع الحملات الاستكشافية الخطيرة من كل نوع.
ويقول مكتشف المنطقة القطبية المعروف شميدت: “إن خيرة شبيبتنا يرغبون بالعمل الصعب”. هذه هي الحقيقة بلا شك، ومع هذا يبقى جيل ما بعد الثورة في كل المجالات تحت الوصاية. فماذا يعمل وكيف يعمل ؟ إن كل شيء محدد له من قبل رؤسائه، والسياسة، شكل القيادة الأمثل، تبقى بمجملها بين أيدي ما يسمى بالحرس القديم. وفي حين يظهر الكبار للشبيبة محبتهم وإعجابهم، يحافظون بكل حرص على احتكارهم.
كان انجلس يرى أن تطور المجتمع الاشتراكي لا يتم دون “زوال” الدولة، أي قيام الإدارة الذاتية للمنتجين والمستهلكين مكان جميع المؤسسات البوليسية. وكان يولي مهمة إكمال هذا العمل للجيل الجديد “الذي سيكبر في مناخات الحرية الجديدة، ويجد نفسه قادرا على أن يضع على الرف كل التفاهات القديمة المتعلقة بالدولة”. وأضاف لينين في هذا المجال: “وكل ما يتعلق بالدولة بما في ذلك ما يخص الجمهورية الديمقراطية…”. هكذا فكر انجلس ولينين بمنظور بناء المجتمع الاشتراكي: يبدأ الجيل الذي استولى على السلطة، الحرس القديم بتصفية الدولة ثم يأتي الجيل الذي يليه لينهي هذا العمل.
فما هي الحقيقة الآن ؟ إن 43 بالمئة من شعب الاتحاد السوفياتي مولود بعد ثورة أوكتوبر. فإذا عيَّنا حدود الأجيال عند 23 سنة، وجدنا أكثر من 50 بالمئة من الشعب السوفياتي لم يبلغ هذه الحدود. أي أن أكثر من نصف السكان لم يعيشوا تجربة أي نظام غير النظام السوفياتي. ولكن هذا الجيل لا يكبر في “ظروف الحرية” كما فكَّر انجلس. إنه ينمو تحت النير غير المحتمل للشريحة الحاكمة التي تدعي أنها قامت بثورة أوكتوبر. ففي المصنع والكولخوز والثكنة والجامعة والمدرسة وحديقة الأطفال، لكي لا نقول في دور الحضانة، تقاس فضائل الإنسان بمقدار إخلاصه لرؤسائه وطاعتهم دون جدال. وكثير من المثل التعليمية تبدو وكأنها مستوحاة من غوبلز لو أن غوبلز نفسه لم يأخذها إلى حد بعيد من بطانة ستالين.
وتدخل الشكليات والنفاق بعمق في تعليم الطلاب وفي حياتهم الاجتماعية. ولقد تعلم الأطفال حضور الكثير من الاجتماعات حيث يختنقون من الملل مع مجلس رئاستهم الفخري الذي لا بد منه، وتبخيرهم للرؤساء المحبوبين، ومناقشتهم الامتثالية المدروسة مسبقا والتي يقول المرء خلالها شيئا ويفكر بشيء آخر. فإذا ما حاولت نوادي الطلاب البريئة أن تخلق وسط هذه الصحراء واحة انصبت عليها تدابير زجرية قاسية. ويتدخل البوليس السياسي في المدارس المسماة “اشتراكية” ليفتت المعنويات بالوشاية والخيانة. ويبدي أعقل المربين ومؤلفي الكتب الخاصة بالأطفال، رغم تفاؤلهم الرسمي، خوفهم من الضغط والنفاق والملل الذي يثقل كاهل المدارس.
إن الجيل الجديد محروم من خبرة الثورة وصراع الطبقات فلا يمكنه أن يعدّ نفسه ليشترك بكل وعي في الحياة الاجتماعية إلا وسط ديمقراطية سوفياتية عن طريق الاجتهاد في دراسة تجارب الماضي ودروس الحاضر. ولا ينمو الفكر والشخصية الفرديّان بدون نقد. ولكن فكرة تبادل الآراء والوقوع في الخطأ ومراجعة الأخطاء الشخصية وأخطاء الآخرين وتصحيحها فكرة محرمة على الشبيبة السوفياتية. وتحل كافة المسائل حتى المتعلقة بها دون أخذ رأيها، وما عليها سوى التنفيذ والتسبيح بالحمد. وترد البيروقراطية على كل نقد بقصف رقبة من يجرؤ عليه. إنها تقمع كل ما هو موهوب ومتمرد لدى الشبيبة، تزيله من الوجود، أو تبيده جسديا. وهكذا يمكن تفسير لماذا ملايين وملايين الأعضاء في منظمات الشبيبة الشيوعية لم يكوّنوا إلى اليوم شخصية بارزة واحدة.
إن الشبيبة التي تندفع في مجالات التقنية والعلوم والآداب والرياضة والشطرنج تبدو كما لو كانت تتدرب على نشاطات أسمى بكثير. وهي تتنافس في كل هذه المجالات مع الجيل القديم سيء الإعداد فتلحق به وتتجاوزه في بعض الأحيان. فإذا ما اقتربت من السياسة أحرقت السياسة أصابعها، لذا فأمامها ثلاثة احتمالات: أن تنضم إلى البيروقراطية وتنجح في العمل، أو أن تخلد للصمت وتذوب في العمل الاقتصادي والعلمي وفي حياتها الخاصة، أو أن تلقي بنفسها خارج القانون وتتمرس بالصراع وتعد نفسها للمستقبل. إن العمل البيروقراطي مقفل إلا في وجه أقلية ضئيلة، وفي القطب الآخر تأتي المعارضة جماعات قليلة، ويبقى القسم المتوسط كثير التنوع. وهنالك سيرورات غير مرئية كبيرة المعنى تتم تحت ضغط المدحلة وسيكون لها أهمية بارزة في تحديد مستقبل الاتحاد السوفياتي.
إن اتجاهات التقشف خلال الحرب الأهلية أخلت المكان في مرحلة السياسة الاقتصادية الجديدة لصالح عقليات أكثر أبيقورية20 ، لكي لا نقول أكثر ميلا للانغماس في اللذات. وفي مرحلة الخطة الخمسية الأولى ساد تقشف قسري بالنسبة للجماهير والشبيبة وحسب، في حين كان المسؤولون يتمتعون برفاهيتهم الشخصية. وتتصف مرحلة الخطة الخمسية الثانية بوجود رد فعل عنيف ضد الحرمان، وتفكير بالمكاسب الشخصية بين صفوف المواطنين عامة والشباب بصورة خاصة. فالأقلية الضئيلة التي تتوصل الارتفاع فوق مستوى الجماهير، انطلاقا من أوساط الشبيبة السوفياتية، تجد الباب مفتوحا أمامها نحو إمكانية اللحاق بالأوساط الحاكمة. من جهة أخرى، تقوم البيروقراطية باختيار موظفيها ووصولييها وبتكوينهم بصورة واعية.
ويؤكد المعلق الرئيسي لمؤتمر الشبيبة الشيوعية المنعقد في نيسان / أبريل 1936 أن “الشبيبة السوفياتية لا تعرف ما هي الرغبة بالثراء، وتجهل الدناءة البرجوازية الصغيرة والأنانية المنحطة”. ويبدو هذا الكلام زائفا حيال الشعار السائد اليوم: “رفاهية وحياة رغيدة”، والعمل بالقطعة والمكافآت والأوسمة. ليست الاشتراكية تقشفا، إنها تتعارض بشدة مع التقشف المسيحي وكل دين آخر، ذلك أنها تتعلق بهذا العالم وحسب، ولكنها تمتلك سلـَّمها للقيم الأرضية. ولا تبدأ الشخصية الإنسانية، بالنسبة إليها، مع الاهتمام بالحياة الراغدة، بل على العكس، حيث يتلاشى هذا الاهتمام. إلا أنه ليس هنالك جيل قادر على القفز فوق نفسه. إن كل حركة استاخانوف مبنية حتى هذا الحين على الأنانية، ومقياسها الوحيد هو عدد البنطلونات وربطات العنق التي يمكن شراؤها بثمن العمل، ويدل هذا المقياس على “الدناءة البرجوازية الصغيرة” الكامنة فيه. وقد تكون هذه المرحلة ضرورة تاريخية ولكن ذلك لا يمنعنا من أن نراها على حقيقتها. وتفتح العودة إلى العلاقات التجارية دون شك إمكانية تحسين ملموس للرفاهية الفردية، وإن رغبة الشباب السوفياتي في أن يكونوا مهندسين لا ترجع إلى حبهم للبناء الاشتراكي، بل لكون المهندسين يكسبون أكثر من الأطباء والمعلمين بكثير. وعندما تتكشف مثل هذه الميول في جو من الضغط الفكري والردة الإيديولوجية، وعندما يرخي المسؤولون العنان لغرائز الوصوليين ينحط تكوين “الثقافة الاشتراكية” إلى مستوى تربية أنانية معادية للمجتمع إلى أبعد الحدود.
إنه لافتراء قاس، مع ذلك، اتهام الشبيبة السوفياتية بالنفعية بصورة مطلقة، أو رئيسية. لا. إنها في مجملها كريمة ومدركة وجريئة. ولا تلوثها الوصولية إلا بشكل سطحي، بينما تكمن في أعماقها ميول متنوعة لم تتوضح بعد غالبا، وشجاعة تنتظر آفاقا للعمل. وتعيش الوطنية السوفياتية الجديدة على هذه الآمال بصورة جزئية. إنها عميقة ومخلصة وفعالة ولكنها تعاني كذلك من سوء التفاهم بين شيوخها وشبابها. وتجد الصدور الشابة النقية جو النفاق خانقا لا يمكن فصله عن الردة التيرميدورية، أي الردة التي ما تزال مكرهة على ارتداء لباس الثورة. إن التناقض الصارخ بين الشعارات الاشتراكية والحقيقة التي نعيش فيها يدمر الثقة بالقوانين والنظم الرسمية. ويتخذ كثير من الشباب حيال السياسة موقفا متعاليا ويصطنعون في حركاتهم الفظاظة، لا بل انعدام الحشمة والوقار. وتعبِّر القحة وعدم المبالاة في العديد من الحالات، وربما في غالبيتها، عن إشكال بدائية للتذمر والرغبة بالانطلاق بحرية. وتدل عمليات الطرد من الشبيبة والحزب، وعمليات التوقيف والنفي لمئات الآلاف من الشباب، سواء أكانوا من “الحرس الأبيض” و”الانتهازيين” أو من البلاشفة اللينينيين، على أن مصادر المعارضة السياسية الواعية من اليمين واليسار لا تنضب، بل إنها تزايدت خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وأخيرا فإن الأكثر حماسا وفراغ صبر، والأقل اتزانا الذين جُرحت مشاعرهم أو مُسَّت مصالحهم، يلجؤون إلى الانتقام والإرهاب. هذه هي الصورة التقريبية اليوم للذهنية السياسية للشبيبة السوفياتية.
إن تاريخ الإرهاب الفردي في الاتحاد السوفياتي يطبع بقوة مراحل التطور العام للبلاد. ففي فجر سلطة السوفيات نظم البيض والاشتراكيون الثوريون محاولات إرهابية في أجواء الحرب الأهلية. وعندما فقدت الطبقات المالكة القديمة كل أمل بالعودة إلى السلطة توقف الإرهاب. ولكن اعتداءات الكولاك، التي امتدت حتى الوقت الأخير، كان لها طابع محلي، إذ كانت تكمل حرب عصابات ضد النظام. إن الإرهاب الأكثر حداثة لا يعتمد على الطبقات الحاكمة القديمة، أو على الفلاحين الأغنياء. فإرهابيو الجيل الجديد، يظهرون حصرا بين الشباب السوفياتي، والشبيبة الشيوعية، والحزب، وأبناء الحكام أنفسهم. إن الإرهاب الفردي، العاجز عن حل المعضلات التي تواجهه، له مع ذلك مغزى كبير، من حيث يطبع حدة التضاد بين البيروقراطية والجماهير الشعبية عامة، والشبيبة بوجه خاص.
ويمكن اعتبار النشوة الاقتصادية، والقفز بالمظلات، والحملات القطبية، ونزعة اللامبالاة الواضحة، و”الرومانسية المبتذلة”، والذهنية الإرهابية، وعمليات الإرهاب العرضية، دلائل على قرب انفجار تذمر الشباب ضد وصاية الشيوخ الثقيلة. وقد تكون الحرب صمام أمان لبخار التذمر المتجمع. ولكنها لن تكون صماما لمدة طويلة، لأن الشبيبة تكسب خلالها ما ينقصها من صلابة المحاربين وإرادتهم، كما يفقد الشيوخ كثيرا من سمعتهم. وقد توفر الحرب للبيروقراطية، في أحسن الظروف، فترة تأجيل جديدة، ولكن حدة الصراع السياسي بعد الحرب ستكون شديدة.
ومن الخطأ تصوير مشكلة الاتحاد السوفياتي، على أنها مشكلة أجيال. إذ تعتبر البيروقراطية أن بين الشيوخ عددا لا بأس به من الأعداء الظاهرين أو المستترين، كما أن هنالك مئات الآلاف من الشباب البيروقراطيين المكتملين. ولكن، سواء انطلق الهجوم ضد الشرائح الحاكمة من اليمين أو اليسار، فسيجد المهاجمون قوتهم الرئيسية في الشبيبة المخنوقة المتذمرة المحرومة من الحقوق السياسية. والبيروقراطية تفهم هذا الأمر جيدا، فيها بالغة الحساسية ضد كل ما يهددها، وتقوم بتقوية مواقعها مسبقا، فتحفر خنادقها الرئيسية، وتبني معاقلها الحصينة في وجه الجيل الجديد.
لقد أشرنا سابقا، إلى أنه انعقد في الكرملين في نيسان / أبريل 1936 مؤتمر الشبيبة الشيوعية العاشر. لم يحاول أحد بالطبع أن يفسر سر عدم انعقاد هذا المؤتمر، خلافا للأنظمة، خلال خمس سنوات. لقد تكشف حالا أن هذا المؤتمر تعرض لعملية اختيار وتصفية بكل عناية، قبل أن يجتمع ليصادر الشبيبة بالمعنى السياسي: لقد فقدت “الكومسومول” – أو منظمة الشبيبة الشيوعية – حتى من الناحية القانونية، كل حق بالاشتراك في الحياة الاجتماعية، حسبما يظهر من أنظمتها الجديدة. أصبحت التربية والتعليم مجال نشاطها الوحيد. ولقد أعلن السكريتير العام للشبيبة الشيوعية، بناء على أوامر رؤسائه: “إن علينا… إيقاف الثرثرة حول الخطة الصناعية والمالية، بصدد انخفاض سعر التكلفة، وتوازن الحسابات، والبذار وكل مهام الحكومة الأخرى، كما لو كان لنا أن نتخذ القرار حولها”. إن الأمر المتعجرف “بإيقاف الثرثرة”، الذي لم يثر أي حماس في مؤتمر مخضع كليا يبدو مدهشا إذا عرفنا أن القانون السوفياتي، يحدد سن الرشد السياسي بـ 18 سنة، ويمنح الشباب من الجنسين، اعتبارا من هذا السن، حق الانتخاب، بينما كان الحد الأعلى لسن الشبيبة الشيوعية حسب الأنظمة القديمة 23 سنة، علما بأن ثلث أعضاء المنظمة قد تجاوزوا هذا الحد. ولقد قام المؤتمر بالتصويت على تعديلين: أولهما رفع حدود سن أعضاء المنظمة، لزيادة عدد الشبيبة المنتخبة، وثانيهما حرمان المنظمة من حق التدخل في السياسة العامة (الأمر الذي لم يكن موضع بحث) ، لكن كذلك في المواضيع الاقتصادية العادية. إن رفع حدود السن ناجم عن زيادة صعوبة عملية الانتقال من منظمة الشبيبة الشيوعية إلى الحزب. أما إلغاء ما تبقى من الحقوق السياسية، لا بل مجرد مظهرها، فناجم عن الرغبة في إخضاع الشبيبة الشيوعية نهائيا للحزب الذي تم تطهيره. والتدبيران متناقضان، ولكن لهما سببا مشتركا، هو خوف البيروقراطية من الجيل الجديد.
أما مقدمو تقارير المؤتمر، الذين كانوا ينفذون، باعترافهم، مهمات كلفهم بها ستالين – وهذه التحذيرات كانت تتجه لإلغاء أي نقاش – فقد شرحوا هدف التعديل بصراحة مدهشة قائلين: “لسنا بحاجة لحزب آخر”. وقد كان هذا اعترافا بأن القياديين يخشون أن تتحول الكومسومول، في حال عدم قمعها نهائيا، إلى حزب ثان. ولتحديد الاتجاهات المحتملة لهذا الحزب الافتراضي، أضاف احد المتحدثين هذا الإنذار: “لقد حاول تروتسكي في حينه أن يقنع الشبيبة، التي كان يغازلها بديماغوجية، بفكرة مناهضة للينينية والبلشفية تقول بضرورة خلق حزب آخر”. وينطوي تلميح المتحدث على مفارقة تاريخية: لقد اكتفى تروتسكي آنذاك بالتحذير من أن البقرطة اللاحقة للنظام ستؤدي حتما إلى القطيعة مع الشبيبة، وتهدد بولادة حزب آخر. وليس هذا مهما: إن الإحداث التي أكدت صحة هذا الإنذار جعلت منه برنامجا كاملا. ولم يحتفظ الحزب بجاذبيته بعد انحطاطه إلا بالنسبة للوصوليين. أما الشباب والشابات الشرفاء والقادرون على التفكير فلا يسعهم إلا التقزز من هذه العبودية البيزنطية، ومن البلاغة الزائفة التي تخفي الامتيازات والتعسف، ومن تبجح البيروقراطيين التافهين الذين اعتادوا على أن يمتدحوا بعضهم بعضا، ومن كل هؤلاء الماريشالات الذين إذا لم ينتزعوا يوما نجوم السماء، فقد رصعوا بها كل بزاتهم. إذن فالأمر لم يعد يتعلق بخطر ظهور حزب آخر، كما كانت الحالة منذ 12 أو 13 سنة، ولكن بضرورة إيجاد هذا الحزب كقوة وحيدة قادرة على متابعة ثورة أوكتوبر. إن تعديل أنظمة الشبيبة الشيوعية، حتى ولو تدعم بتدابير بوليسية جديدة، لن يمنع الشبيبة من أن تكسب قوة الرجال وتدخل في صراع مع البيروقراطية. ففي أي اتجاه ستسير الشبيبة في حالة الانقلاب السياسي ؟ وتحت أية راية ستتجمع ؟ ليس هنالك من يستطيع إعطاء جواب أكيد على هذه الأسئلة. والشبيبة نفسها أعجز من غيرها على إيجاد هذا الجواب، فهنالك عوامل متناقضة تتفاعل في ضميرها. إن أحداثا تاريخية ذات أهمية عالمية ستجبر هذه الجماهير في المحصلة على اتخاذ قرارها: حرب، انتصارات فاشستية جديدة، أو على العكس، انتصار الثورة في الغرب. وستقنع البيروقراطية في كل الأحوال بأن الشبيبة المحرومة من الحقوق تشكل في التاريخ عاملا متفجرا من الدرجة الأولى.
إن الأوتوقراطية الروسية التي تكلمت في عام 1894 بلسان القيصر الشاب نيقولا الثاني، كانت ترد على أعضاء الزيمستفوات21 الذين أظهروا بحياء رغبتهم بالاشتراك في الحياة السياسية، قائلة: ” أحلام مجنونة !”. وأنها لكلمات مأثورة. أما في عام 1936، فتجيب البيروقراطية على التطلعات المرتبكة إلى الآن لدى الجيل السوفياتي الجديد بأمر صارم “لإيقاف الثرثرة”. ولسوف تدخل هذه الكلمات أيضا في التاريخ، وسيدفع النظام الستاليني ثمنا لا يقل عما دفعه النظام القديم الذي كان يرأسه نيقولا الثاني.
الأمة والثقافة
إن السياسة القومية للبلشفية، بتحقيقها انتصار ثورة أوكتوبر، قد ساعدت الاتحاد السوفياتي على الصمود في مرحلة لاحقة رغم احتشاد قوى المعارضة الداخلية وعداء البلاد المجاورة، ثم جاء انحطاط الدولة البيروقراطي فأعاق هذه السياسة. ولقد كان لينين يعد العدة لخوض معركة أولى ضد ستالين، حول المسالة القومية، في مؤتمر في مؤتمر الحزب الثاني عشر في ربيع 1923، ولكنه اضطر للتخلي عن العمل قبل انعقاد المؤتمر. ولا تزال الوثائق التي كتبها آنذاك في ملفات الرقابة22.
إن الحاجات الثقافية للأمم التي توقظها الثورة تتطلب أوسع الاستقلال. أما الاقتصاد فلا يمكن أن يتطور جيدا إلا إذا خضعت كل أجزاء الاتحاد لخطة عامة ممركزة. والواقع أنه لا يمكن تفريق الاقتصاد عن الثقافة بحواجز واضحة. وقد تدخل الاتجاهات إلى الحرية الثقافية في صراعات مع المركزة الاقتصادية إلا أنها صراعات قابلة للحل. وإذا لم يكن هنالك صيغ جاهزة لحل مثل هذه الأمور، فإن الإرادة المرنة للجماهير ذات المصلحة الموجودة، ويمكن لمشاركتها الفاعلة في تقرير مصيرها يوما بيوم أن ترسم في كل مرحلة محددة حدود تفصل بين متطلبات المركزية الاقتصادية والمتطلبات الحيوية للثقافات القومية. إلا أن المأساة تعود بمجملها إلى كون إرادة سكان الاتحاد السوفياتي، المتجسدة في عناصرهم القومية المتنوعة تخضع لتزويرات البيروقراطية التي لا تنظر إلى الاقتصاد والثقافة إلا من زاوية المصالح الخاصة بالشريحة الحاكمة وتسهيلات الحكم.
صحيح أن البيروقراطية تقدم في هذين المجالين إسهاما تقدميا مستمرا ولكن بتكاليف كبرى باهظة. ويتعلق هذا القول قبل كل شيء بالقوميات المتأخرة في الاتحاد السوفياتي التي يتحتم عليها أن تمر بمرحلة الاستعارة والتقليد والامتصاص وهي مرحلة يمكن أن تطول أو تقصر. وتبني البيروقراطية لهذه القوميات جسرا نحو المحاسن الأولية للثقافة البرجوازية، وجزئيا ما قبل البرجوازية. ويقوم النظام بالنسبة لمناطق وقوميات متعددة بالدور التاريخي الذي قام به بطرس الأول وبطانته في روسيا القديمة، ولكن على مستوى أوسع وبسرعة أكبر.
يتم التدريس اليوم في الاتحاد السوفياتي بثمانين لغة على الأقل لم يكن لمعظمها أبجديات، أو كان لها أبجديات أسيوية، أرستقراطية جدا، فاستعيض عنها بأبجدية لاتينية يسهل على الجماهير تعلمها. وتصدر الصحف بعدد مساو من اللغات، وهي تعرّف الرعاة الرحل والمزارعين البدائيين بمبادئ الثقافة. تظهر صناعات في المناطق النائية التي كانت في الماضي مهملة، ويدمر الجرَّار التقاليد القديمة التي تعود إلى عصر القبيلة. ويظهر مع الكتابة الطب وفن الزراعة الحديثة. وليس سهلا تقويم هذا الاستخدام لشرائح جديدة من البشرية. إن ماركس لم يخطئ عندما قال: إن تطور الثورة قاطرة تجر التاريخ.
ولكن أقوى القاطرات عاجزة عن صنع المعجزات: إنها لا تبدل قوانين الكون، ولكنها تعجل سرعة الحركة. وتدل ضرورة تعليم عشرات الملايين أصول الكتابة وقراءة الصحف وأبسط مبادئ الصحة على أن أمامنا طريقا طويلا لا بد من اجتيازه قبل أن تنطرح جديا مسألة ثقافة اشتراكية جديدة. إن الصحف تنشر مثلا أن سكان سيبيريا الغربية البدائيين الذين كانوا يجهلون الاستحمام يملكون الآن “في كثير من القرى حمامات يؤمها الناس من مسافة 30 كيلومترا”. ويدل هذا المثال للتقدم الأولي على مستوى العديد من المكاسب الأخرى التي حصل عليها الشعب في كل المناطق وليس فقط في الأصقاع البعيدة والمتخلفة. وعندما أراد رئيس الحكومة الدلالة على انتشار التقدم قال: “إن الطلب قد زاد في الكولخوزات على الأسرّة المعدنية والساعات والألبسة الداخلية والبلوزات والدراجات”. وهذا يعني بدء الفلاحين الأغنياء باستخدام منتجات الصناعة التي دخلت حياة فلاحي الغرب منذ أمد بعيد. وتردد الصحافة باستمرار تنبؤاته حول “التجارة الاشتراكية المتمدنة”. ويتعلق الأمر في الواقع بإعطاء شكل جديد ونظيف وجذاب لمخازن الدولة وتزويدها بالأدوات وبتشكيلات كافية، وحفظ التفاح من العطب، وبيع الجوارب مع خيوط خاصة لترقيعها عند اللزوم، وتعويد الباعة على معاملة الزبائن باهتمام ولباقة، أي الوصول إلى مستوى التجارة الرأسمالية العادي. ومع ذلك فإننا لا نزال دون هذا الهدف الذي لا يمكن وصفه بالاشتراكية إطلاقا.
أما إذا تركنا القوانين والمؤسسات لحظة ونظرنا دون أوهام إلى حياة الجماهير اليومية، لرأينا أن تأثير إرث الحكم المطلق والرأسمالية يفوق في تأثيره على العادات تأثيرات بذور الاشتراكية. ويدلل الشعب على ذلك بتهافته على كل ما يأتيه من الغرب من وسائل الرفاهية الجاهزة. ويحاول المستخدمون والعمال السوفيات الشباب تقليد سلوك ولباس المهندسين والفنيين الأمريكيين الذين يقابلونهم في المصنع، وتلتهم المستخدمات والعاملات بنظراتهن السائحات الأجنبيات ليتعلمن طريقتهن في الملبس ويقلدن تصرفاتهن. فإذا ما نجحت إحداهن في ذلك التوجه غدت بدورها مجالا للتقليد. وتذهب العاملات كبيرات الأجر إلى حلاقي السيدات بدلا من تجعيد شعورهن بقصاصات الورق. وتتعلم الشبيبة “الرقصات الحديثة” بشغف. ويمكننا اعتبار كل هذه الأمور تقدما من نوع ما، ولكنها لا تدل في الوقت الحاضر على تفوق الاشتراكية على الرأسمالية، بل تدل على تفوق الثقافة البرجوازية على الثقافة البطريركية، وتفوق المدينة على الريف، والمراكز على المقاطعات، والغرب على الشرق.
وتقلد الأوساط السوفياتية المتميزة أعلى المستويات الرأسمالية، ويلعب دور الحكم في هذه المسائل الديبلوماسيون ومدراء التروستات والمهندسون الذين يسافرون غالبا إلى أمريكا وأوروبا. ولا يمكن للنقد أن يتعرض لهذه الأمور لأن من المحظر عليه التشهير من قريب أو من بعيد “بالعشرة آلاف” مسؤول قيادي. وهنا لا بد أن نذكر بمرارة فشل المبعوثين السوفيات في الخارج في الظهور بمظهر خاص بهم أمام الحضارة الرأسمالية. لأنهم لا يتمتعون بصلابة داخلية كافية تجعلهم يتعففون عن التعلق بالمظاهر ويحافظون على مواقعهم. إنهم يطمحون إجمالا إلى التقليل قدر الإمكان من تمايزهم عن المتأنقين البرجوازيين. إنهم بكلمة مختصرة لا يشعرون بأنهم ممثلو عالم جديد قدر إحساسهم بأنهم محدثو النعمة، وهم في الواقع يتصرفون على هذا الأساس.
إن اعتبار الاتحاد السوفياتي يتبع اليوم الخطوات الثقافية التي اختطتها البلاد المتقدمة في زمن بعيد على أسس رأسمالية هو نصف الحقيقة على الأقل. فليست الإشكال الاجتماعية الجديدة حيادية، وهي لا تكتفي بفتح السبيل أمام بلد متأخر للوصول إلى مستوى البلاد المتقدمة، بل تدفع التقدم ليسير بسرعة تفوق السرعة التي سار بها الغرب. وما ذلك إلا لأن رواد البرجوازية اخترعوا تقنيتهم وتعلموا تطبيقها على الاقتصاد والثقافة، بينما وجد الاتحاد السوفياتي مكسبا جاهزا حديثا، وهو لا يطبقه جزئيا وشيئا فشيئا، بل دفعة واحدة وعلى مدى واسع، بفضل تشريك وسائل الإنتاج.
وكثيرا ما امتدح العسكريون القدامى دور الجيوش في تثقيف الشعب وخاصة جماهير الفلاحين. إننا لا نريد أن تخدعنا الحضارة الخاصة التي تنشرها العسكرية البرجوازية، ولكننا لا ننكر أن كثيرا من العادات المفيدة لخدمة التقدم وصلت إلى الجماهير عن طريق الجيش. لهذا نرى الجنود وضباط الصف يسيرون غالبا على رأس الثوار في جميع الحركات الثورية، وخاصة حركات الفلاحين. ولا يؤثر النظام السوفياتي على حياة الجماهير الشعبية عن طريق الجيش فحسب، بل كذلك بواسطة أجهزة الدولة والحزب والشبيبة الشيوعية، والنقابات المتلاحمة مع الدولة. وتتم عملية هضم الأشكال الجاهزة للتقنية والعناية الصحية والفنون والرياضة في مهل أقصر بكثير من المدة التي أنفقها الغرب لإنشاء هذه الأشكال بالذات، وذلك بفضل ملكية الدولة، والديكتاتورية السياسية والإدارة المخطـَّطة.
ولو لم تقم ثورة أوكتوبر إلا بدفع العجلة وإسراع الخطى لأنصفها التاريخ وبرّر قيامها. لأن النظام البرجوازي المتهاوي لم يُظهر قدرته في أواخر القرن الماضي على تطوير بلد واحد متخلف في أي جزء من أجزاء العالم. ولقد قامت البروليتاريا الروسية بالثورة لأهداف أكبر من هذا الهدف بكثير، ولا تزال عناصرها المخلصة متمسكة بالبرنامج الشيوعي وآماله الكبيرة رغم النير المفروض عليها. وعلى البيروقراطية أن تتكيف مع البروليتاريا عن طريق توجه سياستها، وتفسير هذه السياسة . لذا فإن كل تقدم في الاقتصاد أو العادات يصبح، بغض النظر عن تفسيره التاريخي الصحيح ومعناه الحقيقي بالنسبة لحياة الجماهير، مكسبا كبيرا ولا مثيل له “للثقافة الاشتراكية”. لا ريب أن وضع فرشاة الأسنان وصابون التواليت بين أيدي ملايين الناس الذين كانوا يجهلون إلى عهد قريب أبسط مبادئ النظافة، انجاز حضاري كبير. ولكن الصابون وفرشاة الأسنان وحتى العطور التي تطلبها “نساؤنا” عاجزة عن صنع الثقافة الاشتراكية، خاصة إذا كانت هذه الرموز البائسة للحضارة في متناول 15 بالمئة فقط من الشعب.
إن “تحويل الناس” الذي تتكلم الصحافة السوفياتية دائما عليه يتم بسرعة ملحوظة وجيدة. ولكن هل هو تحويل اشتراكي، وإلى أي مدى ؟ لم يعرف الروس في الماضي إصلاحا دينيا كبيرا كالألمان، ولا ثورة برجوازية كبيرة كالفرنسيين. فإذا ما استبعدنا الثورة الإصلاحية البريطانية في القرن السابع عشر وجدنا أن الشخصية البرجوازية قد تشكلت في هاتين البوتقتين. وشكـَّل تطور هذه الشخصية مرحلة من أهم مراحل تطور الشخصية الإنسانية بصورة عامة، وجاءت ثورتا روسيا في عامي 1905 و1917 فحددتا بصورة قاطعة يقظة الشخصية الفردية وسط الجماهير وأكدتاها في وسط بدائي. لقد قامتا إذن بسرعة وعلى مستوى أضيق بالعمل التربوي للإصلاحات والثورات البرجوازية في الغرب. وقبل أن ينتهي انجاز هذا العمل أو تنفيذ خطوطه الرئيسية على الأقل وجدت الثورة الروسية المولودة في غسق الرأسمالية أنها مدفوعة عبر صراع الطبقات على طريق الاشتراكية. إن التناقضات في ميدان الثقافة تعكس أو تبدل اتجاهات التناقضات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن هذه القفزة، وتكتسب يقظة الشخصية الفردية مذ ذاك حتما سمات برجوازية صغيرة على مستوى الاقتصاد والعائلة والشعر. ولقد أصبحت البيروقراطية مثالا للروح الفردية المستفحلة التي لا يعود يكبحها كابح في بعض الأحيان. وفي حين تسمح بالفردية الاقتصادية وتشجعها (عمل بالقطعة، قطع أراضي للمزارعين، مكافآت وأوسمة) ، تقوم من جهة أخرى بالقمع الصارم للتجليات التقدمية للروح الفردية في إطار الثقافة العقلية (نظرات نقدية، تكوين أراء شخصية، كرامة فردية).
وكلما ارتفع مستوى جماعة قومية معينة ارتفع مستوى إنتاجها الفكري، ونما اهتمامها بمشاكل الفرد والمجتمع، وازداد تحسسها لثقل الكماشة البيروقراطية. ولا يمكننا أن نتكلم على فرادة الثقافات القومية مادامت هراوة رئيس جوقة واحد – أو بالأحرى هراوة شرطي واحد – تريد قيادة الوظائف الفكرية لكل شعوب الاتحاد السوفياتي. وليست الصحف والكتب الصادرة باللغة الأوكرانية أو الجيورجية أو التركية أو بلغة روسيا البيضاء سوى ترجمة للأوامر البيروقراطية بهذه اللغات. وتنشر الصحافة كل يوم في موسكو الترجمة الروسية للقصائد المهداة للرؤساء، التي يكتبها شعراء من القوميات المختلفة، فائزون بجوائز، وهذه القصائد هي بمجموعها منظومات بائسة لا يختلف بعضها عن البعض الآخر إلا بدرجة فراغها وتزلفها.
إن الثقافة الروسية الكبرى التي تعاني كغيرها من الثقافات القومية السوفياتية الأخرى، من هذا النظام العسكري، تعيش على حساب الجيل القديم الذي نشأ قبل الثورة. وتبدو الشبيبة كأنها مسحوقة تحت صخرة كبيرة. لسنا إذن إزاء اضطهاد قومية لأخرى، بالمعنى الحصري للكلمة، بل إزاء اضطهاد كل الثقافات القومية، بما فيها الثقافة الروسية من جانب جهاز بوليسي ممركز. وهنا لا بد لنا أن نذكر أن 90 بالمئة من صحف الاتحاد السوفياتي تظهر باللغة الروسية. وإذا كانت هذه النسبة تتناقض بشكل صارخ مع النسبة العددية للروس إلى مجموع شعوب الاتحاد، فهي تتناسب بشكل أفضل مع تأثير الحضارة الروسية ودورها الوسيط بين الغرب والشعوب السوفياتية المختلفة. ألا ينبغي أن نرى مع ذلك في الحصة المبالغ في ضخامتها التي أعطيت للروس في مجال النشر (والمجالات الأخرى) امتيازا قوميا فعليا، هو امتياز قوة عظمى على حساب القوميات الأخرى ؟ قد يكون ذلك صحيحا. ولكن من الصعب الإجابة على هذا السؤال الهام بتعابير قاطعة، ذلك أن الذي يحسمه في الحياة، ليس التعاون والتنافس والإنضاج المتبادل على صعيد الثقافات المختلفة، بل القرار التحكيمي الذي لا رجعة فيه، الذي تتخذه البيروقراطية. وبما أن الكرملين هو مركز السلطة، والمحيط يتبع المركز، فإن البيروقراطية المركزية تأخذ بالضرورة منحى ترويسيا23، في حين تعطي للقوميات الأخرى حقا واحدا لا يمكن الجدال فيه: هو حق امتداح الحكـَم بلغاتها الخاصة بها.
تتغير العقيدة الثقافية الرسمية بتغير التعرجات الاقتصادية والاعتبارات الإدارية. ولكنها تحافظ في كل تبدلاتها على سمة حاسمة على الإطلاق. فإلى جانب نظرية الاشتراكية في بلد واحد، حصلت نظرية “الثقافة البروليتارية”، التي كانت بقيت سابقا في المؤخرة، على التطويب الرسمي. إن أخصامها يقولون أن ديكتاتورية البروليتاريا عملية انتقالية على وجه الحصر، والبروليتاريا، بعكس البرجوازية، لا تفكر بالحكم على امتداد مرحلة تاريخية طويلة، وأن مهمة الجيل الحاضر من الطبقة الحاكمة الجديدة هي قبل كل شيء هضم أفضل ما في الثقافة البرجوازية، وأنه بقدر ما تبقى البروليتاريا بروليتاريا، أي بقدر ما تواصل حمل آثار عبودية الأمس بقدر ما تعجز عن الارتفاع فوق إرث الأيام الخالية؛ وأن إمكانات عمل خلاّق جديد لن تنفتح حقا إلا بمقدار ما تذوب البروليتاريا في المجتمع الاشتراكي. وكل هذا يعني أن الثقافة الاشتراكية – لا ثقافة البروليتاريا – مدعوة لأن تحل مكان الثقافة البرجوازية.
ولقد أجري مؤلف هذا الكتاب عدة مناقشات مع منظري فن بروليتاري، هو من نتاج المختبر، فكتب: “تتغذى الثقافة من نسخ الاقتصاد، وهي تتطلب وجود فوائض مادية لتنمو وتتعقد وتتصفـَّى. إن حل المشاكل الاقتصادية الأولية بشكل جيد، لا يعني حتى الآن، وفي أي من الحالات، انتصارا كاملا للاشتراكية التي تشكل مبدأ تاريخيا جديدا”. ويدل تقدم الفكر العلمي على أسس شعبية، كما يدل تقدم الفن الجديد على أن البذرة قد نبتت وازدهرت. ومن هذه الزاوية “يعتبر تطور الفن من اكبر الدلائل على حيوية وأهمية عصر من العصور”24. لقد كانت هذه الفكرة مقبولة حتى الأمس ثم أعلنت التصريحات الرسمية فجأة أنها “استسلام” يمليه “ضعف الإيمان” بقوى البروليتاريا الخلاقة. لقد افتتحت حقبة ستالين – بوخارين. لقد كان بوخارين ينادي منذ مدة طويلة بالثقافة البروليتارية، أما ستالين فلم يكن قد فكر بهذا الأمر قبل ذلك. ولكن كليهما كان من أنصار سير الاشتراكية “بخطوات السلحفاة”، ويريان أن أمام البروليتاريا عشرات السنين لتشكل ثقافتها الخاصة؛ أما سمات هذه الثقافة فكانت مشوشة مضطربة في أفكار منظرينا، بالإضافة إلى كونها قليلة الطموح.
وجاءت سنوات الخطة الخمسية الأولى فقلبت فكرة “خطوات السلحفاة” رأسا على عقب. ومنذ عام 1931، وفيما البلاد على حافة مجاعة كبيرة، “دخلت في الاشتراكية”. قبل أن يقوم الكتـَّاب والفنانون المدعوون رسميا بخلق فن بروليتاري أو نماذج أولي بارزة منه على الأقل، قالت الدولة أن البروليتاريا ذابت في المجتمع اللاطبقي. ولم يبق إلا التكيف مع واقع كونها لم يتوفر لها لخلق ثقافتها هذا العامل الذي لا غنى عنه: الوقت. وغابت فكرة البارحة في مجاهل النسيان، واتجهت الأنظار نحو “الثقافة الاشتراكية” التي نعرف الآن محتواها.
إن الخلق الفكري بحاجة لحرية واسعة، والفكرة الشيوعية المتمثلة بإخضاع الطبيعة للتقنية، والتقنية للخطة بغية إجبار المادة على منح الإنسان كل ما هو بحاجة إليه، وأكثر، تتطلع نحو هدف أسمى هو تحرير الطاقة الخلاقة في الإنسان من جميع العوائق ومن كل تبعية مذلـِّة أو إكراه قسري. لا تعود العلاقات الشخصية والعلم والفن تخضع لأي مخطط مفروض أو إكراه غير مقبول، فإلى أي حد يصبح النتاج الفكري فرديا أو جماعيا ؟ إن هذا عائد قبل كل شيء إلى الشخص المبدع نفسه.
ثمة شيء آخر هو النظام الانتقالي. إن الديكتاتورية تعبِّر عن الهمجية القديمة لا عن الثقافة المقبلة، وهي تفرض حتما تضييقات صارمة على كل النشاطات بما في ذلك النشاط الفكري. ولقد رأى برنامج الثورة فيها منذ البداية شرا مؤقتا، وتعهد بالقضاء على كل ما تلاقيه الحرية من تضييقات، مع مرور الزمن وتوطيد النظام الجديد. ولقد وجد زعماء الثورة في أكثر سنوات الحرب الأهلية عنفا أنه إذا كانت الحكومة قادرة على الحد من الحرية الخلاقة انطلاقا من اعتبارات سياسية، إلا أنها عاجزة عن التنطح للقيادة في المجالات العلمية والأدبية والفنية. ولقد كان لينين المعروف بميوله “المحافظة” على الصعيد الفني، كثير الحذر في هذا المجال، لذا فقد كان إلى عدم خبرته فيه. إن حماية مفوض الشعب للتعليم، لوناتشارسكي، لبعض أشكال الفن الحديث كانت تثير غالبا قلق لينين، إلا أنه كان يكتفي بإبداء ملاحظات ساخرة حول هذا الموضوع في مجالسه الخاصة، حريصا على أن لا يشترع من ذوقه الأدبي الخاص قانونا عاما. وفي عام 1924، على عتبة مرحلة جديدة، قال مؤلف هذا الكتاب فيما يتعلق بموقف الدولة من الاتجاهات الفنية: “”إن عليها أن تحدد قبل كل شيء ما إذا كانت هذه الاتجاهات مع الثورة أو ضدها، ثم تترك لها في مجالها الخاص حرية كاملة”.
طالما بقيت الديكتاتورية تتمتع بتأييد جماهيري وكان أفق الثورة العالمية مفتوحا أمامها، لم تكن تخاف التجربة والأبحاث وصراع المدارس، لأنها تعرف أن تحضير مرحلة ثقافية جديدة لا يتم إلا على هذا الطريق. وكانت جميع شرايين العملاق الشعبي لا تزال تنبض بالحياة. وكان هذا العملاق يفكر بصوت عال لأول مرة منذ ألف عام. وكانت القوى الفنية الشابة متفتحة حية. وفي هذه السنوات الأولى الغنية بالآمال والجرأة سنت أثمن القوانين الاشتراكية وخطـَّت أجود مؤلفات الأدب الثوري وأخرجت أحسن الأفلام السوفياتية التي أذهلت العالم بحيويتها وواقعيتها رغم ضعف الإمكانات الفنية المستخدمة لإنتاجها.
وعندما بدأ النضال ضد المعارضة في الحزب بدأت السلطات بمحاصرة المدارس الأدبية واحدة بعد الأخرى. ولم يتوقف التدمير عند حدود الأدب، بل امتد إلى كل الآفاق الفكرية، وكان تدميرا قويا لأنه تدمير غير واع تقريبا. واعتبر الحاكمون أنفسهم مسؤولين عن مراقبة الحياة الفكرية وتوجيه تطورها سياسيا. ولقد فرض البيروقراطيين أوامرهم التي لا تقبل المناقشة سواء أكان ذلك في معسكرات الاعتقال أو في الزراعة والموسيقى. وتنشر الجريدة المركزية للحزب مقالات تشبه الأوامر العسكرية لتوجيه فن البناء والأدب والمسرح والباليه والفلسفة والعلوم الطبيعية والتاريخ.
وتخاف البيروقراطية خوفا هائلا من كل ما لا يخدمها ومن كل ما لا تفهمه. وهي محقة عندما تشترط ارتباطا بين العلوم الطبيعية والإنتاج، ولكنها عندما تأمر الباحثين بالتوقف عند أهداف قريبة مباشرة تغدو عاملا يهدد بتجفيف أثمن الينابيع الخلاّقة، بما في ذلك ينابيع الاكتشافات العلمية التي تتم غالبا بصورة غير متوقعة. ولقد كوت التجارب الأليمة بنارها علماء الطبيعة والرياضيات والنحو ومنظري الفن العسكري، لذا فإنهم يبتعدون عن التعميمات الكبيرة خوفا من أن يأتي”عالم أحمر” وهو في الغالب جاهل وصولي، ويضربهم بقسوة ببعض ما يحفظه من أقوال مأثورة عن لينين أو ستالين . لأن دفاع المرء في هذه الحالة عن الفكر أو الكرامة العلميين يعني التعرض للاضطهاد.
وتتعرض العلوم الاجتماعية لأسوأ معاملة. ويحاول رجال الاقتصاد والتاريخ والإحصاء والصحافة أن لا يقفوا موقفا يتعارض بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع المواقع الحالية للسياسة الرسمية. ولا يمكن للمرء أن يتحدث عن الاقتصاد السوفياتي أو عن السياسة الداخلية والخارجية إلا بعد أن يحمي مؤخرته وجنباته باستعارة جمل تافهة من أقوال الزعيم25 أخذا بعين الاعتبار ضرورة إظهار الأمور وكأنها تتم كما كان متوقعا لها أو بشكل أفضل. والانصياع الكامل يجنب المرء كثيرا من المتاعب ولكنه يحمل في داخله بذور عقابه ألا وهو الإجداب.
ومن الغريب انه لم يُنشر في الاتحاد السوفياتي خلال السنوات الـ12 الأخيرة أي كتاب ماركسي يتحدث عن الاقتصاد أو الاجتماع أو التاريخ أو الفلسفة يستحق الاهتمام أو الترجمة، رغم أن الماركسية إيديولوجية الاتحاد السوفياتي الرسمية. ولا يخرج إصدار الكتب الماركسية عن كتيبات مدرسية تردد الأفكار القديمة المعروفة وتعيد استخدامها حسب حاجات الموقف. تعني الدولة بإصدار ملايين الكتب والنشرات التي لا يحتاج إليها أحد، يدخل في صناعتها الصمغ والتملق الدنيء ومواد لزجة أخرى. أما الماركسيون القادرون على كتابة شيء ذي قيمة فهم قابعون في السجون أو مُكرهون على الصمت في وقت يطرح فيه تطور الأشكال الاجتماعية في كل لحظة مشاكل ومهام ضخمة !
إن الشهامة التي لا بد منها في كل عمل نظري، تتعرض للدوس بالأقدام. وتعدل الشروح المرفقة لكتابات لينين مع كل طبعة جديدة بغية خدمة المصالح الشخصية لهيئة الأركان الحاكمة وإعلاء منزلة “الزعماء” وتسديد صفحة أعدائهم، ولو أدى ذلك إلى شطب بعض الفقرات… وتتلقى الكتب حول تاريخ الحزب والثورة المعاملة ذاتها، إذ يتم تشويه الحوادث وإخفاء الوثائق أو اختلاقها، تحسين سمعة فرد وتحطيم سمعة آخر. ولو قارنـَّا بين الطبعات المتتالية لنص كتاب واحد خلال 12 سنة لرأينا حقيقة انحطاط فكر القادة ووعيهم. وليس النظام التوتاليتاري أقل سوءا بالنسبة للأدب. لقد حل محل صراع الاتجاهات والمدارس تفسير إرادات الرؤساء. وتنتمي التجمعات الأدبية لتنظيم موحد إجباري كأنه معسكر اعتقال للأدب. إن كتـَّابا رديئين، لكن مطواعين، من مثل جلادكوف وسيرافيموفيتش، يجري اعتبارهم كتـَّابا كلاسيكيين، أما الكتـَّاب الموهوبون الذين لا يتقنون كبح جماح أنفسهم قدر ما يطلب منهم، فخاضعون لمجموعة شرسة من الوصاة المسلحين ببعض الأقوال المأثورة. وينتحر بعض الفنانين الكبار بينما يغوص البعض الآخر في أحداث الماضي البعيد بحثا عن مواضيع لعملهم أو يسكتون. ولا تظهر الأعمال الأدبية الشريفة والتي تنم عن موهبة إلا صدفة، كما لو كانت تفلت من مِخنق، تشكل نوعا من البضاعة المهرَّبة.
إن حياة الفن السوفياتي سجل من سجلات الشهداء. فبعد أن أصدرت البرافدا مقالها التوجيهي ضد النزعة الشكلية في الفن اجتاحت الكتـَّاب والرسامين ومديري المسارح ومغنيات الأوبرا موجة من الندامة، وبدأ الجميع يتبرؤون من أخطاء الأمس متحاشين في الوقت نفسه – على سبيل الحذر – تحديد ماهية النزعة الشكلية، حتى اضطرت السلطات في النهاية إلى إيقاف هذا السيل الجارف من النقد الذاتي بتوجيهات جديدة. وأعيد النظر في جميع الأحكام الأدبية خلال عدة أسابيع، وعدلت الكتب المدرسية، وغيرت الشوارع أسماءها، ونصبت التماثيل لأن ستالين مدح ماياكوفسكي. وإذا ما أعجبت أحد أعمال الأوبرا شخصية هامة كان ذلك بمثابة توجيهات للمؤلفين الموسيقيين. فلقد قال سكريتير الشبيبة الشيوعية في اجتماع للكتـَّاب: “إن تعليمات الرفيق ستالين قوانين بالنسبة للجميع”، وصفق الحاضرون رغم حمرة الخجل التي صبغت وجوه بعضهم. وكأنما هنالك إصرار على إذلال الأدب، فقد تم تكريس ستالين العاجز عن تأليف جملة روسية صحيحة، كاتبا كلاسيكيا. إن لهذه التصرفات البيزنطية وهذه السيطرة البوليسية شكلا مضحكا يخفي وراءه مأساة عميقة.
وتقول التعليمات الرسمية أن على الثقافة أن تكون اشتراكية بمحتواها، قومية بشكلها. ومحتوى الثقافة الاشتراكية لا يمكن أن يكون موضوعا لغير فرضيات ممكنة إلى هذا الحد أو ذاك. ولا يمكن لأحد أن يرسي هذه الثقافة على قاعدة اقتصادية غير كافية. والفن أقل من العلم قدرة على توقع المستقبل. مهما يكن فإن وصفات من مثل “تمثيل البناء القادم” و”إظهار طريق الاشتراكية” و”تحويل الإنسان” لا تدفع الإلهام أو تثير الخيال أكثر من سعر المنشار أو دليل السكك الحديدية.
تجري المماثلة بين الشكل الشعبي للفن ووضع المؤلفات في متناول كل الناس. وتقول البرافدا: “إن ما لا يفيد الشعب لا يتمتع بأي قيمة جمالية”. ولكن هذه الفكرة الخاصة بالناردونيكيين، التي تستبعد التربية الفنية للجماهير، تأخذ شكلا رجعيا بقدر ما تحتفظ البيروقراطية لنفسها بحق تقرير ما هو الفن الذي يحتاجه أو لا يحتاجه الشعب. إن البيروقراطية تنشر الأدبيات والمؤلفات كما تزيد وتفرض البيع والتوزيع بصورة إجبارية دون أن تترك للقراء أية حرية. كل شيء يؤدي في نهاية المطاف إلى جعل الفن يستوحي مصالحها ويجهد لجعلها جذابة في أعين الجماهير الشعبية. إنها عبثا تعمل… إذ لا يمكن لأي أدب أن يحل هذه المشكلة. ويعترف المسؤولون أنفسهم بان “الخطتين الخمسيتين الأولى والثانية تستثيران موجة خلق أدبي أقوى من تلك التي ولدتها ثورة أوكتوبر”. هذا الكلام الملطف جرت تحليته بشكل رهيب. والحقيقة أنه، رغم الاستثناءات، سوف يدخل العصر التريميدوري في التاريخ كعصر الناس التافهين وحاملي الجوائز والخبثاء.
الفصل الثامن: السياسة الخارجية والجيش
من الثورة العالمية إلى “الوضع الراهن”
تعتبر السياسة الخارجية دائما وفي كل مكان استمرارا للسياسة الداخلية، لأنها سياسة الطبقة الحاكمة نفسها وتتبع الهدف ذاته. لذا رافق انحطاط الفئة الحاكمة في الاتحاد السوفياتي تعديل ملائم لأهداف وأساليب الديبلوماسية السوفياتية. وظهرت “نظرية” الاشتراكية في بلد واحد للمرة الأولى في خريف 1924 وكانت تعني محاولة تخليص السياسة الخارجية السوفياتية من برنامج الثورة العالمية. لم تضع البيروقراطية نصب عينها مع ذلك قطع علاقتها مع الأممية الشيوعية خوفا من انقلاب هذه الأممية إلى معارضة عالمية ضدها وما يمكن أن يحدثه ذلك من خلل في توازنات القوى داخل الاتحاد السوفياتي نفسه. على العكس من ذلك، فكلما قل استرشاد الكرملين بالروح الأممية القديمة، كلما كان زعماء الكرملين يتمسكون بالأممية الثالثة بشدة أكبر. كان على الأممية الشيوعية أن تخدم أهدافا جديدة، في الوقت الذي تحتفظ فيه بتسميتها ذاتها، من هنا كان عليها أن تأتي برجال جدد. واعتبارا من عام 1923 يتلخص تاريخ الأممية الشيوعية في عمليات تجديد قيادتها الموسكوفية وقيادات الفروع القومية عن طريق ثورات القصر، وعمليات التطهير على الطلب، وعمليات الطرد… الخ. ولم تعد الأممية الشيوعية في الوقت الحاضر سوى أداة طيعة جاهزة لتقبل كل التعرجات في خدمة السياسة الخارجية السوفياتية26.
لقد قطعت البيروقراطية صلاتها مع الماضي. ليس هذا وحسب، بل فقدت كذلك القدرة على فهم الدروس الأساسية، وأهمها أن سلطة السوفيات لم تكن لتصمد سنة واحدة لولا دعم البروليتاريا العالمية عامة والأوروبية خاصة، ولولا الحركة الثورية لشعوب المستعمرات. إن العسكرية الألمانية–النمساوية إذا كانت لم تستطع تعميق هجومها ضد روسيا السوفياتية إلى أقصى مداه فلأنها شعرت على عنقها باللهاث الحارق للثورة. فثورات ألمانيا والنمسا والمجر أدت في ظرف تسعة أشهر إلى إلغاء معاهدة بريست–ليتوفسك، وانتفاضات أسطول البحر الأسود في نيسان / أبريل 1919 أجبرت حكومة الجمهورية الثالثة27 على التخلي عن فكرة توسيع العمليات العدوانية في جنوب البلاد السوفياتية.
وجلت الحكومة الإنجليزية عن الشمال في أيلول / سبتمبر 1919 تحت ضغط العمال البريطانيين بالذات. كما أن موجة من الاحتجاجات الثورية منعت دول الوفاق بعد تراجع الجيوش الحمراء عن فارصوفيا في عام 1920 من مساعدة بولونيا لتوجيه ضربة حاسمة للسوفياتات. وفي عام 1923 أطلق كورزون28 إنذاره ضد موسكو ولكنه وجد يديه مقيدتين نتيجة مقاومة التنظيمات العمالية الإنجليزية. وليست هذه الحلقات منعزلة، إنها تحدد أولى مراحل حياة السوفياتات وأكثرها صعوبة. ومع أن الثورة لم تنتصر إلا في روسيا فإن الآمال التي كانت معقودة على الثورات الأخرى لم تكن بدون جدوى. ولقد وقعت الحكومة السوفياتية مذ ذاك عدة معاهدات مع دول برجوازية: معاهدة بريست–ليتوفسك في آذار / مارس 1918، ومعاهدة مع استونيا في شباط / فبراير 1920، ومعاهدة راباللو مع ألمانيا في نيسان / أبريل 1922، واتفاقات ديبلوماسية أخرى أقل أهمية. ولكن الحكومة السوفياتية لم تفكر لحظة بتقديم شركائها البرجوازيين “كأصدقاء للسلام”، كما لم تفكر بدعوة الأحزاب الشيوعية في ألمانيا واستونيا وبولونيا إلى دعم الحكومات البرجوازية التي وقعت هذه المعاهدات بأصواتها الانتخابية. وهذا أمر هام بالنسبة لتربية الجماهير ثوريا. ولم تكن السوفياتات قادرة على رفض السلم في بريست–ليتوفسك، تماما كما لا يستطيع المضربون المنهكون رفض الشروط القاسية التي يمليها صاحب العمل. ولكن موافقة الاشتراكيين–الديمقراطيين الألمان على هذه المعاهدة بامتناعهم المنافق عن التصويت فضحها البلاشفة وكشفوا حقيقتها كدعم للقراصنة وعنفهم. ومع أن معاهدة راباللو قد عقدت بعد أربع سنوات على أسس الحقوق المتساوية للأطراف الموقعة عليها، لم يفكر الحزب الشيوعي الألماني بتأييد ديبلوماسية بلاده، ولو فعل هذا لطرد من الأممية فورا. لقد كانت فكرة السياسة الخارجية السوفياتية الأساسية ترتكز على اعتبار الاتفاقات التجارية والديبلوماسية والعسكرية مع الاستعماريين، وهي اتفاقات لا بد منها، لا يجب أن توقف نضال البروليتاريا في البلاد الرأسمالية صاحبة العلاقة، أو تضعفه، لأن إنقاذ الدولة العمالية لا يتم إلا بتطور الثورة العالمية. وعندما عرض تشيتشرين29 خلال التحضيرات لمؤتمر جينيف فكرة القيام بتعديلات “ديمقراطية” للدستور السوفياتي، بغية إرضاء “الرأي العام” الأمريكي، أصر لينين برسالة رسمية في 23 كانون الثاني / يناير 1922 على إرسال تشيتشرين بدون إبطاء إلى مصحة للراحة. ولو سمح أحدهم لنفسه آنذاك بعرض شراء تأييد الاستعماريين بالانضمام مثلا إلى معاهدة جوفاء كاذبة من مثل معاهدة كيللوغ، أو بالحد من نشاط الأممية الشيوعية، لما تأخر لينين بإرسال هذا المجدد إلى مستشفى الأمراض العقلية، ولما عارضه في ذلك أي عضو من أعضاء المكتب السياسي.
ولم يكن مسؤولو تلك الأيام يتسامحون إطلاقا تجاه الأوهام السلمية من مثل عصبة الأمم، والأمن الجماعي، والتحكيم، ونزع السلاح… الخ. لأنهم كانوا يرون فيها وسيلة لتخدير وإضعاف يقظة الجماهير العمالية بغية مفاجأتها عندما تندلع نيران الحرب الجديدة. ويتضمن برنامج الحزب الذي وضعه لينين وتبنـَّاه مؤتمر 1919 مقطعا لا لبس فيه في هذا الصدد: “يؤدي ضغط البروليتاريا المتزايد، وانتصاراتها على وجه الخصوص، في بعض البلاد إلى زيادة مقاومة الاستغلاليين ويدفعهم نحو أشكال جديدة من التجمعات الرأسمالية العالمية (عصبة الأمم… الخ) التي تنظم على المستوى العالمي استغلال شعوب الكرة الأرضية، وتحاول بالتالي قبل كل شيء لجم الحركة العمالية الثورية العالمية. ويؤدي هذا بصورة حتمية إلى حروب أهلية في العديد من البلدان ترافقها حروب ثورية في البلدان البروليتارية التي تدافع عن نفسها، وعند الشعوب المسحوقة المنتفضة ضد القوى الامبريالية. في مثل هذه الظروف لا تصبح شعارات السلام مثل نزع السلاح العالمي في ظل النظام الرأسمالي، ومحاكم التحكيم… الخ طوباوية رجعية وحسب، بل تخدع العمال لنزع سلاحهم وإبعادهم عن مهمتهم الرامية إلى تجريد الاستغلاليين من السلاح”. وتشكل هذه السطور المأخوذة من البرنامج البلشفي إدانة مسبقة قاسية للسياسة الخارجية السوفياتية الحالية، وسياسة الأممية الشيوعية وسياسة كل “أصدقائها” دعاة السلام في كل أجزاء العالم.
لقد كان الضغط الاقتصادي العسكري من جانب العالم الرأسمالي على الاتحاد السوفياتي، بعد انتهاء فترة العدوان والحصار اقل قوة حقا مما كنا نخشاه، وعاشت أوروبا وسط ذكريات الحرب الماضية لا في جو الحرب المقبلة. ثم جاءت أزمة اقتصادية عالمية أذهلت الطبقات الحاكمة في العالم أجمع. وسمحت هذه الظروف للاتحاد السوفياتي بتجربة الخطة الخمسية الأولى، في حين وقعت البلاد من جديد فريسة الحرب الأهلية والمجاعة والأوبئة. ولقد حملت السنوات الأولى للخطة الخمسية الثانية تحسنا ملموسا للوضع الداخلي ترافق مع بداية خمود الأزمة في البلدان الرأسمالية ومع موجات الأمل، والمطامع، وفقدان الصبر وإعادة التسلح. إن خطر عدوان مشترك على الاتحاد السوفياتي لا يشكل في نظرنا خطرا ملموسا إلا لأن البلاد السوفياتية ما زالت منعزلة، ولأن معظم “الجزء السادس من العالم” عبارة عن مملكة للهمجية البدائية، ولأن مردود العمل فيها ما يزال رغم التأميم أقل بكثير مما هو عليه في البلاد الرأسمالية، وأخيرا لأن تجمعات البروليتاريا العالمية الرئيسية مهزومة، تفتقد إلى قيادة حقيقية وإلى ثقة بالنفس. هكذا فإن ثورة أوكتوبر التي كان زعماؤها يعتبرونها منطلقا للثورة العالمية، لكنها أصبحت تحت ضغط الواقع عاملا لذاته، تكشف في هذه الحقبة التاريخية الجديدة، اعتمادها العميق على تطور الوضع العالمي. غدا بديهيا من جديد أن السؤال التاريخي “من سينتصر ؟” لا يمكن الإجابة عليه ضمن الحدود القومية. كما أن النجاحات أو الهزائم الداخلية تحفر الشروط الملائمة إلى هذا الحد أو ذاك لحسم المسالة عالميا.
لقد اكتسبت البيروقراطية السوفياتية خبرة واسعة في التعامل مع الجماهير البشرية، سواء لتنويمها، أو تجزئتها، أو إضعافها، أو لخداعها بغية فرض سلطتها المطلقة عليها. إلا أنها، لهذا السبب بالذات، فقدت كل قدرة على تربيتها تربية ثورية. فبعد أن أخمدت عفوية اندفاع الجماهير الشعبية في بلادها أصبح من العسير عليها أن تثير في العالم الجرأة الثورية والفكر النقدي. وهي تفضل، من حيث هي تشكيلة حاكمة متميزة، صداقة ومساعدة البرجوازيين الراديكاليين أو البرلمانيين الإصلاحيين أو البيروقراطيين النقابيين الغربيين على صداقة ومساعدة العمال الذين تفصلها عنهم هوة عميقة. ولن نبحث هنا تاريخ انهيار الأممية الثالثة وانحطاطها، فقد أفرد لها كاتب هذه السطور عدة دراسات خاصة مترجمة إلى كل لغات العالم المتقدم تقريبا. ولكننا سنذكر أن البيروقراطية السوفياتية بوصفها قائدة للأممية الشيوعية قد سببت بجهلها، وعدم تحملها أعباء المسؤولية، وميولها المحافظة، وتشبعها بروح قومية قصيرة النظر، كثيرا من الكوارث للحركة العمالية العالمية. وكما لو كان يدفع الاتحاد السوفياتي اليوم نوعا من الفدية التاريخية، إذ يتأثر وضعه الحاضر بعزيمة البروليتاريا العالمية أكثر بكثير مما يتأثر بنجاحات الاشتراكية في بلد منعزل. ويكفي أن نتذكر أن هزيمة الثورة الصينية في أعوام 1925–1927 التي أطلقت يدي العسكرية اليابانية في الشرق الأقصى، وانهيار البروليتاريا الألمانية الذي قاد هتلر إلى النصر وحمى التسلح في الرايخ الثالث، هما من ثمار سياسة الأممية الشيوعية أيضا.
إن البيروقراطية التيرميدورية التي خانت الثورة العالمية، في حين اعتبرت أنها ضحية خيانة تلك الثورة، تحدد لنفسها هدفا رئيسيا هو “تحييد” البرجوازية. هكذا تجد لزاما عليها أن ترتدي مظهرا معتدلا قوميا وكأنها حارس حقيقي للنظام. لكن من أجل أن تتخذ هذا المظهر باستمرار، لا بد أن يصبح جوهرها مع مرور الوقت، وقد ساعدها في ذلك التطور العضوي للأوساط الحاكمة. إن البيروقراطية التي تراجعت خطوة إثر خطوة بنتيجة فداحة أخطائها، أصبحت تتصور أن تأمين سلامة الاتحاد السوفياتي كامن في ضم الاتحاد السوفياتي إلى نظام “الوضع الراهن” في أوروبا الغربية. وهل هنالك أفضل من معاهدة عدم اعتداء دائمة بين الرأسمالية والاشتراكية ؟ إن الصيغة الحالية للسياسة الخارجية الرسمية، التي تنشرها الديبلوماسية السوفياتية بشكل واسع، ويسمح لها هكذا أن تتكلم اللغة المتعارف عليها في المهنة، كما تنشرها كذلك الأممية الشيوعية فيتعين عليها التعبير عن نفسها بلغة الثورة، هذه الصيغة تقول: “نحن لا نريد شبرا من الأرض الأجنبية، ولكننا لن نتخلى عن شبر واحد من أرضنا”، وكأن الأمر صراع على الأرض لا صراع عالمي لنظامين لا يمكن أن يلتقيا ! عندما اعتقد الاتحاد السوفياتي أن من التعقل التخلي عن سكك حديد الصين الشرقية لصالح اليابان، أظهرت الدعاية هذا العمل المستخذي الذي حضَّرت له هزيمة الثورة الصينية وكأنه مظهر من مظاهر القوة والحفاظ على السلام. علما بأن إعطاء هذا الطريق الاستراتيجي بالغ الأهمية للعدو سهل مهمته وساعده في معاركه وانتصاراته في شمال الصين، وفي اعتداءاته على منغوليا. ولم تؤد هذه التضحية الإجبارية إلى تحييد الخطر ولكنها منحت الاتحاد السوفياتي في أحسن الأحوال استراحة مؤقتة وأثارت في الوقت ذاته أطماع الطغمة العسكرية في طوكيو.
إن قضية منغوليا هي قضية المواقع الإستراتيجية اليابانية الأمامية في وجه الاتحاد السوفياتي. لذا أعلنت الحكومة السوفياتية أنها سترد على اجتياح منغوليا بالحرب والحال أن الأمر لا يتعلق هنا بالدفاع عن “أرضنا”، فمنغوليا دولة مستقلة30.
كان الدفاع السلبي عن الحدود السوفياتية يبدو كافيا حين لم يكن هنالك من يهدد هذه الحدود جديا. والدفاع الحقيقي هو إضعاف مواقع الامبريالية وتقوية مواقع البروليتاريا والشعوب المستعمَرة في العالم أجمع. إن اضطراب ميزان القوى ضد مصلحتنا يمكن أن يؤدي إلى تخلينا عن العديد من أشبار الأرض كما حدث أثناء معاهدة بريست–ليتوفسك، ثم أثناء توقيع معاهدة ريغا أو عندما اضطررنا للتخلي عن سكك حديد الصين الشرقية. إن النضال من أجل ميزان القوى العالمية يفرض على الدولة العمالية ضرورة مساعدة الحركات التحررية في مختلف البلدان، بشكل متواصل، وهذه مهمة رئيسية تتناقض كليا مع سياسة “الوضع الراهن” المحافظة.
عصبة الأمم والأممية الشيوعية
إن التقارب مع فرنسا العائد إلى انتصار النازية، والذي تحول فيما بعد إلى اتفاق عسكري، يؤمِّن لفرنسا، حارسة “الوضع الراهن” الرئيسية، مزايا ومكاسب أكبر بكثير مما يقدمه للاتحاد السوفياتي. إذ يقدم السوفيات المساعدة العسكرية لفرنسا عند الضرورة دون شروط، وفقا لبنود المعاهدة، بينما لا تقدم فرنسا أية مساعدة للاتحاد السوفياتي دون الموافقة المسبقة من جانب إنجلترا وإيطاليا، الأمر الذي يفتح مجالا واسعا ﻠﻸلاعيب ضد الاتحاد السوفياتي. ولقد أثبتت أحداث اجتياح القوات الهتلرية منطقة الراين أنه كان بإمكان موسكو لو هي تصرفت بحزم، أن تحصل من فرنسا على ضمانات أكثر جدية بكثير، إذا اعتبرنا أن المعاهدات تشكل ضمانات في عصر انعطافات مفاجئة، وأزمات ديبلوماسية دائمة، وعمليات تقارب وتباعد بين الدول. كما أثبتت الأحداث المتتالية أن الديبلوماسية السوفياتية تتصرف ضد عمال بلدها بشدة تفوق شدتها خلال المباحثات مع الديبلوماسيين البرجوازيين. أما الحجة القائلة بأن مساعدة الاتحاد السوفياتي لفرنسا ستكون قليلة الفاعلية نظرا لعدم وجود حدود مشتركة بين الاتحاد السوفياتي والرايخ فقول عديم الأهمية . فإذا أراد الألمان الاعتداء على الاتحاد السوفياتي وجدوا دون صعوبة الحدود اللازمة لذلك. أما إذا ما اعتدى الألمان على النمسا أو تشيكوسلوفاكيا أو فرنسا فإن بولونيا لا تستطيع الالتزام بالحياد يوما واحدا: فإما أن تنفذ واجباتها نحو فرنسا فتفتح حدودها للجيش الأحمر فورا، أو تمزق المعاهدة فتصبح تابعة لألمانيا ويجد الاتحاد السوفياتي بذلك “حدودا مشتركة”. ومن المتوقع أن تلعب “الحدود” البحرية والجوية في الحرب المقبلة دورا هاما لا يقل عن دور الحدود البرية.
إن الدعاية السوفياتية الجديرة بغوبلز، والتي تقدم عملية انضمام الاتحاد السوفياتي إلى عصبة الأمم كأنها انتصار للاشتراكية ونتيجة “لضغوطات” البروليتاريا العالمية، لم تصبح مقبولة لدى البرجوازية إلا بعد أن ضعف الخطر الثوري بصورة قصوى، وهذا الانضمام ليس انتصارا للاتحاد السوفياتي، إنه استسلام البيروقراطية التيرميدورية أمام مؤسسة جنيف التي يعتبر البرنامج البلشفي أنها “تكرس جهودها الفورية لوقف اندفاعة الحركات الثورية”. فما الذي تبدل جذريا منذ إصدار دستور البلشفية ؟ هل تغيرت طبيعة عصبة الأمم ؟ أم وظيفة الدعوة إلى السلام في العالم الرأسمالي ؟ أم تبدلت سياسة السوفياتات ؟ ؟ إن طرح هذه الأسئلة يعني الإجابة عنها.
لقد أظهرت التجربة أن الاشتراك في عصبة الأمم لا يضيف شيئا إلى المنافع العملية التي كان يمكن تأمينها عن طريق الاتفاقات المنفصلة مع الدول البرجوازية، ولكنه يفرض على العكس قيودا وواجبات ينفذها الاتحاد السوفياتي بدقة ليحافظ على سمعته الجديدة كدولة محافظة. فلكي يستطيع الاتحاد السوفياتي ملائمة سياسته مع سياسة فرنسا وحلفائها اضطر إلى اتخاذ موقف غامض خلال الصراع بين إيطاليا والحبشة. ففي الوقت الذي عبَّر فيه ليتفينوف31، الذي لم يكن في جنيف غير ظل لافال32، عن عرفانه بجميل الديبلوماسيين الفرنسيين والإنجليز لجهودهم “من أجل السلام”، تلك الجهود التي تكللت باحتلال الحبشة، تابع الأسطول الايطالي الحصول على تموينه من بترول القفقاس. وقد نفهم رغبة حكومة موسكو بالمحافظة على اتفاق تجاري ما، ولكن النقابات السوفياتية لم تكن ملزمة إطلاقا بالأخذ بالاعتبار التزامات مفوضية التجارة الخارجية.
ولو أوقفت النقابات السوفياتية تصدير البترول السوفياتي إلى إيطاليا بقرار منها، لكان عملها نقطة انطلاق لحركة مقاطعة عالمية أكثر فعالية من “العقوبات” المنافقة المترددة المحسوبة مسبقا من قبل الديبلوماسيين والقانونيين المتفقين في الأصل مع موسوليني. إن النقابات التي جمعت في عام 1926 ملايين الروبلات لدعم إضراب عمال المناجم البريطانيين علنا لم تحرك هذه المرة ساكنا، وهذا لأن البيروقراطية حرمت عليها مثل هذه الأعمال مرضاة لفرنسا. إلا أنه لن يعوض أي تحالف عسكري يعقده الاتحاد السوفياتي في الحرب القادمة خسارته ثقة شعوب المستعمرات والجماهير الكادحة إجمالا.
فهل يعقل أن يجهل الكرملين هذا ؟ تقول الجريدة شبه الرسمية في موسكو: “إن الهدف الرئيسي للفاشية الألمانية كان عزل الاتحاد السوفياتي… وما معنى هذا الكلام… ؟ إن للاتحاد السوفياتي الآن في العالم أجمع أصدقاء أكثر من أي وقت مضى” (ازفستيا 17–9–1935). إن البروليتاريا الإيطالية مسحوقة تحت عقب الفاشية، والثورة الصينية مهزومة؛ والبروليتاريا الألمانية مغلوبة على أمرها إلى حد أنها لا تبدي أية مقاومة تجاه الاستفتاءات الهتلرية؛ والبروليتاريا النمساوية مقيدة بأقسى القيود، والأحزاب الثورية في البلقان مطاردة مضطهَدة، ويسير العمال في فرنسا وإسبانيا وراء البرجوازية الراديكالية. ومع ذلك تدعي حكومة السوفيات أن لديها منذ انضمامها لعصبة الأمم “أصدقاء أكثر من أي وقت مضى” ! إن هذا التبجح الذي يبدو غريبا للوهلة الأولى لا يعود تبجحا إذا لم ننسبه إلى الدولة العمالية بل إلى قيادييها. لأن هزائم البروليتاريا العالمية القاسية هي التي سمحت للبيروقراطية السوفياتية باغتصاب السلطة داخل بلادها وبكسب مودة “الرأي العام” في البلدان الرأسمالية. وكلما ضعفت إمكانيات الأممية الشيوعية وقدرتها على تهديد رأس المال كلما بدت حكومة الكرملين مقبولة في أعين البرجوازية الفرنسية والتشيكية وغيرهما. إن قوة البيروقراطية في الداخل والخارج تتناسب عكسا مع قوة الاتحاد السوفياتي، من حيث هو دولة اشتراكية وقاعدة الثورة البروليتارية العالمية. ولكن هذا وجه واحد للمسالة. وهنالك وجه آخر يستحق الدراسة.
في تشرين الثاني / نوفمبر 1934 وقف لويد جورج33 ، الذي لا تخلو تذبذباته وصراعاته المثيرة من ومضات فطنة، فخطب في مجلس العموم محذرا وناصحا بعدم إدانة ألمانيا الفاشية لأنها ستكون أصلب حاجز يحمي أوروبا من الخطر الشيوعي. ثم قال “سوف نحييها في يوم من الأيام كصديقة لنا”. ولكلامه هذا معنى كبير ! إن المديح نصف الأبوي نصف الساخر الذي تكيله البرجوازية العالمية للكرملين لا يضمن السلام أبدا ولم يقلل خطر الحرب. إن تطور البيروقراطية السوفياتية يهم على وجه الخصوص البرجوازية العالمية من زاوية تعديل أشكال الملكية. لقد قطع نابليون الأول الخيوط التي تربطه مع تقاليد اليعاقبة، ولبس التاج، وأعاد الدين الكاثوليكي، ولكنه بقي مع هذا هدفا لحقد الدول الأوروبية نصف الإقطاعية لأنه استمر في الدفاع عن الملكية الجديدة الناجمة عن الثورة. ومادام احتكار الدولة للتجارة قائما وما دام رأس المال فاقدا لحقوقه فإن الاتحاد السوفياتي سيبقى بنظر برجوازية العالم رغم كل ميزات زعمائه، عدوا لدودا لا صلح معه، بينما تبقى الاشتراكية الوطنية الألمانية صديقة، إذا لم يكن اليوم فعلى الأقل غدا. وإبان المفاوضات التي قام بها بارتو ولافال مع موسكو رفضت البرجوازية الفرنسية الكبيرة رفضا قاطعا أن تلعب بالورقة السوفياتية رغم جسامة الخطر الهتلري واهتداء الحزب الشيوعي الفرنسي إلى النزعة الوطنية. وبعد توقيع المعاهدة الفرنسية – السوفياتية اتهم اليساريون لافال بأنه فيما كان يلوح أمام برلين بشبح موسكو سعى في الواقع للتقارب مع برلين وروما ضد موسكو. وهذا استباق للحوادث ولكنه استباق لا يتعارض مع ذلك مع مجراها العادي.
ومهما يكن رأينا في محاسن ومساوئ المعاهدة الفرنسية – السوفياتية، فليس لأي سياسي ثوري جدّي أن ينكر على الدولة السوفياتية بحثها عن دعم إضافي في اتفاقات مؤقتة مع هذه الدولة الإمبريالية أو تلك. ولكن يجب مصارحة الجماهير بكل وضوح حول موقع المعاهدات التكتيكية الجزئية وسط مجموع القوى التاريخية. كما أنه ليس من الضروري أن تدفعنا الرغبة في استغلال الصراع بين فرنسا وألمانيا إلى جعل الحليف البرجوازي المؤقت أو المحاولات الامبريالية المخفية تحت ستار عصبة الأمم مثلا أعلى. والحال أن الديبلوماسية السوفياتية، التي تتبعها في هذا المجال الأممية الثالثة، تحول حلفاء موسكو المؤقتين إلى “أصدقاء للسلام” وتخدع العمال بالحديث عن “الأمن الجماعي” و”نزع السلاح”، فتصبح مذ ذاك فرعا سياسيا للشركة الإمبريالية الأم وسط الجماهير العمالية.
في أول آذار/ مارس 1935 أدلى ستالين بحديث صحفي مأثور للسيد روي هوفر رئيس صحيفة سكريب – هوفر. ويعتبر هذا الحديث وثيقة ثمينة تدل على العمى البيروقراطي في القضايا الكبرى للسياسة العالمية. فعندما سئل ستالين: هل يتعذر تلافي الحرب.. ؟ أجاب قائلا: “إن مواقع أصدقاء السلام تزداد قوة، ويمكنهم أن ينشطوا في وضح النهار فهم يتمتعون بدعم الرأي العام العالمي، علاوة على امتلاكهم وسيلة مثل عصبة الأمم”. وليس في هذا الكلام أدنى اقتراب من الواقعية ! إن الدول البرجوازية لا تنقسم إطلاقا إلى “أصدقاء” وإلى “أعداء” للسلام؛ لاسيما أنه ليس هناك سلام لذاته. فكل بلد امبريالي يهتم بدعم سلامه وهو يهتم به بقدر ما يكون قاسيا على أعدائه. أما الصيغة التي يشارك بها ستالين وبالدوين وليون بلوم، والتي تقول: “سوف يتحقق السلام حقا إذا انضمت جميع الدول إلى عصبة الأمم للدفاع عنه” فلا يعني إلا أن السلام سيتحقق إذا لم يكن هنالك ما يستوجب خرقه. إن الفكرة في حد ذاتها صحيحة ولكنها بدون معنى عملي. فالدول العظمى التي بقيت بعيدة عن عصبة الأمم تهتم بحرية حركتها أكثر من اهتمامها بفكرة “السلام” المجردة. فلماذا تبحث عن حرية حركتها ؟ هذا ما سيكشفه المستقبل. إن الدول التي تنسحب من عصبة الأمم كألمانيا واليابان، أو “تبتعد” عنها مؤقتا كايطاليا، تملك أسبابا كافية لمثل هذا التصرف. وهجرها عصبة الأمم هو في الحقيقة تعديل للشكل الديبلوماسي للصراعات الحاضرة لا يمس أعماقها ولا يغير طبيعة عصبة الأمم بالذات. أما الصادقون الذين أقسموا على خدمة عصبة الأمم بإخلاص لا يتزعزع فهم يريدون الاستفادة منها للمحافظة على سلامهم، دون أن يكون هنالك بينهم أي اتفاق. فانجلترا راضية بإطالة السلام مع التضحية بمصالح فرنسا في أوروبا وإفريقيا. أما فرنسا فجاهزة للتضحية بسلامة المواصلات البحرية للإمبراطورية البريطانية بغية الحصول على دعم إيطاليا. وكل دولة مستعدة للجوء إلى الحرب دفاعا عن مصالحها، وهذه الحرب ستكون في نظرها أعدل الحروب بالطبع. وتبحث الدول الصغيرة التي لا تملك وسيلة أفضل من عصبة الأمم عن أمنها تحت سقف هذه المؤسسة العالمية. ولكنها ستجد نفسها في النهاية مدفوعة إلى جانب التجمع الحربي الأقوى لا نحو السلام.
إن عصبة الأمم تدافع عن “الوضع الراهن” وليس هذا تنظيما للسلام ولكنه تنظيم للعنف الامبريالي من جانب الأقلية ضد الأكثرية العظمى للبشرية. هذا”النظام” لا يمكن المحافظة عليه إلا بحروب صغيرة وكبيرة لا تنتهي، تبدأ اليوم في المستعمرات وتنتقل غدا إلى الحاضرات. فالإخلاص الامبريالي “للوضع الراهن” إخلاص مؤقت ومحدود. لقد وافقت إيطاليا البارحة على “الوضع الراهن” في أوروبا دون أن توافق عليه في إفريقيا، ومن يدري ماذا ستكون سياستها غدا في أوروبا ؟ ليس هنالك من يعرف. ولكن تعديل الحدود في إفريقيا بدأ ينعكس الآن في أوروبا. فهتلر لم يجرؤ على إدخال جيوشه في منطقة الراين إلا بعد أن اجتاح موسوليني الحبشة. ومن الصعب اعتبار ايطاليا من “أصدقاء” السلام ولكن فرنسا تفضل حاليا الصداقة الايطالية على الصداقة الروسية. وتحاول انجلترا تمتين الصداقة مع ألمانيا. تتبدل التجمعات في ما تستمر المطامع. ومهمة أنصار “الوضع الراهن” تكمن في الواقع في الوقوع داخل عصبة الأمم على مزيج القوى الأكثر ملاءمة وعلى التمويه الأفضل من أجل تهيئة الحرب المقبلة. فمن سيبدؤها ومتى ؟ إن هذا يتوقف على ظروف ثانوية، ولكن لا بد من أن يبدأها أحدهم، فما “الوضع الراهن” سوى برميل من البارود لا نهاية له.
وبرنامج “نزع السلاح” في حد ذاته خداع واضح ما دام هنالك تناقضات إمبريالية. حتى ولو تحقق نزع السلاح هذا عن طريق اتفاقيات – وهذه فرضية خيالية حقا ! – فلن يكون ذلك عائقا في وجه الحرب. فالإمبرياليون لا يشهرون الحرب لأنهم يمتلكون أسلحة بل يصنعون الأسلحة عندما يكونون بحاجة إلى الحرب. والتقنية الحديثة قادرة على تسهيل إعادة التسلح بسرعة كبيرة. وكل اتفاقيات نزع أو تحديد السلاح عاجزة عن منع المصانع الحربية والمختبرات والصناعات الرأسمالية بمجموعها من أن تحتفظ بقدرتها. وهكذا تصبح ألمانيا بفضل قوتها الصناعية قلعة العسكرية الأوروبية رغم أنها منزوعة السلاح وخاضعة لمراقبة المنتصرين الصارمة (وهي الشكل الحقيقي الوحيد ﻟ ‘نزع السلاح’). كما أنها تستعد بدورها لتجرد بعض جيرانها من سلاحهم. وما “فكرة نزع السلاح بالتدريج” سوى محاولة لتخفيض النفقات العسكرية الباهظة زمن السلم، وهي تتعلق بالميزانية لا بحب السلام، كما أنها فكرة متعذرة التنفيذ ! وبسبب التفاوتات في الأوضاع الجغرافية والقوة الاقتصادية والإشباع الاستعماري، فإن أي قاعدة لنزع السلاح تؤدي لتعديل ميزان القوى لمصلحة البعض ضد البعض الأخر. ومن هنا جاء عقم محاولات جنيف؛ فبعد 20 سنة من المفاوضات والمباحثات حول نزع السلاح عاد العالم لسباق التسلح من جديد بسرعة لم يعهدها قبل الآن. إن بناء السياسة الثورية البروليتارية على أساس برنامج نزع السلاح لا يعني حتى إرساءها على الرمال، بل يعني تأسيسها على شاشة الدخان التي تموّه النزعة العسكرية.
ويتعذر كبت صراع الطبقات لمصلحة الحرب الامبريالية إلا بمساعدة زعماء المنظمات العمالية الجماهيرية. وفي عام 1914 استخدم الإمبرياليون لهذا الغرض شعارات براقة مثل “آخر الحروب” و”الحرب ضد العسكرية البروسية” و”حرب الديمقراطية” ولكن تاريخ السنوات العشرين الماضية كشف زيف هذه الشعارات مما اضطرهم إلى استخدام شعارات جديدة مثل “الأمن الجماعي” و”نزع السلاح الشامل”. ويحاول زعماء المنظمات العمالية في أوروبا تحت ستار دعم عصبة الأمم تحضير نسخة جديدة من الاتحاد المقدس الذي يعتبر لازما للحرب مثل الدبابات والطيران والغازات الخانقة “الممنوعة”.
لقد ولدت الأممية الثالثة كاحتجاج صارخ على فكرة الاشتراكية – الوطنية. ولكن المحتوى الثوري الذي استمدته من ثورة أوكتوبر استنزف منذ زمن بعيد. والأممية الشيوعية تعمل الآن تحت راية عصبة الأمم كالأممية الثانية ولكن مع درجة أكبر من القحة السافرة. عندما سمى الاشتراكي الإنجليزي ستافورد كريس عصبة الأمم: “الاتحاد الدولي لقطـَّاع الطرق، وهي تسمية جارحة ولكنها لا تخلو من الحقيقة، تساءلت التايمز بسخرية: “كيف يمكن أن نفسر في هذه الحالة انضمام الاتحاد السوفياتي إلى عصبة الأمم ؟” إن من الصعب الإجابة على هذا السؤال. وهكذا تقدم البيروقراطية الروسية دعما قويا للاشتراكية – الوطنية التي سددت لها ثورة أوكتوبر في أيامها ضربة قاصمة.
ولقد حاول السيد روي هوفارد أن يحصل على تفسير بهذا الصدد من ستالين، ودار بينهما الحديث التالي نذكره حرفيا:
– “ما هو مصير مخططاتكم ونواياكم حول الثورة العالمية ؟”
– “إننا لم نحمل أبدا أفكارا كهذه”.
– “ولكن …”
– “هذه ثمرة سوء تفاهم”.
– “سوء تفاهم مأساوي ؟”
– “كلا بل هزلي أو قل مأس–هزلي”.
ثم تابع ستالين قائلا: “ما هو الخطر الذي يمكن أن تراه الدول المجاورة في أفكار المواطنين السوفيات إذا كانت هذه الدول ثابتة الأركان ؟”. ولو أراد السائل لسأله هنا: وإذا لم تكن ثابتة ؟ وعلى كل حال قدم له ستالين حجة أخرى مطمئنة بقوله: “إن تصدير الثورة نكتة تافهة، فكل بلد قادر على القيام بثورته إن أراد ذلك. فإذا لم يرغب تعذرت الثورة. ولقد أرادت بلادنا تفجير الثورة وفجَّرتها…” وهكذا كان الطبيعي الانتقال من نظرية الاشتراكية في بلد واحد إلى نظرية الثورة في بلد واحد. فلماذا إذن توجد الأممية ؟ لقد كان روي قادرا على طرح هذا السؤال، ولكنه يعرف حدوده فلا يتجاوزها. وتحتوي تفسيرات ستالين المطمئنة، التي يقرأها العمال كما يقراها الرأسماليون، كثيرا من الثغرات. لقد استحضرت “بلادنا” قبل تفجير ثورتها أفكارا ماركسية من بلاد أخرى. كما استخدمنا خبرة وتجارب الآخرين. وجاءنا خلال عشرات السنين كثير من المهاجرين الثوريين الذين قادوا الصراع في روسيا. ودعمتنا المنظمات العمالية في أوروبا وأمريكا ماديا ومعنويا. ثم أنشأنا فور انتصارنا عام 1919 الأممية الشيوعية. لقد قلنا أكثر من مرة أن على البروليتاريا في البلاد الثورية المنتصرة مساعدة الطبقات المسحوقة الثائرة لا على صعيد الأفكار وحسب، بل كذلك باستخدام السلاح إذا أمكن. ولم نكتف بهذا الكلام بل دعمنا عمال فنلندا واستونيا وليتوانيا وجيورجيا بقوة السلاح، كما دفعنا الجيش الأحمر نحو فارصوفيا34 لنعطي البروليتاريا البولونية فرصة الثورة، وأرسلنا المنظمين والمدربين العسكريين إلى الثوار الصينيين. وجمعنا في عام 1926 ملايين الروبلات لمساعدة العمال الإنجليز المضربين. والآن يبدو أن هذا لم يكن سوى سوء تفاهم. محزن ؟ كلا بل مضحك.. إن ستالين لم يخطئ عندما قال أن الحياة في الاتحاد السوفياتي غدت “مرحة”: فالأممية الشيوعية نفسها قد انقلبت من شخص جدّي إلى آخر هزلي.
ولو أن ستالين ابتعد عن هجاء الماضي، واكتفى بتأكيد تعارض السياسة التيرميدورية مع سياسة ثورة أوكتوبر، لكان أكثر إقناعا. كان في وسعه أن يقول: “كانت عصبة الأمم بنظر لينين منظمة لإعداد حروب امبريالية جديدة، ولكننا نرى فيها وسيلة للسلام. وكان لينين يعتبر الحروب الثورية لا بد منها، ونحن نجد أن تصدير الثورة نكتة تافهة. ويعتبر لينين تحالف البروليتاريا مع البرجوازية الامبريالية خيانة، ونحن ندفع البروليتاريا العمالية بكل قوتنا نحو هذا التحالف. ويسخر لينين من شعار نزع السلاح في النظام الرأسمالي ويرى فيه أسلوبا لخدع العمال، ولكننا نبني سياستنا على هذا الشعار”. كما وكان يمكن لستالين أن يختم حديثه مع محاوره بالاستنتاج التالي: “إن سوء فهمكم المأساوي– الهزلي ناجم عن اعتقادكم بأننا نتابع سير البلشفية في الوقت الذي نقوم فيه بدفنها”.
قديما، كان الجندي الروسي الناشئ في جو عائلي محافظ وسط السلام القروي يتصف بروح الطاعة العمياء. لذا كان سوفوروف35 في عهد كاترين الثانية وبولس الأول سيد جيوش الأقنان بلا منازع. ثم جاءت الثورة الفرنسية الكبرى فصفت بلا رجعة الفن العسكري لأوروبا القديمة وروسيا القيصرية. ولا شك أن إمبراطورية القياصرة أضافت بعد ذلك إلى تاريخها انتصارات كبيرة، ولكنها لم تنتصر على أي جيش من جيوش البلاد المتقدمة. وكان لا بد من الهزائم الخارجية والانتفاضات الداخلية لإعادة بناء الشخصية القومية للجيوش الروسية. وكان الجيش الأحمر بحاجة لقاعدة اجتماعية وسيكولوجية جديدة من أجل أن يبصر النور. وجاءت الأجيال الجديدة فتركت صفات المسالمة، والطاعة العمياء، والخضوع إلى الطبيعة، وتحلت بالجرأة والرغبة في تعلم التقنية الحديثة. وفي حين كان يستيقظ الفرد كان المستوى الثقافي يتحسن. وبدا عدد المجندين الأميين يقل باستمرار. فالجيش الأحمر لا يقوم بتسريح الأميين من الخدمة قبل تعلمهم القراءة والكتابة. كل أنواع الرياضة تمارس فيه بحماس وتنشر خارج الجيش. وانتشرت بين الموظفين والعمال والطلاب ميدالية مهرة الرماة. وأعطى التزحلق على الثلج للوحدات العسكرية قدرة جديدة على الحركة شتاء، وأعطت تدريبات القفز بالمظلات والطيران الشراعي والطيران العادي نتائج مرموقة، وأخذت عمليات الطيران فوق القطب وفي الأجواء العالية تحتل أذهان الجميع، وظهر التقدم والحماس في كل مجال. لم يكن تنظيم الجيش الأحمر وقدرته على العمليات في الحرب الأهلية مثاليين، وكانت سنوات الحرب بالنسبة للكادرات الشابة سنوات عماد كبير. وتكشف جنود عاديون وضباط صف وملازمون عن كفاءات جعلت منهم منظمين وقادة. وتصلبت إرادتهم خلال الصراع الطويل. وهزم هؤلاء العصاميون مرارا ولكنهم انتصروا في النهاية. ثم بدأ أفضلهم بمتابعة الدراسة والتحصيل. لقد مر كافة قواد اليوم بمدرسة الحرب الأهلية، ثم تابع معظمهم بعد ذلك الدراسة في الأكاديمية العسكرية وتلقوا دورات تدريبية خاصة لتحسين المعلومات. ويتمتع نصف الضباط الكبار تقريبا بتثقيف عسكري جيد بينما يتمتع النصف الآخر بتثقيف متوسط. ولقد منحتهم النظرية انضباطا فكريا ضروريا دون أن تقتل فيهم الجرأة التي حفزتها عمليات الحرب الأهلية المأساوية. ويتراوح سن هذا الجيل الآن بين 40 و50 سنة وهو سن اتزان القوى الفكرية والجسمية حيث تعتمد المبادرة الجريئة على التجربة دون أن تكون التجربة عبئا ثقيلا عليها.
ويتولى الحزب والشبيبة الشيوعية والنقابات – بغض النظر عن أسلوبها في تطبيق الاشتراكية – تكوين كادرات إدارية بأعداد كبيرة، معتادة على استخدام الجماهير البشرية وكتل البضائع، والتماثل مع الدولة: تلك هي الاحتياطات الطبيعية لكادرات الجيش. كما أن إعداد الشبيبة للخدمة العسكرية يشكل احتياطا آخر، ويؤلف الطلاب كتائب مدرسية قادرة على التحول إلى مدارس ضباط احتياطي في حالة التعبئة. ويكفي لتقدير أهمية هذه الإمكانيات أن نعرف أن عدد المتخرجين من المعاهد العالية يبلغ سنويا 80 ألف خريجا وأن عدد طلاب هذه المعاهد يزيد عن نصف المليون، وعدد الدارسين في جميع المؤسسات التعليمية حوالي 28 مليونا. لقد حققت الثورة الاجتماعية في حقل الاقتصاد، وخاصة الصناعة، تقدما كبيرا على مستوى الدفاع عن البلاد لم تكن روسيا القديمة تحلم به. وتعني طرائق التخطيط في الواقع تعبئة الصناعة، وتسمح باستخدام المشاريع الجديدة منذ إنشائها لصالح الدفاع. ويمكن اعتبار العلاقة بين القوة الحية والقوة التقنية للجيش الأحمر في المستوى ذاته لأفضل الجيوش الغربية المتقدمة. ولقد تم تجديد المدفعية خلال الخطة الخمسية الأولى بنجاح منقطع النظير، كما خصصت أموال كثيرة لصنع العربات المدرعة وسيارات النقل والدبابات والطائرات. وتملك البلاد اليوم نصف مليون جرّار، وستصنع في عام 1936، 60 ألف ذات قوة إجمالية تعادل 8,5 مليون حصان بخاري. ويتم صنع الدبابات الهجومية بصورة متوازية مع الجرارات. ويتوقع المراقبون أن يكون نصيب كل كيلومتر من الجبهة العاملة في حالة التعبئة 30 – 40 دبابة.
وبعد الحرب الكبرى انخفض الأسطول السوفياتي من 548,000 طن في عام 1917 إلى 82,000 طن في عام 1928 وكان علينا أن نبدأ من البداية. في كانون الثاني / يناير 1936 أعلن توخاتشيفسكي36 أمام المجلس التنفيذي: “نحن نبني أسطولا قويا مركزين جهودنا الرئيسية على بناء الغواصات”. وقيادة الأسطول الياباني تدرك هذا التقدم. ويشكل بحر البلطيق في الوقت الحاضر هدف اهتمام مشابه. مع الأخذ بعين الاعتبار أن مهمة أسطول لعالي البحار ستكون في السنوات المقبلة مقتصرة على القيام بأدوار ثانوية للدفاع عن الحدود البحرية.
أما الأسطول الجوي فقد تقدم بسرعة أكبر. ومنذ أكثر من سنتين صرح وفد عسكري فني فرنسي للصحافة عن “استغرابه وإعجابه” بهذا التقدم، واقتناعه بان الجيش الأحمر يبني عددا كبيرا من قاذفات القنابل الثقيلة التي تعمل إلى مدى 1200 و1500 كيلومتر. وفي حالة صراع مقبل في الشرق الأقصى سوف تتعرض المراكز السياسية والاقتصادية اليابانية دون شك لضربات طيران تنطلق من القاعدة البحرية في فلاديفستك. وتتوقع الخطة الخمسية إنشاء 62 لواء جويا تستخدم 5000 طائرة عام 1935، ولا شك أن الخطة قد نفذت في هذا الصدد بكل دقة، لا بل تم تخطيها.
ويرتبط الطيران بفرع من الصناعة لم يكن في الماضي موجودا في روسيا، ولكنه تقدم تقدما كبيرا خلال السنوات الأخيرة، وهو فرع الكيمياء. والحكومة السوفياتية كغيرها من الحكومات لم تؤمن بمنع الحرب الغازية إيمانا كاملا. ولقد أظهر عمل المحضِّرين الإيطاليين في الحبشة مرة أخرى قيمة وضع الحدود الإنسانية للقرصنة العالمية. والجيش الأحمر مستعد دون شك ضد المفاجآت الكارثية للحرب الكيميائية أو الجرثومية مثل جيوش البلاد الغربية.
إن نوعية منتجات الصناعة الحربية تثير بالضرورة شكوكا مشروعة. ولنذكر في هذا المجال أن وسائل الإنتاج في الاتحاد السوفياتي أفضل من المنتجات الاستهلاكية. وكلما مرت الطلبات بالتجمعات البيروقراطية الحاكمة كان نوع المنتجات مرتفعا بشكل ظاهر عن مستواها العادي المنخفض. ومصالح الجيش هي أكثر زبائن الصناعة سلطة. فلا ندهشنّ إذا كانت معدات التخريب أحسن نوعا من المنتجات الاستهلاكية أو وسائل الإنتاج. ولكن تبقى صناعة الحرب مع ذلك جزءا من الصناعة بصورة عامة وتعكس كل أخطاء هذه الصناعة، وإن مع التقليل من مخاطرها. ولا يترك فورشيلوف وتوخاتشيفسكي فرصة دون أن يذكرا المدراء بصورة علنية: “إننا غير راضين دائما عن نوعية الإنتاج المقدم للجيش الأحمر”. ويمكن الاعتقاد أن قادة الدفاع يعبِّرون عن أفكارهم بصراحة أكبر فيما بينهم. ومستوى التجهيزات عادة أدنى من مستوى التسليح والذخيرة. والأحذية أسوأ نوعا من الرشاشات. ومحركات الطائرات رغم التقدم الكبير متخلفة عن أفضل المحركات الغربية الحديثة. والهدف القديم – التقرب ما أمكن من مستوى العدو المقبل – لا يزال قائما بالنسبة للتقنية الحربية.
إن وضع الزراعة أشد سوءا. وغالبا ما يسمع في موسكو أن دخل الصناعة قد تجاوز دخل الزراعة، وأن الصناعة تحتل اليوم المركز الأول. والحقيقة أن الفرق بين الصناعة والزراعة لا يتعلق بتقدم الصناعة (رغم كبر هذا التقدم) قدر تعلقه بمستوى الزراعة المنخفض جدا. ومن الأسباب التي دفعت الديبلوماسية السوفياتية إلى المرونة والتساهل طيلة سنوات مع اليابان سبب وجيه هو صعوبات التموين. ولقد تحسن الموقف في السنوات الثلاث الأخيرة مما سمح بإنشاء قواعد تموين كافية لمتطلبات الدفاع عن الشرق الأقصى.
إنها لمفارقة أن يشكل النقص في عدد الجياد بالنسبة للجيش نقطة الضعف الأهم، إذ سببت الجماعية الكاملة خسارة 55 بالمئة من الخيول. والجيش بحاجة، رغم استخدام الآليات، إلى حصان لكل ثلاثة رجال، كما كانت الحالة أيام نابليون. ولقد طرأ على الموقف تحسن في السنة الماضية وبدأت الخيول تتزايد. وعلى كل حال فإن بلد تعداده 170 مليون نسمة قادر، حتى ولو اندلعت الحرب خلال عدة أشهر، على استنفار قوى كبيرة وخيول كافية للجبهة على حساب مجموع الشعب. والجماهير الشعبية في جميع البلدان لا تتوقع عموما من الحرب إلا الجوع والغازات والأوبئة. لقد خلقت الثورة الفرنسية الكبرى جيشها بمزج التشكيلات الجديدة مع وحدات الجيش الملكي. ولكن ثورة أوكتوبر حلت جيش النظام القديم بكامله وأسست الجيش الأحمر من جديد بادئة من القاعدة. ولقد ظهر هذا الجيش مع النظام السوفياتي بآن واحد فقاسمه متاعبه. ويعود امتيازه غير المحدود على الجيش القيصري إلى التطور الاجتماعي العميق الذي أصاب البلاد.. والحقيقة أن الجيش لم ينج من الانحطاط الذي أصاب النظام السوفياتي، بل وجد الانحطاط تعبيره الأكمل في الجيش. وعلينا قبل تحديد الدور المحتمل للجيش الأحمر في الزلزال القادم دراسة تطور أفكاره الرئيسية وبنيته.
ففي 12 كانون الثاني / يناير 1918 أصدر مجلس مفوضي الشعب مرسوما بتأسيس جيش نظامي حددت مهمته بما يلي: “إن انتقال السلطة إلى الطبقات الكادحة والمستغَلة يجعل من الضروري وجود جيش جديد يعمل كحاجز لحماية سلطة السوفيات… وكسند للثورة الاشتراكية المقبلة في أوروبا”. وفي أول أيار / مايو يقسم الجنود الحمر الشباب “القسَم الاشتراكي” الذي حوفظ على نصه منذ عام 1918 إلى الآن، ويتعهدون بموجب هذا القسم “أمام الطبقة العاملة الروسية والعالمية” بالقتال “في سبيل الاشتراكية، وأخوة الشعوب باذلين كل قوتهم وحياتهم”. وعندما يقول ستالين إن أممية الثورة عبارة عن “سوء تفاهم مضحك” فإنه يخرق القرارات الأساسية التي أصدرتها السلطة السوفياتية، هذه القرارات التي لم تـُلغ حتى الآن. وعاش الجيش بعد إنشائه على أفكار الحزب والدولة. كما استوحت القوانين والصحافة والتحريض، بالصورة ذاتها من الثورة العالمية المعتبرة هدفا أساسيا. وقد اتخذ برنامج الأممية الثورية في كثر من الأحيان مظهرا مبالغا به في مصالح الحرب.
وفي 1921 كتب غوسييف الذي ترأس ردحا من الزمن المصلحة السياسية في الجيش ثم أصبح أحد المقربين لستالين: “إننا نجهز جيش الطبقة البروليتارية.. لا لمجابهة الثورة المضادة البرجوازية والإقطاعية فحسب، بل للقيام كذلك بحروب ثورية (دفاعية وهجومية) ضد القوى الإمبريالية”. وكان غوسييف يأخذ على قادة الجيش الأحمر37 تقصيرهم في تحضير هذا الجيش لمهماته العالمية. وقد شرح الكاتب للرفيق غوسييف عن طريق الصحافة أن القوة المسلحة مدعوة لتلعب في الثورات الأجنبية دورا ثانويا لا رئيسيا. وهي عاجزة عن تسريع الحل وتحقيق النصر إذا لم تتوفر لها الظروف الملائمة. “إن التدخل العسكري مفيد مثل أجهزة التوليد، لأن هذه الأجهزة تخفف آلام الوضع إذا استخدمت في الوقت المناسب. فإذا ما استخدمت قبل الأوان أدت إلى الإجهاض” (كانون الأول / ديسمبر 1921). إننا لا نستطيع مع الأسف أن نطرح هنا، كما يجب، تاريخ الأفكار حول هذا الموضوع الهام.
ولكن علينا أن نذكر أن توخاتشيفسكي، وهو اليوم مارشال، اقترح على مؤتمر الأممية الشيوعية في عام 1921 تشكيل “أركان حرب عالمية” تعمل بالتنسيق مع مكتب “الأممية الشيوعية”: ونشرت رسالته الهامة آنذاك مع مجموعة مقالات تحت اسم “حرب الطبقات”. ولقد أعلمت توخاتشيفسكي القائد الناجح المتهور أحيانا، بخطاب موجه إليه بأنه “يمكن تأليف هيئة أركان حرب عالمية من هيئات الأركان القومية لمختلف البلدان البروليتارية. وطالما ليس الأمر هكذا، تصبح هيئة الأركان الأممية كاريكاتورية بالضرورة”. ولم يكن ستالين يتخذ آنذاك موقفا تجاه الأمور المبدئية، لاسيما الجديدة منها، ولكن عددا ممن أصبحوا رفاق طريقه بعد ذلك كانوا في ذلك الوقت “إلى يسار” قيادتي الحزب والجيش، وكان في أفكارهم العديد من المبالغات الساذجة، أو، إذا شئتم، من “سوء التفاهم المضحك”. وهل يمكن القيام بثورة عظيمة من غير ذلك ؟ لقد قاومنا “كاريكاتور” الأممية المتطرف مدة طويلة قبل أن نضطر إلى توجيه أسلحتنا نحو نظرية لا تقل عنه سخفا، وهي نظرية “الاشتراكية في بلد واحد”.
لقد كانت الحياة الإيديولوجية للبلشفية غنية متفاعلة وخاصة في أقسى مراحل الحرب الأهلية، وذلك على نقيض المفاهيم التي تم إرساؤها فيما بعد، هذه المفاهيم المنكفئة إلى الماضي. وقد كانت هناك مناقشات طويلة تتواصل في كل مستويات الحزب والدولة والجيش وخاصة في المواضيع العسكرية؛ كما تعرضت سياسة المسؤولين مرات عديدة لنقد حر، كثيرا ما كان مريرا قاسيا. وقد كتب قائد الجيش آنذاك38 في المجلة العسكرية الأكثر نفوذا مقالا ينقد فيه المبالغة في الرقابة: “إنني أرى أن الرقابة قد ارتكبت عددا كبيرا من الأخطاء، وأعتبر من الضروري تنبيهها لتخفف من غلوائها. فمهمة الرقابة المحافظة على الأسرار الحربية، وأما ما عدا ذلك فلا يدخل ضمن اختصاصها” (22 شباط / فبراير 1919).
لم يكن لفكرة أركان الحرب العالمية أهمية كبرى في الصراع الإيديولوجي الذي في حين بقي ضمن الحدود التي يرسمها انضباط العمل، شجع في الوقت نفسه على تشكيل تكتل معارض في الجيش، أو في قياداته على الأقل. وكانت مدرسة “العقيدة الحربية البروليتارية” التي يؤمن بها فرونتزه39 وتوخاتشيفسكي وغوسييف وفورشيلوف وآخرون تعتقد مسبقا بضرورة أن يكون الجيش الأحمر مختلفا في أهدافه السياسية وتكوينه وإستراتيجيته وتكتيكه عن الجيوش القومية في البلاد الرأسمالية، وترى أن على الطبقة الحاكمة الجديدة خلق نظام سياسي جديد مختلف تماما عن أنظمة تلك البلاد. وكان خلال الحرب الأهلية قد اكتفينا بالاحتجاج المبدئي ضد استخدام الجنرالات، أي الضباط القدامى في الجيش القيصري40، كما اكتفينا بالصراع ضد القيادة العليا التي كانت هي نفسها في صراع دائم مع الارتجالات المحلية والإساءات المتواصلة إلى الانضباط. لقد حاول مطلقو الأطروحة الجديدة الأكثر حماسا أن يدينوا أيضا، باسم مبادئ “المناورة” و”الهجوم” المعتبرة أمورا لا جدال فيها، التنظيم المركزي للجيش الذي قد يعيق المبادهة الثورية في حقول المعارك الأممية في المستقبل. كانت تلك محاولة لرفع أساليب حرب العصابات المستخدمة في بداية الحرب الأهلية إلى مستوى نظام دائم شامل. وأظهر بعض القادة حماسة للعقيدة الجديدة منعتهم من دراسة القديمة. وكانت تزاريتسين (فولغاغراد اليوم) المركز الرئيسي لهذه الأفكار، ولقد بدأ فيها بوديني وفورشيلوف (وبعد ذلك ستالين) حياتهم العسكرية.
وعندما حل السلام جرت محاولات أكثر جدية لصياغة هذه الاتجاهات الجديدة في المذهب. وابتدأ هذا العمل وتابعه قائد من قواد الحرب الأهلية الممتازين وسجين سياسي قديم هو فرونتزه، ودعمه في اتجاهه فورشيلوف وإلى حد ما توخاتشيفسكي. وفي الحقيقة كان المذهب البروليتاري الحربي يشبه إلى مدى بعيد مذهب “الثقافة البروليتارية” فلكليهما طابع تخطيطي وميتافيزيقي واحد. ولا تحتوي المؤلفات التي كتبها مؤلفوه سوى جزء يسير من الوصفات العملية التي لا شيء جديد فيها والمستوحاة من تعريف نموذجي للبروليتاريا بأنها طبقة عالمية في حالة الهجوم، أي المستنتجة من تجريدات سيكولوجية غامضة لا من الظروف الحقيقية للزمان والمكان.
وتصر هذه المؤلفات في كل سطر من سطورها على تأكيد ماركسيتها ولكنها تترك هذه الماركسية في الحقيقة لتقع في أحضان المثالية البحتة. لقد كانت هذه الأعمال في الحقيقة مخلصة، ولكن ليس من الصعب أن تكتشف فيها بذرة غرور البيروقراطية، تلك البيروقراطية التي تفكر وتجبر الآخرين على التفكير بأنها قادرة على تنفيذ معجزات تاريخية في جميع المجالات دون تحضير خاص وبدون قاعدة مادية.
وقد أجاب قائد الجيش41 آنذاك على أقوال فرونتزه: ” إنني لا أشك بأنه إذا اضطر بلد يتمتع باقتصاد اشتراكي متقدم للقيام بحرب ضد بلد برجوازي فإن إستراتيجيته ستأخذ شكلا آخر. ولكن ليس معنى ذلك أننا نرغب اليوم بتخيل إستراتيجية بروليتارية… إننا إذا طوّرنا الاقتصاد الاشتراكي، ورفعنا مستوى الجماهير الثقافي أغنينا الفن العسكري بمضامين وأساليب جديدة”. لهذا علينا أن نتبع بصورة منهجية مدرسة البلاد الرأسمالية المتقدمة دون أن نحاول أن نستنتج بعمليات منطقية إستراتيجية جديدة من طبيعة البروليتاريا الثورية”. (أول نيسان / أبريل 1922). لقد وعد أرخميدس بأن يقلب الأرض إذا توفرت له نقطة ارتكاز. وقد كان ذلك كلاما جميلا، إلا أنه لو حصل على هذه النقطة للاحظ أن الرافعة تخونه. لقد أعطتنا الثورة المنتصرة نقطة ارتكاز جديدة، ولكن قلب العالم بحاجة لرافعات ينبغي بناؤها. لقد رفض الحزب “العقيدة الحربية البروليتارية” كما رفض من قبل أختها البكر عقيدة “الثقافة البروليتارية”.
ثم اختلف بعد ذلك مصير هاتين العقيدتين. إذ حمل ستالين وبوخارين علـَم “الثقافة البروليتارية” خلال السنوات السبع المحددة ما بين إعلان الاشتراكية في بلد واحد وإعلان تصفية جميع الطبقات (1924 – 1931)، وذلك دون الحصول على نتائج ذات قيمة. وبالمقابل، لم تنبعث من الرماد “العقيدة الحربية البروليتارية” رغم وصول مطلقيها القدامى إلى سدة الحكم بسرعة. والاختلاف بين مصيري هاتين العقيدتين مميز جدا للمجتمع السوفياتي. فلم تكن “الثقافة البروليتارية” تحتوي أفكارا هامة، لذا لم تجد البيروقراطية بأسا من تقديمها للبروليتاريا كتعويض، في حين كانت تنحِّيها بفظاظة عن السلطة. أما العقيدة العسكرية فكانت تصيب في العمق المصالح الدفاعية ومصالح الشريحة الحاكمة، ولا تترك حيزا للحذلقة الإيديولوجية. لقد وصل الأعداء القدامى لفكرة استخدام “الجنرالات” إلى مرتبة الجنرالات في غضون ذلك: غدا المطالبون بأركان حرب عالمية أكثر تعقلا وارتدوا رداء “أركان حرب بلد واحد”. وحلت موضوعة “الأمن الجماعي” محل “حرب الطبقات”، وأخلى منظور الثورة العالمية الساحة لعبادة “الوضع الراهن”. وكان من الضروري لكسب ثقة الحلفاء المحتملين وعدم استثارة غضب الأعداء التشبه ما أمكن بالجيوش الرأسمالية لا التميز عنها مهما غلا الثمن. وأخفت التعديلات في العقيدة والواجهة سيرورات اجتماعية ذات أهمية تاريخية. وكانت سنة 1935 سنة تغيير جذري مزدوج لنظام الميلشيا وللكادرات.
تصفية الميليشيا وإعادة الرتب
هل تشبه القوات السوفياتية المسلحة بعد الثورة بعشرين عاما الشكل الذي رسمه لها برنامج الحزب البلشفي، وإلى أي درجة ؟
يحدد برنامج الحزب أن على جيش ديكتاتورية البروليتاريا “أن يتسم بطابع طبقي واضح، أي أن يتكون من عمال وفلاحين ينتمون إلى الشرائح الريفية الفقيرة نصف البروليتارية. ولا ينقلب جيش الطبقة هذا إلى ميليشيا اشتراكية للشعب اجمع إلا بعد إلغاء الطبقات”. إن التجاهل المؤقت لفكرة جيش يمثل كل الشعب لا يعني استغناء الحزب عن نظام الميليشيا. ولقد أصدر المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي على العكس قرارا يقول: “إننا نبني الميليشيا على قاعدة طبقية ونحوّلها إلى ميليشيا اشتراكية”. وكان الهدف هو خلق جيش “بلا ثكنات قدر الإمكان، أي جيش يعيش في ظروف مشابهة لظروف الطبقة العاملة خلال العمل”. وكان على كافة الوحدات أن تتناسب في النهاية مع المعامل والمناجم والقرى والكومونات الزراعية وتشكيلات عضوية أخرى يكون لها “قيادة محلية واحتياطات محلية من السلاح والتموين”، وأن يحل التماسك على مستوى المنطقة والمدرسة والصناعة والرياضة محل الروح العسكرية التي تنمو في الثكنة. وأن يتم خلق الانضباط الواعي دون الاستعانة بضباط محترفين يسيطرون على الجيش.
ولما كانت الميليشيا تتناسب أفضل ما يكون مع طبيعة المجتمع الاشتراكي فهي تتطلب اقتصادا متقدما. إن جيش الثكنات موضوع في ظروف مصطنعة، بينما يعكس الجيش الإقليمي وضع البلاد الحقيقي. وكلما كانت الثقافة بدائية، والفرق بين القرية والمدينة واضحا ظهرت الميليشيا أقل تجانسا وتنظيما. ويؤدي النقص في السكك الحديدية والطرق والمواصلات النهرية، والافتقار إلى طرق واسعة، وضعف النقل بالسيارات إلى الحكم على الجيش الإقليمي بأقصى البطء في الحركة في الأسابيع والأشهر الحرجة الأولى للحرب. لذا يجب تشكيل جيش دائم إلى جانب الميليشيا بغية تغطية الجبهة خلال التعبئة وتأمين النقل الاستراتيجي وتجميع القوى. ولقد بني الجيش الأحمر كحل وسط ضروري، بين النظامين مع التأكيد على أهمية الجيش النظامي الخاصة.
في عام 1924 كتب قائد الجيش42 ما يلي: “يجب أن نتمثل دائما الاعتبارين التاليين: إذا كان إرساء النظام السوفياتي يؤمن لأول مرة إمكانية إنشاء نظام الميليشيا، فالوقت اللازم لهذه العملية يتوقف على الحالة العامة لثقافة البلاد – تقنية، مواصلات، تعليم… الخ – لقد أنشأنا القواعد السياسية للميليشيا ولكن قواعدها الاقتصادية والثقافية لا تزال متخلفة جدا”. فإذا ما توفرت الظروف المادية المطلوبة فإن الجيش الإقليمي سيتفوق على الجيش النظامي الدائم بدل أن يبقى دونه. إن الاتحاد السوفياتي يدفع غاليا ثمن دفاعه لأنه فقير لدرجة لا تسمح له بتغطية تكاليف إنشاء جيش إقليمي رخيص. وليس ما في هذا الأمر ما يدعو للعجب: فبسبب فقر الاتحاد السوفياتي بالذات يرزح هذا البلد تحت عبء بيروقراطية مكلفة. وتعرض لنا المشكلة ذاتها دائما وفي كل مجالات الحياة دون استثناء، وهي مشكلة عدم التناسب بين القاعدة الاقتصادية والبناء الاجتماعي الفوقي. ففي المصنع والأسرة والكولخوز والمدرسة والأدب والجيش تعتمد كل العلاقات على التناقض بين مستوى قوى الإنتاج المنخفض (حتى من وجهة نظر رأسمالية) وأشكال الملكية التي هي اشتراكية من حيث المبدأ.
وترفع العلاقات الاجتماعية الجديدة من مستوى الثقافة. ولكن الثقافة الناقصة تخفض مستوى الأشكال الاجتماعية. وتتأرجح الحقيقة السوفياتية بين هذين الميلين. أما بالنسبة للجيش، بفضل بنية هياكله العام الواضحة كليا، يتم قياس المحصِّلة بأرقام صحيحة بما فيه الكفاية. ويمكن لنسب الوحدات الدائمة والإقليمية أن تلعب دور مؤشرات، وتقيس درجة التقدم نحو الاشتراكية.
لقد منحت الطبيعة والتاريخ الاتحاد السوفياتي حدودا طويلة مفتوحة تبعد الواحدة عن الأخرى 10 آلاف كيلومتر، وشعبا موزعا وطرقا سيئة. وفي 15 تشرين الأول / أوكتوبر 1924 حثت القيادة القديمة للجيش، وهي في أواخر أيام نشاطها، على عدم نسيان الموضوعة التالية: “لا يمكن لأي تنظيم للميليشيا في المستقبل القريب إلا أن يكون له طابع تحضيري، وكل تقدم في هذا الصدد ينبغي أن يمليه علينا التحقق الدقيق من النتائج المكتسبة”. وفي عام 1925 جاء عهد جديد وتولى أنصار “العقيدة الحربية البروليتارية” السلطة. وفي الحقيقة إن الجيش الإقليمي كان متناقضا تماما مع مبدأ “الهجوم” و”المناورة” الخاص بالمدرسة المذكورة. إلا أنه كان قد بدأ تناسي الثورة العالمية، حيث عمل الزعماء الجدد على تحاشي اندلاع الحرب “بتحييد” البرجوازية. وانتقل 74 بالمئة من وحدات الجيش في السنوات التالية إلى نظام الميليشيا !
طالما كانت ألمانيا مجردة من السلاح و”صديقة” أيضا كانت القيادة العامة في موسكو تأخذ بالحسبان بصدد الحدود الغربية قوى جيران الاتحاد السوفياتي: بولونيا، رومانيا، ليتونيا، ليتوانيا، استونيا، فنلندا. علما بان هؤلاء الخصوم كانوا يعتمدون على دول عظمى، من مثل فرنسا على وجه الخصوص التي لم تكن آنذاك صديقة للسلام (انتهى هذا العهد في عام 1923) ، وكانت الدول المجاورة قادرة على تجنيد 120 ألف فرقة مشاة أي 3,5 مليون رجل. وكانت خطة تعبئة الجيش الأحمر مبنية على تجميع قوى مماثلة تقريبا على الحدود الغربية. أما في الشرق الأقصى فقد كانت ظروف مسرح العمليات تفرض أن يؤخذ بالحسبان مئات الألوف من المقاتلين. ونحن نعلم أن 100 رجل في الجبهة بحاجة كل سنة ﻠ 75 آخرين من أجل استبدالهم بهم. وتحتاج سنتا حرب بين 10 – 12 مليون رجل إذا لم ندخل في حسابنا الجرحى الذين سيذهبون إلى الجبهة فور خروجهم من المستشفى. ولم يكن الجيش الأحمر حتى 1935 يضم سوى 562.000 رجل عامل. وكان تعداده مع وحدات البوليس السياسي 620.000 رجل منهم 40 ألف ضابط. وكان 74 بالمئة من مجموع هذه القوى تابعا للفرق الإقليمية بينما يتبع 26 بالمئة فقط للوحدات المعسكرة في الثكنات. وهذا في الحقيقة انتصار لنظام الميليشيا “بشكل نهائي أكيد”، وبنسبة 74 بالمئة لا 100 بالمئة.
ومنذ وصول هتلر إلى الحكم أصبحت هذه الحسابات، سريعة العطب بحد ذاتها، موضع تساؤل. اندفعت ألمانيا في التسلح المحموم ضد الاتحاد السوفياتي، قبل كل شيء، واختفت فورا فكرة التعايش السلمي مع الرأسماليين، وظهر خطر الحرب واضحا. الأمر الذي حدا الحكومة السوفياتية لإعادة النظر جذريا في بنية الجيش الأحمر رافعة تعداده إلى 1.300.000 رجل. وغدا 77 بالمئة من فرق الجيش نظامية بينما لم يبق في الفرق المحلية سوى 23 بالمئة. وهذا يشبه إلى حد بعيد التخلي عن نظام الميليشيا إذا فكرنا أن ما يجعل الحرب لا بد منها ليس سلام لا شائبة فيه بل احتمال الحرب. وهكذا تؤكد لنا التجربة التاريخية أننا لا نكسب بشكل “نهائي أكيد” إلا المكاسب المستندة إلى قاعدة المجتمع الإنتاجية، لاسيما في ميدان لا مزاج فيه.
إن خفض نسبة الميليشيا من 74 بالمئة إلى 23 بالمئة يبدو مبالغا به رغم كل شيء، ونحن لا نعتقد أنه حصل من غير ممارسة هيئة الأركان الفرنسية ضغطا “وديا”. ومن المرجح أيضا أن البيروقراطية وجدت في ذلك فرصة ملائمة للتخلص من هذا النظام لأسباب سياسية إلى حد بعيد. فالفرق الإقليمية تابعة مباشرة للأهالي، وهذه ميزة الميليشيا الكبرى من وجهة النظر الاشتراكية. ولكنها في الوقت نفسه ميزة سيئة من وجهة نظر الكرملين. إن البلاد الرأسمالية المتقدمة قادرة على تنفيذ نظام الميليشيا من الناحية التقنية، ولكنها ترفضه خوفا من تلاحم الجيش والشعب. ولا شك أن التفاعلات داخل الجيش الأحمر خلال تنفيذ الخطة الخمسية الأولى كانت سببا إضافيا لتعديل فكرة الفرق الإقليمية.
ولو أن عندنا خطا بيانيا يبين تشكيل الجيش الأحمر قبل التعديل وبعده لتأكدت فرضيتنا. ولكنه ليس في متناول أيدينا، ولو كان ذلك لما سمحنا لأنفسنا بشرحه هنا. وهنالك حقيقة لا بد من ذكرها: هي أن الحكومة السوفياتية أنقصت نسبة الميليشيا بنسبة 51 بالمئة في الوقت الذي أعادت به تنظيم وحدات القوزاق وهي الوحدات الإقليمية الوحيدة في النظام البائد !.. وتعتبر الخيالة دائما عنصرا متميزا ومحافظا في كل جيش وقد شكل القوزاق في الماضي أكثر عناصر الخيالة محافظة. استخدمهم القياصرة كقوة بوليسية خلال الحرب والثورة، ثم عملوا في خدمة كيرنسكي بعد ذلك. ويمكن اعتبارهم داخل النظام السوفياتي أكثر العناصر رجعية وتحجرا. إن عملية التجميع التي تم تنفيذها بينهم تحت ضغط العنف الشديد، لم تبدل تقاليدهم أو ذهنيتهم، بل تم منحهم على العكس حقا استثنائيا بامتلاك الخيول وبعض المزايا الأخرى. سوف يجد خيالة البراري أنفسهم من جديد في صف المتميزين ضد الناقمين. هل ثمة شك في ذلك ؟ وفي خضم تدابير القمع الموجهة ضد العمال الشباب المعارضين ظهرت الرتب العسكرية، والقوزاق بقبعاتهم الكريهة، فكان هذا مظهرا من مظاهر التيرميدور الأكثر صدما ! ويعتبر القرار بإعادة تنظيم ملاك الضباط بكل أبهته البرجوازية ضربة قاسية لمبادئ ثورة أوكتوبر. فقد تشكلت كادرات الجيش الأحمر، بمحاسنها ومساوئها، خلال الثورة والحرب الأهلية، كما لا تزال الشبيبة المحرومة من النشاط السياسي الحر تعطي قادة حمرا ممتازين. إن انحطاط الدولة المستمر انتقل من جهة أخرى إلى أعلى الرتب القيادية. وعندما تحدث فورشيلوف في محاضرة سياسية عن المثل الذي يتحتم على القادة إعطاؤه لمرؤوسيهم وجد نفسه مضطرا لأن يعترف: “إنني لا استطيع مع الأسف أن أهنئ نفسي”، “إن الكادرات لا تتمكن غالبا من متابعة التقدم” الذي يتم داخل الوحدات، “فالقادة عاجزون غالبا عن التصرف أمام الأوضاع الجديدة”… الخ. وتقلقنا اعترافات فورشيلوف المريرة ولكنها لا تثير استغرابنا، فما يقوله عن القيادة ينطبق على البيروقراطية بأجمعها. وقد لا تقبل الخطيب أن يكون ممكنا وضع المسؤولين في صفوف “المتأخرين”، لأنهم ينتقدون الجميع باستمرار ويطلبون من الجميع أن يرتفعوا إلى المستوى اللائق. والحقيقة أن جماعة “الرؤساء” التي لا تخضع للمراقبة، والتي يعتبر فورشيلوف منها، هي السبب الرئيسي للوضع المتخلف والروتين وأشياء أخرى أيضا.
إن الجيش الأحمر جزء من المجتمع ويشكو ما كل أمراضه، وهو يعاني منها على وجه الخصوص عندما ترتفع الحرارة. إن مهنة الحرب قاسية لدرجة لا يمكن أن نقبل فيها أشياء خيالية أو مغشوشة، وجيش الثورة بحاجة إلى حرية النقد الواسعة، والقيادة بحاجة لمراقبة ديمقراطية. ولقد رأى منظمو الجيش الأحمر ذلك منذ البدء، واقتنعوا بضرورة الإعداد لانتخاب القادة، ويقول القرار الرئيسي للحزب في هذا الموضوع: “إن ارتفاع روح الوحدة في القطاعات العسكرية، وبذر فكرة النقد الذاتي لدى الجنود لينتقدوا أنفسهم ورؤساءهم، يؤمنون الظروف الملائمة لتطبيق أوسع فأوسع لفكرة انتخاب القيادة”. ولكن بعد خمسة عشر عاما من تبني هذا القرار – وهذا وقت كاف لتأكيد روح الوحدة وفكرة النقد الذاتي – يسير المسؤولون السوفيات على الطريق المعاكس.
في أيلول / سبتمبر 1935 علم الأصدقاء والأعداء بكل استغراب عودة الجيش الأحمر إلى اعتماد نظام التراتب على صعيد الضباط بحيث نبدأ بالملازم وننتهي بالمشير. وصرح توخاتشيفسكي، وهو القائد الحقيقي للجيش: “إن إعادة الرتب العسكرية تخلق قاعدة أمتن لكادرات الجيش الفنية والقيادية”. وهذا تفسير غامض. فالقيادة تتقوى قبل كل شيء بثقة الرجال. ولهذا السبب نفسه قام الجيش الأحمر في الماضي بتصفية فئة الضباط. ولا تـُعتبر إعادة فئة تسلسلية ضرورية لمتطلبات الدفاع فوظيفة القيادة هي الأساس لا رتبتها. ولا يحمل الأطباء والمهندسون رتبا، ومع هذا يجد المجتمع طريقة لوضعهم في أماكنهم. ويأتي الحق في القيادة عن طريق المعرفة والموهبة والشخصية والخبرة وهي عوامل تتطلب تقديرا دائما وبما يخص كل فرد. إن رتبة رائد لا تضيف شيئا لقائد الكتيبة. ونجوم المشير الممنوحة للقادة الخمسة الكبار في الجيش الأحمر لا تضفي على هؤلاء القادة مواهب جديدة أو سلطة أكبر. إن الجيش لم يأخذ “قاعدة متينة” وإنما أخذ الضباط هذه القاعدة ودفعوا ثمنها بابتعادهم عن بقية أفراد الجيش. ولهذا التعديل هدف سياسي بحت: هو إعطاء الضباط وزنا اجتماعيا. إن مولوتوف يعترف بذلك في معرض تبريره هذا القرار بضرورة “زيادة أهمية الكادرات التي تقود الجيش”. ولا يقتصر الأمر على إعادة الرتب بل يتعداه إلى بناء مساكن للضباط. ففي عام 1936 سيتم تسليمهم 47 ألف غرفة. وسيخصص لرواتبهم مبلغ يزيد بنسبة 57 بالمئة عن تسليفات السنة الماضية. إن “زيادة أهمية الكادرات التي تقود الجيش” تعني ربط الضباط بشكل أمتن بالأوساط الحاكمة عبر إضعاف علاقتهم بالجيش. وهنالك ظاهرة تستدعي الانتباه وهي عدم استخدام أسماء جديدة لرتب الجيش والإصرار على تقليد جيوش الغرب، وعلى حذف رتبة الجنرال لأنها تعتبر في روسيا رمزا للسخرية. وعندما علقت الصحافة الروسية على تسمية خمسة مشيرين – تم اختيارهم لولائهم الشخصي لستالين لا لمواهبهم وخدماتهم – لم تنس التذكير بجيش القياصرة القديم المعروف “بروح الفئة المغلقة التي كان يتصف بها وتقديسه للرتب وعبوديته أمام التسلسل”، لماذا نقلده إذن بهذه الخساسة ؟ إن البيروقراطية التي تخلق الامتيازات تختلق دائما حججا استخدمت في الماضي لتدمير الامتيازات القديمة. إنها لوقاحة مقرونة هكذا بالجبانة، مع درجة عالية من النفاق.
مهما بدت غير متوقعة إعادة “روح الفئة المغلقة وتقديس الرتب والعبودية أمام التسلسل” فلقد أقدمت الحكومة على هذا التصرف مضطرة، لأن تعيين القادة حسب ميزاتهم الشخصية يتطلب سيادة النقد والبداهة بحرية في جيش يخضع رقابة الرأي العام. إن الانضباط الحازم لا يتعارض مع الديمقراطية بل يجد فيها سندا، ولكن ديمقراطية الجيش من ديمقراطية النظام الذي يغذيه. وليست النزعة البيروقراطية، بروتينها وغرورها، ناجمة عن الحاجات الخاصة بالتنظيم العسكري، بل عن الحاجات السياسية للقادة. هذه الحاجات تجد في الجيش على وجه الحصر تعبيرها الأكثر اكتمالا. إن إعادة فئة الضباط المغلقة، بعد 18 سنة من إلغاء الثورة لها، تشهد على مدى اتساع الهوة بين الحاكم والمحكوم، وإلى أي حد فقد الجيش الصفات الأساسية التي كانت تسمح بإطلاق تسمية الجيش الأحمر عليه، وعلى مقدار وقاحة البيروقراطية التي تجعل من نتائج هذا التثبيط للمعنويات قانونا.
ولقد فهمت الصحافة البرجوازية هذا الإصلاح – المضاد على حقيقته. وكتبت صحيفة الزمن في 25 أيلول / سبتمبر 1935: “هذا التبديل الخارجي هو أحد الدلائل على التبديل العميق الذي يجري حاليا في الاتحاد السوفياتي كله. إن النظام الذي توطدت دعائمه نهائيا، بدأ يميل للاستقرار بصورة تدريجية. وها هي العادات والتقاليد الثورية تترك مكانها في الأسرة السوفياتية والمجتمع للعواطف والعادات السائدة في البلاد الرأسمالية. إن السوفياتات تتبرجز”. ليس لدينا ما نضيف على هذا التقدير.
الاتحاد السوفياتي والحرب
إن استمرار خطر الحرب من الشواهد الدالة على ارتباط الاتحاد السوفياتي بالعالم، وحجة ضد طوباوية مجتمع اشتراكي منعزل، حجة مرهوبة تقف الآن في الطليعة.
ومحاولة توقع كل العوامل المؤثرة على تطاحن الشعوب في المستقبل محاولة غير مجدية. ولو كانت مثل هذه المحاولة ممكنة لأمكن حل صراع المصالح عبر مساومة يقوم بها بعض المحاسبين. ولكن هنالك كثيرا من المعميات الغامضة في معادلة الحرب الدموية. ويملك الاتحاد السوفياتي على كل حال ميزات كبيرة بعضها موروث من الماضي وبعضها ناجم عن النظام الجديد. ولقد أثبتت تجربة العدوان والتدخل المسلح في الحرب الأهلية أن اتساع روسيا يمنحها كما في الماضي تفوقا لا يستهان به. إن هنغاريا السوفياتية الصغيرة لم تصمد أمام الامبريالية الأجنبية، التي وفر لها حظوظ الانتصار الديكتاتوري المشؤوم بيلاكون، سوى عدة أيام. بينما قاومت روسيا السوفياتية المقطوعة منذ البدء عن محيطها التدخل المسلح مدة 3 سنوات. ولقد تضاءلت أرض الثورة في بعض الأوقات إلى حدود دوقية موسكو الكبرى القديمة. ولكن هذا كان كافيا لتصمد وتنتصر في النهاية.
والاحتياط البشري ميزة أخرى هامة. إن الشعب السوفياتي الذي يتزايد بمعدل 3 ملايين شخص في السنة، تجاوز تعداده 170 مليون نسمة. إن طبقة تضم حاليا 1.300.000 شاب، ولا يمكن للاختيار الأكثر صرامة، على المستويين المادي والسياسي، أن يستبعد أكثر من 400 ألف. إن احتياطي الرجال المقدر بـ 18 – 20 مليون رجل هو احتياطي يتعذر استهلاكه.
ولكن الطبيعة والرجال لا يشكلان سوى المادة الأولية للحرب. أما “المقدرة” العسكرية فتتوقف قبل كل شيء على قدرة الدولة الاقتصادية. ولقد تقدم الاتحاد السوفياتي كثيرا في هذا المجال بالنسبة لروسيا القديمة. وكنا قد ذكرنا سابقا أن الاقتصاد السوفياتي المخطط هو الذي أعطى أحسن النتائج في الحقل العسكري. ولقد أدى تصنيع المناطق النائية، وفي سيبيريا بصورة خاصة، إلى إعطاء مساحات الغابات والبراري الشاسعة أهمية جديدة. ومع هذا يبقى الاتحاد السوفياتي متخلفا. ولا يعوض عن ضعف مردود العمل وسوء نوعية المنتجات وضعف وسائل النقل سوى الاتساع والثروات الطبيعية وعدد السكان، وذلك بصورة جزئية. إن مقارنة القوى الاقتصادية لأنظمة اجتماعية متخلفة في زمن السلم أمر غير ملح ويمكن تأجيله – فترة طويلة ولكنها لا تدوم إلى الأبد – بتصرفات سياسية معينة وباحتكار الدولة للتجارة الخارجية على وجه الخصوص. أما في زمن الحرب فالامتحان يجري على أرض المعركة مباشرة، وهنا يكمن الخطر.
وتؤدي الهزائم عادة إلى تبديل سياسي كبير، ولكنها تعجز عن القيام دائما بانقلابات اقتصادية. ولا يمكن قلب نظام اجتماعي يتسم بمستوى رفيع من الثقافة وبثراء عظيم، بواسطة أسنة الحراب. وكثيرا ما نرى المنتصرين، على العكس، يستخدمون أساليب وعادات المنهزمين عندما يكون هؤلاء أكثر منهم تطورا. ولا يمكن تبديل أشكال الملكية بالحرب إلا إذا كانت متناقضة بشكل خطير مع قواعد البلاد الاقتصادية. وستؤدي هزيمة ألمانيا في حرب مقبلة ضد الاتحاد السوفياتي إلى سقوط هتلر وزوال النظام الرأسمالي، ولا يمكن أن نشك لحظة أن هزيمة تلحق بالاتحاد السوفياتي سوف يكون لها نتائج مشؤومة بالنسبة لقادته ونظامه الاجتماعي. إن عدم ثبات النظام الحالي في ألمانيا ناجم عن أن قواها الإنتاجية تجاوزت منذ أمد بعيد شكل الملكية الرأسمالية، أما عدم ثبات النظام السوفياتي فناجم عن أن قواه الإنتاجية منخفضة جدا عن مستوى الملكية الاشتراكية. وقواعد الاتحاد السوفياتي الاجتماعية تهددها الحرب للأسباب ذاتها التي تجعلها أيام السلم بحاجة إلى البيروقراطية واحتكار التجارة الخارجية، أي لما تعانيه إلى الآن من ضعف.
فهل سيخرج الاتحاد السوفياتي من الحرب المقبلة دون هزيمة ؟ لنجب بصراحة على هذا السؤال الواضح ! لو كانت الحرب مجرد حرب عادية فإن هزيمة الاتحاد السوفياتي أكيدة، لأن الإمبريالية أقوى منه بكثير في مجالات التقنية والاقتصاد والفن العسكري. فإذا لم تشلـَّها الثورة في الغرب، فسوف تدمر النظام الذي أرسته ثورة أوكتوبر. إن الإمبريالية تجريد عام لأنها ممزقة بتناقضاتها الخاصة، ولولا هذه التناقضات لاختفى الاتحاد السوفياتي عن المسرح منذ زمن بعيد. وترتكز الاتفاقيات الدبلوماسية والعسكرية السوفياتية جزئيا على هذه التناقضات. ولكن من الخطأ الذريع التعامي عن الحدود التي تتوقف عندها هذه التمزقات، فكما يتوقف الصراع بين الأحزاب البرجوازية والبرجوازية الصغيرة (ابتداء من غلاة الرجعيين حتى الاشتراكيين – الديمقراطيين) أمام خطر الثورة البروليتارية المباشر، تجد الاختلافات الإمبريالية دائما حلا وسطا بغية منع الاتحاد السوفياتي من النصر العسكري.
إن الاتفاقيات الدبلوماسية مجرد “قصاصات ورق” كما يقول أحد مستشاري الرايخ، ولا يقدر لها أن تعيش حتى الحرب. ولا تستطيع أية معاهدة مع الاتحاد السوفياتي مقاومة خطر اندلاع ثورة عارمة في أي جزء من أوروبا. يكفي أن تدخل الأزمة السياسية في إسبانيا (لكي لا نقول فرنسا) في مرحلة ثورية حتى تتقبل كل الحكومات البرجوازية فكرة “هتلر المنقذ” التي ابتدعها لويد جورج. وإذا انتهت الأوضاع المضطربة في إسبانيا وفرنسا وبلجيكا بانتصار الرجعية فقدت المعاهدات التي تربط هذه البلدان بالاتحاد السوفياتي كل قيمتها. وأخيرا، إذا افترضنا أن “قصاصة الورق” تحتفظ بقوتها في المرحلة الأولى من العمليات الحربية، فإننا لا نشك بأن تكتل القوى في المرحلة الحاسمة يتم بناء على عوامل أهم بكثير من الارتباطات الاحتفالية لديبلوماسيين متخصصين بالألاعيب السياسية. ويتبدل الوضع بشكل كامل إذا حصلت الحكومات البرجوازية على ضمانات مادية تؤكد أن حكومة موسكو ستكون إلى جانبها، لا في حالة الحرب فقط بل في حالة الصراع الطبقة أيضا. وسيستفيد “أصدقاء السلام” الرأسماليون من وقوع الاتحاد السوفياتي بين نارين فيعملون طبعا على اتخاذ التدابير الكفيلة بتحطيم احتكار التجارة الخارجية والقوانين السوفياتية المتعلقة بالملكية الفردية. ومن المعروف أن حركة الدفاع القومي التي تنمو بين المهاجرين الروس في فرنسا وتشيكوسلوفاكيا تعيش على هذه الآمال. فإذا اعتبرنا أن الصراع العالمي لن يحله غير اندلاع الحرب، سيكون للحلفاء حظ كبير لتحقيق هدفهم. فإذا لم تندلع الثورة في بلادهم أصبحت قواعد الاتحاد السوفياتي الاجتماعية معرضة للانهيار في حالتي النصر والهزيمة.
ومنذ أكثر من سنتين ظهرت وثيقة برنامجية عنوانها “الأممية الرابعة والحرب” شارحة هذا الإحتمال بالكلمات التالية: “تحت تأثير الحاجة الملحة للبضائع الضرورية التي ستشعر الدولة بها، ستتنامى الميول الفردية في الاقتصاد الريفي، وستتعاضم القوى النابذة للمركز في داخل الكولخوزات، من شهر إلى آخر… ويمكننا أن نتوقع… في جو الحرب المحموم القيام بدعوة الرساميل الأجنبية الحليفة” مع محاولات لتحطيم احتكار التجارة الخارجية وإضعاف مراقبة الدولة على التروسات، واستفحال التنافس بين التروستات بالذات، علاوة على نشوب الخلافات بين التروستات والعمال.. الخ. وبمعنى آخر، فإن حربا طويلة قادرة، إذا بقيت البروليتاريا العالمية سلبية، على دفع التناقضات الداخلية السوفياتية إلى ردة بونابرتية معاكسة. وقد جاءت أحداث السنتين الأخيرتين فضاعفت إمكانية وقوع هذا الإحتمال.
إن كل ما تقدم لا يؤدي بالضرورة إلى استنتاجات “متشائمة”. إننا لا نريد أن نتعامى عن التفوق المادي الكبير الذي يتمتع به العالم الرأسمالي، ولا أن نتجاهل خيانة “الحلفاء” الإمبرياليين الأكيدة، ولا أن نخدع أنفسنا بصدد التناقضات الداخلية في النظام السوفياتي. ولكننا لا نميل أبدا إلى المبالغة في تقدير قيمة صلابة النظام الرأسمالي في البلاد المعادية أو الحليفة. قبل أن تضع حرب الاستنزاف ميزان القوى موضع التجربة بزمن طويل، ستعرّض التوازن النسبي داخل تلك الأنظمة لامتحان قاس. إن المنظرين الجديين لمذبحة الشعوب المقبلة يدخلون في حسابهم إمكانية بل حتمية قيام الثورات. إن الفكرة التي تصدر أكثر فأكثر عن بعض الدوائر، بصدد أنشاء جيوش صغيرة محترفة، وهي فكرة أكثر واقعية بقليل من فكرة مبارزة بين أبطال مستوحاة من سابقة داود وجوليات، تكشف بما تنطوي عليه من خيال مفرط هلع تلك الدوائر حيال فكرة الشعب المسلح. ولا يترك هتلر مناسبة لا يعلن فيها عن رغبته بالسلام مشيرا إلى ما ستؤدي إليه الحرب من اكتساح البلشفية لأقطار الغرب. إن القوة التي لا تزال تحول دون الحرب المستعدة للاندلاع لا تكمن في عصبة الأمم أو معاهدات الضمان أو الاستفتاءات الداعية للسلم، ولكنها كامنة في خوف الدول القوية من اندلاع الثورات داخل بلادها.
يجب الحكم على الأنظمة الاجتماعية بالمقارنة. فإذا قارنـَّا النظام السوفياتي مع غيره وجدناه أنه يملك على صعيد الأستقرار ورغم تناقضاته تفوقا كبيرا على أنظمة أعادئه المتوقعين. إن إمكانية سيطرة النازيين على الشعب الألماني ناجمة عن التوتر الشديد على مستوى التناقضات الاجتماعية في ألمانيا. هذه الصراعات لم تنته ولم تضعف. إن رحى الفاشية لا تفعل أكثر من الضغط عليها، وستظهرها الحرب من جديد. وحظ هتلر في حسم الحرب لمصلحته أقل من حظ غليوم الثاني. ولن ينقذ ألمانيا من هزيمة محققة سوى ثورة تقوم في الوقت المناسب وتبعد خطر الحرب.
وتظهر الصحافة العالمية عملية اغتيال بعض الضباط للوزراء اليابانيين كعملية وطنية تدل على الحماس والتهور. ويمكن تصنيف هذه الأعمال، رغم اختلاف الإيديولوجية، مع عمليات الفوضويين الروس في إلقاء القنابل على البيروقراطيين أثناء حكم القياصرة. ويرزح شعب اليابان اليوم تحت نير استغلال مزدوج لزراعة آسيوية ورأسمالية حديثة جدا. وستثور كوريا ومندشوكو والصين ضد الظلم الياباني عندما ستتراخى قبضة اليابان العسكرية. وستدفع الحرب اليابان حتما إلى زلزال اجتماعي. وليس الوضع في بولونيا أفضل بكثير. فالنظام الذي يقوده بيلسودسكي، وهو الأكثر عقما بين القادة، عجز عن تخفيف عبودية الفلاحين. وتتعرض أوكرانيا الغربية لاضطهاد عنيف يثير مشاعرها القومية، مما يؤدي إلى تفاقم الاضرابات والانتفاضات في المراكز العمالية. وتحاول البورجوازية البولونية توفير مستقبل لها بالتحالف مع فرنسية والتقرب من انجلترا– ولكن هذا لا يفيدها بشيء، بل بالعكس يعجل قيام الحرب التي ستكون سبب هلاكها.
إن خطر الحرب وخطر هزيمة الاتحاد السوفياتي فيها أمران محتملان. فإن لم تمنع الثورة الحرب فالحرب قادرة على خلق الظروف الملائمة للثورة. وعلمية ولادة ثانية أسهل عموما من ولادة أولى. ولن تدعنا الحرب المقبلة الجديدة، ننتظر سنتين ونصفا بانتضار العصيان المسلح الأول ! وما أن تبدأ الثورات حتى يصعب توقفها في منتصف الطريق. ولن يتقرر مصير الاتحاد السوفياتي على خرائط أركان الحرب بل في خضم صراع الطبقات. وإذا ما وقفت البروليتاريا الأوروبية ضد بورجوازيات بلدانها، بما فيها “صديقات السلام”، فهي وحدها التي تستطيع انقاذ الاتحاد السوفياتي من الهزيمة ومن الطعنات التي يوجهها “حلفاؤه” إلى ظهره. إن هزيمة الاتحاد السوفياتي نفسها لن تكون أكثر من حادث عرضي يدوم فترة قصيرة مؤقتة لا أهمية لها إذا استطاعت البروليتاريا أن تنتصر في بلاد أخرى. وعلى العكس سيصبح أي انتصار عسكري عاجزا عن حماية مكاسب ثورة أوكتوبر إذا ما بقيت الإمبريالية في بقية أجزاء العالم.
إن أتباع البيروقراطية سوف يردون ويقولون أننا “نبخس قيمة” قوى الاتحاد السوفياتي الداخلية ولا نقدر الجيش الأحمر حق قدره.. الخ. كما قالوا سابقا بأننا “ننكر” إمكانية البناء الاشتراكي في بلد واحد. ولكن هذه الحجج سخيفة لدرجة تمنعنا من الرد عليها. فلولا الجيش الأحمر لهُزم الاتحاد السوفياتي وقطعت أوصاله كما حدث في الصين. ومقاومته الطويلة البطولية المستمرة المصممة قادرة وحدها على منح الثورة دفعة قوية. ولكن وحدها الثورة قادرة على تنفيذ المهمة الرئيسية التي هي أكبر من إمكانيات وقوى الجيش الأحمر. ليس هنالك من يطلب من الحكومة السوفياتية أن تتعرض لمغامرات عالمية، أو تتجاهل صوت العقل أو تحاول التسريع في سير الحوادث العالمية. فلقد تمت محاولات سابقة مشابهة في (بلغاريا واستوانيا وكانتون) فلم تخدم سوى الرجعية وأدانتها المعارضة اليسارية في حينها. ولكننا نطلب منها توجيها جديدا للسياسية السوفياتية. إن تناقض سياسة الاتحاد السوفياتي الخارجية مع مصالح البروليتاريا العالمية وشعوب المستعمرات يجد شكله المشؤوم في تبعية الأممية الشيوعية البيروقراطية المحافظة التي آلت على نفسها ألا تتحرك.
ولن يستطيع العمال الأوروبيون أو شعوب المستعمرات تحت لواء الوضع الراهن أن يقوموا بثورة ضد الإمبريالية. والحرب التي ستندلع وتقلب هذا الوضع الراهن بالحتمية ذاتها التي يأتي معها مولود إلى العالم عند تمام مدة الحمل سوف تعكر صفور الوضع الراهن للحمل. وليس من مصلحة العمال الدفاع عن الحدود الحالية خاصة في أوروبا، سواء أكان ذلك تحت قيادة بورجوازيتهم أو خلال ثورة ضد هذه البورجوازية. إن الإنحطاط الأوروبي ناجم عن أن أوروبا وجوازات سفرها وأنظمتها النقدية المختلفة وجيوشها المخيفة العاملة في خدمة الخصوصية القومية قد أصبحت حواجز كبيرة أمام تطور البشرية الاقتصادي وأمام سير الحضارة كلها.
ليست مهمة البروليتاريا الأوروبية الدفاع عن الحدود. ولكن عليها أن تزيلها بشكل ثوري. فهل هذا يعني دعم الوضع الراهن ؟ كلا ! ! إنه يعني العمل لخلق ولايات متحدة اشتراكية أوروبية !
الفصل التاسع: ماهو الاتحاد السوفييتي ؟
العلاقات الاجتماعية
إن ملكية الدولة لوسائل الإنتاج تهيمن بصورة شبه حصرية في الصناعة. أما في الزراعة فلا تتمثل إلا بالسوفخوزات التي تطول نسبة 10 بالمئة من المساحات المزروعة فقط. وفي الكولخوزات تندمج الملكية التعاونية أو ملكية الجمعيات، بنسبة مختلفة، بملكية الدولة والملكية الفردية. إن الأرض، المعتبرة قانونا ملكا للدولة، لكن الممنوحة للكولخوزات لتتمتع بها “تمتعا دائما”، هذه الأرض تختلف قليلا عن ملكية الجمعيات. والدولة هي التي تملك الجرارات والآلات43، بينما تخضع الأدوات الأقل أهمية للاستثمار الجماعي. ولكل فلاح مشروعه الخاص، بالإضافة إلى عمله في الكولخوزات. وفيما عدا ذلك يبقى 10 بالمئة من المزارعين منعزلين خارج نطاق الكولخوزات.
وطبقا لإحصاء عام 1934، يشكل العمال ومستخدمو الدولة نسبة 28,1 بالمئة من مجموع السكان، وكان تعداد عمال الصناعة والبناء العازبين، يقارب 7,5 ملايين في عام 1935، ويشكل الكولخوزيون والمهنيون المنظمون تعاونيا في فترة الإحصاء المذكور نسبة 45,9 بالمئة من تعداد السكان. أما الطلاب والعسكريون والداخليون44 وفئات أخرى مرتبطة مباشرة بالدولة فيشكلون نسبة 3,4 بالمئة. والخلاصة فإن نسبة 74 بالمئة من السكان ترتبط “بالقطاع الاشتراكي” وتمتلك بشكل أو بآخر 95,8 بالمئة من رأسمال البلاد. أما الفلاحون المستقلون والحرفيون فكانوا ما يزالون يمثلون (في عام 1934) نسبة 22,5 بالمئة من تعداد السكان ولكنهم لا يملكون إلا نسبة أكبر بقليل من 4 بالمئة من الرأسمال القومي.
ولم يجر أي إحصاء منذ عام 1934، أما الإحصاء المقبل فسيجري في عام 1937. ومع ذلك لا يمكن أن نشك في أن القطاع الخاص في الاقتصاد قد تقلص لصالح “القطاع الاشتراكي”. ويشكل المزارعون الفرديون والحرفيون حاليا نسبة 10 بالمئة تقريبا من مجموع السكان حسب إحصاء الأجهزة الرسمية، أي 17 مليون شخص؛ أما أهميتهم الاقتصادية فقد تضاءلت كثيرا بالنسبة لأهميتهم العددية. وقد صرح اندرييف سكرتير اللجنة المركزية في نيسان (أبريل) 1936 بقوله: “ينبغي أن يشكل الوزن النسبي للإنتاج الاشتراكي، في بلادنا، نسبة 98,5 بالمئة في عام 1936، بحيث لا يتبقى للقطاع غير الاشتراكي إلا 1,5 بالمئة، وهي نسبة لا قيمة لها…” إن هذه الأرقام التي تدعو إلى التفاؤل تبدو لأول مهلة وكأنها تبرهن بشكل قاطع على انتصار الاشتراكية “النهائي والحاسم”، ولكن الويل لمن لا يلحظ الحقيقة الاجتماعية من خلف الحسابات !
إن في هذه الأرقام شيئا من الافتعال، فيكفي أن نشير إلى أن الملكية الخاصة لأعضاء الكولخوزات واردة ضمن هذه الأرقام “في القطاع الاشتراكي”. ومع ذلك فإن محور المسألة ليس هنا. فهذا الرجحان الإحصائي البارز الذي لا جدال فيه لملكية الدولة والملكية الجماعية في الاقتصاد، رغم ما سيكون له من أهمية في المستقبل، فإنه لا يبعد مشكلة أخرى ليست أقل منه أهمية، ألا وهي قوة الاتجاهات البرجوازية داخل “القطاع الاشتراكي” نفسه، لا في الزراعة فقط، بل في الصناعة أيضا. إن تحسين نمط المعيشة الذي حصلت عليه البلاد يكفي لإثارة مشكلة الازدياد في المطالب والحاجات ولكنه لا يكفي أبدا لتلبية هذه المطالب. إذن فإن ديناميكية الانطلاق الاقتصادي نفسها تشتمل على إيقاظ معين للغرائز البرجوازية الصغيرة. ولا يبدو ذلك بين الفلاحين وممثلي العمل “الفكري” فقط، بل تبدو هذه الظاهرة أيضا بين العمال ذوي الامتيازات. إن مجرد مقاومة المزارعين الفرديين للكولخوزات، والحرفيين للصناعة المدوّلة، لا تعطي فكرة ولو بسيطة عن القوة المتفجرة لهذه المطامح التي تجتاح اقتصاد البلاد وتعبِّر عن نفسها بميل الجميع، وكل على حدة، لأن يمنحوا المجتمع أقل ما يمكن ويستخلصوا منه أكثر ما يمكن.
إن حل مشاكل الاستهلاك والصراع لأجل البقاء يتطلب على الأقل قدرا من العزم والمهارة يساوي ما يتطلبه البناء الاشتراكي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. وينبع جزئيا من هنا المردود الضعيف للعمل الاجتماعي. فبينما تقاوم الدولة، بلا انقطاع، عمل القوى النابذة الجزيئي Forces Centrifuges تشكل الأوساط الحاكمة نفسها الموضع الرئيسي للتراكم الخاص الشرعي واللاشرعي . وهكذا فإن الاتجاهات البرجوازية الصغيرة، المتسترة وراء المقاييس القانونية الجديدة لا تدع مجالا واسعا للإلمام بها بواسطة الإحصاءات. ولكن البيروقراطية “الاشتراكية”، هذا التناقض الموضوعي الصارخ، أو التورم الاجتماعي المخيف المتعاظم على الدوام، الذي يغدو بدوره سببا لحمَّيات المجتمع الضارة، تشهد على هيمنة تلك الاتجاهات في الحياة الاقتصادية.
إن الدستور الجديد الذي أنشئ بكامله كما سنرى فيما بعد، على المماثلة بين البيروقراطية والدولة – كما على المماثلة بين الدولة والشعب من جهة أخرى – إن هذا الدستور يقول ما يلي: ” إن ملكية الدولة، وبعبارات أخرى ملكية الشعب بأسره…” هذه السفسطائية هي أساس للعقيدة الرسمية. فليس هنالك مجال للجدل في أن الماركسيين، ابتداء من ماركس نفسه، قد استخدموا للدولة العمالية تعابير “ملكية الدولة” و”الملكية القومية” و”الملكية الاشتراكية” كتعابير مترادفة؛ ولم يكن لهذه الطريقة في التحدث أية مساوئ استثنائية للمقاييس التاريخية الكبرى، ولكن هذه التعابير أضحت مصدرا لأخطاء فظيعة وخداع حين يكون الموضوع موضوع المراحل الأولى، التي لم تصبح أكيدة بعد، الخاصة بتطور المجتمع الجديد المنعزل، والمتخلف من الوجهة الاقتصادية عن الدول الرأسمالية.
فلكي تصبح الملكية الخاصة ملكية “اجتماعية” ينبغي بلا جدال أن تمر بمرحلة ملكية الدولة، كدودة القز التي لا يمكن أن تصبح فراشة دون أن تمر بالشرنقة، ولكن شرنقة الحرير ليست بفراشة، فعشرات الآلاف من دود القز تموت قبل أن تصبح فراشات. إن ملكية الدولة لا تصبح ملكية “مجموع الشعب” إلا بمقدار ما تختفي الامتيازات والتباين الاجتماعي وعندما تفقد الدولة، بناء على ذلك، وجودها. وبعبارة أخرى، تصبح ملكية الدولة ملكية اشتراكية بقدر ما لا تعود ملكا للدولة، ولكن على العكس، كلما ارتفعت الدولة السوفياتية فوق الشعب كلما تعارضت معه بشدة، كحارسة للملكية التي يبذرها، وكلما برهنت بوضوح أكبر على عدم اتصاف ملكية الدولة بالطابع الاشتراكي.
“نحن ما زلنا بعيدين جدا عن إلغاء الطبقات”، بهذا تعترف الصحافة الرسمية، وهي ترجع إلى الفوارق الموجودة بين المدينة والريف، وبين العمل الفكري والعمل اليدوي. إن هذا الاعتراف الأكاديمي الصرف يتيح الفرصة لتبرير موارد البيروقراطية بردها إلى طبيعة العمل “الفكري”. و”الأصدقاء” الذين يُعتبر أفلاطون بالنسبة إليهم أعز من الحقيقة، يكتفون أيضا بقبول وجود بقايا لعدم المساواة. والحقيقة أن هذه البقايا يمكن أن يتم تحميلها عبء المسؤولية عوضا عن المسؤولين الحقيقيين إلا أنها غير كافية تماما لتفسير الحقيقة السوفياتية. فإذا كان الفرق بين المدينة والريف قد تضاءل من زاوية معينة، إلا أنه اتسع من زوايا أخرى، بسبب التنامي السريع للتمدن والرفاه في المدن، أي للقلة القاطنة في المدينة. أما البعد الاجتماعي بين العمل الفكري واليدوي فقد ازداد خلال الأعوام الأخيرة بدلا من أن يخف، بالرغم من تشكيل كادرات علمية نابعة من الشعب. إن الحواجز التي شيدت منذ آلاف السنين بين الفئات المغلقة، والتي عزلت الإنسان من كافة الجوانب – سواء كان ابن المدينة المصقول أو الفلاح الجاهل، رجل العلم أو العامل اليدوي – هذه الحواجز لم تبق فقط ضمن أشكال مخففة إلى حد ما، بل إنها تنبعث بشكل واسع وترتدي طابعا مثيرا.
إن الشعار المشهور الذي يقول: “القيادات تقرر كل شيء” يميز المجتمع السوفياتي بصراحة أكبر مما يريد ستالين. فالقيادات مدعوة بموجب هذا التعريف إلى ممارسة سلطاتها. إن عبادة القيادات تعني قبل كل شيء عبادة البيروقراطية. وفي تشكيل الكادرات وتربيتها، كما في مجالات أخرى، توصل النظام السوفياتي إلى تحقيق انجاز نفذته البرجوازية منذ زمن طويل. ولكن بما أن القيادات السوفياتية تظهر تحت لواء الاشتراكية، فهي تطالب باحترام شبه إلهي وبأجور ترتفع أكثر فأكثر، بشكل يرافق فيه تشكيل القيادات “الاشتراكية” انبعاث اللامساواة البرجوازية.
ومن الممكن أن يبدو أنه ليس هناك أي فرق من ناحية ملكية وسائل الإنتاج بين المارشال الخادم، وبين مدير التروست والعامل اليدوي، وبين ابن مفوضي الشعب والمتشرد الصغير. ومع ذلك يحتل البعض شققا جميلة ويتصرفون بعدة فيلات في أنحاء متعددة من البلاد، ولديهم أفخر السيارات، ويجهلون منذ زمن بعيد كيفية مسح الحذاء وتلميعه، في حين يعيش الباقون في أكواخ من التوتياء تنتفي فيها الحواجز غالبا ويغالبون الجوع ولا يمسحون أحذيتهم لأنهم حفاة الأقدام، وصاحب الهيبة والنفوذ لا يعير هذا الفرق أي اهتمام. لكن العامل يجد هذا الفرق (وهو محق في رأيه) فرقا جديا.
وفي مقدور “النظريين” السطحيين أن يعزّوا أنفسهم قائلين أن توزيع الثروات عامل ذو أهمية ثانية بالنسبة للإنتاج، ولكن جدلية التأثيرات المتبادلة تحتفظ مع ذلك بكل قوتها. فإن مصير وسائل الإنتاج المؤممة يتقرر في نهاية الأمر حسب تطور مختلف الظروف الشخصية. فإذا أعلن عن سفينة أنها ملكية جماعية وبقي ركابها مقسمين على درجة أولى وثانية وثالثة، فمن المفهوم جيدا أن الفرق بين الشروط الفعلية ينتهي بأن يصير له، بالنسبة لركاب الدرجة الثالثة، أهمية أكبر بكثير من التغيير الحقيقي لوضع الملكية. أما ركاب الدرجة الأولى فسيعلنون طوعا، فيما يرتشفون القهوة ويدخنون السيجار، أن الملكية الجماعية هي كل شيء، فليس رفاه المقصورات شيئا على الإطلاق، عند المقارنة. إن الصراع الناتج عن هذا الوضع سيسبب هزات قاسية لمجتمع غير مستقر. ولقد روت الصحافة السوفياتية بارتياح أن غلاما صغيرا كان يزور حديقة الحيوانات في موسكو، وعند سؤاله عمن يملك الفيل، سمع الجواب: “بأنه الدولة”، فاستنتج حالا: “أنه إذن لي أيضا فأنا املك شيئا منه”. وإذا كان من الواجب في الحقيقة تقسيم الفيل فستذهب أنيابه الثمينة إلى أصحاب الامتيازات، بينما يتذوق بعض السعداء لحم جلده الغليظ، أما الأكثر عددا فلن يعرفوا منه إلا كرشه وكبده. إن الأطفال الصغار المستلبين قد يكونون حقا غير مبالين إلى الخلط بين ملكيتهم وملكية الدولة. أما المتشردون الفتيان فلا يعتبرون ملكا لهم إلا ما يسرقونه من الدولة. أما الغلام الصغير الذي زار حديقة الحيوان فمن المرجح أن يكون ابن شخصية ذات نفوذ تعوّد على فكرة أن “الدولة هي أنا”.
وإذا ترجمنا – كيما نعبِّر عن أقوالنا بشكل أفضل – العلاقات الاجتماعية تعابير سوق البورصة، نقول إن المواطنين يستطيعون أن يكونوا مساهمين في مشروع يملك ثروات البلاد. والطابع الجماعي للملكية يفترض توزيعا “متساويا” للأسهم، وانطلاقا من هذا الافتراض يحق لكل “المساهمين” أن يطالبوا بأرباح متساوية. ومع ذلك فالمواطنون يساهمون في المشروع القومي كمساهمين وكمنتجين. ففي الطور الأول من الشيوعية الذي نسميه الاشتراكية لا زال أجر العمل يحسب طبقا للمعايير البرجوازية، أي طبقا لنوع العمل وكثافته، الخ. إذن فالدخل النظري للمواطن يتشكل من جزأين، أ + ب، مضاف إليه الأجر. وكلما تطورت التقنية كلما ازداد التنظيم الاقتصادي تحسنا وبالتالي تصبح قيمة العمل (أ) أكثر أهمية بالنسبة للعامل (ب) وتقل قيمة التأثر الذي تمارسه الفروقات الفردية للعمل على الشرط المادي. إن واقع كون الفروق بين الأجور في الاتحاد السوفياتي ليست فروقا ضئيلة ولكنها أكبر بكثير من مثيلاتها في البلاد الرأسمالية، يفرض علينا أن نستنتج أن الأسهم موزعة بصورة غير متساوية وأن دخل المواطنين في حين يشتمل على أجر غير متساو فهم يشتمل أيضا على عوائد من أرباح الأسهم غير متساوية. فبينما لا ينال العامل اليدوي إلا (ب) وهو الحد الأدنى من الأجر في أي مشروع رأسمالي في الوقت الذي تكون فيه كل الظروف الأخرى متساوية، نجد الاستاخانوفي والموظف ينالان الأجر 2 أ + ب أو 3 أ + ب وهكذا.. وقد تصبح (ب) أيضا 2 ب أو 3 ب الخ.. وبعبارات أخرى فإن الفرق بين المداخيل لا يتحدد بالفارق بين المردود الفردي لعامل وآخر فقط، ولكن بالاستيلاء المقنـَّع على عمل الآخرين. فتعيش الأقلية الممتازة من المساهمين على حساب الأكثرية المخدوعة. وإذا سلمنا بان العامل اليدوي السوفياتي ينال أجرا أكبر من الأجر الذي يناله زميله في نظام رأسمالي، إذا تساوى بينهما المستوى الفني والثقافي، أي أنه مع ذلك مساهم صغير، ينبغي أن يعتبر أجره أ + ب. وتصبح عندئذ أجور العمال الذين يدفع لهم أجر أفضل ممثلة بالمعادلة 3 أ + 2 ب؛ 10 أ + 10 ب الخ.. الأمر الذي يعني أنه إذا كان العامل غير المختص يملك في المشروع سهما فإن الاستاخانوفي يملك ثلاثة أسهم، بينما يملك الأخصائي 10 أسهم. أي أن أجورهم، بالمعنى الخاص لهذه الكلمة، هي بنسبة 1 إلى 2 وإلى 15. وهنا يتبدى أن قصائد المديح للملكية الاشتراكية المقدسة ومديحها، في هذه الشروط، أكثر إقناعا لمدير المصنع أو الاستاخانوفي منها للعامل العادي أو لفلاح الكولخوز. والحال أنه يشكل الشغيلة العاديون الأغلبية الساحقة في المجتمع، وعلى الاشتراكية أن تعمل من أجلهم لا من أجل ارستقراطية جديدة.
“إن العامل ليس في بلادنا عبدا مأجورا، بائعا لعمل معتبر سلعة. إنه كادح حر” (نقلا عن البرافدا). هذه الصيغة البليغة هي الآن مجرد تبجح غير مقبول. إن انتقال ملكية المصانع إلى الدولة لم يبدل إلا وضع العامل الحقوقي. لا يزال هذا العامل يعيش في الواقع حياة الحرمان والحاجة مقابل عدد من الساعات وبأجر معين. والآمال التي بناها العامل على الحزب والنقابات قد تحولت، منذ الثورة، من الحزب والنقابات إلى الدولة التي بناها بنفسه. ولكن العمل المجدي لهذه الدولة قد وضع له حدا عدم الكفاية في التقنية والثقافة. ولتحسين المستوى الثقافي والفني لجأت الدولة إلى الطرق القديمة وإلى استهلاك أعصاب وعضلات العمال. وقد تشكل فيلق من المحرّضين، وأضحت إدارة الصناعة في غاية البيروقراطية وفقد العمال كل نفوذ على إدارة المصانع. ومن الطبيعي أن يشعر العامل بصعوبة الاقتناع بأنه عامل حر، لأنه يعمل بالقطعة وفي حالة قاسية من الضنك، محروما من حرية التنقل، وخاضعا في المصنع لنظام بوليسي قاهر. فالموظف بالنسبة للعامل رئيس والدولة سيد. إن العمل الحر لا يتفق أبدا مع مجود الدولة البيروقراطية.
وكل ما أتينا على ذكره ينطبق على الريف مع بعض التصحيحات الضرورية. لقد اعتبرت النظرية الرسمية ملكية الكولخوزات ملكية اشتراكية، وقد كتبت البرافدا عن الكولخوزات: “إن من الممكن تشبيهها في الواقع بمشروعات للدولة من النموذج الاشتراكي”، وأضافت تقول: “إن ضمانة التطور الاشتراكي للزراعة تكمن في إدارة الكولخوزات من قبل الحزب الشيوعي” وهذا يعود بنا من الاقتصاد إلى السياسة. إن هذا يعني أن العلاقات الاشتراكية في الوقت الحاضر موجودة في القلب الوصي للرؤساء لا في العلاقات الحقيقة بين البشر. وعلى العمال أن يحترسوا جيدا من هذا القلب. فالحقيقة أن اقتصاد الكولخوزات هو في منتصف الطريق بين الزراعة الفردية المجزأة واقتصاد الدولة، وأن اتجاهات البرجوازية الصغيرة في داخل الكولخوزات تتولى توطيدها السرعة المطردة في تنامي ملكية الفلاحين الفردية.
إن قطع الأرض الفردية الخاصة بأعضاء الكولخوزات والخاضعة لزراعة مكثفة مروية، خاصة مزارع الخضار والتي لا تشكل إلا أربعة ملايين هكتار مقابل 108 ملايين هكتار من الأراضي الجماعية المزروعة بالحبوب، هذه القطع التي تشكل نسبة أقل من 4 بالمئة تزود الفلاح بالمواد الاستهلاكية التي لا يمكنه الاستغناء عنها. ويملك أعضاء الكولخوزات كأفراد القسم الأعظم من المواشي والأغنام والخنازير بينما لا تملكها الكولخوزات نفسها. ويحدث دائما أن الفلاحين يهتمون بالدرجة الأولى بقطع أرضهم الصغيرة ولا يقدمون للكولخوز إلا جهدا ثانويا. وتشكل الكولخوزات التي تدفع مبلغا أكبر ليوم العمل فئة من المزارعين الميسورين. وهكذا نجد أن الاتجاهات النابذة للمركز لا تختفي أيضا بل إنها على العكس تتقوى وتمتد. وفي كل الأحوال فإن الكولخوزات في الوقت الحاضر لم تنجح إلا في تبديل الأشكال القانونية للاقتصاد في الأرياف وبخاصة في تبديل طريقة توزيع المداخيل. فهي لم تمس الأكواخ أو بساتين الخضار والفواكه ولا تربية المواشي ولا وتيرة العمل الفلاحي المضني. ويمكن القول أنها لم تمس أيضا الأسلوب القديم في النظرة إلى الدولة، هذه الدولة التي إن لم تخدم الآن الملاكين العقاريين والبرجوازيين فإنها مع ذلك تأخذ الكثير من الأرياف لتعطي المدن وتنفق على كثير من الموظفين النهمين.
ونجد الفئات التالية على بيانات إحصاء السادس من كانون الثاني / يناير 1937: “عمال، مستخدمون، عمال الكولخوزات، مزارعون فرديون، حرفيون، مهن حرة، رجال الدين، العاطلون عن العمل. ويذكر البيان الرسمي أن الإحصاء لا يشتمل على أبواب أخرى لأنه لا وجود للطبقات في الاتحاد السوفياتي. ولقد صمم الإحصاء في الواقع ليخفي وجود أوساط ذات امتيازات وأخرى محرومة. ولو جرى إحصاء غير متحيز لكانت التقسيمات التالية: موظفون كبار، اختصاصيون وأشخاص آخرون يعيشون حياة برجوازية؛ شرائح وسطى ودنيا من الموظفين والاختصاصيين الذين يعيشون كصغار البرجوازيين؛ ارستقراطية عمالية وكولخوزية تعيش تقريبا ضمن ظروف الشرائح السابقة؛ عمال متوسطون وفلاحون متوسطون كولخوزيون؛ عمال وفلاحون قريبون من حثالة البروليتاريا أو بروليتاريا فاقدة لوضعها الطبقي؛ صغار متشردين، وبغايا الخ..
والدستور الجديد عندما يعلن “أن استغلال الإنسان للإنسان قد قضي عليه في الاتحاد السوفياتي” إنما يقول عكس الحقيقة. فالتمييز الاجتماعي الجديد قد خلق شروطا لبعث الاستغلال تحت أكثر أشكال الاستغلال همجية ألا وهي شراء الإنسان لصالح الخدمة الشخصية للآخرين. إننا لا نجد أثرا لخدم المنازل في بيانات الإحصاء إذ أنهم متضمنون حتما في باب “العمال”، وهنالك الأسئلة التالية التي لم تطرح: هل لدى المواطن السوفياتي خدم ومن هم هؤلاء ؟ (خادمة – طباخة – مرضعة – مدبرة منزل – سائق ؟) هل لديه سيارة ؟ وكم من الغرف في منزله ؟ ولا يجري التعرض أبدا لمقدار الأجر الذي يتقاضاه ! وإذا أريد إعادة تطبيق القاعدة السوفياتية التي تحرم من الحقوق السياسية كل مواطن يستغل عمل الآخرين لصالحه يبدو فورا أن الذرى الحاكمة للمجتمع السوفياتي ينبغي أن تكون محرومة من منافع الدستور ! ولحسن الحظ فإن مساواة كاملة في الحقوق قد تحققت بين السيد والخادم ! !
وهناك اتجاهان متعارضان يتعاظمان داخل النظام، لأنه بتطويره وتنميته للقوى المنتجة – على النقيض من الرأسمالية الراكدة – يخلق الأسس الاقتصادية للاشتراكية. وهو، بمحاباته للمسؤولين وذهابه بالقواعد البرجوازية في التوزيع إلى ابعد الحدود، يهيئ لعودة الرأسمالية. إن هذا التناقض بين أشكال الملكية وقواعد التوزيع لا يستطيع أن ينمو دونما نهاية، فلا بد من أن تمتد القواعد البرجوازية بهذا الشكل أو بشكل آخر إلى وسائل الإنتاج أو أن تتوافق القواعد الاشتراكية مع الملكية الاشتراكية.
إلا أن البيروقراطية تخشى أن ترفع الستار عن هذا الاختيار بين الحلين. ففي كل مكان، في الصحافة، وعلى منصات الخطابة، وفي الإحصاءات وفي قصص كتـَّابها وقصائد شعرائها وأخيرا في نص دستورها الجديد، تستخدم البيروقراطية تجريدات من مفردات الاشتراكية لتخفي العلاقات الاجتماعية في المدن والأرياف. كل هذا يجعل الإيديولوجية الرسمية خاطئة وتافهة ومصطنعة إلى أبعد الحدود.
رأسمالية دولة ؟
يفتش الناس دوما عن النصر والملجأ في الكلمات القديمة عندما تجابههم ظواهر جديدة. ولقد حاولوا دائما تمويه اللغز السوفياتي مستندين إلى تعبير قديم هو: رأسمالية الدولة، هذا التعبير الذي يتميز بأنه لا يقدم أي إيضاح معين لأي إنسان. إن هذا التعبير قد استخدم أولا للتعبير عن الحالات التي تتولى فيها الدولة البرجوازية إدارة وسائل النقل وبعض الصناعات. إن ضرورة مثل هذه التدابير هي واحدة من الظاهرات التي تتجاوز فيها القوى المنتجة للرأسمالية الرأسمالية نفسها وتجرها إلى أن تنكر بنفسها وجودها جزئيا، في الواقع العملي. ولكن هذا الأسلوب، فيما يواصل الحياة، يبقى أسلوبا رأسماليا رغم الحالات التي يتوصل فيها إلى إنكار نفسه بنفسه.
ويمكننا على المستوى النظري أن نتمثل وضع تشكل فيه البرجوازية كلها شركة مساهمة لتـُسيِّر كل الاقتصاد القومي بواسطة وسائل الدولة. إن الآلية الاقتصادية لنظام من هذا النوع لا تحوي أي لغز محير. فالرأسمالي، كما نعرف، لا يتلقى فائض القيمة من عماله بشكل أرباح، ولكنه يتلقى جزءا من فائض القيمة للبلد كله متناسبا مع حصته من الرأسمال. ففي نظام “رأسمالية الدولة” المتكامل، نجد أن قانون التوزيع المتساوي للأرباح ينفذ مباشرة وبعملية حسابية بسيطة دون تنافس بين الرساميل. ولم يطبق أبدا نظام كهذا كما أنه لن يوجد مثله في المستقبل نظرا للتناقضات العميقة التي تفصل بين المالكين فيما بينهم – لاسيما أن الدولة، التي هي الممثلة الوحيدة للملكية الرأسمالية، تمثل بالنسبة للثورة الاجتماعية موضوعا مغريا جدا.
غالبا ما نسمع بتعبير “رأسمالية الدولة” منذ قيام الحرب وخاصة بعد تجربة الاقتصاد الفاشستي، ويقصد بهذا التعبير نظام تدخل وإدارة للاقتصاد تتولاهما الدولة. ولكن الفرنسيين يستخدمون تعبيرا أكثر ملاءمة في مثل هذه الحالة وهو: الدولتية45 Etatisme. إن لتعبيري رأسمالية الدولة أو الدولتية نقاط مشتركة حتما، ولكنهما متعارضان من حيث هما نظامان أكثر مما هما متماثلان. إن رأسمالية الدولة تعني أن تحل ملكية الدولة محل الملكية الخاصة وتحتفظ لهذا بالذات بطابع جذري. أما الدولتية، سواء أكانت في إيطاليا موسوليني أو ألمانيا الهتلرية أو الولايات المتحدة أيام روزفلت أو فرنسا ليون بلوم، فهي تعني تدخل الدولة على أسس الملكية الخاصة لحمايتها. ومهما كانت برامج الحكومات فإن الدولتية تكمن حتما في نقل أعباء النظام الاقتصادي المتعفن من الأقوياء إلى الضعفاء. فهي لا تجنب الملاك الصغار كارثة كاملة إلا لأن وجودهم ضروري للحفاظ على الملكية الكبيرة. والدولتية لا تستوحي عملها في الجهد الذي تبذله لتوجيه الاقتصاد من الحاجة إلى تنمية القوى المنتجة، ولكنها تستوحي عملها من اهتمامها بالمحافظة على الملكية الخاصة على حساب القوى المنتجة التي تتمرد ضدها. إن الدولتية تكبح انطلاق التقنية بدعمها لمشروعات غير قابلة للحياة وبالحفاظ على طبقات اجتماعية طفيلية. وهكذا فهي باختصار مغالية في رجعيتها.
إن الجملة التي قالها موسوليني في 26 أيار / مايو 1934 وهي: “إن ثلاثة أرباع الاقتصاد الايطالي، الصناعي والزراعي، بين أيدي الدولة”، لا ينبغي النظر إليها كما هي حرفيا. فالدولة الفاشستية لا تملك المشروعات إنما هي وسيط بين الرأسماليين. وهذا اختلاف هام ! وقد قالت جريدة بوبولو ديتاليا في هذا الموضوع: “إن الدولة المهنية46 Etat Corporatif توحد وتوجه الاقتصاد ولكنها لا تديره، وهذا، مع احتكار الإنتاج، ليس شيئا آخر غير الجماعية ( في 11 حزيران / يونيو 1936). وتدخل البيروقراطية إزاء الفلاحين وإزاء صغار الملاك بصورة عامة كسيد قوي، وإزاء رجال الرأسمال الكبار كمعتمدهم الأول في السلطة. وقد أصاب الماركسي الايطالي فيروشي عندما كتب: “إن الدولة المهنية ليست إلا وكيلا لرأسمال الاحتكارات… إن موسوليني يحمِّل الدولة كل مخاطر المشروعات ويترك للرأسماليين كل أرباح الاستغلال…” ومن هذه المنطلقات يتبع هتلر الخطوات ذاتها. إن التبعية الطبقية للدولة الفاشستية تعين حدود الاقتصاد الموجه الجديد ومضمونه الحقيقي أيضا؛ فلا يتعلق الأمر بزيادة سلطة الإنسان على الطبيعة لصالح المجتمع، وإنما باستغلال المجتمع لصالح الأقلية. وقد كان موسوليني يتبجح قائلا: “لو أردت تشييد رأسمالية الدولة أو اشتراكية الدولة، وهو أمر ليس موضوع بحث، لوجدت الآن كل الشروط المطلوبة”. حقا إنه يجد كل الشروط المطلوبة ما عدا شرطا واحدا وهو: نزع ملكية الطبقة الرأسمالية. ولتحقيق هذا الشرط يتوجب على الفاشستية أن تضع نفسها في الجانب الآخر من المتراس. ولكن موسوليني أسرع بإضافة جملة أخرى قال فيها: “وهو أمر ليس موضوع بحث”، ولن يكون في المستقبل موضوع بحث لأن نزع ملكية الرأسماليين يتطلب قوى جديدة وكادرات جديدة وزعماء آخرين. إن أول تركيز لوسائل الإنتاج بين أيدي الدولة عرفه التاريخ، قد تحقق على يد البروليتاريا بواسطة الثورة الاجتماعية وليس بواسطة الرأسمالية واحتكاراتها المدوّلة. ويكفي هذا التحليل الموجز للبرهنة على سخافة محاولات المماثلة بين الدولتية الرأسمالية والنظام السوفياتي. فالنظام الأول هو نظام رجعي بينما يحقق النظام الثاني تقدما كبيرا.
تتحدد الطبقات بموقعها في الاقتصاد الاجتماعي وتتحدد قبل كل شيء بالنسبة لوسائل الإنتاج. ففي المجتمعات المتحضرة يحدد القانون علاقات الملكية. إن تأميم الأرض ووسائل الإنتاج ووسائط النقل والمبادلات واحتكار التجارة الخارجية، إن هذا كله يشكل أسس المجتمع السوفياتي. ويحدد هذا المكسب للثورة البروليتارية أمام أعيننا الاتحاد السوفياتي كدولة بروليتارية. إن البيروقراطية السوفياتية تشبه كل بيروقراطية أخرى وبشكل خاص البيروقراطية الفاشستية، وذلك بوظيفتها التي تقوم بها كمنظمة ووسيط، وباهتمامها بالحفاظ على التسلسل الاجتماعي، وباستغلالها جهاز الدولة لأغراضها الخاصة بها. ولكنها تتميز عن هذه البيروقراطيات بسمات ذات أهمية بالغة، فلم تحصل البيروقراطية في ظل أي نظام على استقلال مشابه لاستقلال البيروقراطية السوفياتية. وفي المجتمع البرجوازي تمثل البيروقراطية مصالح الطبقة المالكة والمتعلمة التي تملك عددا كبيرا من وسائل الإشراف على أجهزتها الإدارية. أما البيروقراطية السوفياتية فقد ارتفعت فوق طبقة خرجت من البؤس والظلمات دون أن يكون لديها تقاليد في القيادة والسيطرة. ففي حين نجد الفاشستيين يتحدون مع البرجوازية حالما يصلون إلى المعلف بحكم مصالحهم المشتركة والصدقات القائمة فيما بينهم والمصاهرة الخ… نرى أن البيروقراطية السوفياتية تهضم الأخلاق البرجوازية دون أن يكون إلى جانبها برجوازية وطنية. بهذا المعنى بالذات لا يمكننا أن نكر بأنها تمثل شيئا أكثر من كونها بيروقراطية. إنها الشريحة الاجتماعية الوحيدة صاحبة الامتياز والسيطرة بالمعنى الكامل لهذه الكلمات في المجتمع السوفياتي. وهناك سمة أخرى ليست أقل أهمية من الأولى وهي أن البيروقراطية السوفياتية قد صادرت البروليتاريا سياسيا لتدافع بأساليبها الخاصة عن المكاسب الاجتماعية للبروليتاريا. ولكن استيلاءها على السلطة في بلد تتملك فيه الدولة أهم وسائل الإنتاج قد نسج بينها وبين ثروات الأمة علاقات جديدة كل الجدة. فوسائل الإنتاج تعود إلى الدولة. والدولة “تعود” بشكل ما إلى البيروقراطية. وإذا استقرت هذه العلاقات (التي هي علاقات حديثة) وإذا ما أضحت شرعية وطبيعية دون مقاومة، أو ضد مقاومة الشغيلة، فإنها تنتهي بالقضاء نهائيا على مكاسب الثورة البروليتارية. ولكن هذه الفرضية ما تزال سابقة لأوانها، لأن البروليتاريا لم تقل بعد كلمتها الأخيرة، ولم تخلق البيروقراطية إلى حد الآن قاعدة اجتماعية لتسلطها بشكل شروط خاصة للتملك. إنها ملزمة بالدفاع عن ملكية الدولة التي هي منبع سلطتها ومصدر أرباحها، وعبر هذا المظهر من مظاهر نشاطها، تبقى أداة لديكتاتورية البروليتاريا.
إن محاولات إبراز البيروقراطية السوفياتية وكأنها طبقة “رأسمالية الدولة” محاولات لا تصمد أمام النقد، فليس للبيروقراطية ألقاب ولا أسهم. إنها تتشكل وتتكامل وتتجدد بفضل التسلسل الهرمي الإداري دون أن تكون لدى عناصرها حقوق خاصة على صعيد الملكية. فليس من حق للموظف أن يورث أبناءه وأحفاده حقه في استغلال الدولة. إن امتيازات البيروقراطية تجاوزات، فهي تخفي وارداتها، وتتظاهر بعدم وجودها كمجموعة اجتماعية. ووضع يدها على حصة ضخمة من الدخل القومي تطفل اجتماعي، وهذا الذي يجعل وضع الحكام السوفيات في قمة التناقض والالتباس وانعدام الجدارة، بالرغم من سلطتهم الكاملة ومن ستار الدخان الذي يخلقه النفاق الدنيء.
وفي كثير من الأحيان غيَّر المجتمع البرجوازي، خلال حكمه، الأنظمة والفئات البيروقراطية دون أن يعدل من أسسه الاجتماعية. لقد تحصن هذا المجتمع ضد عودة الإقطاع والجماعات المهنية corporations بتفوق نمط إنتاجه. لم يكن باستطاعة السلطة إلا أن تساعد النمو الرأسمالي أو أن تعيقه. كانت القوى المنتجة، القائمة على الملكية الفردية والمنافسة، تعمل لحسابها الخاص. وعلى العكس من ذلك فإن علاقات الملكية التي أقامتها الثورة الاشتراكية مرتبطة بصورة وثيقة بالدولة الجديدة التي تحملها. ولا يتحقق تغلب الاتجاهات الاشتراكية على الاتجاهات البرجوازية الصغيرة بواسطة الآلية الاقتصادية – التي ما نزال بعيدين عنها – ولكن يتحقق بفضل القوة السياسية للديكتاتورية. فطابع الاقتصاد يتعلق إذن بصورة كاملة بطابع السلطة.
إن سقوط النظام السوفياتي سيؤدي يقينا إلى انهيار الاقتصاد المخطط وبالتالي إلى القضاء على ملكية الدولة، وسيقطع الرباط الإلزامي بين التروستات وبين المصانع في داخل التروستات. وستجد أفضل المشروعات حظا نفسها وقد أصبحت تدير نفسها بنفسها. وقد تصبح شركات مساهمة أو قد تطبق أي شكل آخر انتقائي من أشكال الملكية، كإشراك العمال في الأرباح. وتتفتت عندئذ الكولخوزات أيضا، وبسهولة أكبر. إن سقوط الديكتاتورية البيروقراطية الحالية دون أن تحل مكانها سلطة اشتراكية جديدة ينذر هكذا بعودة النظام الرأسمالي مع انخفاض كارثي في الاقتصاد والإنتاج الزراعي.
ولكن إذا كان لا بد من وجود سلطة اشتراكية للحفاظ على الاقتصاد المخطط وتطويره، فإن مسألة معرفة على من تستند سلطة الاتحاد السوفياتي اليوم، وإلى أي حد تتأمن الروح الاشتراكية لسياستها تصبح أكثر جدية من ذي قبل. لقد تحدث لينين في المؤتمر الحادي عشر للحزب (وكأنما كان يودعه) قائلا: “لقد عرف التاريخ كثيرا من التغيرات المختلفة في اتجهاتها، فليس من الأمور الجدية في السياسة أبدا أن نعتمد على القناعات والإخلاص والصفات الجيدة للنفس…”. فالشروط المحيطة تحدد الوعي. في خمسة عشر عاما غيرت السلطة التركيب الاجتماعي للأوساط الحاكمة بعمق أكبر من تغيير أفكارها. فالبيروقراطية، نظرا لأنها الشريحة الوحيدة بين كل شرائح المجتمع السوفياتي التي حلت بشكل أفضل مشكلتها الاجتماعية، هذه البيروقراطية راضية رضى كاملا عن الوضع، وتمتنع منذ الآن عن تقديم أية ضمانة أخلاقية مهما كانت تافهة للتوجيه الاشتراكي لسياستها. فهي مستمرة في الدفاع عن ملكية الدولة خوفا من البروليتاريا. وقد غذى هذا الخوف الشافي وأبقاه حزب البلاشفة اللينيني الممنوع قانونا والذي هو التعبير الأكثر وعيا من التيار الاشتراكي في وجه الفكر الرجعي البرجوازي الذي ينفذ إلى أعماق البيروقراطية التيرميدورية. لقد خانت البيروقراطية الثورة، من حيث هي قوة سياسية واعية. ولكن الثورة الظافرة لحسن الحظ ليست فقط برنامجا ولا علـَما يُرفع ولا مجموعة مؤسسات سياسية، إنما هي أيضا وبالإضافة إلى كل ذلك نظام للعلاقات الاجتماعية. فلا تكفي خيانتها بل يجب كذلك قلبها. إن حكامها خانوا ثورة أوكتوبر ولكنهم لم يقلبوها بعد. فللثورة طاقات كبرى على المقاومة تتفق مع العلاقات الجديدة للملكية، ومع القوة الحية للبروليتاريا، ومع وعي أفضل عناصرها، ومع مأزق الرأسمالية العالمية، وحتمية الثورة العالمية.
لم يحسم التاريخ بعد مسألة طابع الاتحاد السوفياتي الاجتماعي
لكي نفهم بشكل أفضل الطابع الاجتماعي للاتحاد السوفياتي اليوم، فلنصغ فرضيتين للمستقبل: لنفترض أن البيروقراطية السوفياتية قد طردها من الحكم حزب ثوري يملك كل صفات البلشفية القديمة، حزب اغتنى، بالإضافة إلى ذلك، بالتجربة العالمية لهذه الأيام الأخيرة. سوف يبدأ هذا الحزب بتجديد الديمقراطية وإعادتها إلى النقابات وإلى مجالس السوفيات، وباستطاعته أيضا أن يعيد الحرية إلى الأحزاب السوفياتية، ويقوم مع الجماهير وبقيادتها بعملية تطهير لا تعرف الرحمة لدوائر الدولة، فيلغي الرتب والأوسمة والامتيازات ويضيق من حدة عدم المساواة في أجور العمل إلى الحد الضروري للاقتصاد والدولة، ويتيح للشبيبة إمكانية التفكير الحر والتعلم والنقد وإعداد نفسها، ويدخل هذا الحزب تعديلات عميقة على توزيع الدخل الوطني طبقا لإرادة الجماهير العمالية والفلاحية، ولن يحتاج للاستعانة بتدابير ثورية فيما يتعلق بالملكية. كما يستمر في تطبيق تجربة الاقتصاد الموجه ويدفع بهذه التجربة إلى أقصى ما يمكن. ولا بد للبروليتاريا بعد الثورة السياسية وقلب البيروقراطية من تحقيق إصلاحات هامة في الاقتصاد، ولن يكون عليها أن تقوم بثورة اجتماعية جديدة.
وعلى العكس لو تمكن حزب برجوازي من قلب الفئة السوفياتية الحاكمة، فإنه يجد كثيرا ممن يعرضون عليه خدماتهم من بين البيروقراطيين الحاكمين اليوم والفنيين والمدراء وسكريتاريي الحزب، ومن رجال الحكم بشكل عام. ولا بد في هذه الحالة من تطهير مصانع الدولة أيضا. ولكن عملية إعادة البرجوازية ستجد عددا من الناس ممن يتوجب طردهم أقل من العدد الذي يتوجب على حزب ثوري طرده. وسيكون الهدف الرئيسي للسلطة الجديدة هو إعادة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. وعلى السلطة الجديدة أيضا أن تعطي للكولخوزات الضعيفة إمكانية إعداد مزارعين كبار وتحويل الكولخوزات الفنية إلى تعاونيات تنتج على الطريقة البرجوازية، أو إلى شركات مساهمة. أما في الصناعة فإن عملية نزع التأميم ستبتدئ بمشاريع الصناعة الخفيفة والصناعات الغذائية. وستقتصر الخطة في اللحظات الأولى على مساومات تتضمن حلولا وسطى بين السلطة ومختلف الهيئات، أي بين السلطة وقادة الصناعة السوفياتية والمالكين القدماء المهاجرين والرأسماليين الأجانب. ومع أن البيروقراطية السوفياتية قد عملت كثيرا من أجل إعادة البرجوازية فإن النظام الجديد سيكون ملزما بأن يُطبق على أرض الملكية ونمط الإدارة ثورة “حقيقية” لا إصلاحا بسيطا.
ولنفترض مع ذلك أن أيا من الحزبين: الحزب الثوري والحزب المضاد للثورة لم يستول على السلطة، فإن البيروقراطية تستمر على رأس هذه الدولة، ولن يتوقف تطور العلاقات الاجتماعية. في هذه الحالة لا يمكننا أن نتصور أن البيروقراطية ستتنازل لصالح المساواة الاجتماعية، فهي منذ الآن قد أعادت الرتب والأوسمة بالرغم من مساوئها. ويتوجب عليها أن تفتش عن الدعم في علاقات الملكية فيما بعد بصورة لا يمكن تجنبها. وقد يعترض البعض قائلا إن الموظف الكبير لا يهتم بأشكال الملكية التي يسحب منها دخله. إن هذا الاعتراض يدل على أننا لا نجهل فقط عدم ثبات حقوق البيروقراطية بل مسألة انحدارها أيضا. فالتمجيد الجديد للأسرة السوفياتية لم ينزل من السماء، لأن الامتيازات التي لا يستطيع البيروقراطيين توريثها لأبنائهم تفقد نصف قيمتها. والحال أن حق التوريث لا ينفصل عن حق الملكية. فلا يكفي أن يكون البيروقراطي مديرا للتروست بل ينبغي أن يكون مساهما أيضا. إن انتصار البيروقراطية في هذا القطاع الحاسم يجعلها طبقة مالكة جديدة. وعلى العكس فإن انتصار البروليتاريا على البيروقراطية يدل على بعث الثورة الاشتراكية. وهكذا فإن الفرضية الثالثة تعيدنا إلى الفرضيتين الأوليين اللتين ابتدأنا بهما من أجل تحقيق الوضوح والبساطة.
***
إن تعريف النظام السوفياتي بأنه مرحلة انتقالية أو وسطية يعني أن نستبعد المقولات الاجتماعية المكتملة كالرأسمالية (بما فيها رأسمالية الدولة) والاشتراكية. ولكن هذا التعريف هو بحد ذاته تعريف غير كاف ومن الممكن أن يوحي بفكرة خاطئة هي: أن الانتقال الوحيد الممكن للنظام السوفياتي الحالي يقود إلى الاشتراكية، مع أن التراجع نحو الرأسمالية يبقى ممكنا أيضا. إن تعريفا أتم وأشمل سيكون بالضرورة أطول وأكثف. إن الاتحاد السوفياتي هو مجتمع وسطي بين الرأسمالية والاشتراكية، وتبرز الصفات التالية في هذا المجتمع:
أ- القوى المنتجة ما زالت إلى حد بعيد غير كافية لتضفي على ملكية الدولة طابعا اشتراكيا.
ب- إن الميل نحو التراكم الأولي، الناجم عن الحاجة، يتبدى من خلال كل سمات الاقتصاد المخطط.
ج- مقاييس توزيع الثروة، ذات الطبيعة البرجوازية، هي أساس التمايز الاجتماعي.
د- التطور الاقتصادي يساهم في تشكيل شريحة من أصحاب الامتيازات في الوقت ذاته الذي يحسن فيه تدريجيا من شروط حياة الكادحين.
هـ- أضحت البيروقراطية فئة مغلقة غير خاضعة للرقابة وغريبة عن الاشتراكية، باستغلالها للتضادات الاجتماعية.
و- الثورة الاجتماعية التي خانها الحزب الحاكم ما تزال تعيش في علاقات الملكية وفي ضمير الشغيلة.
ز- تطور التناقضات المتراكمة قد يقود إلى الاشتراكية أو يدفع المجتمع نحو الرأسمالية.
ح- على الثورة المضادة السائرة نحو الرأسمالية أن تحطم مقاومة العمال.
ط- لا بد للعمال السائرين نحو الاشتراكية من قلب البيروقراطية. وستحسم المشكلة في النهاية بصراع قوتين حيتين على الأرض القومية والأرض الدولية.
إن العقائديين لن يكونوا بالطبع راضين عن تعريف غائم كهذا التعريف. فهم يفضلون التعابير الجازمة: نعم ونعم، كلا وكلا. فقد تكون مسائل علم الاجتماع أكثر بساطة لو كانت الظاهرات الاجتماعية دوما منحنيات دقيقة. ولكن ليس هنالك أخطر، فيما نواصل الدقة المنطقية، من استبعاد العناصر المتناقضة منذ الآن لمخططاتنا التي يمكن أن تدحضها غدا. وفوق هذا فإننا نخشى في تحليلنا أن نسيء إلى دينامية تشكيل اجتماعي ليس له سابقة ولا نعرف له مثيلا. إن الهدف العلمي والسياسي الذي نقصده يمنعنا من إعطاء تعريف كامل لسيرورة لم تكتمل بعد، وهو يفرض علينا ملاحظة كل مراحل الظاهرة واستنتاج الاتجاهات التقدمية والرجعية منها، والكشف عن تأثيرهما المتبادل والتنبؤ لمختلف التحولات المحتملة اللاحقة، وإيجاد نقطة استناد للعمل من خلال هذا التنبؤ.
الفصل العاشر: الاتحاد السوفياتي في مراة الدستور الجديد
العمل “حسب المقدرة” والملكية الشخصية
لقد تبنى المجلس التنفيذي للسوفيات في 11 حزيران / يونيو 1936 مشروع دستور جديد ستكرر نشره مرارا وتكرارا – إذا أردنا أن نصدق ما قاله ستالين – صحافة البلاد، “أكثر صحافات العالم ديمقراطية”. والحقيقة أن الطريقة التي تم فيها وضع هذا الدستور تولد كثيرا من الشكوك، إذ لم يذكر عنه شيء لا في الصحافة ولا في الاجتماعات. والحالة هذه، أعلن ستالين في أول آذار / مارس 1936 لروي هوفارد، وهو صحافي أمريكي، قائلا: “إننا سنطبق دستورنا الجديد، دون شك، في نهاية هذا العام”. إذن فقد كان ستالين يعرف بالضبط متى سيطبق دستور لا يعرف الشعب عنه شيئا. فكيف يمكن أن لا نستنتج من ذلك أن “أكثر الدساتير ديمقراطية في العالم” يوضع ويفرض بأسلوب خال من الديمقراطية ؟ صحيح أن المشروع قد خضع في حزيران “لتقدير” شعوب الاتحاد السوفياتي ! ! لكن عبثا نفتش في سدس الكرة الأرضية بحثا عن شيوعي واحد، أو عن رجل لا ينتمي لأي حزب، يسمح لنفسه بنقد عمل اللجنة المركزية أو يتجرأ على رفض اقتراح الحزب الحاكم. إن “النقاش” يقتصر على توجيه برقيات الشكر لستالين “للحياة السعيدة” التي يمنحها للشعوب… لقد تم تحديد مضمون تلك الرسائل وأسلوبها في ظل الدستور السابق.
يتحدث الباب الأول للدستور عن البنية الاجتماعية وينتهي بهذه الكلمات: “إن المبدأ الاشتراكي: من كل حسب مقدرته ولكل حسب عمله، يطبق في الاتحاد السوفياتي”. إن هذه الصيغة غير المتماسكة، لكي لا نقول الخالية من كل معنى، المستغنية، مهما يكن ذلك غير معقول، عن الخطب والمقالات في النص المدروس دراسة ناضجة والخاص بقانون أساسي، هذه الصيغة تشهد زيادة على عدم كفاءة المشرعين النظرية، كم يحتوي من الكذب هذا الدستور الجديد الذي هو مرآة الشريحة الحاكمة. وليس من الصعب أن نتكهن كيف تأكد “المبدأ” الجديد. فقد كان ماركس يستخدم، للتعريف بالمجتمع الشيوعي، ذلك التعبير المشهور الذي يقول: “من كل حسب مقدرته ولكل حسب حاجته”. فالاقتراحان مترابطان بصورة لا انفصام فيها. “من كل حسب قدرته”، وهذا يعني في التفسير الشيوعي وغير الرأسمالي أن العمل لم يعد سخرة بل أصبح حاجة أساسية للفرد، وأن المجتمع لن يستعين بالإكراه بعد اليوم، وأن المرضى والأناس غير الطبيعيين هم وحدهم الذين يمكن أن يتهربوا من العمل. إن أعضاء الجماعة، الذين يعملون بحسب قدرتهم، أي بحسب إمكاناتهم البدنية والنفسية، دون قهر أنفسهم، هؤلاء الأعضاء المستفيدون من تقنية رفيعة المستوى سوف يملؤون المخازن بصورة كافية كي يستطيع كل فرد أن يأخذ منها “حسب حاجته” دون رقابة مذلة. إن صيغة الشيوعية المؤلفة من جزأين لا يمكن فصل الواحد منها عن الآخر، تفترض إذن الوفرة والمساواة وتفتح الشخصية الإنسانية وانضباطا عاليا جدا.
ويمكن القول استنادا إلى كافة هذه المنطلقات أن الدولة السوفياتية أقرب للرأسمالية المتخلفة مما للشيوعية. فهي لا تستطيع أن تفكر في إعطاء كل فرد “بحسب حاجته”، وللسبب نفسه لا تستطيع أن تسمح للمواطنين بالعمل “بحسب طاقتهم”. إنها مضطرة للحفاظ على العمل بالقطعة الذي يمكن أن يتوضح مبدؤه في هذا التعبير: “استخلاص أكبر إنتاجية من كل فرد وإعطاؤه أقل ما يمكن”. وبالتأكيد لا يوجد في الاتحاد السوفياتي رجل يعمل فوق “طاقته” بالمعنى المجرد للكلمة، أي فوق طاقته البدنية والنفسية؛ ولكنه لا يعمل أيضا فوق طاقته في النظام الرأسمالي. إن أكثر الطرق قساوة وأكثرها تفننا في استغلال العامل تصطدم بحدود معينة فرضتها الطبيعة. فالبغل الذي يعالجه سائسه بضربات السوط يعمل كذلك “حسب قدرته” فلا يمكن أن يكون السوط مبدأ اشتراكيا يستخدم للبغال. فالعمل المأجور لا يفقد في الاتحاد السوفياتي طابع الاستعباد المذل. والأجر “بحسب العمل” محسوب في الحقيقة لصالح العمل “الفكري” وعلى حساب العمل اليدوي، وبخاصة على حساب العمل غير الاختصاصي، فهو مصدر ظلم وإكراه للأكثرية ومصدر امتيازات و”حياة سعيدة” للأقلية.
بدلا من الاعتراف بصراحة أن هذه القواعد البرجوازية للعمل ولتوزيع الثروة تسود في الاتحاد السوفياتي، بدلا من هذا الاعتراف جزّأ واضعوا الدستور المبدأ الشيوعي إلى جزأين، وأرجؤوا لأمد غير محدد تطبيق الجزء الثاني، وأعلنوا أن الجزء الأول منه قد تحقق مضيفين إليه آليا القاعدة الرأسمالية للعمل بالقطعة، وجاعلين من كل ذلك “مبدأ الاشتراكية”. وعلى أرضية هذا التزييف والخداع شيدوا بناء الدستور !
إن للمادة العاشرة التي تختلف عن بقية المواد بوضوحها، وبكون موضوعها هو الدفاع عن ملكية المواطنين الشخصية (وهذه الملكية الشخصية تشمل أدوات تدبير المنزل، أدوات الاستهلاك والاستعمال الشخصي، الأمتعة الخاصة) ضد انتهاكات البيروقراطية نفسها، إن لهذه المادة القدر الأكبر من الأهمية العملية على الصعيد الاقتصادي. وفيما عدا “الاقتصاد المنزلي” فإن من الواجب الإبقاء على مثل هذه الملكية في النظام الشيوعي، صافية من العقلية المصلحية والحاسدة التي تثقلها، وأن تكتسب فيه أيضا اتساعا لا سابقا له. بإمكاننا أن نشك في أن الرجل رفيع التحضر يريد أن يثقل نفسه بهذه النوافل الرديئة المترفة، ولكنه لن يمتنع عن أي مكسب من مكاسب الراحة والعيش الهنيء. فالهدف المباشر للشيوعية هو تأمين كل وسائل الرفاه للإنسان، ولكن مسالة الملكية الخاصة في الاتحاد السوفياتي مازالت ترتدي إلى الآن الطابع البرجوازي الصغير وليس الشيوعي. إن الملكية الخاصة للفلاحين وأبناء المدن “غير الوجهاء” تتعرض لمعاملة تعسفية واضحة من جانب البيروقراطية الدنيا، هذه البيروقراطية التي لا تؤمِّن لنفسها العيش المريح نسبيا في غالب الأحيان إلا بواسطة هذه الوسائل. إن ازدياد اليسر في البلاد يسمح في الوقت الحالي بالامتناع عن الاستيلاء على الأملاك الشخصية ويدفع إلى تشجيع تراكمها كحافز لزيادة مردود العمل. وفي الوقت ذاته علينا أن ندرك أن القانون يحمي الكوخ والبقرة وأثاث الفلاح البسيط والعامل والمستخدم يحمي في الوقت ذاته مقتنيات البيروقراطي التي تشمل قصرا خاصا وفيلا وسيارة و”أدوات الاستهلاك الشخصية أو وسائل الراحة الخاصة” وتملـُّكها بفضل المبدأ الاشتراكي القائل: “من كل بحسب قدرته ولكل بحسب عمله”. وعلينا أن لا نشك بأنه بموجب هذا القانون الأساسي أصبح بإمكاننا أن ندافع عن سيارة البيروقراطي بصورة أفضل عن الدفاع عن عربة الفلاح.
مجالس السوفيات والديمقراطية
يختلف الدستور الجديد عن الدستور القديم، على المستوى السياسي، بالعودة عن النظام الانتخابي السوفياتي المستند للتجمعات الطبقية والإنتاجية إلى نظام الديمقراطية البرجوازية المرتكز إلى ما يسمى “الانتخابات العامة المتساوية والمباشرة” لمجموع السكان المفتتين. ويمكن اعتبار هذا الأمر باختصار تصفية حقوقية لديكتاتورية البروليتاريا. فحيث لا توجد برجوازية لا توجد بروليتاريا أبدا. هذا ما يفسره لنا واضعو مشروع الدستور بشكل أضحت معه دولة البروليتاريا دولة الشعب كله. إن هذا التحليل الجذاب حتما متخلفا تسعة عشر عاما أو متقدما عددا كبيرا من السنين. فالحق أنه بنزع ملكية الرأسمالية بدأت البروليتاريا بتصفية نفسها كطبقة، ولكن الطريق طويل وطويل جدا من التصفية المبدئية إلى الذوبان الفعلي في الجماعة. ويزداد طوله أيضا بقدر ما يكون على الدولة الجديدة القيام بمهام الرأسمالية. فالبروليتاريا السوفياتية ما تزال موجودة كطبقة متميزة جدا عن الفلاحين وعن التقنيين الذهنيين وعن البيروقراطية، وهي أيضا الطبقة الوحيدة ذات المصلحة بانتصار الاشتراكية. والدستور الجديد يتجه لتذويب البروليتاريا سياسيا في “الأمة” قبل أن تذوب اقتصاديا في داخل المجتمع بزمن طويل.
ومما لا شك فيه أن المصلحين قد قرروا بعد تردد واضح أن يتركوا للدولة اسم الدولة السوفياتية. ولم يكن هذا الاسم إلا تحايلا فظا فرضته شروط مماثلة للشروط التي فرضت على الإمبراطورية النابوليونية أن تحتفظ لمدة محددة بالتسمية الجمهورية. فالسوفياتات في جوهرها هي أجهزة دولة الطبقة ولا يمكن أن تكون شيئا آخر. إن أجهزة الدولة المحلية المنتخبة بشكل ديمقراطي هي بلديات، أو مجالس دوما، أو زيمستفوات، ومن الممكن تسميتها بما نشاء من التسميات إلا السوفياتات . والمجلس التشريعي الذي انتخب بصورة ديمقراطية سيصبح مجلسا نيابيا متخلفا أو على الأصح سيصبح كاريكاتورا للبرلمان، ولن يصبح في أي حال الجهاز الأعلى للسوفياتات. وقد برهن المصلحون مرة أخرى (باجتهادهم لاستغلال السلطة التاريخية للسوفياتات) على أن التوجه الجديد الذي يمنحونه لحياة الدولة لا يجرؤ للآن على حمل اسمه الخاص.
إن مساواة العمال والفلاحين في الحقوق السياسية، منظورا إليها بحد ذاتها، قادرة على عدم تغيير الطبيعة الاجتماعية للدولة فيما لو امتد نفوذ البروليتاريا إلى الأرياف بالاستناد إلى الوضع الاقتصادي العام ودرجة التمدن. ومن الواجب أن يسير تطور الاشتراكية في هذا الاتجاه. لكن البروليتاريا، الباقية على حالها أقلية، إذا لم تعد بحاجة إلى السيطرة السياسية لتضمن المسيرة الاشتراكية، فذلك لأن الحاجة إلى الإكراه لم تعد واردة، إذ يحل محله الانضباط الناجم عن الثقافة. إن إلغاء عدم المساواة الانتخابية ضمن هذه الشروط ينبغي أن يكون مسبوقا بإضعاف واضح لوظائف الدولة الإكراهية. ولكن الدستور لم يشر بكلمة واحدة إلى ذلك، والأخطر هو أن الحياة لا ترينا شيئا من هذا.
إن الميثاق الجديد “يضمن” للمواطنين “حريات” الكلام والصحافة والاجتماع والتظاهر في الشوارع. ولكن كل ضمانة من هذه الضمانات ترتدي شكل كمامة أو سلاسل أو قيود حديدية. إن حرية الصحافة تعني الإبقاء على رقابة مسبقة لا ترحم، ترتبط أسلاكها بسكريتارية اللجنة المركزية، التي لم ينتخبها أحد. أما حرية طباعة ابتهالات بيزنطية للقائد، فحرية مضمونة بالطبع وبصورة كاملة. وفي المقابل فإن عددا لا يحصى من الخطب والمقالات والرسائل التي دبجها لينين، انتهاء بـ “وصيته”، سوف يبقى مطموسا، لأنه تعرض لزعماء اليوم بقسوة. وماذا نقول ضمن هذه الشروط عن الكتـَّاب الآخرين ؟ إن القيادة التافهة والجاهلة المعينة للإشراف على العلوم والآداب والفنون بقيت في أماكنها. أما “حرية الاجتماع” فتعني (كما تعني في الماضي) حرية بعض الجماعات في حضور الاجتماعات بناء على طلب السلطة لتتخذ خلالها قرارات تقررت مسبقا. ونجد في ظل الدستور الجديد، كما نجد في ظل الدستور القديم مئات من الشيوعيين الأجانب ممن اعتمدوا على “حق اللجوء” وسيبقون في السجون ومعسكرات الاعتقال لأنهم أذنبوا ضد عقيدة العصمة من الخطأ. فلم يتغير شيء إذن فيما يتعلق بالحريات، كما أن الصحافة السوفياتية لا تحاول أيضا خداعنا في هذا الصدد بل على العكس فإنها تعلن أن الهدف من الإصلاح الدستوري هو “توطيد الديكتاتورية لاحقا”. ولكن ديكتاتورية من ؟ وبوجه من ؟
لقد رأينا كيف هيأ القضاء على التناقضات بين الطبقات للمساواة السياسية. فليس الموضوع ديكتاتورية طبقة ولكن ديكتاتورية الشعب. ولكن حين يصبح الشعب المتحرر من الصراع الطبقي حاملا للديكتاتورية، فإن ذلك لا يمكن أن يعني إلا شيئا واحدا وهو امتصاص الديكتاتورية في المجتمع الاشتراكي والقضاء على البيروقراطية قبل كل شيء. هذه هي العقيدة الماركسية. أفمن المحتمل أن تكون قد أخطأت ؟ ولكن واضعي الدستور أنفسهم يلجؤون، وإن بكثير من الحذر، إلى برنامج الحزب الذي كتبه لينين. ومن الممكن أن نقرأ في هذا البرنامج ما يلي: “… إن الحرمان من الحقوق السياسية والقيود المفروضة على الحريات، مهما كان شكلها، لا ينبغي أن تفرض إلا كتدابير مؤقتة. وكلما زالت الإمكانية الموضوعية لاستغلال الإنسان للإنسان فإن الضرورة التي فرضت هذه التدابير المؤقتة تفقد مبرر وجودها”. إن تدابير “الحرمان من الحقوق” هي تدابير لا تنفصل عن “القيود المفروضة على الحريات، مهما كان شكلها”. ولا تتحقق إقامة المجتمع الاشتراكي بمساواة العمال والفلاحين فقط، ولا بإعادة الحقوق السياسية إلى بضع مئات من المواطنين، من أصل برجوازي، ولكن يولد هذا المجتمع ويتكرس بالحرية الحقيقية لكل المواطنين. ومع تصفية الطبقات تختفي البيروقراطية والديكتاتورية والدولة أيضا. ولو حاول أحد منا أن يشير إلى ذلك لوجد البوليس السياسي في الدستور الجديد مبررا لإرساله إلى أحد معتقلاته العديدة. فقد ألغيت الطبقات، ولم يبق من السوفياتات إلا الاسم، ولكن البيروقراطية باقية. والمساواة في الحقوق بين العمال والفلاحين ليست إلا مساواة في الحرمان من كل حق أمام البيروقراطية. إن إدخال نظام التصويت السري لا يمكن أن يمر دون أن يكون له معنى. فإذا كان من الواجب أن نعترف بأن المساواة السياسية تنجم عن المساواة الاجتماعية فقد نتساءل حقا لماذا ينبغي أن يكون التصويت سريا أيضا ؟ فما تخشى شعوب البلد الاشتراكي وممن يتوجب حمايتها ؟ إن الدستور السوفياتي السابق كان يرى في الاقتراع العام، كما كان يرى في الحرمان من حق الاقتراع، أسلحة للطبقة الثورية ضد أعدائها البرجوازيين وصغار البرجوازيين، فلا يمكن أن نقبل عودة الاقتراع السري لصالح الأقلية المعادية للثورة. إن المسالة تتعلق بالدفاع عن حقوق الشعب. ماذا يخشى الشعب الاشتراكي إذن بعد أن قضى على القيصر والنبلاء والبرجوازية ؟ إن الدساسين لم يطرحوا على أنفسهم هذا السؤال، وهو سؤال بنـَّاء أكثر من مؤلفات باربوس ولويس فيشر ودورانتي وويب وأمثالهم.
إن الهدف من الاقتراع السري في المجتمع الرأسمالي هو تخليص المستغـَلين من إرهاب المستغِـلين، فإذا كانت البرجوازية قد وافقت على الاقتراع السري تحت ضغط الجماهير فلذلك لأنها كانت تشعر أن من مصلحتها حماية دولتها من تثبيط المعنويات التي زرعته فيها. ولكن، كما يبدو، لن يكون هناك إرهاب يمارسه مستغلون في المجتمع الاشتراكي. فممن إذن يتوجب علينا حماية السوفيات ؟ إن واجبنا يحتم علينا حمايتهم من البيروقراطية… وستالين يوافق على ذلك بصراحة شبه كاملة. فعندما وجه إليه السؤال التالي: لماذا تحتاجون إلى الاقتراع السري ؟ أجاب بكل وضوح: “نحن راغبون بمنح المواطنين السوفيات حرية الاقتراع لمن يريدون انتخابهم”. وبهذا التصريح يتعرف العالم كله ومن مصدر مسؤول إلى أن المواطنين السوفيات ليس بإمكانهم للآن التصويت حسب رغباتهم. وقد نخطئ لو استنتجنا من ذلك أن دستور الغد سيضمن لهم إمكانية الاقتراع الحر. ولكن للسؤال وجها آخر يهمنا إبرازه: ما هي هذه اﻟ “نحن” التي تمنح أولا للشعب حرية الاقتراع ؟ هل “نحن” هي البيروقراطية التي يتكلم ويعمل باسمها ستالين ؟ إن توضيحاته تشير إلى الحزب الحاكم والدولة. لأنه يحتل منصب السكرتير العام للحزب بفضل جهاز لا يسمح لأعضاء الحزب الحاكم أن ينتخبوا من يريدون. إن هذه الكلمات: “”نحن راغبون بمنح المواطنين السوفيات حرية التصويت…” أهم بكثير من الدساتير السوفياتية القديمة والجديدة معا، لأن وقاحتها تكشف ما هو الدستور الفعلي للاتحاد السوفياتي، كما وُضع، لا على الورق ولكن في صراع القوى الاجتماعية.
الديمقراطية والحزب
إن الوعد بمنح المواطنين السوفيات حرية الاقتراع “لمن يريدون انتخابهم” هو استعارة جمالية أكثر من كونه صيغة سياسية، فالمواطنون السوفيات ليس لهم الحق في انتقاء “ممثليهم” إلا من بين المرشحين الذين سيعيـِّنهم القادة المركزيون والمحليون في الحزب. وقد مارس الحزب البلشفي دون شك احتكارا سياسيا في المرحلة الأولى من العصر السوفياتي. ولكن مماثلة هاتين الظاهرتين هي من قبيل الخلط بين المظهر والحقيقة. فمنع أحزاب المعارضة كان تدبيرا مؤقتا فرضته ضرورات الحرب الأهلية والحصار والتدخل الأجنبي والمجاعة. والحزب الحاكم الذي كان في ذلك الوقت يشكل التنظيم الشرعي الحقيقي للطليعة البروليتارية، هذا الحزب كان يعيش تجربة نضالية غنية. فصراع الجماعات والتكتلات في داخله، كان يحل إلى حد ما محل صراع الأحزاب. والآن بعد أن انتصرت الاشتراكية “بشكل حاسم ونهائي” يعاقب التكتل داخل الحزب بإرسال المتكتلين إلى معسكرات الاعتقال، هذا إذا لم يتلقوا رصاصة في مؤخرة العنق. وأضحى منع الأحزاب، الذي كان إجراء مؤقتا في الماضي، مبدأ من مبادئ الحكم. وقد فقدت منظمات الشبيبة السوفياتية حق الاهتمام بالسياسة في اللحظة التي نشر فيها الدستور السوفياتي الجديد. والحال أن الشباب من كلا الجنسين يتمتعون بحق الاقتراع ابتداء من سن الثامنة عشرة، كما أن الحد الأعلى للسن بالنسبة للشبيبة السوفياتية (23 سنة) لم يخفض. فالسياسة قد أعلنت مرة واحدة احتكارا لبيروقراطية لا تخضع لأية مراقبة.
وقد أجاب ستالين على سؤال وجهه إليه مراسل أمريكي عن دور الحزب في ظل الدستور الجديد، قائلا: “لما كانت تختفي الطبقات وتمَّحي الحدود فيما بينها” (لم يعد هنالك طبقات، ولكن “تمًّحي الحدود” بين هذه الطبقات غير الموجودة ! !) “يبقى فرق غير أساسي في طبيعة مختلف شرائح المجتمع الاشتراكي ولكن هذا الفرق لا يشكل أرضية لتغذية المنافسة بين الأحزاب. فحيث لا يوجد طبقات عدة، لا يمكن أن يكون هناك عدة “أحزاب، لأن الحزب هو جزء من طبقة”. قدر ما هناك من الكلمات هنالك أخطاء، وأكثر أحيانا ! يعالج ستالين المسائل كأنما الطبقات متجانسة ! كأن الحدود الفاصلة بينها محددة تحديدا نهائيا ! كأن وعي طبقة من الطبقات يوافق بالضبط مكانها في المجتمع ! لم يعد الفكر الماركسي هنا أكثر من كاريكاتور. إن دينامية الوعي الاجتماعي قد استبعدت نهائيا من التاريخ لصالح النظام الإداري. والحقيقة أن الطبقات متنافرة تمزقها صراعات داخلية، ولا تصل إلى حل مشاكلها المتداخلة إلا بصراع الاتجاهات والتجمعات والأحزاب. ومن الممكن أن نقبل، مع بعض التحفظات، أن الحزب هو “جزء من طبقة”، ولكن بما أن الطبقة تتشكل من عدد من الأجزاء – بعض هذه الأجزاء ينظر إلى الأمام والبعض الآخر ينظر إلى الخلف – إذن فالطبقة الواحدة تستطيع تشكيل عدة أحزاب. وللسبب نفسه يستطيع الحزب أن يعتمد على أجزاء من عدة طبقات فليس بإمكاننا أن نجد في كل التاريخ السياسي حزبا واحدا يمثل طبقة واحدة، هذا إذا كنا طبعا لا نوافق على اعتبار الرواية البوليسية قصة واقعية.
إن البروليتاريا هي الطبقة الأقل تنافرا في المجتمع الرأسمالي. إلا أن وجود شرائح اجتماعية كالارستقراطية العمالية والبيروقراطية لا يكفي ليفسر لنا وجود الأحزاب الانتهازية التي تصبح، بحكم المجرى الطبيعي للأحداث، إحدى وسائل السيطرة البرجوازية. فسواء أكان هذا الفرق بين الارستقراطية العمالية وجماهير البروليتاريا، من وجهة نظر علم الاجتماع الستاليني، “جوهريا” أو “سطحيا” فإن ذلك لا يهمنا كثيرا؛ فمن الفرق، على كل حال، ولدت ضرورة القطيعة مع الاشتراكية الديمقراطية في ذلك الوقت، وضرورة تأسيس الأممية الثالثة. فإذا لم يكن هناك “طبقات” في المجتمع السوفياتي فإنه في واقع الأمر أكثر تنافرا وتعقيدا من طبقة البروليتاريا في البلدان الرأسمالية، ويمكنه بالتالي أن يشكل أرضا خصبة تتيح مجال العمل لعدة أحزاب. إن ستالين الذي تورط وغامر في المجال النظري يكشف عن أشياء لم يكن راغبا في كشفها، فتحليله لا يؤدي إلى فكرة استحالة قيام أحزاب مختلفة في الاتحاد السوفياتي، بل إلى استحالة وجود أحزاب على الإطلاق في هذا البلد. فحيث لا يوجد طبقات ليس للسياسة عمل بصورة عامة. ولكن ستالين يستثنى من هذا القانون، واستثناؤه استثناء “سوسيولوجي” لصالح الحزب الذي يحتل منصب سكرتيره العام.
أما بوخارين فيحاول طرق الموضوع من زاوية أخرى. ففي رأيه أن مشكلة الطرق المتعددة الواجب إتباعها للوصول إلى الرأسمالية أو الاشتراكية لم تعد تقبل النقاش في الاتحاد السوفياتي. مذ ذاك “لا يمكن التساهل والتسامح بتشكيل أحزاب سياسية لأنصار الطبقات المعادية التي قضي عليها”. وبدون أن أقف كثيرا عند واقع أن أنصار الرأسمالية أشبه ما يكونون بالدون كيشوتيين المضحكين العاجزين عن تشكيل حزب في بلد انتصرت فيه الاشتراكية، فمن الواضح أن الخلافات السياسية الموجودة لا يمكن أن تذوب أبدا بطرح الاختيار بين الاشتراكية وبين الرأسمالية. فهناك مشكلات أخرى تفرض نفسها وهي: كيف نسير نحو الاشتراكية ؟ وما هو إيقاع تطبيقها ؟ فاختيار الطريق لا يقل أهمية عن اختيار الهدف. من ينتقي هذا الطرق ؟ ليس هناك من حاجة لمنع الأحزاب إذا لم يكن هناك ما يغذيها. ومن الواجب على العكس تطبيق البرنامج البلشفي والقضاء “على كل الحواجز التي تعترض طريق الحرية مهما كانت”.
لقد حاول ستالين تبديد الشكوك الطبيعية جدا لدى متحدثه الأمريكي، فطرح اعتبارا جديدا يقول: “سيقدم اللوائح الانتخابية الحزب الشيوعي والعديد من المنظمات غير السياسية. وفي الاتحاد السوفياتي من هذه المنظمات المئات، “فكل شريحة (من شرائح المجتمع السوفياتي) لها مصالحها الخاصة التي تستطيع التعبير عنها بواسطة التنظيمات الاجتماعية المتعددة…”. هذه السفسطة ليست أفضل من غيرها من السفسطات، فالمنظمات “الاجتماعية” السوفياتية – نقابات – تعاونيات – شركات زراعية – لا تمثل “مصالح الشرائح الاجتماعية” لأن لهذه المنظمات جميعا البنى التسلسلية (الهرمية) ذاتها؛ حتى عندما تبدو في الظاهر بشكل منظمات جماهيرية كالنقابات والجمعيات التعاونية، فالأوساط الحاكمة صاحبة الامتيازات تلعب فيها دورا فعالا، والكلمة الأخيرة فيها دائما “للحزب” أي للبيروقراطية. فالدستور لا يفعل شيئا سوى أنه يرسل الناخب من بيلاطس إلى البنطي.
وقد عبَّر القانون الأساسي بدقة عن هذه الميكانيكية في نص الدستور. فالمادة 126، وهي محور الدستور، بالمعنى السياسي، “تكفل للمواطنين الحق في التجمع داخل منظمات اجتماعية: نقابات، تعاونيات، منظمات شباب، منظمات رياضية، منظمات دفاع وطني، منظمات ثقافية وتقنية وعلمية”. أما في يتعلق بالحزب الذي يحتكر السلطة بين يديه فإن الانتماء إليه لم يعد حقا من حقوق المواطنين بل امتيازا للأقلية. “إن أكثر المواطنين نشاطا ووعيا (والسلطات هي التي تقرر هذا… ل.ت) داخل الطبقة العاملة وشرائح الشغيلة الأخرى يتحدون داخل الحزب الشيوعي… هذا الحزب الذي يمثل النواة القائدة لكل تنظيمات الشغيلة، سواء أكانت هذه المنظمات اجتماعية أو تابعة للدولة”. هذا التعبير الصريح والمذهل بصراحته الذي أقحم على نص الدستور نفسه يحول إلى الصفر الوهم حول الدور الأساسي الذي تقوم به “المنظمات الاجتماعية”، التي ليست إلا فروعا للشركة البيروقراطية.
ولكن إذا لم يكن هناك صراع بين الأحزاب، أفلا تستطيع مختلف التكتلات في الحزب الواحد أن تعبر عن نفسها في الانتخابات الديمقراطية ؟ هذا السؤال طرحه أحد الصحفيين الفرنسيين على مولوتوف، فأجاب مولوتوف قائلا: “لقد جرت محاولات لتشكيل تكتلات داخل الحزب. ولكن ها أن عدة أعوام قد مضت تبدل الوضع بعدها بصورة جذرية وأصبح الحزب موحدا بصورة حقيقية”. ولا شيء أفضل من البرهنة على توحيد الحزب عن عمليات التطهير التي لم تنقطع ومعسكرات الاعتقال ! فميكانيكية الديمقراطية واضحة اشد الوضوح بعد تفسيرات مولوتوف وتصريحاته. إن فيكتور سيرج يسأل: “ماذا تبقى من ثورة أوكتوبر إذا كان كل عامل يسمح لنفسه بالمطالبة بالحق أو يقوم بنقد معين للحكومة أو للحزب يعرّض نفسه للسجن ؟” آه ؟ وفي وسعهم بعد ذلك أن يقيموا ما يسمونه “بالاقتراع السري !”. والواقع أن هتلر أيضا لم يتخلّ عن نظام الاقتراع السري !
أما الاستدلالات النظرية للمصلحين حول علاقات الطبقات والحزب فإنها خالية من كل منطق. فالأمر لا يتعلق هنا بعلم الاجتماع، بل بمصالح مادية. فالحزب الحاكم في الاتحاد السوفياتي هو الأداة السياسية للبيروقراطية التي تمارس الاحتكار السياسي، هذه البيروقراطية التي لديها ما تفقده ولكن لم يعد لديها أبدا ما تكسبه. أما “الأرض المعطاء” فالبيروقراطية مصممة على أن تحتفظ بها لنفسها فقط.
في بلد ما زال بركان الثورة فيه ساخنا نجد أن أصحاب الامتيازات مرتبكون من حمل امتيازاتهم كاللص المبتدئ الذي يربكه حمل الساعة الذهبية التي استولى عليها. فالأوساط السوفياتية الحاكمة تشعر بخوف برجوازي خاص أمام الجماهير. ويبرر ستالين نظريا رافع الامتيازات المتعاظمة مستشهدا بالأممية الشيوعية، ويدافع عن الارستقراطية السوفياتية معتمدا على معسكرات الاعتقال. فلكي يصمد هذا النظام لابد لستالين من أن يقف من وقت إلى آخر إلى جانب “الشعب” ضد البيروقراطية وبموافقتها الضمنية بالطبع. ويجد ستالين نفسه مضطرا إلى اللجوء إلى الاقتراع السري ليطهِّر جهاز الدولة من الفساد الذي استشرى فيه.
ومنذ عام 1928 كتب راكوفسكي بمناسبة قصص اللصوص المحترفين الذين تسلقوا درجات البيروقراطية وانكشف القناع عن وجوههم أمام الجماهير: “إن أكثر ما يميز هذه الموجة من الفضائح وأخطر ما فيها هو سلبية الجماهير، والجماهير الشيوعية بشكل خاص أكثر من الجماهير التي لا تنتمي للحزب… فوسط خوف هذه الجماهير من الأقوياء أو لامبالاتها السياسية لم تحتج بل اكتفت بالهمس”. فخلال الأعوام الثمانية المنصرمة زادت خطورة الوضع، ففساد جهاز الدولة الذي يظهر في كل خطوة قد آل في النهاية إلى تهديد وجود الدولة نفسها، لا كجهاز للتحويل الاشتراكي للمجتمع ولكن كمصدر للسلطة ولموارد وامتيازات الحكام. وقد اضطر ستالين إلى التلميح لهذا السبب وراء الإصلاح، قائلا إلى المستر هوارد: “إن عددا لا باس به من مؤسساتنا يعمل بصورة سيئة… والاقتراع السري سيكون بمثابة المهماز الذي يحرك الشعب ضد أجهزة السلطة التي تعمل بصورة سيئة”. حقا ! إنه لاعتراف رائع: فبعد أن صنعت البيروقراطية بيديها المجتمع الاشتراكي أصبحت تشعر بالحاجة الآن إلى… مهماز ! وهذه هي القوة المحركة للإصلاح الدستوري ! ولكن هناك أيضا قوة محركة أخرى لا تقل عن هذه القوة أهمية.
لقد أذاب الدستور الجديد الطبقة العاملة في جماهير الشعب بالقضاء على السوفياتات. والحق أن مجالس السوفيات قد فقدت منذ زمن طويل كل بعد سياسي، ولكن كان يمكن لازدياد الصراعات الاجتماعية ويقظة الجيل الجديد إحياؤها. ينبغي أن نخشى بصورة خاصة سوفياتات المدن التي تشترك في نشاطها الشبيبة والشبيبة الشيوعية بشكل خاص، تلك الشبيبة ذات المطالب الكثيرة. فالتناقض بين البؤس والرفاه يأسر النفوس في المراكز. إن الاهتمام الأول للارستقراطية السوفياتية هو التخلص من سوفياتات العمال والجنود الحمر، حيث يمكن مواجهة استياء الأرياف المبعثرة والمتباعدة بسهولة أعظم. كما أن بالإمكان أيضا تحقيق بعض النجاح في استخدام فلاحي الكولخوزات ضد عمال المدن. وليست هذه المرة الأولى التي اعتمد بها العمل الرجعي البيروقراطي على الأرياف ضد المدن.
إن أهم ما في الدستور الجديد مبدئيا، (وهو ما يضع هذا الدستور حقا فوق مستوى الدساتير الأكثر ديمقراطية في البلدان البرجوازية) هو النقل المسهب للوثائق الأساسية للثورة الروسية (أوكتوبر). أما تقدير المكاسب الاقتصادية الذي نجده فيه فهو يشوه الحقيقة عبر التبجح والادعاء والكذب. كل ما له علاقة بالحريات والديمقراطية تطاول ووقاحة.
إن الدستور الجديد الذي فـُصِّل وخيط على قياس المجموعة الحاكمة والذي يشكل خطوة كبيرة نحو الخلف، مبتعدا عن المبادئ الاشتراكية باتجاه المبادئ البرجوازية، إنما يقع في الخط التاريخي للتخلي عن الثورة العالمية لصالح عصبة الأمم ولصالح إعادة الاعتبار للأسرة البرجوازية الصغيرة وإحلال الجيش محل الميليشيا، وإعادة الرتب والأوسمة وتمية عدم المساواة بين المواطنين. فالدستور الجديد بتكريسه القانوني للاستبدادية “خارج الطبقة” يخلق الأرضية السياسية لانبعاث طبقة مالكة جديدة.
الفصل الحادي عشر: إلى اين يتجه الاتحاد السوفياتي ؟
البونابرتية نظام الأزمات
إن السؤال الذي طرحناه أعلاه باسم القارئ وهو: يكف استطاعت الزمرة الحاكمة، رغم أخطائها التي لا تعدّ، الحصول على سلطة لا حدود لها ؟ أو بعبارات أخرى: كيف يمكن تفسير التناقض بين فقر الترميدوريين الفكري وقوتهم المادية ؟ هذا السؤال يسمح الآن بإعطاء جواب ملموس وجازم. إن المجتمع السوفياتي ليس مجتمعا منسجما، فالرذيلة بالنسبة لطبقة اجتماعية أو شريحة ما فضيلة بالنسبة لطبقة أو شريحة أخرى. وإذا كانت سياسة البيروقراطية تدهش بتناقضاتها وتنافرها، من وجهة نظر الأشكال الاشتراكية للمجتمع، فهي تبدو طبيعية من وجهة نظر تثبيت سلطة الحكام الجدد.
إن دعم الدولة للكولاك (1923 – 1928) كان يشتمل على خطر مميت لمستقبل الاشتراكية، إلا أن البيروقراطية، تدعمها البرجوازية الصغيرة، نجحت في تقييد حرية الطليعة البروليتارية، كما في سحق المعارضة البلشفية. فما كان “خطأ” من وجهة نظر الاشتراكية كان مكسبا واضحا للبيروقراطية من وجهة نظر مصالحها الخاصة. ولكن عندما أصبح الكولاك يهدد البيروقراطية انقلبت ضده. إن الإبادة المذعورة التي استهدفت الفلاحين الأغنياء وامتدت إلى أوساط الفلاحين المتوسطين دفعت البلاد ثمنها ضحايا لا يقل عددهم عن ضحايا غزو أجنبي. وبذلك احتفظت البيروقراطية بمواقعها وبعد أن انهزم حليفها بالأمس راحت تشكل بنشاط دائب أرستقراطية جديدة. هل كان كل هذا عملا تخريبيا ضد الاشتراكية ؟ طبعا ! ولكنه أيضا ثبت الفئات الحاكمة وأكد سلطتها وسيطرتها. إن البيروقراطية تشبه كل الفئات المغلقة الحاكمة فيما يتعلق باستعدادها لإغماض العينين عن أشنع أخطاء قادتها في السياسة العامة إذا كان هؤلاء القادة أمناء كليا في الدفاع عن امتيازاتها. وكلما ازداد قلق الرؤساء الجدد كلما زاد حبهم وتقديرهم للعمليات الرادعة التي لا تعرف الرحمة لدى أقل تهديد لحقوقهم المكتسبة. ومن خلال هذا المنطلق تنتقي فئة الأثرياء الجدد زعماءها. وهنا يكمن سر نجاح ستالين !
ولكن قوة البيروقراطية واستقلالها لا يمكن أن ينموا إلى ما لا نهاية. فهناك عوامل تاريخية أقوي من الماريشالات وأقوى حتى من الأمناء العامين. فعقلنة الاقتصاد لا يمكن أن تفهم إلا على أساس جدول تنظيمي دقيق، ولكن التخطيط الدقيق لا يتفق مع الارتجالية البيروقراطية. فالاهتمام بإعادة روبل ثابت، أي مستقل عن “الزعماء”، تفرضه على البيروقراطية التناقضات المتزايدة بين السلطة المطلقة للبيروقراطية وتطور القوى المنتجة في البلاد. وبهذا الشكل أيضا أضحت الملكية المطلقة فيما مضى غير متطابقة مع تطور السوق البرجوازي، والحساب النقدي يعطي شكلا أكثر صراحة لصراع مختلف الشرائح الاجتماعية على توزيع الدخل القومي، كذلك فإن جدول الأجور الذي كان العامل لا يبالي به في زمن بطاقات التموين، يكتسب منذ الآن أهمية رئيسية بالنسبة لهذا العامل. وتطرح مذ ذاك مشكلة النقابات. إن تعيين الموظفين النقابيين من قبل السلطات العليا سيصطدم بمقاومة يزداد عنفها وعنادها. والعمل بالقطعة يدفع العامل للاهتمام بتسيير المشروعات بصورة حسنة. إننا نرى تذمر الاستاخانوفيين المتزايد من أخطاء تنظيم الإنتاج. ولقد أضحى التحيز البيروقراطي في تعيين المديرين والمهندسين وموظفي الصناعة بشكل عام، أضحى هذا التحيز أمرا لا يمكن التساهل فيه. أما التعاونيات والتجارة التي آلت إلى الدولة فقد أضحت أكثر من أي وقت مضى تحت سلطة المستهلكين. وقد تعلمت الكولخوزات كما تعلـَّم أعضاؤها ترجمة علاقاتهم بالدولة بلغة الأرقام. فهم لن يتحملوا إلى الأبد تعيين إداريين ليس لهم من ميزة في الغالب إلا اتفاقهم مع البيروقراطيين المحليين. ويسمح الروبل أخيرا بإلقاء الضوء على أكثر الميادين سرية: ألا وهو ميدان الموارد الشرعية وغير الشرعية للبيروقراطية، أما الدورة النقدية التي أضحت أقوى وسيلة لتجنيد قوى المعارضة في بلد مخنوق سياسيا، فإنها تعلن الاستبدادية “المستنيرة”.
فبينما يعقـِّد نمو الصناعة وإدخال الزراعة في إطار الخطة مهمة الإدارة بوضع مشكلة النوعية في المقام الأول، نرى أن البيروقراطية تقتل المبادرة الخلاقة والشعور بالمسؤولية التي بدونها لا يتحقق تقدم نوعي. إن مساوئ النظام وأمراضه أقل وضوحا في الصناعة الثقيلة ولكنها تنخر التعاونيات كما تنخر الصناعات الخفيفة والغذائية والكولخوزات والصناعات المحلية، أي أن هذه الأمراض تنخر كل فروع الإنتاج القريبة من المواطن. إن الدور التقدمي للبيروقراطية السوفياتية يتفق مع مرحلة التمثل. فالعمل الضخم في التقليد والتطعيم والتحويل واﻟﺘﺄقلم قد جرى على الأرض التي مهدتها الثورة. فحتى هذا الوقت لم يكن على الثورة أن تبتدع في مجال التقني والعلم والفن، فمن الممكن بناء مصانع جبارة بموجب نماذج مستوردة من الخارج بناء على طلب البيروقراطية، التي تدفع ثمنها في الواقع ثلاثة أضعاف سعرها الفعلي. ولكن كلما سرنا في الطريق كلما اصطدمنا بمشكلة النوعية، هذه المعضلة تغيب عن البيروقراطية مثل غياب الظل. ويبدو الإنتاج مطبوعا بخاتم اللامبالاة الرمادي. ففي الاقتصاد المؤمم تفترض النوعية وجود ديمقراطية المنتجين والمستهلكين وحرية النقد والمبادرة، كل العوامل التي لا تتطابق مع النظام الكلـِّياني للرعب والكذب والتملق.
وبعد مشكلة النوعية نواجه مشكلات أخرى أضخم وأكثر تعقيدا يمكن جمعها في إطار العمل التقني والثقافي الخلاق. كان أحد الفلاسفة القدماء يؤكد أن المناقشة هي أم كل الأشياء، فحيث يستحيل احتكاك الأفكار وصدامها لا يمكن أن تـُخلق قيم جديدة. إن الديكتاتورية الثورية تشكل في حد ذاتها تقييدا للحرية، لهذا لم تكن المراحل الثورية في التاريخ ملائمة للإبداع الثقافي الذي لا تفعل أكثر من تمهيد الأرض له. وديكتاتورية البروليتاريا تفتح للعبقرية الإنسانية آفاقا تتسع وتمتد كلما توقفت هذه الديكتاتورية عن أن تكون ديكتاتورية. ولا تتفتح الحضارة الاشتراكية إلا مع زوال الدولة. ويستطيع هذا القانون البسيط والصُّلب إدانة النظام السياسي الحالي للاتحاد السوفياتي إدانة لا تقبل المراجعة. فالديمقراطية السوفياتية ليست مطلبا سياسيا مجردا أو أخلاقيا، لقد أصبحت مسالة حياة أو موت بالنسبة للبلاد.
فإذا لم يكن للدولة الجديدة مصالح أخرى غير مصالح المجتمع فإن زوال واجباتها القهرية يصبح تدريجيا وبدون أي ألم. ولكن الدولة ليست متجردة من المادة. فالوظائف النوعية الخاصة بالدولة قد خلقت لنفسها أجهزة متعددة. والبيروقراطية تهتم بالإتاوة التي تدرها عليها الوظيفة أكثر من اهتمامها بالوظيفة نفسها، وتهتم الفئة الحاكمة بتخليد أجهزة القهر وتثبيتها وإطالة أمد بقائها. إن البيروقراطية لا تراعي أحدا أو شيئا في حرصها على بقائها فوق عرش سلطانها وحفاظها على مواردها. وكلما كان اتجاه الأحداث مضادا لها كلما بدت عديمة الرحمة حيال العناصر الشعبية الطليعية. فالبيروقراطية كما نرى كالكنيسة الكاثوليكية صاغت عقيدة عصمتها بعد أن ابتدأ انحطاطها، ولكنها رفعت هذه العقيدة إلى مرتبة لم يكن البابا ليحلم بها.
إن تأليه ستالين بصورة أكثر فأكثر وقاحة، عملية ضرورية للنظام رغم كاريكاتوريتها. فالبيروقراطية بحاجة إلى حكـَم أعلى لا تنتهك حرمته، أو إلى قنصل أول في حال عدم وجود إمبراطور، وهي ترفع على كتفيها الرجل الذي يتجاوب بشكل أفضل مع مطامحها في السيطرة. إن “صلابة” القائد التي طالما أعجب بها الأدباء الهواة الغربيون تحت ليست إلا حصيلة للضغط الجماعي لفئة مستعدة لتضع كل شيء للدفاع عن نفسها. فكل موظف يؤمن بأنه “هو الدولة” وكل موظف يبحث عن نفسه فيجدها في ستالين، ويكتشف ستالين في كل هؤلاء الموظفين قبسا من روحه. إن ستالين يمثل البيروقراطية وهذا ما يصنع شخصيته السياسية.
إن القيصرية أو شكلها البرجوازي المتمثل بالبونابرتية، تأخذ مكانها على مسرح التاريخ عندما تحتدم معركة شرسة بين خصمين، فترفع المعركة السلطة فوق الأمة، وتؤمِّن للحكام استقلالا ظاهريا حيال الطبقات، ولا تترك لهم في الواقع إلا الحرية التي يحتاجونها للدفاع عن أصحاب الامتيازات. إن النظام الستاليني الذي ارتفع فوق مجتمع مفتت سياسيا، معتمدا على الشرطة والضباط ومحظرا كل رقابة يمثل شكلا من أشكال البونابرتية من نوع جديد لا مثيل له حتى الآن. أما القيصرية فقد ولدت في مجتمع مبني على العبودية تمزقه المعارك الداخلية. وكانت البونابرتية إحدى أدوات النظام الرأسمالي في مراحله المتأزمة، بينما الستالينية نوع من أنواع البونابرتية ولكنه يستند إلى أسس دولة عمالية مزقها الصراع بين البيروقراطية السوفياتية المنظمة والمسلحة والجماهير العاملة العزلاء من السلاح. ولقد شهد التاريخ على ذلك، فالبونابرتية تطمئن إلى الانتخابات العامة والاقتراع السري. والاستفتاء الشعبي العام هو صفة من صفاتها الديمقراطية، فالمواطنون مدعوون بين آن وآخر ليقولوا نعم أو لا للقائد فيما يشعر الناخب ببرودة ماسورة مسدس موجهة إلى صدغه. ومنذ عهد نابليون الثالث، الذي يبدو لنا اليوم كهاو قروي ساذج، تقدم فن الاستفتاء بشكل هائل. والدستور السوفياتي الجديد، بتبنيه للبونابرتية الاستفتائية، هو التتويج الطبيعي للنظام. إن البونابرتية السوفياتية ناجمة في التحليل الأخير عن تأخر الثورة العالمية. فتأخر هذه الثورة قد ولد الفاشية في البلدان الرأسمالية. ونحن نتوصل الآن إلى استنتاج غير متوقع للوهلة الأولى، ولكنه استنتاج لا يمكن الطعن فيه، وهو أن خنق الديمقراطية السوفياتية من قبل البيروقراطية كلية القدرة، والهزائم التي تعرضت لها الديمقراطية في بلدان أخرى، ناجمة عن بطء البروليتاريا العالمية في تحقيق مهام الثورة التي قررها لها التاريخ. إن الستالينية والفاشستية، رغم اختلاف قواعدهما الاجتماعية، ظاهرتان متماثلتان. فهما متشابهتان في كثير من ملاحمهما بصورة مذهلة. إن حركة ثورية ظافرة في أوروبا ستزعزع النازية فورا كما تقضي على البونابرتية السوفياتية. أما البيروقراطية الستالينية فهي على حق من وجهة نظرها، في إدارة ظهرها للثورة العالمية لأنها بهذا العمل قد أطاعت غريزة البقاء.
نضال البيروقراطية ضد “العدو الطبقي”
لقد كان الحزب في الأيام الأولى من النظام السوفياتي بمثابة الموازن للبيروقراطية. فقد كانت البيروقراطية تدير الدولة، فيما الحزب يشرف عليها ويراقبها. وكان الحزب، على الدوام، يخوض معركة سافرة أو خفية ضد البيروقراطية حيث سهر بتيقظ وحماس حتى لا يتجاوز “عدم المساواة” الحدود المعقولة. وكان الدور التاريخي للمجموعة الستالينية هو تدمير هذه الازدواجية عبر إخضاع الحزب إلى مكاتبها الخاصة ودمج مكاتب الحزب بمكاتب الدولة. وبهذا الشكل خلق النظام الكلياني الحالي، وقد ضمن ستالين انتصاره النهائي بفضل الخدمات الحاسمة التي قدمها للبيروقراطية. وخلال الأعوام العشرة الأولى كانت المعارضة اليسارية في الحزب تفكر في تحقيق انتصار إيديولوجي لأفكارها داخل الحزب دون أن تدخل في صراع للسيطرة على السلطة. وكان شعارها المطروح: إصلاح لا ثورة. ومع ذلك كانت البيورقراطية منذ ذلك الحين مستعدة للقيام بأي انقلاب للدفاع عن نفسها ضد أي إصلاح ديمقراطي. وعندما اشتد الخلاف في عام 1927 التفت ستالين في اللجنة المركزية نحو المعارضة وصاح قائلا: “لن تستطيعوا أن تعزلوا هذه الكادرات القيادية إلا بالحرب الأهلية !” وقد حولت هزائم البروليتاريا العالمية هذا التهديد إلى حقيقة تاريخية. وهكذا أضحى طريق الإصلاح هو طريق الثورة.
وكان الهدف من عمليات التطهير المستمرة في الحزب وفي المنظمات السوفياتية هو منع استياء الجماهير من أن يجد لنفسه تعبيرا سياسيا واضحا. إلا أن عمليات الردع والقهر تعجز عن تدمير الأفكار نهائيا ولكنها لا تعجز عن كبتها. ولدى الشيوعيين والمواطنين غير الحزبيين قناعتان: قناعة رسمية واقتناع داخلي سري. إن الوشاية والتفتيش يلتهمان المجتمع وتصف البيروقراطية خصومها بأنهم أعداء الاشتراكية. وهي إذ تستخدم ضدهم تزويرات قضائية لدرجة دخلت معها هذه التزويرات في العادات، تنسب إليهم، كما تشاء، أحط الجرائم. وهي تنتزع من الضعفاء، تحت التهديد بالإعدام، اعترافات تمليها عليهم بنفسها، ثم تستغل هذه الاعترافات بعدئذ لتتهم من هم أعظم صمودا.
أما البرافدا، وهي تحاول تفسير “أكثر دساتير العالم ديمقراطية”، فقد كتبت في 5 حزيران / يونيو 1936 تقول: “إن من الحماقة التي لا يمكن غفرانها” أن نؤمن بالرغم من القضاء على الطبقات “بأن القوى الطبقية المعادية للاشتراكية قد ركنت إلى هزيمتها… فالمعركة مستمرة”. فما هي إذن هذه “القوى الطبقية المضادة” ؟ وتجيب البرافدا بقولها: “إنها بقايا التجمعات المضادة للثورة والحرس الأبيض على اختلاف أجناسهم ولاسيما التروتسكيين – الزينوفيوفيين”… وبعد أن تلصق البرافدا التهم اللازمة والتي تتهم التروتسكيين والزينوفيوفيين “بالتجسس والأعمال الإرهابية والتدميرية”، تضيف هذه الصحيفة الناطقة باسم ستالين قائلة: “سنستمر في القضاء على أعداء الشعب بيد ثابتة، وعلى الزواحف والأرواح الشريرة التروتسكية مهما حاولت التمويه والخداع”. وكانت هذه التهديدات المستمرة يوميا في الصحافة تواكب عمل البوليس السياسي.
إن بتروف، وهو عضو في الحزب منذ 1918، قاتل في الحرب الأهلية، ثم أضحى خبيرا زراعيا سوفياتيا ومعارضا يمينيا، كتب عندما فر من المعتقل في 1936، واستطاع عبور الحدود إلى الخارج، كتب في صحيفة ليبرالية عن “التروتسكيين” ما يلي:” العناصر اليسارية ؟ من الناحية النفسية هؤلاء هم آخر من تبقى من الثوريين، إنهم الثوريون الأصليون، المتأججون. لا أدنى روح تجارية لديهم ولا مكان للحلول الوسط في تفكيرهم… إنهم رجال جديرون بالإعجاب رغم أن لهم بعض الأفكار الحمقاء… من مثل الحريق الكوني وما يشبه ذلك من الرؤى… ” فلندع مسالة “الأفكار”. إن الحكم الأخلاقي على عناصر اليسار من قبل خصومهم اليمينيين حكم يتميز ببلاغة عفوية. إنهم حقا “آخر الثوريين الأصليين والمتأججين”، الذين يتهمهم جنرالات وعقداء البوليس السياسي بتهم مختلفة… منها تهمة الثورة المضادة لصالح الامبريالية.
وفي حين ترفع القيود التي فرضت سابقا على الأشخاص من أصل برجوازي نجد الهستيريا البيروقراطية الحاقدة على المعارضة البلشفية تكتسب معنى سياسيا صارخا. إن المراسيم المتسامحة التي تسهل لأولئك الأشخاص إيجاد العمل ومتابعة الدراسات العليا، تنطلق من فكرة توقف مقاومة الطبقات المسيطرة قديما، وصيرورة النظام الجديد ثابتا لا يتزعزع. وقد فسر مولوتوف للمجلس التنفيذي في كانون الثاني / يناير 1936، هذا الموقف بقوله: “لم تعد هذه القيود ذات جدوى”. ويبدو في الوقت ذاته إن أسوأ “الأعداء الطبقيين” يؤخذون من بين الرجال الذين كرسوا كل حياتهم للنضال من أجل الاشتراكية، بدءا من أقرب المتعاونين مع لينين كزينوفييف وكامينيف. إن “التروتسكيين”، إذا أردنا أن نصدق البرافدا “يزدادون سخطا” كلما “ارتسمت منحنيات المجتمع الاشتراكي اللاطبقي وازدادت ملامحه وضوحا”. هذه الفلسفة الهاذية التي ولدت من ضرورة تبرير مواقف جديدة بالاعتماد على صيغ قديمة، لا تستطيع بالطبع أن تخدع أحدا حول التحويل الحقيقي للتناقضات الاجتماعية. فمن جهة نجد أن خلق “الوجهاء” يفتح كل مجالات الحياة إلى أكثر أحفاد البرجوازيين طموحا لأنهم لا يخشون شيئا من منحهم المساواة في الحقوق. ومن جهة أخرى فإن هذا العمل ذاته يستثير استياء الجماهير الخطر والحاد، وبخاصة الشبيبة العمالية. كل هذا يفسر الحملة ضد “الزواحف والأرواح الشريرة التروتسكية”.
إن سيف الديكتاتورية، الذي كان يضرب في السابق أعناق أنصار إعادة البرجوازية، يهوي الآن على أعناق الذين يتمردون ضد البيروقراطية. إن هذا السيف يضرب الطليعة البروليتارية لا أعداء البروليتاريا الطبقيين. والبوليس السياسي الذي تشكل في الماضي من أكثر العناصر البلشفية إخلاصا وأكثرها استعدادا للتضحية والفداء، أضحى بعد تعديل رئيسي في وظائفه أكثر أجهزة البيروقراطية تعفنا.
ويقتص الترميدوريون من الثوريين بحقد لا مثيل له، حقدا ضد رجال يذكـّرونهم بالماضي ويجعلونهم يرتعدون خوفا من المستقبل. إن أكثر البلاشفة أمانة وصلابة، بل إن زهرة الحزب البلشفي هم في السجون وفي المناطق النائية من سيبيريا وآسيا الوسطى وفي معسكرات الاعتقال الموجودة في كل مكان. إن المعارضين للحكم الحالي القابعين في السجون والمنافي معرضون للتفتيش وللحصار البريدي والجوع. إن النساء ينتزعن من أزواجهن والهدف من ذلك هو تحطيم الطرفين وإكراههما على الارتداد. ولكن الارتداد لا يعني الخلاص، فعند أول بادرة شك أو عند أول وشاية يتعرض القادم لعقاب مضاعف. أما المعونة التي تبذل للمنفيين، حتى ولو كانت هذه المعونة من اقرب المقربين إليهم، فإنها تعتبر جريمة. أما التعاون والتضامن فيما بين المنفيين فإنه يعني المؤامرة.
إن الإضراب عن الطعام في مثل هذه الشروط هو الوسيلة الوحيدة الباقية للمضطهَدين. ويرد عليها البوليس السياسي بالتغذية الإجبارية، إلا إذا ترك لأسراه حرية الموت جوعا. لقد دُفع مئات الثوريين الروس والأجانب، خلال الأعوام الأخيرة إلى إضرابات مميتة عن الطعام أو أعدموا رميا بالرصاص أو اضطروا إلى الانتحار. وفي خلال اثني عشر عاما أعلنت الحكومة عدة مرات أنها اقتلعت المعارضة نهائيا. ولكن خلال عمليات “التطهير” التي جرت في الأشهر الأخيرة من عام 1935 وفي النصف الأول من عام 1936 طُرد من صفوف الحزب مجددا مئات الألوف من الشيوعيين، ومن أصل هذا العدد، عشرات الألوف من “التروتسكيين”. أما أكثر الأعضاء نشاطا وفعالية فأوقفوا حالا والقي بهم في السجون أو أرسلوا إلى معسكرات الاعتقال. أما ما يتعلق بالباقين فقد أوعز ستالين بواسطة البرافدا إلى السلطات المحلية كي لا تؤمِّن لهم عملا. وفي بلد تكون فيه الدولة المصدر الوحيد للعمل فإن أجراء من هذا النوع يساوي حكما بالموت من الجوع. وقد أستبدل المبدأ القديم القائل: “من لا يعمل لا يأكل” بالمبدأ التالي: “من لا يخضع لا يأكل”. فكم طرد من البلاشفة وكم أوقف منهم ونفي وأبيد، اعتبارا من عام 1923 ، هذا العام الذي افتتح فيه العهد البونابرتي ؟ فنحن لن نعرف إلا في اليوم الذي تفتح فيه ملفات البوليس السياسي الستاليني47. ترى كم هو عدد من يبقون في وضع غير قانوني ؟ إننا لن نعرف ذلك إلا في اليوم الذي ينهار فيه النظام البيروقراطي.
ما هي أهمية عشرين أو ثلاثين ألفا من المعارضين في حزب يضم مليونين من الأعضاء ؟ إن المقارنة البسيطة للأرقام لا تدل على شيء في مثل هذه الحالة. فيكفي وجود عشرة من الثوريين في لواء من الألوية كي ينتقل هذا اللواء إلى جانب الشعب في ملتهب. ولذلك فإن هيئات الأركان على حق في هلعها من المجموعان السرية الصغيرة وحتى من المناضلين المعزولين. إن هذا الخوف الذي يجعل البيروقراطية الستالينية ترتعد يفسر قسوة القصاص الذي فرضته على معارضيها وجور افتراءاتها.
إن فيكتور سيرج الذي مر في الاتحاد السوفياتي بكل مراحل القهر والعنف، حمل إلى الغرب الرسالة المخيفة لأولئك الذين عذبوا من أجل إخلاصهم للثورة ومقاومتهم لحفاري قبورها. وقد كتب سيرج يقول: “إني لا أبالغ فأنا أزن مقاطع الكلام وبإمكاني أن أدعم كل حادثة من الأحداث بأدلة مؤلمة وبأسماء… فمن بين تلك المجموعة من الضحايا المعارضين الذين خلد معظمهم إلى الصمت، أقلية بطولية أقرب إلى نفسي من كل المجموعات الأخرى. إن هذه المجموعة النادرة في نشاطها وحيويتها وبعد نظرها وعزيمتها التي لا تلين وتعلقها ببلشفية العصر البطولي، هذه المجموعة هي بضعة آلاف، شيوعيون منذ الساعة الأولى، أنهم رفاق لينين وتروتسكي بناة الجمهوريات السوفياتية عندما كانت هنالك مجالس سوفيات، وهم يردون على الانحطاط الداخلي للنظام بمبادئ الاشتراكية، ويدافعون قدر مستطاعهم عن حقوق الطبقة العاملة (وهم لا يستطيعون إلا القبول بكل التضحيات الممكنة)… “إن المعتقلين في سجون الاتحاد السوفياتي سيصبرون وسيصمدون إلى النهاية وحتى لو لم يشرق على الثورة فجر جديد. وبإمكان الثوريين الغربيين أن يعتمدوا عليهم: فستبقى شعلة الثورة في أيديهم حتى ولو في السجون. إنهم يعتمدون عليكم أيضا. فعليكم وعلينا الدفاع عنهم، وذلك من أجل الدفاع عن الديمقراطية العمالية في العالم، ومن أجل أن نعيد لديكتاتورية البروليتاريا وجهها المحرِّر، ولكي نعيد في يوم من الأيام للاتحاد السوفياتي مجده الأخلاقي وثقة العمال به…”.
حتمية ثورة جديدة
لقد كتب لينين في موضوعة زوال الدولة وضرورة تلاشيها أن الاعتياد على أتباع قوانين الجماعة قادر على استبعاد كل ضرورة للعنف “إذا لم يكن هناك شيء يثير السخط والاحتجاج والتمرد ويستدعي القمع بالتالي”. وهذه اﻠ“إذا” تشمل كل شيء. فالنظام الحالي للاتحاد السوفياتي يثر لدى كل خطوة من خطواته احتجاجات تزداد مرارتها بقدر ما يتم خنقها. والبيروقراطية ليست أداة قهر وإكراه فحسب بل إنها المصدر الدائم لكل استفزاز. كما أن وجود فئة من السادة الشرهين والكذابين والوقحين لابد من أن يثير تمردا خفيا. إن تحسين أوضاع العمال لا يصالحهم مع السلطة، بل على العكس فإن إعلاء مكانتهم في المجتمع، وتفتيح أفكارهم على المسائل السياسية العامة، ورفع مستواهم الفكري من شانه أن يصنع منهم قوة مستعدة لخوض الصراع ضد المسؤولين.
إن “القادة” الذين لا يمكن عزلهم يتسلون في ترداد شعارات ضرورة “التعلم” و”تمثل التقنية” و”ضرورة التثقف”، وكذلك في ترداد أشياء جميلة أخرى. ولكن القادة أنفسهم جاهلون ضعيفو الثقافة، وهم لا يتعلمون شيئا بصورة جدية، ويظلون عل حالهم من عدم الإخلاص والفظاظة والخشونة. فادعاؤهم الوصاية الكاملة على المجتمع، سواء بتوجيه الأوامر لمديري التعاونيات أو مؤلفي الموسيقى، أضحى أمرا غير محمول. ولن يتمكن الشعب من الحصول على ثقافة أعلى إذا لم يحطم خضوعه الذليل لهذه الفئة من الغاصبين.
هل سينتهي الموظف بالتهام الدولة العمالية، أم هل تتوصل الطبقة العاملة إلى تقليص نفوذ الموظف لتجعله في وضع غير قادر على الأذى ؟ تلك هي المعضلة التي يتوقف عليها مصير الاتحاد السوفياتي. فالأكثرية الهائلة من العمال هي منذ الآن معادية للبيروقراطية، كما أن جماهير الفلاحين تضمر لتلك البيروقراطية حقدا شعبيا شديدا. وإذا لم يبدأ العمال المعركة، على نقيض الفلاحين، وتركوا الأرياف لتخبطاتها وعجزها فإنهم لا يفعلون ذلك خوفا من عنف الدولة، بل خوفا من فتح طريق أمام عودة النظام الرأسمالي. فالعلاقات المتبادلة بين الدولة والطبقة العاملة هي أكثر تعقيدا عما يظنه “الديمقراطيون” المبتذلون. فبدون اقتصاد مخطط يتأخر الاتحاد السوفياتي عشرات الأعوام إلى الوراء. والبيروقراطية، بحفاظها على هذا الاقتصاد، تستمر في القيام بوظيفة ضرورية. لكنها تقوم بها بشكل يجعلها تهيئ في الوقت ذاته نسف النظام وتهدد كل مكاسب الثورة. إن العمال واقعيون، وفي حين ليست لديهم أوهام حول الفئة الحاكمة، أو حول شرائحها التي عرفوها عن كثب، على الأقل، يرون فيها في الوقت الحاضر حارسة لجزء معين من مكاسبهم الخاصة، وهم لن يترددوا في طرد هذه الحارسة غير الشريفة والوقحة والمشبوهة، عندما يصبحون قادرين على الاستغناء عنها. وينبغي من أجل ذلك أن يكون هناك انقشاع ثوري في الشرق كما في الغرب.
إن عملاء الكرملين وأصدقاءه يتحدثون عن توقف الصراعات السياسية المرئية كما لو كان “استقرارا” للنظام. والحق أنه لا يعني إلا استقرارا مؤقتا للبيروقراطية، على أساس أنه تم كبت استياء الشعب. ويعاني الجيل الجديد بصورة خاصة من نير “الحكم المطلق المستنير” وهو أكثر إطلاقية مما هو مستنير… فحذر البيروقراطية الذي يستفحل أكثر فأكثر حيال كل وميض فكر، والمديح الذي لا يطاق “للقائد” الذي أرسلته العناية الإلهية، كل هذا يؤكد الطلاق بين الدولة والمجتمع وازدياد حدة التناقضات الداخلية التي تضغط على صمامات الدولة ساعية عن منفذ لا بد أن تجده حتما في يوم من الأيام.
ولقد كان للاعتداءات ضد ممثلي السلطة في غالب الأحيان أهمية كبرى ذات معنى تجعل المرء قادرا على أن يحكم على الوضع الراهن للبلاد. وقد كان أكثرها صدى حادثة اغتيال كيروف48 ، ديكتاتور ليننغراد الحاذق، وهو شخصية نموذجية للفئة التي ينتمي إليها. إن الأعمال الإرهابية غير قادرة بنفسها على قلب الأوليغارشية البيروقراطية. فالبيروقراطي، يخشى على نفسه، على المستوى الفردي، من المسدس، إلا أن البيروقراطية في مجموعها تستغل الإرهاب بنجاح لتبرر عنفها ولتبرر اتهامها خصومها السياسيين (حادثة زينوفييف وكامينييف وآخرين)49. فالإرهاب الفردي هو سلاح الأفراد المنعزلين الذين نفذ صبرهم أو اليائسين، وهم في غالب الأحيان من الجيل البيروقراطي الشاب. ولكن الجرائم السياسية، كما في ظل الحكم الفردي الأوتوقراطي تؤكد وجود توتر في الجو ووجود أزمة داخلية. وقد أظهرت البيروقراطية بإعلانها الدستور الجديد أنها تشم رائحة الخطر وتريد أن تمنع وقوعه. ولكن حدث أكثر من مرة أن الديكتاتورية البيروقراطية وهي تبحث عن الخلاص باتخاذها إجراءات تدعي أنها “ليبرالية” لم تفعل شيئا سوى أنها أضعفت نفسها. فالدستور الجديد البونابرتي يحفر بين مواده خندقا قانونيا يمكن للمرء أن يتمركز فيه ويعلن الحرب على هذا الدستور. ومن الممكن أن يصبح الصراع الانتخابي بين الكتل نقطة انطلاق لمعارك سياسية. أما المهماز الموجه ضد “أجهزة السلطة التي تعمل بصورة سيئة”، فمن الممكن أن يصبح مهمازا ضد البونابرتية. وكل الدلائل تحملنا على الاعتقاد أن الأحداث سوف تحمل حتما صراعا بين القوى الشعبية المتزايدة نتيجة تطور الثقافة والأوليغارشية البيروقراطية. ولا تشتمل هذه الأزمة على حل سلمي إذ أننا لم نشاهد الشيطان يقضم مخالبه بنفسه بمحض إرادته. فالبيروقراطية السوفياتية لن تتخلى عن مواقعها دون قتال والبلاد تسير بوضوح نحو الثورة.
وفي مواجهة الضغط العنيف للجماهير وبوجود تمايزات اجتماعية بين الموظفين، فإنه من الممكن أن تقوم المقاومة من جانب الحكام أكثر ضعفا مما ينبغي أن تكون. ومما لا شك فيه أنه لا يمكن أن نعتمد في هذا الموضوع إلا على مجرد التخمين. ومهما يكن الأمر فانه لا يمكن إبعاد البيروقراطية إلا بالعمل الثوري، وذلك عن طريق تقديم تضحيات يقل ما هو مطلوب منها بمقدار ما يكون هناك المزيد من القوة والجرأة في النضال. إن تحضير هذا العمل الثوري وقيادة الجماهير في وضع تاريخي ملائم هما مهمتا الفرع السوفياتي في الأممية الرابعة50 الذي مازال ضعيفا اليوم ومضطرا للعمل السري. ولكن لا شرعية حزب من الأحزاب لا تلغي وجوده: إنها شكل عسير من أشكال وجوده. يمكن للقمع أن يكون فعالا ضد طبقة تغادر المسرح، وقد برهنت الديكتاتورية الثورية لأعوام 1917 – 1923 عن صحة ذلك. إلا أن الالتجاء إلى العنف ضد الطليعة الثورية لا ينقذ فئة مغلقة تعيش على أنقاض نفسها بمقدار ما يكون هناك طبعا مستقبل للاتحاد السوفياتي.
إن الثورة التي تهيئها البيروقراطية ضد نفسها لن تكون ثورة اجتماعية كثورة عام 1917 فلن يكون الهدف من هذه الثورة تبديل القواعد الاقتصادية للمجتمع السوفياتي وإحلال شكل للملكية محل شكل آخر. فلقد عرف التاريخ، عدا الثورات الاجتماعية التي قضت على النظام الإقطاعي واستبدلته بنظام برجوازي، عرف ثورات سياسية قلبت كل التشكيلات الحاكمة القديمة دون المساس بالأسس الاقتصادية للمجتمع (1830 و1848 في فرنسا وفبراير / شباط 1917 في روسيا). إن قلب الفئة البونابرتية سيكون له نتائج اجتماعية عميقة الأثر ولكنها ستكون داخل إطار التطور السياسي.
إن دولة منبثقة من الثورة العمالية برزت لأول مرة في التاريخ. ولا ستطيع أحد معرفة المراحل التي ستتخطاها. لقد كان بناة الاتحاد السوفياتي ومنظروه يأملون حقا في أن يسمح نظام السوفيات الواضح والمرن للدولة بأن تتحول سلميا وأن تتلاشى وأن تزول كلما حقق المجتمع تطوره الاقتصادي والثقافي. ولكن ظهر أن الحياة معقدة من الناحية العملية أكثر من الناحية النظرية. لقد اضطلعت بروليتاريا بلد متخلف بأول ثورة اشتراكية، لذا فسوف يكون عليها أن تدفع ثمن هذا الامتياز التاريخي بثورة ثانية ضد السلطة البيروقراطية المطلقة. ويتوقف برنامج هذه الثورة على الوقت الذي ستنفجر فيه والمستوى الذي تكون بلغته البلاد، كما أنه سيتأثر إلى حد بعيد بالوضع الدولي. وقد حددت في هذا الكتاب العوامل الأساسية لهذه الثورة، وهذه العوامل هي الاستنتاجات الموضوعية لتحليل تناقضات النظام السوفياتي.
وليس الغاية أن نبدل العصبة الحاكمة بعصبة أخرى ولكن الهدف هو تغيير طرق الإدارة والاقتصادية والثقافية نفسها، كما ينبغي للتعسف البيروقراطي أن يخلي مكانه للديمقراطية السوفياتية. إن إعادة حق النقد والحرية الانتخابية الحقيقية شرطان ضروريان لتطوير البلاد، كما أن عودة حرية الأحزاب السوفياتية، بدءا من حرية الحزب البلشفي، وبعث حرية النقابات أمور مطلوبة. فالديمقراطية تقودنا في الاقتصاد إلى إعادة النظر جذريا في كل الخطط لصالح الشغيلة، كما أن المناقشة الحرة للمسائل الاقتصادية ستخفف من النفقات العامة التي فرضتها أخطاء البيروقراطية وتعرجاتها. فلا بد من أن نستبدل المشاريع الضخمة وقصور السوفيات والمسارح الجديدة والمتروات المبنية للإدهاش، لا بد أن نستبدل كل هذا بالمساكن العمالية. أما “مقاييس التوزيع البرجوازية” فينبغي أن يعاد النظر فيها وتتحكم الضرورة بنسبها وفروقها إلى أن تحل محلها المساواة الاشتراكية مع ازدياد الثورة الاجتماعية. أما الرتب فينبغي إلغاؤها فورا، ويُستغنى عن الأوسمة. عندها تستطيع الشبيبة أن تتنفس بحرية وأن تنتقد وأن تخطئ وتنضج. وينفض العلم والفن أغلالهما. كما أن السياسة الخارجية تعيد علاقاتها مع تقاليد الأممية الثورية.
إن مصير ثورة أوكتوبر هو اليوم أكثر ارتباطا من أي وقت مضى بثورة أوروبا والعالم. فمشكلات الاتحاد السوفياتي لا تحل ضمن حدود الاتحاد السوفياتي بقدر ما تحل داخل شبه الجزيرة الايبيرية وفرنسا وبلجيكا.
وفي الوقت الذي سيظهر فيه هذا الكتاب سيكون وضع الحرب الأهلية الإسبانية أكثر وضوحا منه الآن. فإذا نجحت البيروقراطية السوفياتية بسياستها الخائنة، المتمثلة ﺒ”الجبهات الشعبية” في تأمين النصر للرجعية في فرنسا وإسبانيا – وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الأممية الشيوعية تبذل كل ما تستطيع في تحقيق هذا النجاح – فإن الاتحاد السوفياتي سيجد نفسه على حافة الهاوية، كما أن الثورة المضادة للبرجوازية ستكون أقوى احتمالا من تمرد العمال ضد البيروقراطية. وعلى العكس لو تمكنت البروليتاريا الغربية من أن تشق طريقها إلى السلطة بالرغم من تخريب الإصلاحيين والقادة “الشيوعيين” لافتـُتح فصل جديد في تاريخ الاتحاد السوفياتي. فأول انتصار ثوري في أوروبا سيكون له مفعول الصدمة الكهربائية للجماهير السوفياتية، إنه سيوقظها من رقادها وسيرفع من روح الاستقلال لديها وسيحيي فيها تقاليد عامي 1905 و1917، وسيضعف هذا للنصر واقع البيروقراطية، وستكون له أهمية لا تقل بالنسبة للأممية الرابعة عن انتصار ثورة أوكتوبر بالنسبة للأممية الثالثة. فمن أجل أول دولة عمالية، ومن أجل مستقبل الاشتراكية، لا خلاص إلا في هذا الطريق.
ملحق (1): الاشتركية في بلد واحد
تشكل الاتجاهات الرجعية نحو الاكتفاء الذاتي ردا دفاعيا للرأسمالية الهرمة في مواجهة المشكلة التالية التي يطرحها التاريخ وهي: تحرير الاقتصاد من قيود الملكية الخاصة والدولة القومية وتنظيمه وفقا لخطة عامة عالمية.
إن “إعلان حقوق الشعب العامل والمستغـَل” الذي كتبه لينين وقدمه مجلس مفوضي الشعب في الاتحاد السوفياتي إلى الجمعية التأسيسية لإقراره في تلك الساعات القصيرة التي عاشتها هذه الجمعية يُعرِّف الهدف الأساسي للنظام الجديد بهذه التعابير: “إقامة تنظيم اشتراكي للمجتمع وانتصار الاشتراكية في كل البلدان”. إذن فعالمية الثورة قد أعلنت في وثيقة أساسية من وثائق النظام الجديد. ولم يجرؤ أحد، في تلك الفترة، على طرح المسألة بشكل آخر. وفي نيسان / أبريل 1924 أي بعد ثلاثة أشهر على وفاة لينين، كان ستالين أيضا يكتب في مؤلفه عن أسس اللينينية ما يلي: “تكفي جهود بلد واحد لقلب البرجوازية وتاريخ ثورتنا هو الذي علم ذلك، ولكن جهود بلد واحد، وبخاصة بلد فلاحي كبلدنا، غير كافية من أجل تحقيق الانتصار النهائي للاشتراكية ولتنظيم الإنتاج الاشتراكي. إن ذلك يحتاج إلى تضافر جهود كل البروليتاريا لعدة دول متقدمة”. إن هذه السطور ليست بحاجة إلى تفسير، ولكن الطبعة التي خطت فيها هذه الكلمات قد سحبت من التداول. ومع ذلك فإن الهزائم الكبرى للبروليتاريا الأوروبية والنجاحات الأولية المتواضعة للاقتصاد السوفياتي قد أوحت إلى ستالين في خريف عام 1924 أن المهمة التاريخية للبيروقراطية هي بناء الاشتراكية في بلد واحد. وقد دارت رحى مناقشة حول هذه المسألة بدت لكثير من أصحاب العقول السطحية وكأنها موضوع أكاديمي أو مدرسي، لكنها كانت تعبـِّر في الحقيقة عن بدء انحدار الأممية الثالثة، وتهيئ لميلاد الأممية الرابعة.
وقد تحدث الشيوعي السابق بتروف، الذي تحدثنا عنه سابقا، وهو اليوم لاجئ أبيض، مستعيدا ذكرياته الخاصة فأبرز كم كانت مقاومة الإداريين الشباب عنيفة ضد العقيدة التي تربط الاتحاد السوفياتي بالثورة العالمية. “كيف ذلك ! هل يمكن ألا نتوصل نحن لإسعاد بلادنا ؟ إذا كان هذا هو فحوى ما سبق ورﺁه ماركس، إذن فلسنا ماركسيين ! نحن بلاشفة روس وهذا كل ما في الأمر”. ويضيف بتروف إلى ذكرياته هذه حول المناقشات التي دارت بين عامي 1923 و1926 فيقول: “إنني لا استطيع أن أمنع نفسي من التفكير في الوقت الحاضر في إن نظرية الاشتراكية في بلد واحد هي أكثر من اختراع ستاليني بسيط”. صحيح جدا ! ! فهذه العبارة تترجم بشكل صحيح شعور البيروقراطية التي تتحدث عن انتصارها الخاص عندما تتكلم على انتصار الاشتراكية.
ولكي يبرر ستالين قطيعته مع تقاليد الأممية الماركسية ارتكب صلافة حينما دعم الزعم القائل بأن ماركس وانجلز كانا يجهلان قانون التطور اللامتساوي في البلدان الرأسمالية الذي اكتشفه لينين. إن هذا التأكيد ينبغي، والحق يقال، أن يحتل المركز الأول في جدول النوادر الإيديولوجية. إن التطور اللامتساوي هو في الواقع سمة عامة لمجمل تاريخ الإنسانية وبخاصة تاريخ الرأسمالية. في عام 1926 كتب المؤرخ والاقتصادي الشاب سولنتسف (وهو مناضل موهوب يتحلى بأخلاقية نادرة، اعتقل لانضمامه للمعارضة اليسارية، ومات في السجون السوفياتية) مذكرة رائعة عن قانون التطور اللامتساوي كما نجده في مؤلفات ماركس ولكن هذا العمل لم ينشر طبعا في الاتحاد السوفياتي. ولأسباب معاكسة منع كتاب أحد الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان، المدعو فولمار51، الذي توفي وأضحى في سبيل النسيان منذ زمن طويل. وقد دعم فولمار في عام 1878 الرأي القائل بأن وجود “دولة اشتراكية منعزلة” ممكن – وكان يرى ألمانيا لا روسيا أمام عينيه – عندما كان يكتب عن “قانون التطور اللامتساوي” الذي قيل لنا أنه كان مجهولا إلى أن جاء لينين.
لقد كتب جورج فولمار ما يلي: “تفترض الاشتراكية بصورة مطلقة اقتصادا متطورا، ولو كان الأمر لا يتعلق إلا بالاقتصاد لكانت الاشتراكية ستكتسب قوة عظيمة حيث يكون التطور الاقتصادي في أعلى مستوى. ولكن المسألة تطرح بشكل مغاير على أرض الواقع. فمما لا جدال فيه أن انجلترا هي أكثر البلدان تقدما من الناحية الاقتصادية وتلعب الاشتراكية فيها، كما نرى، دورا ثانويا جدا، بينما أضحت الاشتراكية في ألمانيا (مع أنها أقل نموا من الناحية الاقتصادية) قوة يشعر المجتمع القديم حيالها بانعدام أمنه…” – ويتابع فولمار بعد أن يشير إلى قوة العوامل التاريخية التي تتحكم بالأحداث فيقول: “ومن الطبيعي أن ردود الفعل المتبادلة لعدد كبير من العوامل تجعل من المستحيل حدوث تطور مماثل من زاوية علاقات الزمن والشكل، ولو اقتصر هذا التطور على بلدين، حتى لا نقول كل البلدان… فالاشتراكية تخضع للقانون ذاته… إن فرضية انتصار الاشتراكية في آن واحد في كل البلدان المتحضرة أمر مستبعد كليا، كما أنه من المستبعد أيضا أن تسير البلدان المتقدمة على الطريق ذاتها التي اختارتها لنفسها دولة تنظم نفسها على أساس البناء الاشتراكي… سوف نتوصل هكذا إلى استنتاج الدولة الاشتراكية المنعزلة وهو الاستنتاج الذي أرجو أن أكون قد برهنت أنه إذا لم يكن الاحتمال الوحيد، فهو أكثر الاحتمالات ترجيحا”. إن هذا المؤلف الذي كتب عندما كان سن لينين ثماني سنوات يفسِّر قانون التطور اللامتساوي تفسيرا أصح من تفسيرات الأحفاد السوفيات بدءا من خريف عام 1924. ولنذكر هنا أن فولمار، وهو نظري من الدرجة الثانية، لم يقم إلا بتفسير أفكار انجلز الذي تم اتهامه – كما رأينا – بالجهل في هذا المجال.
إن “الدولة الاشتراكية المنعزلة” قد انتقلت منذ زمن بعيد من حقل الفرضيات التاريخية إلى أرض الواقع، لا في ألمانيا ولكن في روسيا. وانعزالها يعبِّر بحق عن القوة النسبية للرأسمالية والضعف النسبي للاشتراكية. ويبقى أن نجتاز المسار التاريخي الطويل ما بين الدولة “الاشتراكية” المنعزلة والمجتمع الاشتراكي الذي تخلص من الدولة إلى الأبد، هذا المسار الذي يتطابق بالضبط مع طريق الثورة العالمية.
ويؤكد لنا بياتريس وسيدني ويب من جهتهما أن ماركس وانجلز لم يؤمنا أبدا بإمكانية تحقيق مجتمع اشتراكي منعزل. وذلك لسبب واحد وهو أنهما “لم يحلما أبدا بأداة في مثل قوة احتكار التجارة الخارجية”. إن قراءة هذه الأسطر غير ممكنة دون الشعور ببعض الضيق إزاء مؤلفيها العجوزين. فتأميم المصارف والشركات التجارية والسكك الحديدية والأسطول التجاري، إجراءات لا غنى عنها للثورة الاشتراكية بالقدر الذي لا غنى معه لهذه الأخيرة من تأميم وسائل الإنتاج بما فيها صناعات التصدير. وإذا كان لاحتكار التجارة الخارجية من دور فهو يتمثل بكونه يركز بين يدي الدولة الوسائل المادية للاستيراد والتصدير. والقول بأن ماركس وانجلز لم يحلما بذلك معناه أنهما لم يكونا يحلمان بتحقيق ثورة اشتراكية. ولمزيد من التعاسة، نلاحظ كيف يجعل فولمار من احتكار التجارة الخارجية مصدرا من أهم مصادر الثروة “للدولة الاشتراكية المنعزلة”. لقد كان على ماركس وانجلز أن يتعلما سر ذلك من هذا الكاتب لو لم يكن هو نفسه قد تعلمه منهما.
إن “نظرية” الاشتراكية في بلد واحد التي لم يعرضها ستالين في كل حال ولم يبررها في أي مكان تقتصر على تصور غريب عن التاريخ، لا بل مجدب، يرى أن ثروات الاتحاد السوفياتي الطبيعية تسمح له بأن يبني الاشتراكية داخل حدوده الجغرافية. إن في إمكاننا أن نؤكد بالنجاح ذاته أن الاشتراكية يمكن أن تنتصر لو كان عدد سكان الكرة الأرضية أقل من عددهم الحالي باثنتي عشرة مرة. والحق أن النظرية الجديدة تحاول فرض نظام فكري أكثر ملموسية على الوعي الاشتراكي وهو التالي: أن الثورة قد أنجزت بشكل نهائي؛ وستخف التناقضات الاجتماعية تدريجيا، وستمتص الاشتراكية الفلاح الغني شيئا فشيئا؛ وسيبقى التطور في مجموعه، منتظما وسلميا، بالاستقلال عن الأحداث الخارجية. وقد أعلن بوخارين، الذي حاول إطلاق النظرية الجديدة، كما لو كان أمرا لا جدال فيه: “إن الفروقات الطبقية في بلادنا أو تقنيتنا المتخلفة لن تقودنا إلى الهلاك، فبإمكاننا بناء الاشتراكية على أرض البؤس التقني. إن نمو هذه الاشتراكية سيكون بطيئا جدا، وسنتقدم بخطى السلحفاة، ولكننا سنبني الاشتراكية وسننتهي من بنائها…”. فلنزح نحن فكرة “بناء الاشتراكية حتى على قاعدة من التقنية البائسة”. ولنتذكر مرة أخرى تنبؤات ماركس العبقرية التي تعلمنا أنه على قاعدة تقنية ضعيفة “لن نشرّك سوى البؤس، لأن النقص في الحاجات سيقود إلى صراع على الضروريات ويعيد إلى الوجود كل الفوضى القديمة”. وقد اقترحت المعارضة اليسارية في نيسان / أبريل 1926 خلال اجتماع كامل للجنة المركزية التعديل التالي لنظرية خطوات السلحفاة: “إن من الخطأ الذريع الاعتقاد أن من الممكن السير نحو الاشتراكية بإيقاع مرتجل عندما نوجد في محيط رأسمالي. فلن يتحقق التقدم نحو الاشتراكية إلا إذا ضاقت المسافة الفاصلة بين صناعتنا والصناعة الرأسمالية المتقدمة… بشكل واضح وملموس، بدلا من أن تكبر وتتعاظم”.
وقد رأى ستالين في هذا الاقتراح هجوما “مستترا” ضد نظرية الاشتراكية في بلد واحد، ورفض بشكل قاطع ربط إيقاع البناء الاشتراكي في الداخل بالشروط الدولية الخارجية. وقد أعطى التقرير المختزل عن المناقشات جوابه على الاقتراح في العبارات التالية: “إن كل من يحاول إدخال العامل الدولي في هذا الموضوع يجهل كيفية طرح المشكلة كما أنه يشوش كل المفاهيم سواء بسبب عدم فهمه أو لرغبته الواعية بزرع بذور الالتباس في هذا الموضوع”. وهكذا رفض تعديل المعارضة. وعلى هذا النحو فإن وهم الاشتراكية المبنية بهدوء – على إيقاع خطوات السلحفاة – وعلى قاعدة البؤس، المحاطة بأعداء أقوياء، لم يصمد طويلا أمام ضربات الناقدين. ففي تشرين الثاني / نوفمبر من العام نفسه، اعترف المؤتمر الخامس عشر للحزب، دون أي تحضير سابق في الصحافة، أن من الضروري “اللحاق خلال مهلة تاريخية تمثل الحد الأدنى النسبي من الزمن ( ؟) ومن ثم تجاوز المستوى الصناعي للدول الرأسمالية المتقدمة”. وهكذا وجدت المعارضة اليسارية نفسها وقد “تجاوزها” المؤتمر. إلا أن النظريين الذين كانوا بالأمس من دعاة اللحاق بالدول الرأسمالية بخطوات السلحفاة، بعد أن تصدر شعار “اللحاق” بالعالم كله و”سبقه في أقصر مهلة زمنية”، وجدوا أنفسهم أسرى “العامل الدولي” الذي تشعر البيروقراطية بخوف موسوس منه. وهكذا قضي على النسخة الأولى من النظرية الستالينية خلال ثمانية أشهر.
لابد للاشتراكية من “تجاوز” الرأسمالية في كل الميادين… هذا ما كتبته المعارضة اليسارية في وثيقة نشرت بصورة غير قانونية في آذار / مارس 1927: “إلا أن الأمر لا يتعلق الآن بعلاقات الاشتراكية مع الرأسمالية بشكل عام ولكن بالتطور الاقتصادي لاتحاد الجمهوريات السوفياتية بالنسبة لتطور دول ألمانيا وانجلترا والولايات المتحدة. فماذا يتوجب أن نفهم من مهلة تاريخية صغرى ؟ إننا سنبقى بعيدين عن مستوى البلدان المتقدمة في الغرب خلال الخطط الخمسية المقبلة. ماذا سيحدث خلال هذه الفترة في العالم الرأسمالي ؟ إذا قبلنا أن بإمكان العالم الرأسمالي أن يدخل مرحلة جديدة من الرخاء قد تدوم عشرات السنين، يصبح الكلام على الاشتراكية في بلدنا ضربا من السخف البائس؛ يتوجب علينا عندئذ أن نعترف بأننا خـُدعنا كليا في تقديراتنا بأن عصرنا هو عصر تعفن الرأسمالية، وتصبح جمهوريات السوفياتات في هذه الحالة التجربة الثانية لديكتاتورية البروليتاريا، تجربة أكثر شمولا وخصوبة من تجربة كومونة باريس، ولكنها على كل حال مجرد تجربة. فهل لدينا أسباب جدية لأن نراجع بالحزم نفسه قيم هذا العصر الذي نعيش فيه ومعنى ثورة أوكتوبر التي صممت كحلقة من حلقات الثورة العالمية ؟ كلا ! لأن الدول الرأسمالية بعد أن انتهت على نطاق واسع من إعادة بناء نفسها (بعد الحرب) تجد نفسها في مواجهة كل التناقضات الداخلية القديمة والدولية، ولكن بشكل أكثر اتساعا وأكثر تأزما. وهذا التناقضات المتأزمة والمتسعة هي قاعدة الثورة البروليتارية. نحن نبني الاشتراكية وهذا أمر واقع، وبما أن الكل أكبر من الجزء فإنه لواقع أكثر تأكدا أن الثورة تتهيأ في أوروبا وفي العالم، والجزء لن يتمكن من الانتصار إلا مع أن الكل… إن البروليتارية الأوروبية بحاجة إلى زمن أقل بكثير للانقضاض على السلطة من الزمن اللازم لنا كي نتفوق من الناحية التقنية على أوروبا وأمريكا… فعلينا في غضون ذلك أن نخفف منهجيا الفارق بين مردود العمل لدينا وبين مردود العمل في أماكن أخرى. فكلما ازداد تقدمنا كلما قل تهديدنا المحتمل بانخفاض الأسعار وبالتالي يقل احتمال تهديدنا بالسلاح… وكلما حسَّنا شروط حياة العمال والفلاحين ووجودهم كلما سرّعنا بصورة أضمن زحف الثورة البروليتارية على أوروبا بحيث تزودنا هذه الثورة بالتقنية العالمية. ويصبح بناؤنا الاشتراكي أكثر أمانا وأكثر كمالا عنصرا في البناء الاشتراكي في أوروبا والعالم كله”. وقد بقيت هذه الوثيقة للمعارضة اليسارية كغيرها من الوثائق دون جواب عليها إلا إذا اعتبرنا الاعتقالات والطرد من الحزب أجوبة عليها.
وبعد التراجع عن السير ببطء السلحفاة كان من الواجب التوقف عن تطبيق الفكرة المتعلقة بامتصاص الكولاك من قبل الاشتراكية. إن الهزيمة التي ألحقت بالفلاحين الأغنياء بتدابير إدارية أعطت مع ذلك غذاء جديدا لنظرية الاشتراكية في بلد واحد: فمنذ اللحظة التي قضي فيها “في الواقع” على الطبقات، تحققت الاشتراكية “في الواقع” أيضا (1931). كانت تلك إعادة لفكرة مجتمع اشتراكي “أساسه البؤس”. ونحن نتذكر أن صحفيا غير رسمي قد فسر لنا في ذلك الحين فقدان حليب الأطفال بسبب النقص في البقر، وليس بسبب عيوب النظام الاشتراكي ! !
إن الاهتمام بمردود العمل لم يسمح بالتوقف أمام الصيغ المطمئنة لعام 1931 المعدة للتعويض المعنوي عن الخسائر التي أحدثتها حركة التجميع الشاملة. وقد صرح ستالين فجأة، بمناسبة حركة استاخانوف بما يلي: “يفكر البعض في أن الاشتراكية يمكن تثبيتها بمساواة في الفقر. إن هذا خطأ… فالاشتراكية لا تستطيع أن تنتصر حقا إلا على أساس مردود للعمل أعلى من مردود العمل في النظام الرأسمالي”. صحيح جدا. ولكن البرنامج الجديد للشبيبة الشيوعية الذي تم تبنيه في نيسان / أبريل 1935 في المؤتمر الذي حرم تلك الشبيبة مما تبقى من حقوقها السياسية عرّف النظام السوفياتي بصورة جازمة بما يلي: “لقد أضحى الاقتصاد القومي اشتراكيا”. وليس هنالك من أحد يهتم بمطابقة هذه المفاهيم المتناقضة. فهذه المفاهيم توضع في التداول حسب الحاجات الوقتية. وليس هناك شخص يتجرأ على النقد مهما حصل.
ولقد بررت ضرورة البرنامج الجديد للشبيبة السوفياتية بهذه العبارات من قبل المقرّر: “يحتوي البرنامج القديم تأكيدا خاطئا ومضادا للفكر اللينيني بعمق” وبحسب هذا التأكيد “لا تستطيع روسيا الوصول إلى الاشتراكية إلا بالثورة العالمية”. إن هذه الفقرة من المنهاج خاطئة بصورة أساسية وتنبعث منها بعض الأفكار التروتسكية” علما بأن هذه الأفكار ذاتها التي كان ستالين يدافع عنها في نيسان / أبريل 1924 ! ! يبقى أن نفسر كيف يبدو منهاج كتبه بوخارين في عام 1921 ثم راجعه المكتب السياسي بعناية تامة بالتعاون مع لينين، كيف يبدو هذا المنهاج “تروتسكيا” بعد خمسة عشر عاما، ويحتاج إلى مراجعة تقوم على أسس جديدة معاكسة للأسس السابقة. ولكن الحجج المنطقية ضعيفة عندما تكون هناك مصالح معينة. فالبيروقراطية التي تحررت من البروليتاريا لا تستطيع أن تعترف بأن الاتحاد السوفياتي يرتبط بالبروليتاريا العالمية.
إن قانون التطور غير المتكافئ كانت له هذه النتيجة، وهي أن التناقض بين التقنية وعلاقات الملكية الرأسمالية قد سبب انقطاع السلسلة العالمية عند أضعف نقاطها. وقد دفعت الرأسمالية الروسية المتخلفة ثمن عدم كفاية الرأسمالية العالمية وكانت في الواقع أول من دفع. إن قانون التطور غير المتكافئ يلتحق طوال التاريخ بقانون التطور المركب. وقد جلب انهيار البرجوازية في روسيا ديكتاتورية البروليتاريا وهي وثبة إلى الأمام بالنسبة لبلد متخلف إذا ما قورن بالبلاد المتقدمة. وقد اصطدمت إقامة أشكال الملكية الاشتراكية في بلد متخلف بتقنية وثقافة ضعيفتين. وتمخضت ثورة أوكتوبر بدورها عن تناقضات بين القوى المنتجة القومية الناقصة جدا والملكية الاشتراكية، تلك الثورة التي ولدت من التناقض بين القوى المنتجة في العالم (التي هي على درجة عالية من التطور) والملكية الرأسمالية.
والحق أن انعزال الاتحاد السوفياتي لم يكن له نتائج فورية خطيرة يخشى منها، لأن العالم الرأسمالي كان مفككا ومشلولا وعاجزا عن استعمال كل قوته الكامنة. كما أن “الهدنة” كانت أطول مما يسمح التفاؤل النقدي برجائه. ولكن العزلة وعدم إمكانية الإفادة من موارد السوق العالمية، حتى ولو كانت هذه الإفادة على قواعد رأسمالية ( التجارة الخارجية تدنت إلى ربع أو إلى خمس ما كانت عليه عام 1913) ، سببتا توزيعا من أسوأ ما يمكن للقوى المنتجة وبطئا في رفع الشروط المادية لحياة الجماهير، بالإضافة إلى مصاريف باهظة على الدفاع القومي. إن الوباء البيروقراطي كان مع ذلك ناتج العزلة الأكثر شؤما. إن القواعد السياسية والشرعية التي أقامتها الثورة تمارس تأثيرا ملائما على الاقتصاد المتخلف من جهة، وتعاني من جهة أخرى من العمل المشل لوسط متخلف. وكلما طال الزمن الذي سيبقى فيه الاتحاد السوفياتي في مدار رأسمالي كلما كان انحطاط أنسجته الاجتماعية عميقا. والانعزال غير المحدود لا يؤدي بصورة حتمية إلى إقامة شيوعية قومية ولكنه قد يؤدي إلى إعادة الرأسمالية.
وإذا كانت البرجوازية لا تستطيع أن تترك الديمقراطية الاشتراكية تستوعبها بهدوء فإن الدولة الاشتراكية أيضا لا تستطيع أن تنخرط بهدوء في النظام الرأسمالي العالمي. فالتطور الاشتراكي السلمي “لبلد واحد” ليس موضوعا على جدول أعمال التاريخ. فأمامنا سلسلة من الهزات العالمية التي تعلن عن نفسها، أكانت حروبا أو ثورات. ثمة عواصف أيضا لا يمكن تجنبها في الحياة الداخلية للاتحاد السوفياتي. لقد اضطرت البيروقراطية، في صراعها من أجل التخطيط الاقتصادي، أن تنزع ملكية الكولاك، وسيكون من مهام الطبقة العاملة أن تنزع ملكية البيروقراطية في صراعها من أجل الاشتراكية، لتستطيع أن تخط على قبرها العبارات التالية: “هنا ترقد نظرية الاشتراكية في بلد واحد”.
ملحق (2): “اصدقاء” الاتحاد السوفييتي
لأول مرة في التاريخ تقوم حكومة قوية بتمويل الصحافة اليسارية وصحافة أقصى اليسار خارج البلاد بدلا من تغذية صحافة اليمين المحترمة. ويوجَّه تعاطف الجماهير لأكبر الثورات بصورة ذكية وحاذقة لكي يصب في اتجاه البيروقراطية. كما تفقد الصحافة “المتعاطفة” الغربية الحق بإصدار كل ما قد يسبب الإزعاج لحكام الاتحاد السوفياتي. وتستقبل الكتب غير المرغوب بها في الكرملين بصمت مطبق. وتترجم المدائح الصارخة المجردة من كل ميزة وموهبة إلى عدة لغات. وقد تجنبنا أن نذكر في هذا الكتاب المؤلفات النموذجية “لأصدقاء” الاتحاد السوفياتي، مؤثرين ذكر الكتب الأصلية الفظة بدل الكتب المترجمة إلى اللغات الأجنبية. إن أدب “الأصدقاء” بما فيه أدب الأممية الشيوعية، وهو القسم الأكثر تفاهة وابتذالا يشكل مع ذلك جبلا شاهقا من الصفحات يلعب دورا سياسيا لا يمكن إهماله. ولا بد لنا أن نكرس له بعض الصفحات، قبل اختتام هذا الكتاب.
لقد وصف كتاب الزوجين ويب، وعنوانه “الشيوعية السوفياتية” بأنه يشكل إسهاما مهما في التراث الفكري. وبدلا من التعرض لما أنجز وفي أي اتجاه تتطور الحقيقة، بدلا من هذا استخدم هذان المؤلفان 1500 صفحة لعرض مشاريع المكاتب ومضمون القوانين. وكان استنتاجهما أن الشيوعية ستتحقق في الاتحاد السوفياتي عندما تنتقل الخطط والنوايا إلى حيز التطبيق. هذا هو محتوى كتاب ممل ينقل تقارير المكاتب الموسكوفية ومقالات الصحف المطبوعة بمناسبة الأعياد السنوية…
إن الصداقة التي يحملها الكتاب للبيروقراطية السوفياتية لا تتجه إلى الثورة البروليتارية بل هي بالأحرى ضمان ضدها. والزوجان ويب مستعدان، بدون شك، للاعتراف بأن النظام السوفياتي سينتشر في يوم من الأيام في بقية أنحاء العالم. ولكن “متى وأين، وما هي التعديلات التي ستطرأ عليه وهل سيتحقق بالثورة العنيفة أو بالاختراق السلمي أو بالتقليد الواعي… هذه أسئلة لا نستطيع أن نجيب عليها”. إن هذا الرفض الدبلوماسي، الذي يشكل في الواقع جوابا لا لبس فيه والذي يميز “أصدقاء”، يحدد مدى صداقتهم. فلو أجاب الجميع هكذا على مسألة الثورة، قبل اندلاعها مثلا في عام 1917 لما كان هناك الآن دولة سوفياتية ولكان هذان الصديقان البريطانيان يحولان تعاطفهما إلى أغراض أخرى…
ويتحدث الزوجان ويب، كما لو كان بديهيا، عن لا جدوى انتظار ثورات تشتعل في أوروبا خلال المستقبل القريب، ويريان في هذه الحجة برهانا أكيدا على صحة نظرية الاشتراكية في بلد واحد. إنهما يعلـِّماننا ضرورة بناء الاشتراكية داخل حدود الاتحاد السوفياتي، نظرا لعدم وجود آفاق أخرى، وذلك بما يتمتع به من سلطة أناس كانت ثورة أوكتوبر مفاجأة لهم، ومفاجأة غير سارة في كل حال. وإننا لنتحمل كثيرا من العناء لكي لا نهز أكتافنا استهزاء، وذلك بدافع من الأدب والتهذيب. فنحن لا نستطيع أن نحاور الزوجين ويب إلا في مسائل الثورة وأسلوب إعدادها في بريطانيا العظمى وبناء المصانع واستخدام الأسمدة الكيميائية في الاتحاد السوفياتي. ولكن حول هذه النقطة الدقيقة، يعترف علماؤنا الاجتماعيون بعدم اختصاصهم، وتبدو المشكلة نفسها بالنسبة إليهم متناقضة مع العلم.
لقد كان لينين يكره البرجوازيين المحافظين الذين يتخيلون أنفسهم اشتراكيين ويكره بصورة خاصة الفابيين الانجليز. إن الفهرس الأبجدي للمؤلفين المذكورين في مؤلفاته يظهر العداء الذي كان يكنه كل حياته للزوجين ويب. وقد وصفهما للمرة الأولى في عام 1907 “بمداحين حمقى للتفاهة البرجوازية الصغيرة البريطانية” “يحاولون تقديم الشارتية52 ، التي تعتبر مرحلة ثورية في الحركة العمالية الانجليزية، كمجرد لعب أطفال”. والحال أن كومونة باريس كان من الممكن أن تصبح مستحيلة بدون الشارتية. ولولا الشارتية وكومونة باريس لما كانت ثورة أوكتوبر. ولم يجد الزوجان ويب في الاتحاد السوفياتي إلا آليات إدارية وخططا بيروقراطية، ولم يلاحظا لا الشارتية ولا الكومونة ولا ثورة أوكتوبر. وقد بقيت الثورة غريبة عنهما إلا إذا بدت لهما “عملا طفوليا مجردا من أي معنى” ! !
ولم يكن لينين ليتضايق أيضا أبدا، كما نعرف جميعا، من المجاملة الصبيانية والشريفة في الحوار مع الانتهازيين. ولكن الصفات النابية المهينة التي استخدمها خلال أعوام طويلة (“خدام البرجوازية” “الخونة” “النفوس الذليلة”.. الخ) عبرت خلال سنوات عن حكم واع ضد الزوجين ويب داعي الفابية أي الوقار التقليدي والخضوع للأمر الواقع. فلا يمكن أن يكون تفكير الزوجين ويب قد تغير خلال الأعوام الأخيرة. هذا الثنائي الفابي الذي دعم برجوازية بلاده أثناء الحرب، وقبل بعد ذلك لقب لورد باسفيلد الذي منحه إياه الملك، أقبل الآن، دون أن يتخلى عن أي شيء، ودون أن يكذب نفسه على الإطلاق، أقبل على الشيوعية في بلد واحد، بل وفي بلد أجنبي في كل حال. لقد كان سيدني ويب وزيرا للمستعمرات، أي رئيس سجاني الإمبريالية الانجليزية، حين تقرب من البيروقراطية السوفياتية وتلقى منها مواد مؤلفه الضخم.
ومنذ عام 1923 لم يكن الزوجان ويب يريان فرقا كبيرا بين البلشفية والقيصرية (انظر كتابThe Decay of Capitalist Civilization الصادر عام 1923). وبالمقابل فإنهما يعترفان بدون تحفظ ﺒ “الديمقراطية” الستالينية. لا نبحثن هنا عن أي تناقض. فالفابيون يحنقون عندما يرون الشعب الثوري يحرم “المتعلمين” من الحرية، ولكنهم يجدون طبيعيا أن تحرم البيروقراطية البروليتاريا من الحرية. ألم تكن هذه وظيفة بيروقراطية حزب العمال دوما ؟ إن الزوجين ويب يؤكدان أن النقد حر كل الحرية في الاتحاد السوفياتي. وفي هذا التأكيد افتقاد لروح الفكاهة. إنهما يذكران بكامل جديتهما “النقد الذاتي” الذي تتم ممارسته كما تمارس السخرة، والذي من السهل دوما تعيين موضوعه وحدوده مسبقا.
هل نحن إزاء نوع من السذاجة ؟ فلنقل بصراحة إن انجلز ولينين لم يجدا لدى سيدني ويب أية سذاجة. والأصح أن نقول الاحترام. فالويب يتحدثان عن نظام قائم ومضيفين ممتعين. فهما لا يقران النقد الماركسي لما هو موجود، بل إنهما يعتبران نفسيهما مدعوين للدفاع عن تركة ثورة أوكتوبر ضد المعارضة اليسارية. وكي نكون أكثر شمولا وأمانة ولكي يأتي نقدنا كاملا لا بد من أن نشير إلى الحكومة العمالية التي ينتمي إليها اللورد باسفيلد (سيدني ويب) رفضت في ذلك الوقت إعطاء تأشيرة إلى انجلترا لمؤلف هذا الكتاب. وكان المستر سيدني ويب الذي كان لا يزال يؤلف كتابه في ذلك الوقت يدافع هكذا عن الاتحاد السوفياتي في مجال النظرية، ويدافع عن إمبراطورية صاحب الجلالة البريطاني في المجال العملي. ومما يشرفه أيضا أنه بقي أمينا مع نفسه في كلتا الحالتين.
فبالنسبة للكثير من البرجوازيين الصغار الذين لا يملكون ريشة ولا فرشاة، تعتبر “الصداقة” الرسمية المرتبطة بالاتحاد السوفياتي نوعا من الإقرار بالمشاركة في المصالح المعنوية العليا… فالانتماء إلى الجمعيات الماسونية أو إلى النوادي السلمية مماثل إلى حد ما للانضمام إلى جمعيات أصدقاء الاتحاد السوفياتي، لأن هذا الانضمام يسمح للمنضمين بأن يعيشوا حياتين: الأولى حياة عادية تقع في دائرة المصالح اليومية، والثانية أرفع مستوى من الحياة الأولى. “والأصدقاء” يزورون موسكو من آن لآخر، ويأخذون علما بعدد الجرارات وبرياض الأطفال وبالاستعراضات وبالرواد وبالمظليين، وباختصار، بكل شيء، ما عدا وجود أرستقراطية جديدة. وأفضل هؤلاء الأصدقاء يغمضون العينين عن هذه الأخطاء بدافع النفور والاشمئزاز من المجتمع الرأسمالي. ولقد اعترف بذلك أندريه جيد بصراحة حينما قال: “إنها حقا لحماقة وقلة شرف تلك الهجمات الموجهة ضد الاتحاد السوفياتي، التي تجعلنا اليوم ندافع عنه بعناد”. إن حماقة الخصوم وانعدام الشرف لديهم لا يمكن أن يكونا مبررين لعمى يصيب أعيننا. فالجماهير على كل حال بحاجة لأصدقاء يرون بوضوح.
إن لاستلطاف أكبر عدد من البرجوازيين الراديكاليين، والراديكاليين – الاشتراكيين، لحكام الاتحاد السوفياتي أسباب هامة. فبالرغم من اختلاف البرامج، يتفوق بين السياسيين المحترفين أولائك الذين يمسكون “بنجاح” تحقق أو يسهل تحقيقه. إننا أجد على سطح كوكبنا من الإصلاحيين أكثر بكثير مما نجد من الثوريين، ومن الانتهازيين أكثر مما نجد من ذوي الصلابة والمبدأ. ونحن نحتاج إلى عهود تاريخية استثنائية حتى يخرج الثوريون من عزلتهم ويصبح شكل الإصلاحيين كالأسماك التي أخرجت من الماء. ولا يوجد في البيروقراطية السوفياتية الحالية شخص واحد لم يعتبر في نيسان/ أبريل 1917، وحتى بعد هذا التاريخ، فكرة ديكتاتورية البروليتاريا في روسيا شيئا آخر غير مجرد وهم وجنون. (وكان هذا الوهم يوصف آنذاك ﺒ… “التروتسكية”). إن “الأصدقاء الأجانب للاتحاد السوفياتي، أولائك الذين ينتمون إلى جيل الأصدقاء الأوائل ظلوا خلال عشرات السنين يعتبرون المناشفة الروس سياسيين “واقعيين” لأنهم دعاة جبهة شعبية مع الليبراليين ويرفضون الديكتاتورية البروليتارية كجنون مؤكد. إنه لشيء آخر الاعتراف بديكتاتورية البروليتاريا بعد أن تكون تحققت، لا بل شوهتها البيروقراطية. فهنا نجد أن “الأصدقاء” كانوا حقا على مستوى الأحداث، فهم لم يقتصروا على إعطاء الدولة السوفياتية حقها، بل ادعوا الدفاع عنها ضد أعدائها. والحقيقة أنهم يدافعون عنها ضد من يهيئون لمستقبل مزدهر لها، لا ضد من يشدونها إلى الوراء. فهل هؤلاء “الأصدقاء” وطنيون فعالون كالإصلاحيين الانجليز والفرنسيين والبلجيكيين وآخرين غيرهم ؟ من السهل عليهم إذ ذاك تبرير تحالفهم مع البرجوازية مدعين الدفاع عن الاتحاد السوفياتي ؟ أم هم على العكس انهزاميون رغم أنوفهم كالاشتراكيين الوطنيين في ألمانيا والنمسا بالأمس ؟ إنهم يأملون في هذه الحالة، أن يساعدهم التحالف بين فرنسا والاتحاد السوفياتي في القضاء على هتلر وشوسينغ53. فليون بلوم الذي كان خصم البلشفية في عهدها البطولي وكرس صفحات صحيفة “الشعبي” للهجوم على الاتحاد السوفياتي لم يعد يطبع سطرا واحدا عن جرائم البيروقراطية السوفياتية. لقد كان موسى يجن شوقا لرؤية الوجه الإلهي ولكنه لم يستطع إلا أن يسجد أمام ظهر الإله. والإصلاحيون الذين يعبدون الأمر الواقع عاجزون عن رؤية أي شيء في الثورة سوى مؤخرتها البيروقراطية الغليظة.
إن القادة الشيوعيين الحاليين ينتمون في الواقع إلى النموذج ذاته من الرجال؛ فهم بعد كثير من التذبذب والتقلب اكتشفوا فجأة محاسن الانتهازية فارتدوا إليها مع كل طراوة الجهل الذي طبعهم بطابعه كل الأوقات. إن خنوعهم تجاه قادة الكرملين، هذا الخنوع غير المجرد من المصلحة يكفي ليجردهم من كل مبادرة ثورية. فهم في الوقت الذي يردون فيه على حجج النقد بالعواء والزئير، نراهم يظهرون إشارات الرضى إذا لوّح لهم معلمهم بالسوط. إن هؤلاء الناس المنفرين، الذين يشردون تحت كل الآفاق عند أول خطر يبدو لهم، يتهموننا بأننا “أرذال مضادون للثورة”. فماذا نعمل ؟ إن التاريخ لا يخلوا من الهرجات بالرغم من قسوته.
أما أكثر “الأصدقاء” تبصرا فهم يعترفون، في الحوار الفردي على الأقل، بأن هناك بقعا على الشمس السوفياتية، ولكن باستخدامهم التحليل الحتمي مكان الجدل الديالكتيكي يعزون أنفسهم بالقول بأن بعض الفساد البيروقراطي أمر محتوم ولا يمكن تجنبه. فليكن !… ولكن مقاومة الانحراف أمر محتوم أيضا وللضرورة طرفان: الطرف الرجعي والطرف التقدمي. وقد علـَّمنا التاريخ أن الرجال والأحزاب الذين يطالبون بهذه الضرورة باتجاهات معاكسة ينتهون بأن يجدوا أنفسهم على طرفي الحاجز.
الحجة الأخيرة “للأصدقاء” هي أن الرجعيين يستغلون المقالات النقدية الموجهة للنظام السوفياتي، وهذا موضوع لا يمكن إنكاره. وقد يحاولون حقا استغلال هذا الكتاب. ولقد ذكر البيان الشيوعي باحتقار أن الرجعية الإقطاعية حاولت استغلال النقد الاشتراكي ضد الليبرالية. وقد سارت الاشتراكية الثورية على الطرق ذاته، ونحن سنسير في طريقنا. وقد تتوصل الصحافة الشيوعية من دون شك إلى القول بأن نقدنا يهيئ لتدخل مسلح ضد الاتحاد السوفياتي ! وهذا معناه بالطبع أن الحكومات الرأسمالية عندما تقرأ في مؤلفاتنا ما آل إليه الوضع في الاتحاد السوفياتي في ظل البيروقراطية ستبادر فورا إلى معاقبتها لأنها بعملها هذا داست مبادئ أوكتوبر بأقدامها ؟ إن مجادلي الأممية الثالثة لا يستخدمون السيف بل العصا أو أسلحة أقل حدة. والحقيقة هي أن النقد الماركسي الحقيقي الذي يسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية لا يستطيع في النهاية إلا أن يؤكد الرصيد المحافظ للدبلوماسية السوفياتية الحالية في نظر البرجوازية.
ولكن الوضع مختلف كل الاختلاف فيما يتعلق بالطبقة العاملة والأنصار المخلصين للثورة من بين المثقفين. وهنا فإن عملنا قد يولد في الواقع شكوكا ويسبب حذرا، ولكن لا ضد الثورة، بل ضد أولائك الذين يخنقونها. وهذا هو الهدف الذي رسمناه لكتابنا. ذلك أن الحقيقة، لا الكذب، هي محرك التقدم.
- 1. الموجيك: الفلاح الروسي. (المعرب) ↩︎
- 2. كان ممثل المعارضة اليسارية انذاك مؤلف هذا الكتاب نفسه. ↩︎
- 3. المقصود هو تروتسكي نفسه.
↩︎ - 4. وحدة العملة في الاتحاد السوفييتي من 1922 إلى 1924. وهي عملة ثابتة برزت بعد أن انخفضت قيمة الروبل انخفاضا كبيرا. (المعرب)
↩︎ - 5. البود: وحدة قياس قديمة تعادل 16,800 كلغ. (المعرب) ↩︎
- الماندرين هو التسمية التي كانت تطلق على الموظفين الكبار في الصين القديمة. ↩︎
- الساموراي محارب ياباني من العصر الإقطاعي. (المعرب) ↩︎
- الستاخانوفي: اسم يطلق في الاتحاد السوفياتي على العالم الذي يدفع الإنتاج إلى الأمام بدوافع وحوافز معنوية أكثر منها مادية. والاسم مشتق من استاخانوف وهو عامل في مناجم الفحم الحجري، استطاع عام 1935 تنظيم العمل في المنجم بحيث يستفيد من كل لحظة وكل حركة بغية زيادة الإنتاج. (المعرب) ↩︎
- ارستقراطيي الكولخوزات: يقصد بهم المدراء والفنيين والكتبة… الخ وكل من لا يعملون بالأرض في الكولخوزات ويستفيدون مع ذلك من خيراتها. (المعرب) ↩︎
- الترميدوريين: نسبة إلى أحداث 9 تيرميدور عام 2 الجمهوري (وتيرميدور هو الشهر الحادي عشر من العام الجمهوري ويقابل من 20 يوليو، تموز، حتى 18 أغسطس، آب من العام الميلادي). ففي هذا اليوم الموافق 27 يوليو، تموز 1794 سقط حكم روبسبيير في فرنسا على يد الردة البرجوازية. ويقصد بهذا التعبير كل ردة رجعية في سياق ثورة. ↩︎
- في اللغة الروسية كما في اللغة الفرنسية والألمانية طريقتان للمخاطبة، إحداهما بالجمع للدلالة على الاحترام والأخرى بالمفرد وتستخدم لرفع التكليف بين الأفراد المتآلفين. ↩︎
- ياجودا هنري فريفوريفيتش (1891 – 1938) سياسي سوفياتي عضو في الحزب البلشفي منذ عام 1908. أصبح بعد ثورة أوكتوبر 1917 أحد رؤساء البوليس السياسي ثم مفوضا للشعب في الأمور الداخلية 1934–1936. وفي عام 1937 اتهم بتدبير مؤامرة بالتعاون مع بوخارين وأعدم. ↩︎
- لقد آثرت ترجمة كلمة Caste بفئة مغلقة. والكلمة مرجعها نظام الطوائف الاجتماعية المنغلق، المتميز اجتماعيا. ↩︎
- زعماء نقابيين غربيين. ↩︎
- بذلة سوداء رسمية. ↩︎
- جرى إلغاء هذا القانون مذ ذاك. ↩︎
- كتاب تبسيطي عن الشيوعية، كتبه بوخارين وبريوبراجنسكي في السنوات الأولى للثورة. ↩︎
- ويقصد بذلك وصية من وصايا الله العشر وهي “لا تزن”. ↩︎
- الوصية الخامسة من وصايا الله العشر وهي “أكرم أباك وأمك”. ↩︎
- نسبة للفيلسوف اليوناني أبيقور الذي كان يدعو للتمتع بالحياة ولذائذها. ↩︎
- الزيمستفو: يمكن تسميتها “مجلس المقاطعة”. أنشأت في عام 1864 وكانت صلاحيتها محصورة بالقضايا الاقتصادية المحلية الصرفة (مستشفيات – طرقات – إحصاء) وبعد ثورة أوكتوبر تم تحويلها لتكون مؤسسات للحكم الذاتي. ↩︎
- لم تنشر هذه الوثائق في الاتحاد السوفياتي إلا عام 1956 أي ثلاث سنوات بعد موت ستالين. ↩︎
- نسبة إلى روسيا ↩︎
- الإستشهادات من كتاب تروتسكي “الأدب والثورة”. ↩︎
- يقصد بالزعيم هنا “ستالين”. ↩︎
- حل ستالين الأممية الشيوعية في عام 1943. ↩︎
- الجمهورية الثالثة الفرنسية. وهي الجمهورية التي بدأت عام 1870 وانتهت عام 1940. ↩︎
- لورد كورزون جورج ناتانيل (1859 – 1925) سياسي انجليزي، وزير الخارجية من 1919 حتى 1923 وهو الذي خطط في 1919 الحدود الشرقية لبولونيا وهي الحدود الحالية ذاتها تقريبا. ↩︎
- تشيتشرين جورج فاسيليفتش (1872– 1936) سياسي روسي وديبلوماسي كان منشفيا في عام 1905 وطرد من روسيا عام 1908 ثم عاد إليها عام 1917 وانضم للبلاشفة. مساعد تروتسكي عندما كان مفوض الشعب للخارجية ثم حل مكانه. ↩︎
- جمهورية منغوليا الشعبية وتشمل إقليم منغوليا الخارجية. وهي جمهورية مستقلة منذ 1921. ↩︎
- ليتفينوف مكسيم مكسيموفيتش (1876 – 1951) سياسي روسي. مفوض الشعب للشؤون الخارجية من 1930 إلى 1939، وسفير الاتحاد السوفياتي في الولايات المتحدة من 1941 إلى 1943. ↩︎
- لافال، بيير (1883 – 1945) ، سياسي فرنسي، ترأس حكومة فيشي (1942 – 1944) ثم أعدم بتهمة الخيانة العظمى. ↩︎
- لويد جورج دايفد (1863 – 1945) سياسي انجليزي، زعيم الأحرار. كان خلال الحرب العالمية الأولى وزير التسليح ثم رئيسا للوزارة. لعب دورا هاما في مباحثات معاهدة جنيف. كما كان من كبار منظمي التدخل ضد السلطة السوفياتية وضرب الحصار على روسيا السوفياتية. ↩︎
- كان ذلك في عام 1920. ↩︎
- سوفوروف الكسندر (1729 – 1800) جنرال روسي ولد في موسكو، قام بسحق الثورة البولونية وحارب ضد جيوش الثورة الايطالية. ↩︎
- توخاتشيفسكي ميخائيل (1893 – 1937) مارشال سوفياتي. قاد جيشا ضد البولنيين في 1920 ثم عين رئيسا للأركان العامة. وكان في الحقيقة من مؤسسي الجيش الأحمر. اتهم بالخيانة وأعدم رميا بالرصاص. ↩︎
- كان تروتسكي في ذلك الحين مفوض الشعب لشؤون الحرب ورئيس المجلس الأعلى للحرب. ↩︎
- تروتسكي بالذات. ↩︎
- فرونتزه ميخائيل (1885 – 1925) سياسي سوفياتي استلم مناصب عسكرية هامة وكان أحد منظمي الجيش الأحمر. أظهر براعة في محاربة الروس البيض في عام 1919 – 1920. ↩︎
- في عام 1913 كان النبلاء يشكلون نسبة 89 بالمئة من الجنرالات الروس و72 بالمئة من ضباط الأركان و50 بالمئة من الضباط القادة. أما بقية الضباط فكانوا من الطبقة البرجوازية. ↩︎
- تروتسكي ↩︎
- تروتسكي مؤلف الكتاب ↩︎
- عام 1959، جرى حل محطات الجرارات والآلات، وبيعت هذه للكولخوزات. ↩︎
- الداخليون: العناصر التي تعيش ضمن النظام الداخلي فتأكل وتشرب وتبيت في مؤسسات الدولة. ↩︎
- نستخدم تعبير الدولتية مقابل الكلمة الفرنسية Etatisme أو نزعة تدخل الدولة ↩︎
- الدولة المهنية: هي الدولة التي يقوم نظامها على تجمعات نقابية فاشستية. ويرمز إليها أيضا بالدولة النقابية أو الحرفية القائمة على تجمعات غير متجانسة. ↩︎
- إن بوخارين وياجودا وكامينيف وبيلاكون ورادك وراكوفسكي وريكوف وسوسنوفسكي وتوخاشفسكي وزينوفييف – لكي نقتصر على أسماء خصوم لتروتسكي ورد ذكرهم في هذا الكتاب – تم إعدامهم أو ماتوا في المنفى. أما اورجونيكيدزي وتومسكي فقد انتحرا. ↩︎
- كيروف سيرغي ميرونوفيتش كوستريكوف (1886 – 1934) سياسي سوفياتي، وصديق ستالين. غدا سكرتير الحزب في ليننغراد عام 1926. كان مكروها من أعداء النظام فتم اغتياله عام 1934 واتهم بذلك التروتسكيون مما أدى إلى عمليات تطهير عنيفة. ↩︎
- إشارة إلى المحاكمة الأولى في عام 1925. إن اغتيال كيروف سوف يؤدي أيضا فيما بعد إلى افتتاح “محاكمات موسكو” المشهورة. ↩︎
- أسسها تروتسكي عام 1938 ↩︎
- فولمار جورج هنري (1850 – 1922) سياسي ألماني رئيس المؤتمر الاشتراكي العالمي بباريس عام 1889. ↩︎
- الشارتية (العرائضية) حركة جماهيرية ثورية للعمال الانجليز. نشأت لدى اشتداد سوء الأوضاع الاقتصادية والحرمان من الحقوق السياسية. بدأت الحركة في أواخر العقد الرابع باجتماعات ومظاهرات ضخمة واستمرت متقطعة حتى أوائل العقد السادس من القرن التاسع عشر. ↩︎
- كورت ادوارد فون شوسينغ، رجل دولة نمساوي ولد في ريفا عام 1797 وأصبح مستشارا للنمسا عام 1934، لم يستطع منع ضم النمسا لألمانيا، سجنه هتلر. ↩︎

