الخط الأمامي
هل أصبحت القاعدة ثقافة مجتمعية؟
يسار حمص
لم تشهد المنطقة العربية خراباً لاقتصادها وبناها التحتية كما تشهده منذ ثلاث سنوات. فبالنسبة لسوريا فقد كشف تقرير لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” أن خسائر الاقتصاد السوري تقدر بنحو 84.4 بليون دولار خلال العامين الأولين فقط، وأن اقتصاد سوريا سيستغرق نحو 30 عاماً للعودة إلى المستوى الذي كان عليه في 2010. كما كشف عن خسارة نحو 2.33 مليون وظيفة، مما يعني أن نصف القوى العاملة عاطلة عن العمل، وأكثر من نصف السكان يعيشون في فقر. هذا عدا عن الخسائر في البنى للتحتية والتي قدرها خبراء بأكثر من 120 مليار دولار. أما بالنسبة لليبيا فقد قدرت الخسائر النفطية بحوالي 140 مليار دولار يومياً. في العراق بلغت الخسائر في مصفاة بيجي وحدها حوالي 25 مليار دولار. أما مصر فقد تكبدت خسائر اقتصادية قدرت ما بين 9.24 – 16.8 مليار دولار. خسائر اقتصادية بأرقام مهولة تطالعنا بها تقارير دولية ومحلية، لكن الخطر الأكبر الذي يتهدد المنطقة هو في الحقيقة –برأيي- أكبر من أرقام وإحصائيات تجريدية. إن مراقبة شاملة موضوعية لمجمل التطورات التي جرت في المنطقة منذ مطلع القرن الماضي وحتى اليوم تدفعنا إلى الى التفكير ملياً بسؤال جوهري: هل جاءت داعش وأشباهها في إطار خارج عن سياق التطور التاريخي للمنطقة؟ وللإجابة على ذلك سأعمد إلى إجراء مراجعة سريعة لحقبة مهمة من تاريخ عالمنا العربي كي نتعرف على تطور الفكر ودور الأنظمة في ذلك.
تطور في ثقافة المجتمع:
إن العلاقة بين الحركة الوطنية والدينية (أو القومية) بدت لنا وبشكل عملاتي -أكثر منه نظري- تأخذ طابعاً عكسياً، فمنذ عقود تشهد الحركة الوطنية تراجعاً ملحوظاً، مقابل تصاعد التيار الديني، أو الخطاب المبني على أسس دينية. ولربما كان الممهد لذلك “قومياً”.
وأود أن أستذكر بوجيز القول، أنه حينما اجتاحت الميليشيات الصهيونية الأراضي الفلسطينية، وبدأت بحملاتها العسكرية لاقتطاع الأراضي وضمها إلى نفوذها، كان واضحاً تعاطف دول وشعوب المنطقة مع قضية الشعب الفلسطيني والتضامن معها. وقد أخذ هذا التضامن طابعاً قومياً عروبياً في البداية، ثم ما لبث أن انزلق إلى طابع ديني، وتم توصيف المعركة بوصفها حرباً مقدسة لتحرير القدس. ولعل هذا من خصائص الحركتين القومية والدينية، فكلاً من النزعتين يعتبر -وفقاً للتحليل السيكولوجي- من “الروابط الأولية” التي تؤسس كيان مجتمع ما (في دول العالم الثالث خاصة). والتي يسهل التنقل فيما بين هذه الروابط لحل معضلة جوهرية لدى المجتمعات البشرية ألا وهي “عجز” الإنسان والتي بحاجة إلى إشباع لتحقيق “الأمان”. إن الفشل التدريجي للحركة القومية التي تنطلق من تفسيرها للصراع كحرب (عربية-صهيونية) قد جاء متزامناً مع نجاح خطاب الحركة الدينية في الوصول إلى القاعدة الشعبية وهو الذي يوصف الصراع كحرب (إسلامية-يهودية).
إن النظام الشمولي يسعى دائماً إلى تجهيل الشعب كوسيلة للسيطرة عليه والاستمرار في الحكم والنهب وكسب مزيد من الامتيازات. لكن تزايد الضغوط الاقتصادية على الطبقات الدنيا قد يدفعها للتحرك، وهذا ما تدركه الطبقات العليا المنتفعة والمكوّنة للنظام فتسارع بإغراق المجتمع بدفعة جديدة من الخطاب البراغماتي، يساعدها في ذلك أولاً امتلاكها لوسائل الإعلام، وثانياً استحواذها على وسائل الإنتاج وثالثاً ارتباط مصالح الرأسماليات ببعضها، وخاصة تبعية رأسماليات دول العالم الثالث لتلك العالمية. إن الطبقات الدنيا تصبح رهينة لخطاب السلطة، ومهما حاول البعض “تثويرها” فإن ذلك لن يجدِ في ظل نظام شمولي دون ظروف موضوعية مناسبة.
وانطلاقاً من ذلك، حاولت الأنظمة العربية استغلال كل ما يمكن تصنيفه ضمن خانة “الروابط الأولية” لشعوبها، واستثمارها في خدمة مشروعها المرتهن لمشاريع كبرى. فكانت القومية العروبية (البعث) والكردية (حكومة إقليم كردستان الوليدة)، وكان الإسلام السياسي (السعودية وقطر). إن شعوب المنطقة وقبيل الثورات العربية قد وصلت إلى حالة من العجز واللا جدوى دفعتها إلى التفجر، وهو ما قد تم إغفاله من قبل بعض المحللين. لم تعد الأيديولوجيات السائدة وخطابات السلطة تفعل أثرها السابق، لقد وصلت الرأسماليات العربية إلى مرحلة لم تعد فيها قادرة على استثمار النزعات البدائية المغروسة في عقل المجتمع –ككل- لإخماد الغليان الشعبي. إن البعض انطلقوا في تحليلهم للثورات العربية بأنها قد جاءت كـ “صفعة” مفاجئة لم تكن تتوقعها الأنظمة، ولكن في الحقيقة أنهم وحدهم من لم يتوقعوها (وأنا منهم).
في سوريا، أخذت وتيرة النزعة الاحتجاجية بالتصاعد منذ وفاة حافظ الأسد. ولن أطيل الحديث عن ذلك لكثرة من سبقني، لكن عموماً انتشرت المنتديات الاجتماعية والسياسية، ارتفعت أصوات -من داخل البلاد- تدعو صراحة إلى تغيير شامل في بنية النظام، وتطالب بفتح باب الترشح، وإجراء انتخابات ديمقراطية، والسماح بتشكيل الأحزاب، هذا عدا عن مطالب بسيطة-جوهرية كمكافحة الفساد. وبالطبع جاءت الاحتجاجات الكردية عام 2005 تتويجاً للغليان الشعبي الباطني. لقد كان رد النظام على كل هذه التقلبات هزيلاً، ويسعى إلى تمكين سلطته بشكل أساسي. ولكن رغم ذلك، فقد حاول تسويق نفسه كداع للإصلاح والتطوير ولمزيد من الانفتاح والحريات الفكرية.
واتبع سيناريوهين اثنين:
• النشاط الثقافي الموجّه: نرى ذلك خصوصاً في المسرح الهجين العاجز الذي قادته مجموعة “المهندسين المتحدين” بقيادة همام حوت. حاول النظام تسويق نفسه من خلالها كحام للمقاومة ومناهض للقوى المعادية الطامعة بخيرات المنطقة من ناحية، ومنفتح لتقبل الآراء المعارضة من ناحية أخرى. لقد فضّل النظام أن يتم ذلك تحت إشرافه وبتوجيهاته. إن الهدف الحقيقي غير المباشر من وراء ذلك هو تأكيد فكرة أن: النظام فاسد وناهب لخيرات البلاد، لكن التهديدات الأمريكية لسوريا تضع الوقوف إلى جانب النظام والتكاتف مع القيادة أولويةً وواجباً وطنياً وقومياً لدحر المخطط الكبير الذي يحاك للمنطقة (مخطط الشرق الأوسط الجديد).
• الإسلام السياسي: لقد كان مؤلَّف الشيخ أحمد سعيد رمضان البوطي المعنون باسم “السلفية: مرحلة تاريخية مباركة لا مذهب إسلامي” تجسيداً لخطاب سلطةٍ أدركت اقتراب “الكارثة” الوشيك. لقد تم التضييق على معظم المفكرين العلمانيين، وتم إعادة تفعيل مادة ازدراء الأديان وملاحقة الكثيرين تحت بندها. ضيقت السلطة على نبيل فياض بسبب كتاباته اللادينية، ودعمت الشيخ البوطي في حربه الكلامية التي استعرت بينه وبين فياض. تم مصادرة بعض مؤلفات المفكر فراس السواح لفترة وجيزة. وحتى مؤلفات ستيفن هاوكينغ قد تم سحبها من مكتبة الأسد لفترة. وبعبارة موجزة: لقد أصبح الخطاب الديني هو الخطاب الذي يتناسب مع فكر الطبقات الدنيا. لقد أصبح “ثقافة مجتمعية”. ولم تستغله الأنظمة فحسب، بل وجدت نفسها مضطرة إلى التماهي معه ومجاراته وأخيراً تعزيزه. نقطة انعطاف – ثورات لا أيديولوجية: منذ انطلاق ثورة تونس كان واضحاً لا أيديولوجية الثورات، ولا مركزيتها. لا شيء يجمع الجماهير المندفعة سوى كوابت دفينة في أعماقها، متجذرة لعقود طوال. كيساريين نردها إلى عوامل اقتصادية بصورة أساسية. زملاؤنا الليبراليون قد يردونها إلى القمع السياسي وعدم توفر الحريات العامة. الإسلاميون يردونها إلى “ابتعاد الأنظمة عن الإسلام”. وأنا سأسمح لنفسي بالقول بأن كل ما سبق صحيح وأساسي.
• الحالة الاقتصادية: في سوريا، ازدادت الضغوط على الفلاحين حيث تم إهمال القطاع الزراعي واتُبعت سياسة واضحة لتهجير الفلاحين وجذبهم للعمل في القطاعين الصناعي والخدمي، وأحياناً العسكري. في حين كانت الضغوط على الموظفين تزداد من ناحية الأجر الذي لم يكن يكف الاحتياجات الأساسية للمعيشة؛ لقد كانت الأجور تتبع لمعايير محلية، في حين أن الأسعار كانت تتبع لسعر صرف الدولار. إن الأعباء الملقاة على عاتق الطبقة الوسطى كانت متمثلة باحتكار الفئات المقربة من القصر الجمهوري (المعنى مجازي) لرأس المال، فلم تجد هذه الطبقة من وسيلة للاستثمار إلا بعد “رضا المسئولين”. ولم تتمكن سوى قلة قليلة من مجاراة إمكانات ونفوذ الرأسماليين الكبار، في حين كانت الأغلبية تتقهقر وتنحدر.
• انعدام الحريات: كانت المنطقة مغرقة في فردانية الحاكم/الحزب، في حين كان العالم الغربي تسوده الحرية كأساس لمختلف جوانب الحياة. والاحتكاك به كان يفضي إلى نمو وعي شعبي بضرورة مجاراته.
• الابتعاد عن الإسلام: لقد كان الإسلام المجتمعي قبيل الثورات -وحتى بعدها- مختلف بشكل تام عن إسلام السلطة (أو حتى ممثلي الثورة السياسيين حالياً). وأضيف بأن غياب الوعي السياسي “الثوري” بين شعوبٍ عاشت لعقود على هامش التاريخ البشري كان عاملاً أساسياً لظهور مثل هذه الثورات اللامركزية.
الفكر القاعدي ثقافة المرحلة:
وضعتُ السرد السابق كي أمهد القارئ لما سأطرحه في هذه الفقرة. الاستراتيجيات التي اتبعتها الأنظمة العربية قد مهدت الطريق لكل ما ظهر تالياً بعد الثورات. إن الثورة سيكولوجياً هي تحطيم للنظام الاجتماعي وبُناه، والتي كونت أساساً العقل الجمعي. وهذا في إطاره العام قد يدفع الفئات المتضررة للتحرك عندما تصل إلى نقطة “الذروة/اللا عودة”. لكن بدراسة مبسطة لبنية ثورات الربيع العربي، نجد -وبحكم بنية الجماهير المنتفضة- أن جلّها من الطبقة الوسطى. وبصفة عامة فإن هذه الطبقة تهتم جداً بالحفاظ على النظام الاجتماعي، وهذا ما قد يدفعها (إن وجدت ظروفاً مناسبة) إلى التراجع متطلعة إلى مزايا الدفاع “ضد” مطالب الفقراء. إن وضع الطبقة الوسطى بين الشديدي الغنى والشديدي الفقر يجعل رد فعلها معقداً ومتناقضاً بطرق عديدة. إن لديها مطالب تكوّنت نتيجة الضغوط المفروضة عليها، لكنها بذات الوقت تريد التمسك بالقانون والنظام، ومع هذا كانت (ولا زالت) معرضة للتهديد بشكل خطير من جانب الرأسمالية المسيطرة. إن الظواهر التكفيرية التي أخذت بالصعود منذ أواخر عام 2011 هي بالضرورة إحدى إفرازات المعالجة الخاطئة من قبل الأنظمة وكذلك من قبل المجتمع الدولي، وهي أيضاً إحدى نتاج ترسبات الكبت السابق، وتطويرٌ له. إن موروث المنطقة الديني قد شكّل ملجأ هاماً للشعوب هرباً من حالة اللاجدوى ، وهي الحالة التي عاشتها شعوب أوربا قُبيل وخلال عصر الإصلاح الديني. الآن، وبلحظة خروج أول مظاهرة في درعا، بدأت بنية النظام الاجتماعي بالتضعضع، واستمرت على هذا المنوال إلى الوقت الذي عمت فيه المظاهرات معظم مدن القطر. لقد فُصمت الروابط السابقة، وبدأت بنية جديدة من الروابط تتغلغل في المجتمع، وقد وجدت منفذاً لكي تطفو على السطح (تدريجياً) منذ أن أطلقت قوى الأمن أول رصاصة على صدر أول شهيد.
وقد نتج عن ذلك بعد أكثر من ثلاث سنوات حالتين رئيسيتين:
• بعض الفئات وجدت بالتمسك بالنظام (هنا بمعنى القانون أو العرف) منجاة لها من حالة الضياع الفكري، الذي هو بمفهوم معاصر الحاجة الأساسية، والمحرك الأساسي للدوافع.
• بعض الفئات قد ذهبت إلى أبعد قدر ممكن في كسر بنية النظام السابق، ومنها نشأت الجماعات المؤيدة لداعش وشبيهاتها.
ونحن مع تقدم الزمن والأحداث نلاحظ تضخماً لافتاً لهاتين الفئتين على حساب الفئات الهامشية(أو بالأحرى التي أصبحت هامشية):
إن كثيراً ممن خرجوا في المظاهرات الأولى قد تحوّل همهم الأول إلى “الأمان، الغذاء، الحفاظ على الدخل…” وأصبحت مطالب الثورة التي آمنوا بها مطالب بعيدة المنال، أو حتى رومنتيكية غير واقعية مؤجَّلة. وبالطبع، فهؤلاء لم يعودوا إلى “حضن الوطن” كما قد يرغب إعلام النظام بتصويرهم، ولكن موقفهم نتيجةٌ لحال فرض عليهم. من ناحية أخرى، لا شك أن معظم الشعب السوري (المعارض منه أو الموالي) يعتبر داعش منظمة إرهابية عدوّة. ولكنّا، نلاحظ بأن الكثير ممن يحتسبون على الثورة لا يجدون غضاضةً من تأييد جهات أخرى لا تختلف –مبدئياً- عن داعش كجبهة النصرة أو جيش المجاهدين. فخلافهم معها ينطلق أساساً من “تصرفاتها وآلية عملها”، ولكنهم يتبعون المنهج الفكري العام ذاته، كما أن تطلعاتهم السياسية-الاقتصادية لا تختلف عنها، وحتى الاستراتيجية العسكرية التي يفضلونها لا تختلف “آلياً” عن داعش إلا بهوية المتعرّضين للانتهاك (الهوية الطائفية) والأماكن المعتدى عليها.
ولا ننسى العامل الأهم: إن شكل الدولة التي يطرحها هؤلاء لا يخرج عن إطار “الخلافة الإسلامية” (ربما خلافهم هو على هوية الخليفة فقط!). كذلك الأمر بالنسبة للفئات الموالية للنظام فنجدها تعارض وتدعو للقضاء على كل التطرف الموجود في صفوف (من يحسبون) على الثورة، ولكنهم في ذات الوقت يؤيدون حزب الله بصفته “حزباً مقاوماً ومخلّصاً”. إن تبرير الفعل كان مسوغاً لكثير من الديكتاتوريين أو المنظمات الفاشية، إلا أننا نجد اليوم ما يمكن تسميته بـ “تبرير الفكر”، فـ “نحن اضطررنا لتبني فكر ما لأن الطرف الآخر قد تعامل معنا بوحشية”، أو “نحن نتحالف مع حزب الله كتحالف تكتيكي”، أو “نحن نجرم لأن الطرف الآخر أشد إجراماً منا”. فلقد اعتدنا مؤخراً سماع مثل هذه العبارات. استناداً لكل ما سبق يمكنني القول أن “القاعدة” لم تعد منظمة إرهابية، لقد أصبحت ثقافة مجتمعية آخذة بالنمو. وقد أسمح لنفسي بالقول إنها ستكون “ثقافة المرحلة” بكل ما للكلمة من معنى. وإن الأنظمة العربية لهي المتهمة الأولى بكل ما حدث ويحدث وسيحدث.
